التشكيلي عصام طنطاوي: مسافر زاده الخيال

صورة رشا سلامة
كاتبة وصحافية أردنية

200
عدد القراءات

2018-04-17

واضعاً نصب عينيه "العودة إلى الجذور" كما فعل إليكس هيلي، مضى عصام طنطاوي، في نهاية السبعينيات، نحو المنيا، وتحديداً بني مزار؛ ليقابل عائلته المصرية للمرة الأولى.

كان توفيق طنطاوي قد ارتحل عن مصر في الثلاثينيات؛ ليعمل في يافا، وليصبح عسكرياً في الجيش العربي، وليربط مصيره منذ ذلك الحين بمصير "شعب الخيام"؛ إذ شهد معهم النكبة فالنكسة، كما تزوج من امرأة فلسطينية أنجبت له "عصام" في القدس، إبان الخمسينيات.

يرفع طنطاوي فوق مكتبه، قناعاً أفريقياً ضخماً يمدّ لسانه في وجه العالم، تماماً كما يفعل هو

حكاية عصام طنطاوي الآنفة، جعلت هاجس الأمكنة يهيمن، ليس على لوحاته التي تتعاطى مع تفاصيل المدن بمبضع جراح فحسب؛ بل وبحالة "النوستالجيا" التي لا تنفك تلازمه حيال كل مدينة مكث فيها ولو لبعض الوقت. سيرحل المستمع لطنطاوي نحو بلاد عدة، يصحبه إليها من مدخل الذكريات. سيتحدث عن فلسطين التي غادرها يافعاً، والعراق التي يقف على شرفتها ليتأمل المدينة في عصرها الذهبي، والسعودية حيث عمل أعواماً في كبريات شركات التصميم الغرافيكي والدعاية والإعلان، ومصر حيث "بحر النيل" الذي أبحر فيه أياماً لم يكد يغفو خلالها؛ مخافة أن تفلت منه لحظة تأمل واحدة، وألمانيا حيث أقام معرضه الذي كان يبتسم خلاله بسخرية كلما قال له القائمون عليه إنّه كلاسيكي، فيما المتلقي العربي يراه مفرطاً في الحداثة، وروسيا وسويسرا وفرنسا والنمسا وغيرها من بلاد خبر أهلها وطبيعتها وفنونها وأصدقاء له فيها.

تغيب الوجوه عن جلّ لوحات طنطاوي

أسفار طنطاوي لا تنتهي، وتعلقه بالأمكنة لا يتوقف. يحمل كاميرته ويرتحل بين المدن الأردنية؛ ليرصد مشاهد جديدة فيها، وليسخرها كذخيرة جمالية لمشروع لوحاته الجديد. ينسج علاقات في تلك المدن مع الباعة وسائقي التاكسي وعابري الطريق، منصتا لحكاياتهم ورؤاهم حول جماليات المدن، ليعود إلى مرسمه الذي يحتمي به بجانب كنيسة اللويبدة في العاصمة الأردنية؛ حيث يطل على المشهد العمّاني القديم. المرسم، الذي بات محراباً ينعزل فيه طويلاً، مستبدلاً به صحبة معظم رموز الوسط الثقافي، وحتى بلاداً أخرى. أتاحت له فرصة الهجرة إليها مثل؛ ألمانيا وكندا.

لا يؤدلج طنطاوي عواطفه ورؤاه. يتحدث كيفما اتفق، حتى وإن كان نزقه جارحاً في أحيان. المهم لديه ألا يذر كلمة يريد قولها حبيسة صدره. ما سبق، لم يترك لطنطاوي رفاقاً كثراً؛ إذ لا يجد غضاضة في مكاشفة المنافق بكذبه، والمدعي بتهافته، والمنضوي تحت لواء الأنظمة التعسفية بإجرامه، حتى ليكاد يستحضر بين الحين والآخر مقولة لأبي ذر الغفاري يبكي فيها من وصية رسول الله له بقول الحق، حتى لم يذر قول الحق له صاحباً.

كثيراً ما يقطع طنطاوي حديثه ليقلد الأصوات، وليقرأ القصائد بصوت الشاعر الفسطيني الراحل محمود درويش

يرفع طنطاوي فوق مكتبه، قناعاً أفريقياً ضخماً يمدّ لسانه في وجه العالم، تماماً كما يفعل هو، وصورة للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، الذي يعني لطنطاوي شيئاً كبيراً، لربما لاختلاط الدماء فيه، ما يجعله يحتمي من غربته بفكرة القومية العربية التي كان عبد الناصر رمزها.

كثيراً ما يقطع طنطاوي حديثه ليقلد الأصوات، وليقرأ القصائد بصوت الشاعر الفسطيني الراحل محمود درويش، كما يتقن معظم اللهجات العربية، والفلسطينية؛ المدنية والفلاحية، ويتقمص معظم الشخصيات بالأداء الصوتي والحركي. يهب فجأة من مكانه؛ ليقلد ضيفاً ثقيل الظل دخل مرسمه ذات مرة فعكّر مزاجه لأيام، أو زعيماً مخلوعاً يهذي بعد أن أودى بشعبه للهاوية.

المرسم، الذي بات محراباً ينعزل فيه طويلاً

وإن كنت ذات ليلة بمزاج متكدر، فلن يكون هناك خيار أمثل من قراءة قصص طنطاوي الساخرة بشخصياتها التي يحضر فيها "عارف" و "تلفان" و"سوزي" وغيرهم، كما بوسعك قراءة مقالات طنطاوي الساخرة، والتي نشرها لأعوام في صحف أردنية، ليكتفي الآن بشذرات منها على صفحتيه على موقع "فيسبوك".

لا تغيب المرأة عن حديث طنطاوي، غير أنّه يتطرق إليها بنبل وشجن، من دون ادعاء البطولات والصولات والجولات

لا تغيب المرأة عن حديث طنطاوي، غير أنّه يتطرق إليها بنبل وشجن، من دون ادعاء البطولات والصولات والجولات، ومن دون أن يلبس لبوس الشعارات في الوقت ذاته. يتحدث عن سطوة أمه على شخصيته. وكيف أكستبه نزقاً مزمناً، وكيف كان يجلس بحضرتها كما لو كان أمام أكبر المثقفين وأشهرهم. ولا ينفك يتحدث عن "القارات الأربع" كما يسمّي بناته، اللاتي يضعهن على رأس أولوياته، قائلاً إنّ الاطمئنان على مستقبلهن يشغله بقدر ما تشغله الهواجس الفنية، التي كرس عمره لها.

تغيب الوجوه عن جلّ لوحات طنطاوي، وإن حضرت فإنّها تطل بعبث طفولي وألوان مرحة ورؤوس ضخمة، لتكون الطبيعة وتفاصيل معمار المدن هي الغالبة. يبتسم طنطاوي بسخرية، قائلاً إنّ اللوحة "سلعة برجوازية". على الرغم من ذلك، يصر أن يبقى حراً من أغلال الوظيفة، وأن يبقى، كما غنى محمد عبد الوهاب، "مسافر زاده الخيال والسحر والعطر والظلال.. ظمآن والكأس في يديه والحب والفن والجمال.. شابت على أرضه الليالي وضيعت عمرها الجبال.. ولم يزل ينشد الديار ويسأل الليل والنهار".. .

اقرأ المزيد...

الوسوم: