بعد عودة "جند الإسلام".. الجماعات المتطرفة تخوّن بعضها في سيناء

3042
عدد القراءات

2017-11-13

بعد احتكار تام من قبل تنظيم "أنصار بيت المقدس - ولاية سيناء" لكل العمليات الإرهابية في سيناء المصرية، عادت جماعات أخرى للظهور، كانت في السابق قد اختفت، إما بفعل عمليات اندماجية تمت بين 19 تنظيماً بايعوا كلهم البغدادي، وإما بفعل كمون واختفاء بسبب سيطرة التنظيم الداعشي على الحالة الإرهابية الواقعة في 3% من شبه الجزيرة السيناوية، التي تشتعل فيها المعارك مع الجيش المصري.

"جند الإسلام" يتوعد "خوارج البغدادي"

في منتصف ليلة السبت الماضي 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 2017 أصدرت جماعة جند الإسلام بياناً صوتياً، قالت فيه إنها استهدفت "خوارج البغدادي" لترصدهم بعوام المسلمين، بعد أن ثبت بالدليل القاطع اعتداءات التنظيم المتكررة، وأنّ ما أسمته بـ "الجهاز الأمني" للجماعة، استهدف سيارة تابعة لـ"داعش" في 11 تشرين الأول (أكتوبر) 2017، بعد جمع المعلومات اللازمة بهدف أسر عدد من عناصر التنظيم والتحقيق معه.
ولفتت في التسجيل الصوتي، إلى الاشتباك مع من كانوا في السيارة حتى قتلوا جميعاً واغتنام كل ما كان فيها، فضلاً عن مقتل اثنين من عناصر "الجماعة".
وطالبت "جند الإسلام" عدداً من عناصر "داعش" بتسليم أنفسهم قبل "القدرة عليهم"، وهم: أبو أسامة الخارجي، وأبو صالح الخارجي، وأبو صخر الخارجي، وفهد الخارجي.

بعد احتكار تام من قبل تنظيم أنصار بيت المقدس - ولاية سيناء، لكل العمليات الإرهابية في سيناء المصرية عادت جماعات أخرى للظهور كانت في السابق قد اختفت

اللافت عدم إقدام أي جماعة في سيناء على التحرك بهذه الصورة من قبل، وتحديداً منذ انضمام جماعة "أنصار بيت المقدس" الإرهابية إلى "داعش"، بعدما كانت محسوبة على "القاعدة"، فهشام عشماوي حين رفض بيعة البغدادي انعزل، وأنشأ تنظيماً جديداً أطلق عليه "المرابطون"، كما أنّ همام محمد عطية، حين رفض ذات البعية، قرر إنشاء تنظيم "أجناد مصر" الإرهابي، الذي كانت تنسب إليه كل تفجيرات القاهرة، دون أن يحارب التنظيم السيناوي، حتى قتل في منطقة نائية بمحافظة الجيزة المصرية.

هشام عشماوي حين رفض بيعة البغدادي انعزل وأنشأ تنظيماً جديداً أطلق عليه "المرابطون"

ما يجب التأكيد عليه، أنّ ظهور هذه الجماعة في هذا الوقت؛ لأن التنظيم الداعشي بسيناء ينهار بفعل الضربات الأمنية الموجعة، وبمراجعة سريعة لحجم عملياته، سنجد أنّه في العام 2015 وهو عام الذروة له، ارتكب 1163 عملية، وفق الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، أم في هذا العام فارتكب 132 عملية فقط، وهذا الضعف كان سبباً في عودة الجماعات التابعة للقاعدة من جديد، لتكون لاعباً للعنف.

تساهل في سفك دماء

بدا من خلال البيان الصوتي التساهل في سفك دماء هذه الجماعات لبعضها، وهذا يتم في الأغلب وفق خلافات أيديولوجية، بسبب تنوع الفكرة ذاتها، وهذا لم يكن وليد اللحظة بل هو قديم، حيث كانت توجد مجموعات لا علاقة لها بالتنظيمات، لكنها تنادي بقتال الحكومات، ويأخذ هذا المنحنى في الصعود والهبوط؛ لأن مجموعات جهادية أخرى تنتظر وتقف، كي تبلور سلوك الحاكم، وتعرف ما هو سلوكه الجديد، وفكرة التنظير تأخذ فترة، فالبعض يقولون إننا لن نتمرد، وآخرون يقولون نعطي له فرصة، وآخرون لا يتحركون، وبسبب الارتباك في هذه الحالة، تخرج مسائل متنوعة، منها تكفير الحاكم فقط، أم تكفير الحاكم وأعوانه، وكيف يتم تحديد ذلك؟ فيحدث النزاع بين هذه التيارات لتصل للمعارك المسلحة.

في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 2017 أصدرت جماعة جند الإسلام بياناً صوتياً قالت فيه إنها استهدفت "خوارج البغدادي" لترصدهم بعوام المسلمين

هناك بالطبع الاختلافات حول الإستراتيجية، وهل يكون التغيير من داخل الجيش، أم من خلال خلايا بين المواطنين في تنظيم مدني؟ ومن يبايع التنظيم، هل هو داعش، أم القاعدة؟.. وهنا يحدث القتال بينهم، وهو القتال الذي يسبق التنظير دائماً.
جماعة "جند الإسلام"، التي أصدرت البيان الصوتي، من مجموعات السلفية الجهادية الموجودة داخل مصر، وتحديداً في سيناء، وهي تحمل أفكار تنظيم القاعدة، وتتمركز بصورة كبيرة بمدينة الشيخ زويد، وتضم حوالي 300 عنصر جهادي، عدد كبير منهم تلقى تدريبات عسكرية على أيدي جماعات فى غزة، وهي من أكثر التنظيمات تسليحاً، فهي تمتلك أسلحة ثقيلة متطورة ومنها الـ"آر بي جيه" ومضادات الطائرات والدبابات ومدافع الجرانوف، وتتمركز في جبل الحلال، وجبال المهدية، التي تعتبر أهم قاعدة جغرافية صعبة في المنطقة.

بدا من خلال البيان الصوتي لـ"جند الإسلام" التساهل في سفك دماء الجماعات المتطرفة لبعضها استناداً إلى خلافات أيديولوجية

في العام 2011 ظهرت تلك الجماعة في استعراضات علنية في المدن الحدودية يوم مقتل بن لادن، وعناصرها يرتدون ملابس سوداء ويرفعون أسلحتهم، ومن أخطر العمليات الإرهابية التي قامت بها، الهجوم المسلح على قسم شرطة ثان العريش في تموز (يوليو) 2013، بأكثر من 40 عنصراً مسلحين بأسلحة الـ"آر بي جي" والقنابل والأسلحة الثقيلة، فضلاً عن محاولة احتلال قسم الشرطة، ورفع رايات القاعدة عليه، والدعوة لإقامة إمارة إسلامية في سيناء.

خلافات مرشحة للتصاعد

الخلافات بين "جند الإسلام"، و"بيت المقدس - ولاية سيناء"، التي نشأت في العام 2004 باسم "التوحيد والجهاد"، وهي الأكبر من حيث العدد والإمكانات، مرشحة للتصاعد؛ لأن هذه التنظيمات لديها قدرة غريبة على تأويل نفس النصوص لتحمل الشيء ونقيضه، لذا فإنه لا تحولات في أفكارهم، بل هناك ثوابت، يصيغونها ويعيدون كتابتها بأشكال مختلفة، وهي كالتالي: ما هو حكم الحاكم المبدل لشرع الله؟ هل حكام اليوم يحكمون بما أنزل الله أم بالهوى والمزاج؟ هل ينحصر الجهاد في قضايا القتال فقط، أم أن الأخير فرع من الجهاد الذي هو فى الأصل، الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، بالإضافة إلى جهاد النفس وكفها عن الهوى؟ كيف أهل الذمة الآن خاصة الأقباط؟ هل سيطالبونهم بدفع الجزية عن يد وهم صاغرون، أم أنهم يؤمنون الآن بمبدأ المواطنة؟ ما هو مفهومهم عن السياحة، وهل هو نشاط محرم شرعاً؟ هل التغيير باليد في مجال الحسبة يجوز للأفراد والجماعات أم أنه يقتصر على ولاة الأمور؟

"جند الإسلام"، التي أصدرت البيان الصوتي من مجموعات السلفية الجهادية الموجودة داخل مصر وتحديداً في سيناء وتحمل أفكار تنظيم القاعدة

تمثل الإجابة عن هذه الأسئلة النمط الحقيقي لاختبار توجهات كل التنظيمات الإرهابية، بداية من جماعة الإخوان وحتى السلفيين بكامل تفصيلاتهم، لأن الإرهابي يظل قرناً بكامله دون أن يقرب السلاح، لكنه يظل مع ذلك قنبلة متحركة تنثر شظاياها الفكرية في كل مكان.

نهاية التنظيمات المتطرفة في الأغلب من الداخل وليس من الخارج، فرغم وحدتهم الظاهرة (الوحدة هي على الأرض فقط لاتفاقهم حول الهدف، وهو تقويض الأنظمة)، ورغم حججهم العقدية، ورغم أوجه الاختلافات والشقاقات، يتحدون أحياناً من أجل استلاب قلوب وعقول الهدف الرئيسي، وهم العناصر الشابة من الجماعات، والكيانات، لكنهم في النهاية يصلون للنقطة الأخيرة، وهي المعارك حول أيديولوجيات بغيضة، واستراتيجيات خطرة، والغريب أن الجميع من هذه الجماعات يدّعون أنهم أهل الحقيقة، وكلهم يتصورون أنهم على الحق!.

الخلافات بين "جند الإسلام" و"بيت المقدس - ولاية سيناء" مرشحة للتصاعد؛ لأن هذه التنظيمات لديها قدرة غريبة على تأويل نفس النصوص لتحمل الشيء ونقيضه

مصر الدولة، نجحت إلى حد ما في ضرب 19 تنظيماً مسلحاً داخل سيناء، ولم يبق منها الآن سوى تنظيم بيت المقدس، الذي يُطلق على نفسه "ولاية سيناء"، وعادت القاعدة للظهور، لكنها هذه المرة في مواجهة داعش، لنرى في النهاية النتيجة المحتومة؛ جماعات متخاصمة تخوّن إحداها الأخرى، وبقاء المسلحين والمتشددين على هامش الأحداث، وانتهاءهم مهما طال الزمن.

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: