فيلم "فتح واشنطن 2" .. داعش يبحث عن وهم الانتصار

5038
عدد القراءات

2018-01-30

قد ينظر العالم أجمع إلى خريطة داعش الجغرافية على الأرض، لكنّهم لا يلتفتون إلى تلك الخريطة الوهمية التي صنعها التنظيم للعالم.

يتحدّثون، الآن، عن فقد التنظيم للموصل، والرقة، ودير الزور، وانتهاء التنظيم على الأرض، وكيفية احتواء العائدين، والمعارك التي سيخوضونها مع أذرع التنظيم، من فوق رأسه، ومن جانبه، ومن تحته، إلّا أنّهم لم يتحدّثوا، حتى اللحظة، عن خريطة الوهم، وكيف يخلقها في نفوس أتباعه.

داعش تعمّد أن يكون له حضور طاغ عبر الإعلام لذا فقد بلغت خارطته الإلكترونية الدعائية مبلغاً عظيماً

وفق إحصاءات حقيقية، حسب تصريحات وتقارير صحفية، حصل داعش في العام 2014، على حوالي 58 ألف كيلومتر مربع، وفي بداية العام 2015، أكمل انتصاراته بالوصول إلى ريف حلب بسوريا، ومصفاة "بيجي" في العراق. وفي بداية العام 2016؛ فقَد ثلث تلك المساحة مرة واحدة، وفي العام 2017؛ فقدَ جلّ أراضيه، وهذه هي خرائط الجغرافيا السياسية للتنظيم (الجيبوليتكا)، التي تُعنى بدراسة ما يمكن أن تكون عليها الوحدة السياسية مستقبلاً، إلّا أنّها لا تتحدث، ولا تعنى مطلقاً بما يمكن أن تكون عليه أفكار التنظيم مستقبلاً أيضاً، أو خرائطه الإعلامية.

قرّر داعش المنهزم، عام 2018، أن يخلق جغرافيا وهمية في الشبكات الإلكترونية، وأن يجعل المجال الحيوي لدولته، غير الموجودة، ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، فأطلق عدة إصدارات، أهمها على الإطلاق؛ الفيلم الأخير الذي صدر، أول من أمس، وخرج كعادة التنظيم بعنوان قرآني، ككل إصداراته، (ونراه قريباً)، وهو الجزء الثاني من سلسلة بدأت العام 2013، بالاسم نفسه، منذراً فيه بفتح واشنطن!

أغلب الصور التي ظهرت بالفيلم تمّ نشرها في إصدارات قديمة للتنظيم فهو لا يشغله ذلك بقدر ما يشغله إثارة الصغار

الكذب لرفع المعنويات

استخدم التنظيم في إصدار (ونراه قريباً...فتح واشنطون2) مشاهد وهمية لاقتحام البيت الأبيض، مستخدماً تقنيات الجرافيك في تركيب مقاطع الفيديو والصور المتحركة، وسرق مقاطع من الفيلم الأمريكي "سقوط البيت الأبيض"، الذي تمّ عرضه العام 2013، وأطلق عليها عملية "الفاروق"، مستعيناً بتقنية الجرافيك لتركيب صور بها رايته السوداء على الطائرات والدبابات.

أغلب الصور التي ظهرت بالفيلم، تمّ نشرها في إصدارات قديمة للتنظيم ؛ فهو لا يشغله ذلك، بقدر ما يشغله إثارة الصغار، الذين لا يدققون كثيراً، وتأخذهم الحماسة؛ لذا فقد نشر في مجلته الأسبوعية "النبأ"، خبراً عن الإصدار، وكأنّه حقيقة لا شكّ فيها، قائلاً: "أطبق جنود الخلافة الحصار على البيت الأبيض؛ حيث تحصّن المشركون، ولم تمنعهم حصونهم من الله"، إضافة إلى "إرسال البغدادي عدداً من الانغماسيين لاقتحام البيت الأبيض، وسقوط علم أمريكا، ورفع الراية السوداء على البيت الأبيض".

استعان التنظيم، في الإصدار، ببعض كلمات للمتحدث الإعلامي السابق، أبو محمد العدناني، الذي قتل نهاية آب (أغسطس) العام 2016، في مدينة حلب السورية، بغارة جوية من قوات التحالف الدولي، قال فيها: "آن الأوان؛ آن لأمّة محمد أن تهبّ من رقادها، وتنزع عنها ثوب العار، وتنفض غبار الذلّ، فقد ولّى زمان اللطم والعويل، وبزغ بإذن الله فجر العزّ من جديد".

لم يكن إصدارهم الأخير هذا الأول من نوعه؛ فداعش الإرهابي له فيلم قديم يحمل العنوان نفسه

الواضح، من خلال هذا الإصدار، أنّ التنظيم يتألّم لهزيمته، وأنّه حريص على جعل الصورة معكوسة، ونتيجتها أنّهم باقون، وستظل أذرعهم تواجه الأعداء.

لم يكن إصدارهم الأخير هذا الأول من نوعه؛ فداعش الإرهابي له فيلم قديم يحمل العنوان نفسه، زعم فيه أنّه اخترق مواقع وزارة الخارجية والجيش الأمريكي، ووصل لبيانات حول موظفيهما.

وله فيلم آخر توعّد فيه الشعب الأمريكي بإرسال "القتلة لمنازلهم للتخلص منهم"، وقال فيه: "لم نبدأ الحرب ضدّكم، وسوف تدفعون ثمناً باهظاً، أبناؤكم سيعودون إليكم في توابيت، أو مبتوري الأطراف".

مؤسّسة الفرقان، ومؤسّسة خيبر، ومؤسّسة دابق، ومؤسّسة الحياة، جميعها لا تزال تعمل، وكلّها تُعنى بإنتاجات بصريّة تخضع، بصورة كاملة، للرؤية التي تريد داعش نقلها، وهي صورة كاذبة وخادعة.

الواضح، من خلال هذا الإصدار، أنّ التنظيم يتألّم لهزيمته، وأنّه حريص على جعل الصورة معكوسة

صناعة خارطة الوهم

إنّ داعش الإرهابي، تعمّد أن يكون له حضور طاغ عبر الإعلام؛ لذا فقد بلغت خارطته الإلكترونية الدعائية مبلغاً عظيماً، وأصرّ أتباعه على نشر الفيديوهات، التي تصوّرهم وهم يهدمون الحدود بين سوريا والعراق، كما أصرّوا، في التوقيت ذاته، على نشر فيديو إعدام سوريين تحت عجلات الدبابات، وشيّ عراقيين بالنيران، وإغراق بعضهم في نهر الفرات. وفي هذا التوقيت؛ توسّعت خريطة التنظيم، وبلغت المدى، وبينما كان الظواهري يعاني عزلة في جبال أفغانستان، كان البغدادي يخطب بالموصل، والعدناني، قبل مقتله، يوجّه رسائله إلى أوروبا، والقيادي شاكر وهيب يستعرض أعماله القتالية في فيديوهات، وكأنّه في نزهة خلوية.

أطلق داعش على أتباعه (ولايات)، ووزّع البغدادي الإمارة، هنا وهناك، وأطلق خرائط مجانية على مواقعه المقربة؛ كولاية سيناء ونجد، والفرات، وغيرها، بل وغيّر الأسماء، وأطلق أخرى عليها كولاية الخبر بالعراق، ووصلت به الجرأة إلى إطلاق اسم "ولاية" على عناصره بموسكو، ومجموعاته الكامنة بأمريكا.

التنظيم يشبه كرة مطاطية ما إن تقذفها إلى أي جدار لا تلبث أن ترتد إليك مرة أخرى

من أجل الفهم الأدقّ، خرائط داعش الإعلامية والفكرية مختلفة دائماً، وفق الباحث الروسي في مركز كارنيغي، أليكسي مالاشينكو؛ إنّ التنظيم "يشبه كرة مطاطية، ما إن تقذفها إلى أي جدار، لا تلبث أن ترتد إليك مرة أخرى، وكلّما دفعتها بقوة إلى الحائط، ارتدت إليك بقوة أيضاً، وفق قانون نيوتن الثالث (كلّ فعل له ردّ فعل يساويه في القوة ويعاكسه في الاتجاه)"، ما يعني ببساطة؛ أنّ هناك عملية تجريد، وأنّ التعامل مع هذا التنظيم السرطاني الإرهابي يجري وفق إجراءات، يغلب عليها الطابع النظري والتنظيري، إلى جانب التواطؤات العديدة من أطراف بعينها، تظهر بأشكال وبحجج متنوعة ومثيرة للدهشة والسخرية.

داعش الكاذب المخادع، يوحي دائماً بأنّ الخرائط الأرضية لا تشغله كثيراً، فلديه خرائطه الخاصة، وإرثه الخاص من حقبة بن لادن، وأبو مصعب الزرقاوي، ونستولوجيا تاريخية لدولة الخلافة العباسية والعثمانية، وقدرته على اقتحام عواصم الدول الكبرى كواشنطن، لذا كان هذا الإصدار جزءاً من معادلة "صناعة الوهم".

اقرأ المزيد...

الوسوم: