محمود عزت.. حارس كهف الجماعة

5730
عدد القراءات

2018-04-23

في يوم شتائي ممطر من العام 1944، أنجب مقاول البناء الميسور الحال الحاج إبراهيم ولداً أسماه "السيد محمود"، عندما بلغ الرابعة من عمره ذهب إلى حي السكاكيني في العباسية ليقيم مع جده لأمه.

تربّى محمود على ثلاثية مختلفة، عما كان عليه الحال في منزل والده، كما كان يقول، لكنها ثلاثية متآلفة: "جده الذي يصلي الفجر ويتلو القرآن في خشوع وصوت عذب واضعاً على فمه ورقة من الكارتون حتى لا يتطاير الرذاذ من فمه على المصحف تقديساً له، ومعبد اليهود الذي كان يذهب إليه ليلهو في أعراسهم، ودير طور سيناء الذي كان يطل على نافذة شرفته فيشاهد الرهبان وهم يروون أشجارهم، وفي ذات البيت يعيش مع هذه الثلاثية أرمن وأقباط ويهود، الذين كانوا يتزاورون ويتهادون في الأعياد والمناسبات، ويخرجون مبكراً كي يسمعوا القرآن من فم جده الذي كانوا يزورونه عندما كان يمرض، لكن شيئاً جديداً طرأ على حياة الصغير فتأثّر به، واستوطن في وجدانه ليظل يبحث عنه حتى وجده فيما بعد".

في شارع محمد رفعت بالعباسية مرَّ الفتى محمود عزت أمام شعبة جماعة الإخوان المسلمين فدخلها هو وأولاد أخواله فانشغل معهم باللعب، وأثناء لهوه كانت تتطاير إلى أذنه أصوات دعاة الجماعة، لم يفهم كثيراً مما يُقال، لكنّهم أثّروا في وجدانه، فذهب ليستمع فرصده مسؤولو الأشبال في الجماعة، وتعرّفوا عليه فأحبهم وارتبط بهم، وجلس يسمع للدعاة واقفاً على قدميه ساعات طويلة.

تعود بداية ارتباطه بالجماعة عندما كان يلهو مع أقرانه أمام شعبة جماعة الإخوان بالعباسية

ذهب بعد أسبوع إلى ذات المكان لا ليلعب؛ بل ليستمع ويلتقي بمن أحبّهم، لكنّه لم يجد بغيته، كان عام 1954 قد أتى ومعه محنة للجماعة صدمت الجميع، فقد أصبح أصدقاء الأمس أعداء اليوم، لكن الفتى لم يعِ ما يحدث جيداً، فجلّ ما كان يسيطر عليه من خواطر أنّه فقد من أحب، ولم يبق له إلا ذكريات ذلك اللقاء الذي سكن قلبه.

في هذه الفترة شعر الكثيرون بالذعر، وشمل ذلك عائلة عزت؛ فالاعتقالات نالت نفراً منهم، ومُنع عزت من مجرد الذهاب إلى المسجد، ترسّبت هذه المشاهد في قاع ذاكرة الفتى وفي وجدانه.

مرت سنتان وجاء العدوان الثلاثي على مصر، وتجدّدت مشاعر الجهاد عند محمود؛ فالمجتمع المصري لا يعرف روحاً إلا الروح الإسلامية، والتي تتجلى في أوضح صورها عند الأزمات.

اعتلى عبد الناصر منبر الأزهر هاتفاً "الله أكبر"، ورددت الإذاعات الأناشيد "دع سمائي فسمائي محرقة"، لكن سرعان ما ذهبت هذه الروح وخرج الزعيم منتصراً، وكانت نشوة النصر قد أزاحت في انتعاشتها الروحَ الإسلامية، وفق فهم عزت الذي افتقد شعبة الإخوان، فظل ساكناً في انتظار اللحظة المواتية.

جاء العدوان الثلاثي على مصر، وتجدّدت مشاعر الجهاد عند محمود

صدمة "حبائل الشيطان"

في رحلة الانتظار ظهر الحاج إبراهيم عزت ليطلب من زوجته القديمة وأولادها الرحيل إلى مصر الجديدة بعدما تمكن من بناء عمارة سكنية هناك في وسط الحي الراقي الجديد الذي يضم خليطاً من أغنياء جدد، وبقايا باشاوات وعائلات عريقة.

ترك محمود بيت جده في العباسية العام 1960، ليقيم في الحي الراقي الجديد، لكنّه صدم بما رأى حيث قوله ذات مقابلة "نساء كاسيات عاريات تسير في الشوارع يرتدين ما يُسمى "الميكروجيب" وفتيان وفتيات يرقصون في أماكن عامة لا هوية تجمعهم إلا حبهم لكرة القدم".

كان منطوياً خجولاً، فلم يندمج مع المجتمع الجديد الطارئ عليه ففقد توازنه، ولم يستطع أن يحصل على الدرجة الكافية لدخوله كلية الطب، فقرر أن يحسم أمره ويهرب من مجتمعه الجديد ويرجع إلى بيت جده ليعيد الثانوية العامة مرة أخرى، وانكب على دراسته متحصناً بصلاته بعيداً عن "حبائل الشيطان".

خلية مصر الجديدة

حقق هدفه وانتقل إلى الجامعة طالباً في كلية الطب فوجد نفسه مصطدماً بمجتمع أكثر انفتاحاً وتنوعاً، لكنه لم يستطع أن يهرب هذه المرة، فلاذ إلى مصلى المسجد الصغير الذي لا تتعدى مساحته 4 أمتار مربعة، وحاول أن يغض بصره، وأن يتمتم بآياتٍ من القرآن عندما يرى "منكراً".

وهناك في مسجد الكلية الصغير تعرف إلى صلاح عبد الحق الذي أثّر فيه بقوة، ووصفه بأنّه كان مثالاً وقدوة، وخلف المشرحة؛ حيث تتناثر رائحة الفارمولين والجثث كان عدد المصلين لا يتجاوز أصابع اليد، صلوا هناك وقرؤوا القرآن، وبدؤوا يدعون الآخرين إلى الصلاة حتى اكتملت مجموعتهم 20 شخصاً.

بعد حادثة المنشية مُنع عزت من مجرد الذهاب إلى المسجد وترسّبت هذه الفترة الصعبة في ذاكرته

لقد ظلّ محمود أسير المشهد الذي وجده في شعبة الإخوان في شارع محمد رفعت، وفي العام 1962 كبرت المجموعة، وقذفت الأقدار في طريقهم بشاب جريء ومتحمس، وهو السوري الحموي مروان حديد -الذي قاد معركة حماة ضد نظام حافظ الأسد فيما بعد- كان حديد من الإخوان المسلمين الذين أفلتوا من رقابة الأجهزة الأمنية المصرية، وكان عزت توّاقاً للكتب الإسلامية فأهداه حديد بعض كتب سيد قطب ورسائل حسن البنا فقرأها بنهم، فوجد في رسائل البنا القواعد الكلية لرسالة الإسلام ولمهمة المسلمين، ووجد في كلام قطب العاطفة الجياشة وحب الإسلام، فامتزجت عنده العاطفة بالأصول الشرعية، وأثّرت فيه تأثيراً كبيراً.

صنع مروان حديد من هذه المجموعة خلية دون أن يعلموا هم بذلك، وأطلق عليها فيما بعد خلية مصر الجديدة، وسلمهم إلى رأس التنظيم قبل أن يغادر مصر إلى سوريا.

لقد سلّمهم إلى تاجر الغلال الدمياطي الشيخ عبد الفتاح إسماعيل- الذي أُعدم فيما بعد مع سيد قطب- فاعتقد عزت أنه بلقائه حديد وإسماعيل قد وجد الجماعة التي يبحث عنها، لكنه اكتشف بعد ذلك أنّ هذا التنظيم ليس إخوانياً. وفي 20  آب (أغسطس) 1962 حكم عليه بالسجن على خلفية انضمامه لهذه المجموعة، وأكثر ما أثر فيه خلال سجنه خبر إعدام سيد قطب.

بعد وفاة عبد الناصر جمعت الأجهزة الأمنية الإخوان من السجون ووضعتهم في "ليمان طره" لـ"استتابتهم"

في ليمان طره

بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر العام 1970، جمعت الأجهزة الأمنية الإخوان من السجون المتفرقة، ووضعتهم في "ليمان طره" لـ"استتابتهم"، وقاد هذه العمليات وقتها اللواء فؤاد علام، وشكلت هذه فرصة للإخوان للالتقاء في سجن واحد.

نشط الحاج مصطفى مشهور في هذه الفترة، واستطاع أن يجمع مجموعة كبيرة تجاوزت الـ50 فرداً من الإخوان في رباط واحد، كان عزت من كبار هذه المجموعة، فقد أحب مشهور، وأُعجب بتضحياته و"جهاده" في السجن، ورأى فيه الجماعة التي يبحث عنها، وخرج الاثنان معاً في أوائل السبعينيات.

ترك عزت بيت جده في العباسية العام 1960 ليقيم في مصر الجديدة التي صدمته بتحررها

ظل محمود مرتبطاً بمشهور، فقد عملا معاً، وكانا ابني منطقة إدارية واحدة (شرق القاهرة) التي كانت تخضع لمسؤولية مشهور في هذا التوقيت، وخرج عزت ليجد ظاهرة الصحوة الإسلامية في ذروتها، وشباب الجماعات يتحركون في كل مكان تحت أعين وبصر النظام، لكنه لم ير من ذلك مسلكاً قويماً وأفراداً منضبطين؛ "فالإخوان هم الجماعة الربانية المصطفاة الشاملة التي قيّضها الله على يد المجدّد حسن البنا لتعيد المجتمع على ما كان عليه النبي، صلى الله عليه وسلم"، فرأى من نشاط الشباب في هذا الوقت عملاً طيباً يجب أن يستفاد منه لصالح الدعوة، لكنه مارس الدعوة الفردية، ولم يندمج في العمل العام المفتوح.

في نهاية السبعينيات وجد السادات نفسه مكروهاً من الجميع. من يساريين وناصريين وجماعات إسلامية، لكنه شعر بالمرارة من الإخوان الذين قابلوا إحسانه بالإساءة. تلبّد الجو بالغيوم. لكن رجلين في الإخوان كان لديهما قدرة على استشعار ما وراء الأكمة. هما؛ مصطفى مشهور ومحمود عزت. شعرا أنّ الوضع قد ينفجر، وأن هناك فوضى سوف تقع؛ فهاجرا قبل "اعتقالات سبتمبر" 1981 بأيام، وهنا تنشط التفسيرات لتجيب عن سؤال: لماذا غادر الرجلان فجأة وبدون مقدمات وبدون رضا المرشد عمر التلمساني؟، ولماذا لم يخبرا أتباعهما في الميدان؟ لكن لا شك أنّ جميع التفسيرات لم تذهب إلى أنّ الرجلين قد هربا خوفاً، ولكن ثمة تفسير يرجّح أنّ الرجلين رأيا أن هناك شيئاً سيحدث، وأنّ التنظيم لم يكن بقوة كافية فذهبا ليستكملاه في الخارج

ساحة خالية للجماعة

في الخارج بدأ مشهور في بناء التنظيم الدولي ومعه محمود عزت، لكن هناك من تحدث أنّ مشهور كان يبني تنظيماً خاصاً موازياً لتنظيم التلمساني الذي تمددت فيه قيادات السبعينيات الذين التفوا حوله. وبانتهاء تداعيات حادثة المنصة التي أودت بحياة السادات في تشرين الأول (أكتوبر) 1981 خلت الساحة لإخوان مصر؛ فانطلقوا في ساحة شبه خالية من الجماعات الإسلامية تقريباً خلال فترة الثمانينيات، مما أتاح لهم فرصة عمل ذهبية تمكّن خلالها فريق العمل بقسم الطلاب والمهن من التمدد بالجامعات، واكتساب مقاعد الاتحادات الطلابية بالكامل تقريباً، وكذلك مقاعد مجالس أندية أعضاء هيئة التدريس.

عاد عزت في منتصف 1986 أثناء مرض التلمساني ليعمل في جامعة الزقازيق، وانهمك مع خيرت الشاطر في بناء شركة "سلسبيل"، وفي منتصف 1988 ولاّه مشهور مسؤولية أعضاء هيئة تدريس، وكانت جزءاً من قسم الطلاب وقتها الذي قيل إنّ قيادات السبعينيات أبعدت عنه عمداً كجزء من عملية منظمة لتحجيم حضورهم.

خيرت الشاطر

كنز "سلسبيل"

وفي العام 1992 هاجم ضباط أمن الدولة مقر الشركة، ووقع في يدهم كنز ثمين عبارة عن كشوفات بأسماء الإخوان في مصر وتراتبيتهم التنظيمية، ومعلومات مفصّلة عن الجماعة منذ خروجها من السجون وحتى تاريخ الهجوم على الشركة، وكانت "سلسبيل" قد أوكل لها القيام بجمع معلومات تفصيلية حول جميع الإخوان، وتسجيلها في بطاقات باسم كل عضو، كما قيل إنها صنفت الإخوان دينياً تبعاً لمواصفات خاصة، لكن القضية برمّتها لم تقدم للمحاكمة.

بعد "سلسبيل" مباشرة أجريت انتخابات داخلية قيل إن المايسترو فيها كان محمود عزت؛ حيث تمكّن بعد التحكم في مفاصل التنظيم من أن يطيح بأشخاص غير مرغوب فيهم، ولجأ إلى إحلال وتجديد لعناصر موالية له، كما استطاع أن يخلق مراكز أخرى لعناصر جديدة داخل التنظيم.

أثبت أنه عند وعده وبيعته لأستاذه مصطفى مشهور بأن يظل يحمي هذه الجماعة مادام حياً

وقبيل تولي مشهور في العام 1996 منصب المرشد تمدد عزت داخل التنظيم، واستطاع الفوز في انتخابات مجلس الشورى العام 1995، وقبض عليه إثر ذلك، وحكم عليه بخمس سنوات وخرج العام 2000. إنه أمين هذه الجماعة.

لقد أثبت أنه عند وعده وبيعته لأستاذه مصطفى مشهور بأن يظل يحمي هذه الجماعة ما دام حياً، فبدا أنه الرجل الأقوى حقاً الذي استطاع وفق ما يرى البعض أن يقصي رجلاً قوياً كان نائباً للمرشد .

وبعد إن اشتعلت ثورة 25 يناير 2011، عاد شبح النكبة يظل بعنقه من جديد، صارع عزت حتى لا يضيع حلم الجماعة في التمكين.

اختفى عزت بعد ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013 في مصر التي أطاحت بحكم الإخوان

أساطير عزت

صنع التنظيم من محمود عزت رمزاً يضفي عليه الهالة والجلال، فيرغب ويرهب به، فيصعب على المحلل المدقق، الباحث عن الحق والحقيقة، وضعه في نصابه وتقييمه بمقاييس محايدة.

اختفى عزت بعد ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013 في مصر التي أطاحت بحكم الإخوان، فلا يعرف أين هو، هل هو في داخل مصر أم خارجها؟ هل هو من يدير التنظيم أم هناك غيره؟ هل هو حقاً مسؤول عن كل تلك العمليات الإرهابية التي حدثت أم غيره؟

هناك من ذهب إلى أنّ عزت رغم قطبيّته لم يكن يرغب في انجرار جماعته للمسارات الدموية

ما إن تقع عملية إرهابية كبرى، حتى تتوجه أصابع الاتهام إليه ببياناته التحريضية خاصة بعد توليه القائم بأعمال مرشد الجماعة، حتى ظهر بعد ذلك محمد كمال، عضو مكتب الارشاد الذي لم يكن يتوقع أحد أن يكون مسؤولاً عن تشكيل خلايا وتنظيمات إرهابية منبثقة عن الإخوان.

هناك من ذهب إلى أنّ عزت مع قطبيّته إلا أنّه لم يكن يرغب في انجرار جماعته للمسارات الدموية، من باب الحفاظ عليها، وبقاء باب إمكانية عودتها جذعه.

لكن السؤال الحائر: أين ذهب هذا الرجل وما عساه يصنع الآن؟ وهل عاد ليزور شعبة الإخوان في العباسية متخفياً ليحدّث نفسه بعد أن ضاع كل شيء؟

اقرأ المزيد...

الوسوم: