المزاج المتقلب للقادة: تصريحات ترامب حول سوريا أنموذجاً

4788
عدد القراءات

2018-04-04

لا يزال مثيراً للجدل قول الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إنّه يفكر جدياً في سحب القوات الأمريكية من سوريا، وإنّ قراراً بهذا الصدد سيجرى اتخاذه. وخلال مؤتمر صحافي عقده أول من أمس في البيت الأبيض بحضور قادة لاتفيا وأستونيا وليتوانيا، أضاف ترامب في تصريحات أولية جرى تعديلها لاحقاً "أنّ مهمتنا الأساسية كانت القضاء على تنظيم داعش، وقد أكملنا هذه المهمة تقريباً، وسنتخذ قراراً بهذا الخصوص قريباً جداً بعد التشاور مع آخرين". في الساعات الأخيرة صدر عن البيت الأبيض توضيح وتحديث لكلام الرئيس مفاده بأنّ "مهمة القوات الأمريكية في القضاء على داعش في سوريا تقترب من نهايتها بسرعة، لكنها لم تنته بعد". ولم يقدم البيان الجديد موعداً لانسحاب القوات الأمريكية من سوريا، لكنه أشار إلى أنّ الولايات المتحدة وحلفاءها في المنطقة ملتزمون ألا يعود داعش من جديد إلى المنطقة".

ترامب: مهمتنا الأساسية كانت القضاء على داعش وقد أكملناها تقريباً وسنتخذ قراراً بخصوص هذا قريباً بعد التشاور مع آخرين

هذا التحديث كان متوقعاً؛ حيث إنّ التصريحات الأولى رافقها حديث مختلف في واشنطن أيضاً، من جانب المبعوث الأمريكي الخاص إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش، بريت ماكغورك، الذي قال إنّ مهمة القوات الأمريكية في سوريا هي القضاء على تنظيم داعش مؤكداً أنّ "مهمتنا لم تنته بعد وسوف نكملها". والحقيقة أنّ مثل هذا الواقع المنطوي على ارتباكات في التصريحات، خصوصاً في حالة الرئيس ترامب إنما يُحفّز على إيلاء مزيد من الدراسة والبحث لمعاينة مدى وأبعاد التأثير الشخصي للقادة ومواقفهم ومزاجيتهم وتركيبتهم الشخصية في العلاقات الدولية في الوقت الراهن، وهو ما تحاول هذه المقالة تسليط الضوء حوله.

بريت ماكغورك: مهمة القوات الأمريكية في سوريا هي القضاء على تنظيم داعش وهي لم تنته بعد وسوف نكملها!

الاستعجال والتناقض!

لقد شدد الرئيس ترامب في تصريحاته الأولى (قبل أنْ يحدثها البيت الأبيض، وقبل إفادة مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية لـ"رويترز" بأنّ الرئيس وافق على إبقاء القوات الأمريكية في سوريا في المرحلة الحالية) على رغبته بعودة القوات الأمريكية فقال: "أريد إخراج قواتنا من سوريا وإعادتها إلى البلاد" للبدء "بإعادة إعمار أمتنا". في المقابل، ثمة مراكز قوى مؤسساتية أمريكية، وقفتْ وراء تعديل التصريحات، ترى أنّ من غير المناسب حالياً الانسحاب الأمريكي من سوريا، خصوصاً في ظلّ كلام الإدارة الأمريكية عن مساعٍ لوقف نشاط إيران المزعزع لاستقرار المنطقة.

مراكز قوى مؤسساتية أمريكية، وقفتْ وراء تعديل التصريحات وترى أنّ من غير المناسب حالياً الانسحاب الأمريكي من سوريا

وقد عبّر ماكغورك، الذي كان يتحدث في منتدى بواشنطن، عن ضرورة عدم الاستعجال؛ وذلك من خلال إشارته إلى أنّ "البحث متواصل مع موسكو في شأن انتشار حزب الله على مقربة من الأردن وإسرائيل". كما أنّ الارتباك والتناقض الأمريكي يعكسه مجيء تصريحات ترامب وسط أنباء عن انتشار عسكري كثيف للقوات الأمريكية في مدينة منبج في الشمال السوري، وإنشاء نقطتين عسكريتين في منطقة الدادات قرب خطوط التماس مع الفصائل المدعومة من تركيا، ما قد يعطل مخططاتها لتوسيع عملية "غصن الزيتون" إلى منبج بهدف طرد "قوات سورية الديموقراطية" (قسد)، وفق ما ذكرت صحيفة "الحياة"، التي أشارت إلى أنّ تصريحات ترامب، غير الواضحة، تفتح عيون روسيا وتركيا وإيران، وفق مصادر مقربة من الخارجية الروسية، "حول طبيعة المواقف اللاحقة لأمريكا؛ بوصفها لاعباً يسيطر على أكثر من 25 % من مساحة سوريا الأغنى بالمياه والنفط والمحاصيل الزراعية".

تفكير المقاول أم رعونة شخصية؟

ويرى محللون ومراقبون أنّ تحوّلاً على هذا القدر من الأهمية قد يعني انكفاء أمريكا، وبقرارٍ ذاتي أولاً؛ ويؤكد هؤلاء أنّ "هذه نهاية قد تليق باختيار ترامب رئيساً، إلا أنّها لا تليق بالمقدرات الأمريكية عموماً، ومنها على نحو خاص وجود مؤسسات أمن قومي قادرة وقت اللزوم على كبح المزاج الرئاسي". وفي تعليقه على ذلك يقول الكاتب السوري عمر قدور:"ينسحب ترامب من سوريا أو لا ينسحب، أن يكون قراره ناجماً عن تفكير المقاول أو عن مجرد رعونة شخصية؛ هي سابقة في كل الأحوال أنْ يعلن رئيس أمريكي قراراً على هذا المستوى، وأن يتلقاه العالم أسوة بوزارة خارجيته التي أنكرت علمها بوجود مثل هذا التوجه من قبل". وكان ترامب في تصريحاته الأولى حول سوريا قد أكّد أنّه "سيتشاور مع الحلفاء"، واقترح أن تدفع السعودية فاتورة القوات الأمريكية الموجودة في سوريا.

منذ زمن ابتعد خبراء ومنظّرو علم السياسة والعلاقات الدولية عن التعويل على التحليل النفسي للقادة

التحليل النفسي للقادة

والحقيقة أنّه منذ زمن ابتعد خبراء ومنظّرو علم السياسة والعلاقات الدولية عن التعويل على التحليل النفسي للقادة والتركيز على طفولتهم وأصولهم الاجتماعية والطبقية ونشأتهم الأولى، وما انطوت عليه من عُقد نفسية واعتلال اجتماعي وعاطفي، لتفسير ميولهم السياسية؛ لا سيما جنوح بعضهم نحو الديكتاتورية واستخدام العنف المفرط للتعويض عن تلك العلل، ومن ذلك جنون العظمة وشهوة السلطة وحكم الفرد والتخلص من الخصوم والأعداء. لقد جرى تجريب ذلك مع تحليل شخصيات أدولف هتلر وجوزيف ستالين وجمال عبد الناصر وصدام حسين وغيرهم، وقد انطوى ذاك التجريب على ثغرات علمية ومبالغة وعدم دقة. اليوم لم يعُد التحليل النفسي والاجتماعي للزعماء، على ذلك المنوال، مادة علمية موثوقة للوصول إلى تفسيرٍ منهجي متماسك وعميق للسياسة الخارجية لبلد ما، وصناعة القرار فيه.

بصعود زعماء من أمثال ترامب وبوتين وأردوغان ونتنياهو فالطلب على تحليل القادة في حقل السياسة ينتعش مجدداً

لكن، في المقابل، فإنه مع صعود زعماء من أمثال؛ دونالد ترامب وفلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان، وبدرجة أقل بنيامين نتنياهو، وكون أوروبا على موعد مستمر ومتكرر مع زعامات يمينية شعبوية، فإنّ الطلب على تحليل القادة في حقل تحليل السياسة الخارجية والعلاقات الدولية ينتعش مجدداً من قِبَلِ أرقى الجامعات و"مراكز التفكير والأبحاث" في العالم، غير أنّ ذلك يتم بمفهوم منهجي جديد وسياق علمي مختلف عن السابق.
البعد الشخصي في السياسة الخارجية

فحالياً يجوز الحديث عن اتجاه عنوانه العريض أثر البعد الشخصي للزعماء في تحليل السياسة الخارجية والعلاقات الدولية ودراسة كيفية صناعة القرار. ومع أنّ هذا الحقل يتنامى منذ أعوام، فإن مجيء ترامب "من خارج المؤسسة" وكمتمرد عليها، عزز من أهمية فهم وتحليل البعد الشخصي لترامب في سياق مقاربة وتوقع السياسة الخارجية لإدارته، التي فيها مسؤولون لا يكتمون رغبتهم في إعادة تشكيل أمريكا والعالم من جديد، وهذا محلّ خطورة في ظل رئيس مفرط الثقة في قدرته على إعادة هندسة أمريكا والعالم.

الطلب على تحليل القادة تزايد بسبب هواجس من تراجع قدرة المؤسسات الأمريكية على لجم تمرد ترامب على التقاليد

ثمّ إنّ الطلب على تحليل القادة اكتسب زخماً إضافياً في ظل تنامي الهواجس من تراجع قدرة المؤسسات الأمريكية على لجم "تمرد" ترامب على التقاليد الراسخة. ولأن صفة "التمرد" مقرونة بصفات من قبيل أنّ ترامب (وكذلك بوتين وأردوغان إلى حدّ ما) "غير متوقَّع" ولديه القدرة المستمرة على "المفاجأة"، فإنّ تحليل طريقته في التفكير عند صناعة القرار ومعرفة أولوياته وخياراته وأهدافه وإستراتيجيته تتطلب منهجيات جديدة غير تقليدية، ولعلّ من أبرز هذه المنهجيات الصاعدة في الفهم والتفسير والتوقع نظرية المباريات أو اللعبة (Game Theory) في العلاقات الدولية ونظرية تحليل القادة من خلال خطاباتهم.
المنهجيات الجديدة

والواقع أنّ ميزة المنهجيات الجديدة أنّها تحاول تقديم بدائل أكثر ثقة؛ في ظل تراجع قدرة علم السياسة التقليدي واستطلاعات الرأي وأدوات التحليل الكلاسيكية عن التوقّع ورسم سيناريوهات مستقبلية ذات صدقية عالية. هذه المنهجيات يتحسّن أداؤها طردياً بتوافر المعلومات الوافية عن القادة، لكنها تُقدّم "أفضل تخمين" عن سلوكهم السياسي وتفضيلاتهم المتوقعة في حال كانت المعلومات عنهم شحيحة. كل ذلك بالتأكيد محوره قياس أوزان القوة في وضع سياسي محدد.

المنهجيات الجديدة يتحسّن أداؤها بتوافر المعلومات عن القادة لكنها تستطيع تقديم أفضل تخمين في حال شح المعلومات

إنّ تصاعد الأثر الشخصي للزعماء في العلاقات الدولية المترافق مع تراجع مكانة المؤسسات الدولية في التحكم في مخرجات السياسة قد يُنتِج قواعد جديدة في النظام الدولي والعلاقات بين الدول وقياس أوزان القوة للاعبين، ومن المهم تطوير المنهجيات والمعارف التي تُسعف في الفهم الاستباقي لهذه الظاهرات والسعي لتحجيم مخاطرها، ومن بعض تلك المخاطر الانكفاء عن الديمقراطية الليبرالية، وأن يكون الزعماء أقوى من المؤسسات. لعلّ هذا يفرض على مؤسسات صناعة القرار في العالم العربي تطوير أدواتها لفهم وتفسير تعقيدات المشهد الدولي، ومحددات صناعة القرار لدى الأطراف المختلفة، لتحديد أنماط الاستجابة و"تَوْزِين" الفرص والتحديات والكُلَف بكفاءة أفضل.

اقرأ المزيد...

الوسوم: