سيرة مثيرة لصحفية إيطالية اعتبرت الإسلام السياسي فاشياً وعدوانياً

2876
عدد القراءات

2017-11-27

ولدت الصحافيّة الإيطاليّة أوريانا فلاتشي في عام 1929، قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، وتوفيت في عام 2006، بعد أحداث 11 سبتمبر. وقد شَكّل هذان الحدثان المُرَوّعان كتاباتها ونظرتها إلى العالم. في ترحالها عبر العالم، غطّتْ بعض أسوأ صراعاته كمراسلة حربية، بأسلوب سوف ينعته أنصارُها بالثاقِب، وسوف ينعته نُقّادُها باللاذِع. وفي هذه العملية، طوّرت خوفاً عميقاً من تأثير الإسلام في أوروبا.

كثيراً ما يجري تذكّرها - وغالباً ما يُندد بها - في علاقتها بوجهات النظر التي يغذيها هذا الخوف. اعتقدت فلاتشي أنّ العالم الغربي كان واقعاً في خطر الاجتياح من قِبل الإسلام الراديكالي، وفي نهاية حياتها المهنية، كتبت ثلاثة كتب تقدّم هذه الحجة. لقد زعمت أنّ المسلمين كانوا يستعمرون أوروبا من خلال الهجرة ونسب المواليد العالية، وأنّ سلبية اليسار الأوروبي تجاه الأخطار التي عاينتها سوف تحوّل أوروبا قريباً إلى "مستعمرة إسلامية"، مكان نعتته بـ "عروبا" (حيث تنتهي "أوروبا" على يد العرب وتتحول إلى "عروبا").

وقد أدّتْ بها وجهات نظرها، بعد رحيلها، إلى أن تكتسب سمعة باعتبارها محبوبة تيار أقصى اليمين - وهو شرف مَشْبُوه من شأنه أن يزعج المرأة التي كانت في الحياة الواقعية ناشطة مناهضة للفاشية. ثمة سيرة جديدة، أوريانا فلاتشي: الصحافية والمحرّضة والأسطورة، تؤكد على تنوع وثراء الحياة المهنية لفلاتشي، وتُجادل بأنَّ نُقّادها يخطئون عندما يحكمون عليها بناءً على كتاباتها حول الإسلام.

الصحافيّة الإيطاليّة أوريانا فلاتشي

محاورة لرجال ونساء عِظام

لقد كانت فلاتشي، من جهة، محاورة لرجال ونساء عِظام. كما كانت حذرة تجاه السلطة، وهي التي نشأت في ظل حكم تسلطي، وتمتّعت بمجابهتها. في أحد أشهر الأمثلة، فِيما كانت تجري مقابلة مع آية الله الخميني قبل الثورة الإيرانية في عام 1979، أثارت سخطه بأسئلة حول حقوق المرأة، وهو الأمر الذي جعل الخميني يصرخ بها: "إذا كنت لا تحبين اللباس الإسلامي فأنت لست ملزمة باتباعه. إنّ الشادور للشابات والنساء المحترمات فقط". وما كان من فلاتشي إلا أن انتزعت الشادور عن رأسها، قائلة: "سوف أخلع هذه الخرقة السخيفة القروسطية الآن".

بالنسبة إلى شخصية عامة واستفزازية، ولا تحب العلانية فيما يخص حياتها الشخصية، يمثل نشر أول سيرة معتمدة عنها أمراً جديراً بالملاحظة والانتباه بصورة خاصة. وقد استندت كاتبة سيرتها، كريستينا دي ستيفانو، إلى إتاحة غير مسبوقة للسجلات الشخصية للصحافية. لقد تحدثتُ مع دي ستيفانو حول إرث فلاتشي، وتناول [أو استغلال] ذكراها، وما فهِمته بشكل صحيح - وخاطئ - حول الإسلام في أوروبا. وفيما يلي نسخة مكثفة ومحررة من حديثنا.

أنابيل تيمسيت: كيف أثّرت وجهات نظر أوريانا في الإسلاموية في أوروبا على حياتها المهنية؟

كريستينا دي ستيفانو: إنّ الثلاثية الأخيرة لأوريانا قد دمّرت تقريباً حياتها المهنية، ولذلك كانت مخاطرة كبيرة منها أن تقوم بنشرها. لقد تحوّلت من مثقفة يسارية محترمة إلى ما يمكن اعتباره أيقونة كارهة للإسلام لدى تيار أقصى اليمين.

إلا أنّ أوريانا فلاتشي لم تكن معلّقة سياسية - إنما روائية وكاتبة. وأعتقد أنها، عندما يتعلق الأمر بالحديث في السياسة، كثيراً ما طرحت الأسئلة الصحيحة، مثل: ما هو موقف أوروبا من الثقافة الإسلامية داخل حدودها؟ هل أوروبا مستعدة للدفاع عن قيمها؟ كيف يمكن أن تتلاقى ثقافتان مختلفتان على هذا النحو؟

لكني لست متأكدة من أنها قدّمت الإجابات الصحيحة. فهي لطالما وجهت اتهامات مبطنة ضد المسلمين الأوروبيين؛ وكانت عنيفة في تعبيراتها وذات نظرة سلبية للمستقبل. وكانت نبيّة للكوارث - على غرار كاساندرا في الميوثولوجية اليونانية، كما كانت تقول - أكثر منها مقدّمة اقتراحات ملموسة. دعونا نضع في اعتبارنا أننا نتحدث عن فنانة هنا، شخصية كان، أولاً وقبل كل شئ، يسكنها إبداعها.

 كريستينا دي ستيفانو

تيمسيت: هل لك أن تخبريني عن هويتها كنسوية ووجهات نظرها حول النساء المسلمات؟

دي ستيفانو: خاضت أوريانا تجربة مباشرة مع الإسلام. فقد كانت مراسلة حربية وغطت الكثير من الصراعات في الشرق الأوسط. كما كانت من أوائل من فهموا أنّ الثورة الإيرانية في عام 1979 تمثّل عودة الإسلام السياسي إلى الساحة العالمية.

وشهدت أوريانا وضع المرأة في الإسلام في وقت مبكر جداً، في الستينيات، حين كانت تسافر في جميع أنحاء العالم من أجل تأليف كتابها، "الجنس عديم الجدوى". وفيه، كتبت أنّ الدول الإسلامية كانت سجوناً للنساء. وفي الوقت نفسه، لم تأخذ أبداً موقفاً تبشيرياً، ولم تحاول أبداً تحقيق المساواة في هذه البلدان - قالت فقط إن هذا لم يعجبها، لكن إذا كانت لديهن الرغبة في العيش بمثل هذه الطريقة، في بلدانهم، فلا مشكلة لديها.

إنّ المشكلة التي أشارت إليها تتمثل في خطورة وصول هذه القيم المختلفة إلى [أوروبا] عن طريق الهجرة. وقد شدّدت على ضرورة أن ندافع عن قيمنا، وأنه علينا أن نقول بوضوح تام إنّ المهاجرين يجب أن يقبلوا قواعدنا.

تيمسيت: لكن هل اعتقدت حقاً أنّ القيم الإسلامية مثّلت تهديداً وجودياً لأوروبا. هل تعتقدين أنتِ ذلك؟

دي ستيفانو: لا أعتقد أنّ [القيم الإسلامية] متضادة [مع القيم الأوروبية]. هناك صعوبات في دمج المهاجرين شديدي التدين في المجتمعات العلمانية، وهذا يمكن أن يتسبب في خلق مشكلات. إننا بحاجة إلى وقت لإيجاد وسيلة للعيش معاً. على المدى الطويل، أنا متفائلة. وفي هذا الشأن، أنا في موضع مختلف تماماً عن أوريانا [التي]، على العكس من ذلك، كانت متشائمة جداً. وقد أعربت عن قلقها بِخاصة حِيال دور الدين في المجتمع ووضع المرأة.

لم تكن تصريحاتها وكتاباتها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ثمرة لاستدلال سياسي ناضج، بل كانت مزيجاً من الغضب والعزلة والمرض. كانت تموت من السرطان، وحدها، وتكافح مع الوقت، وتكتب كتابها الأخير. كانت في نهاية حياتها واعتبرت الهجوم على أمريكا، ثم على أوروبا، نهاية العالم.

فلاتشي قالت لأوروبا إنّ الحرب العالمية الثانية لم تنته وإنّ الإسلام السياسي يعيد الحرب إلى القارة

هل كانت كارهة للإسلام؟ نعم. هل أتفق معها؟ لا. لكن هل تُعد الكلمات الأخيرة لشخص ما سبباً وجيهاً لـ[نقض] حياته كلها؟ أيضاً لا. لهذا السبب كتبتُ الكتاب ولهذا السبب آمل أن يقرأه الناس: لقد أردتُ أن أظهِر أنه كان ثمة أوريانا أخرى قبل هذه المرحلة، شخص أنجز أشياء عظيمة، وكانت مصدر إلهام لكثير من النساء.

تيمسيت: هل يمكن اعتبارها حقاً نسوية، على الرغم من أنها استبعدت النساء المسلمات من وجهات نظرها؟

دي ستيفانو: كان موقف أوريانا كنسوية مثيراً جداً للاهتمام؛ لأنها لم تكن جزءاً من الحركة النسوية، وكانت في كثير من الأحيان نقدية [تجاهها]. لقد أشارت إلى التناقض الكامن داخل النسوية. على سبيل المثال، بعد الهجمات الجنسية التي وقعت في كولونيا عشية العام الجديد [2015]، تملكت الخشية من تشجيع كراهية الأجانب العديد من النسويات في أوروبا، ولهذا ظللن صامتات. لو أنّ أوريانا كانت هناك لعبّرت عن غضبها من هذا الصمت، واعتبرته انعداماً للشجاعة - وهي التي أشادت بالشجاعة قبل كل شيء.

اعتقدت فلاتشي في كتبها الأخيرة أنّ العالم الغربي كان واقعاً في خطر الاجتياح من قِبل الإسلام الراديكالي

وهي لم تتخذ أي موقف للدفاع عن النساء المسلمات، لكنها أيضاً لم تفعل ذلك للمرأة الإيطالية. لأنها لم تكن ناشطة. أود أن أقول إنّها كانت نسوية في أفعالها، في حياتها الخاصة.

تيمسيت: ما هي أفعالها النسوية؟

دي ستيفانو: إرثها "النسوي" هو قصتها كامرأة استطاعت أن تصبح صحافية مشهورة وعالمية في وقت كانت الصحافة فيه مهنة رجولية السمعة؛ وأيضاً اختراعها لطريقة جديدة وشخصية في إجراء المقابلات السياسية؛ وملايين النُسخ من رواياتها التي بيعت في جميع أنحاء العالم.

تيمسيت: ما الذي يمكن أن نتعلمه من كتاباتها بشأن انبعاث تيار أقصى اليمين في أوروبا؟

دي ستيفانو: عندما نفكر في علاقة أوريانا بالسياسة، نميل إلى التفكير في الإسلام. لكن في الواقع، كان مركز أفكارها السياسية وهواجسها ليس الإسلام - إنما الفاشية. بالنسبة إليها، تتمثل المرحلة الأولى من الفاشية في إسكات الناس؛ وبالنسبة إليها، الإسلام السياسي هو شكل آخر من أشكال الفاشية.

"كانت" لتُصدَم جداً مما يحدث في أوروبا اليوم. وكانت لتقول إنه ينبغي أن نكون حذرين؛ لأنّ الحرية التي نمتلكها يمكن أن تؤخذ منا مرّة أخرى.

تيمسيت: ألا يفشل هذا المنظور في الإحاطة بالطرق المختلفة التي يعبّر بها الإسلام السياسي عن نفسه في العالم الإسلامي؟

دي ستيفانو: لم تتصدَّ فلاتشي لجُملة امتدادات الإسلام في وقتنا الحالي. فقد شددت على التطرفات لأنها اعتبرت نفسها في معركة من أجل الحضارة، ولهذا السبب كانت هي نفسها في كثير من الأحيان متطرفة جداً، لذلك جرى اتهامها بكراهية الإسلام. لم يكن التركيز الرئيس في كتاباتها ضد عرق أو دين، وإنما موقف. زعمت أنّ الإسلام السياسي عدواني، فِيما تخجل أوروبا للغاية من الرد عليه. وكانت قلقة من أنّ الثقافة الإسلامية لا تخشى أن تدعي تفوقها الثقافي والديني، فِيما الثقافة الأوروبية مرتبكة عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن قيمها وإنجازاتها.

في حوارها مع الخميني نزعت فلاتشي الشادور عن رأسها قائلة: "سوف أخلع هذه الخرقة السخيفة القروسطية الآن"

أعتقد أنّ ثمة الكثير من الهجمات المنافقة على أوريانا، بمعنى أنّها هجمات تركز على الشكل لكنها لا تناقش ما قالت. بالطبع، يمكنك أن تعارض ما قالته، لكن لا يمكنك أن تُنكر أنّها سألت بعض الأسئلة المهمة والحرجة جداً التي لا تزال بحاجة إلى إجابة اليوم. كانت هذه هي النقطة الرئيسة لثلاثيتها، أن تسأل، أوروبا، هل أنت مستعدة للقتال من أجل قيمك؟ وليس لدى أوروبا أي إجابة عن هذا السؤال.

يمكنك أن تحب أو تكره ما كتبت، لكنها كانت محقّة تماماً في الإشارة إلى ما سوف يجلبه المستقبل. اليوم، تواجه أوروبا أزمة حقيقية من المهاجرين وهي رأت هذا قادماً.

تيمسيت: إذاً، بالنسبة إليها، كانت الهجرة أداة للغزو؟

دي ستيفانو: أجل. لقد كتبت العبارة الشهيرة والفظيعة، "أبناء الله يتناسلون كما الفئران". بالطبع، إنها عبارة فظيعة. لكنها كانت تقول إنّ المسلمين لا يحتاجون إلى قتل [غير المسلمين] - فإنّ عددهم فقط سوف يتجاوز [غير المسلمين].

المشكلة مع أوريانا، والسبب في أنّ الكثير من القراء لا يحبونها، أنها قالت الكثير من الأشياء المربكة. [بعد الحرب العالمية الثانية] قررت القارة أنّ الحرب قد انتهت، وأننا لن نقاتل مرّة أخرى. لكن أوريانا قالت لأوروبا إنّ الحرب لم تنته وإنّ الإسلام السياسي يعيد الحرب إلى القارة.

تيمسيت: ما الشيء الذي تعرَّفتِ إليه حول أوريانا، أثناء كتابة سيرتها، وكان الأكثر دهشة؟

دي ستيفانو: جعلت أوريانا مني شخصاً نسوياً. لقد ولدتُ في عام 1967، وكنت مقتنعة بأنّ النسويات بالِيات وزمنهن قد ولَّى. وعندما كتبتُ عن حياتها، أدركت كم النساء اللواتي كافحن قبلي للعمل والعيش مثل الرجال، ولأجل أن يكنّ مقبولات ومعترف بهن. ومن خلال كتاباتها، أقنعتني بأنّ الحقوق التي حصلت عليها النّساء في الماضي يمكن أن تؤخذ منهن - ولذلك علينا أن نكون حذرات طوال الوقت. أنا شخص مختلف الآن.

أنابيل تيمسيت، ذي أتلانتيك

اقرأ المزيد...

الوسوم: