الانتخابات الماليزية: مهاتير محمد ينتصر عبر "تحالف الأمل"

8242
عدد القراءات

2018-05-10

أظهرت النتائج الرسمية للانتخابات الماليزية العامة الرابعة عشرة، تحقيق ائتلاف المعارضة "تحالف الأمل" الفوز بأكثر من 112 مقعداً في البرلمان، من أصل 222 مقعداً، مما يؤهلها تشكيل الحكومة الجديدة، محققة بذلك فوزاً تاريخياً بإطاحة الحزب الحاكم، الذي تولى مقاليد السلطة في البلاد منذ تأسيسها.
شهدت الانتخابات التي جرت يوم أمس الأربعاء، منافسة شديدة بين رئيس الوزراء المنتهية صلاحيته نجيب رزاق، ومهاتير محمد. ويتزعّم نجيب حزب المنظمة الوطنية المتحدة للملايو، وهو ابن تون عبدالرزاق؛ ثاني رئيس ورزاء لماليزيا. ومهاتير واحد من أبرز وجوه الحزب التاريخية، وكان حليفاً مقرباً لنجيب وحزبه، بيد أنه انشق عن الحزب في عام 2015 بعد تهمٍ وجهها إلى نجيب بالفساد، في قضية تتعلق بصندوق استثمار مملوك للدولة. وانخرط مهاتير بعد ذلك تشكيل تحالف سياسي غير متوقع مع زعيم المعارضة المسجون أنور إبراهيم.
ربما تكون ماليزيا من بين الدول القلة في العالم، التي برغم من جوها السياسي التعددي المنتفح، إلا أنه حُكمت طوال تاريخها الحديث من قبل حزب سياسي واحد، وهذه هي المرة الأولى التي تشهد فيها البلاد تشكيل الحكومة من ائتلاف معارض منذ استقلالها عن بريطانيا في عام 1957.

الخريطة السياسية الماليزية
يقود نجيب رزاق الحزب الذي يطلق عليه اسم المنظمة الوطنية الماليزية المتحدة أو المنظمة الوطنية المالاوية المتحدة (أمنو) التي تولت السلطة منذ الاستقلال عام 1957 وهو أهم حزب في الائتلاف الحاكم منذ 44 عاما. وأصبح نجيب رئيساً للوزراء في عام 2009 وقاد التحالف - المعروف باسم باريسان ناشيونال (BN)- إلى الفوز في عام 2013. ومع ذلك، حصل حزبه على أدنى عدد من المقاعد البرلمانية في انتخابات 2013، مما أذكى تفاؤل أطراف المعارضة في الفوز في انتخابات 2018.

عدم الرضا عن أداء الحكومة، والاحتجاجات إثر ظهور ملفات فساد لعبت دوراً أساسياً في ترسيم اختيارات الماليزيين

وزاد من حظوظ نجيب في الاستمرار باعتلاء سدة الحكم، قضية سجن أنور إبراهيم؛ أشرس المعارضين المنافسين لنجيب، بتهمة "اللواط" في عام 2014. وينكر إبراهيم، البالغ من العمر 70 عاماً هذه الاتهامات ، قائلاً إنها ذات دوافع سياسية. ولا يزال يمارس نفوذه على حزب العدالة الشعبية التابع له من وراء القضبان، لكن سجنه أنتج نتائج عكسية، حيث زاد التذمر الشعبي على الحكومة، وباتت المعارضة أكثر تكاتفاً. ويأمل مناصرو أنور  إبراهيم بأن يصبح رئيساً للوزراء فور إطلاق سراحه، ومن المقرر أن يتم الإفراج عنه في الثامن من الشهر المقبل.
ومن أجل الإطاحة بالحزب الحاكم، في ظل غياب أنور إبراهيم، احتاج تحالف المعارضة إلى ترشيح شخص قادر على منافسة نجيب رزاق، من داخل العرقية المالاوية لكسب القاعدة الوطنية التي تشكل أكثر من 60% من السكان.

إعلان مهاتير محمد عن فوز ائتلافه

رئيس الوزراء الأسبق، التسعيني، الدكتور مهاتير محمد، أطول رئيس ورزاء حكم في ماليزيا، والذي كان مسؤولاً عن سجن عشرات المعارضين في وقته، بما فيهم أنور إبراهيم. بدا أبرز مرشح لهذه المهمة، وبالفعل قاد المعارضة يوم أمس إلى تحقيق فوز تاريخي لإطاحة الحزب الحاكم.
لقد كان إبراهيم أحد ضحايا السياسات القمعية التي اتسمت فترة مهاتير في سدة الحكم (1981-2003)، ووضعه في السجن منذ ما يقرب من عقدين من الزمن بتهم ملفقة، لكنهما ذهبا في اتجاه مفاجئ، حين تحالفا من أجل الإطاحة بنجيب، وقد طرح تحالف المعارضة، المعروف باسم Pakatan Harapan ، أو تحالف الأمل - مهاتير ليشغل كرئيس وزراء مؤقت حتى يصبح إبراهيم مؤهلاً للحكم، وفي لحظة إعلان النتائج في البارحة، سارع مهاتير الى تشديد إلتزامه بأنه سيعمل على حصول عفو ملكي لنجيب، ليتولى رئاسة الحكومة.

تُهم الفساد تطيح نجيب
قبيل الانتخابات، تعرضت الحكومة لانتقادات واسعة بسبب إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية، حيث اتهمت بالتلاعب في تقسيم المناطق الانتخابية وإنشاء مناطق غير متناسبة إلى حد كبير في معاقل المعارضة، حيث يمكن أن يمثل أحد أعضاء البرلمان ما يصل إلى 10 أضعاف عدد الناخبين بصفته نائباً في منطقة تسيطر عليها الحكومة.

قيادات حزب أمنو الحاكم (سابقاً)

ومن جهة أخرى، ذهب نجيب للتحالف مع حزب إٍسلامي متشدد، من أجل ضمان الاستمرار في الحكم، كما استخدم ورقة كان يعدها حاسمة في تحقيق الفوز، وهي رفع الأجور، وأعلن منح حوالي 7 ملايين ماليزي فقير على ثلاث دفعات تصل إلى 1200 رنجيت (308 دولارات) إجمالاً على مدار العام. وأيضاً منح موظفي الخدمة المدنية على مكافأة خاصة في كانون الثاني (يناير) الماضي، ووعد بأخرى في حزيران (يونيو). كل هذه المساعي ذهبت أدراج الرياح، ولم تعط نجاعتها في تحقيق الفوز على المعارضة في هذه المرة.
لقد ركزت المعارضة من أجل إحداث تراجع خطير في قواعد الدعم الريفية التي يقدمها الحزب الحاكم، والتي تعهد فيها نجيب بمليارات الدولارات من أجل تطوير بنيتها التحتية. وتشمل معاقل الحزب التقليدي في ولايتي صباح وساراواك الغنيين بالنفط واللتين وصلتا نحو ثلث المقاعد البرلمانية في فوز نجيب عام 2013، وهما المنطقتان اللتان كان يراهن عليهما نجيب مرة أخرى. إضافة لهذا الاختراق، حققت المعارضة غالبية ساحقة من الأصوات في أقاليم سيلانغور ذات الكثافة السكانية الكبيرة وبينناغ وملاكا.

يبدو الواقع السياسي الماليزي محصوراً بيد القيادات التقليدية التاريخية التي حكمت البلد في نصف القرن الماضي

يبدو أنّ عدم الرضا العام عن أداء الحكومة، وقضية الاحتجاجات التي بدأت في عام 2015 إثر ظهور ملفات فساد واختلاس أموال من صندوق شركة التمنية الوطنية 1MDB، لعبت دوراً أساسياً في ترسيم اختيارات الناخبين؛ فقد وجد رئيس الوزراء الماليزي نجيب رزاق نفسه في تُهم بأنه قام بتحويل ما يقرب من 700 مليون دولار - من الشركة المملوكة للدولة 1MDB  إلى حساب شخصي. وهي اتهامات ينفيها عن نفسه. ولكن وزارة العدل الأمريكية أجرت تحقيقاً خاصاً في الأمر، وتحركت لاسترداد 540 مليون دولار تشتبه في أنها اختفت من الصندوق في حزيران (يونيو) الماضي.

استمرار القيادات التقليدية في الحكم
تلقّى إذاً، التحالف الحاكم ضربة قاسية في هذه الانتخابات لم تتمثل في انقسام العرقية الملاوية حوله فحسب، بل انخفضت، كذلك، الأصوات التي حصل عليها الحزب من الماليزيين ذوي الأصول الصينية. فالتحالف الحاكم بقيادة حزب أمنو الملايوي نجح تاريخياً في الحفاظ على جبهة وطنية تجتمع فيها أقوى أحزاب الملايو والصينيين والهنود. حيث يمثل الملايو المسلمون نحو %63 والصينيون (أغلبهم بوذيون وكونفوشيسيون...) نحو 26%، والهنود الهندوس نحو 7%..
يتوقع في وقت لاحق من اليوم، الخميس، أن يؤدي مهاتير القسم الدستوري أمام الملك، لتشكيل حكومة جديدة، في حين ستصبح زوجة أنور أبراهيم، وزعيمة حزب العدالة الشعبية عزيزة إسماعيل، نائبة لرئيس الورزاء،  إلى في حين إخلاء سبيل زوجها.

قيادات "تحالف الأمل"

في المجمل، يبدو الواقع السياسي الماليزي، محصوراً بيد القيادات التقليدية التاريخية، التي حكمت البلد في نصف القرن الماضي، ولا يمكن تناسي رغبة الكثير من الماليزيين في صعود أجيال قيادية جديدة ووجوه شابة إلى سدة العمل السياسي، بعد أن جرّب الماليزيون لسنوات طويلة الكثير من القيادات التقليدية للتحالف الذي حكم البلد منذ الاستقلال، ومن ثم انقسم على نفسه، لكي ترجع نفس الوجوه للحكم بثوب جديد.

اقرأ المزيد...

الوسوم: