قصة يرويها الأسواني.. أحد المتهمين باغتيال السادات

قصة يرويها الأسواني.. أحد المتهمين باغتيال السادات
16478
عدد القراءات

2018-01-17

نطق القاضي حكمه فيه بصوت خفيض: "محمد محمود صابر، الشهير بالأسواني، الأشغال الشاقة المؤبدة". كان متهماً رئيسياً في قضية الجهاد الكبرى، وقالت أوراق القضية عنه إنه قتل  ببندقيته الآلية عميداً وضابط شرطة أثناء اقتحام منزله من القوات الخاصة، كان أحد المتهمين في قضية اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات، وكان يبلغ حينها 24 عاماً.

للمرة الأولى ألتقي بقيادي جهادي لا يعرف إذا كان قد قتل أم لا؟. تتداعى تفاصيل الواقعة إلى مخيلته، وهو رغم مرضه الشديد، ما يزال يحتفظ بذاكرة فولاذية.

كان والده ووالدته يدرسان مادة الموسيقى في إحدى مدارس حي شبرا، شمال القاهرة، وكانا كفيفين، تزوجا ثم أنجبا 3 أطفال كان من بينهم محمد.

الاقتحام الدامي

في العام 1981 كان محمد منخرطاً في إحدى المجموعات الجهادية، شديدة الخطورة، وكان مقرباً للشخصية الجهادية الأخطر في ذلك الوقت، عصام القمري، الضابط في القوات المسلحة المصرية.

وبعد اغتيال "السادات" هجمت القوات على منزله، فقابلهم على سلالم البناية، وأطلق النيران بكثافة عالية، سقط حينها من سقط، واستطاع هو الهروب.

مرت سنون وهو في سجن ليمان طره يشعر بـ"المظلومية" بين جدرانه حتى اختمرت فكرة الهروب في عقله

تمكنت قوات الأمن من القبض عليه مجدداً، وزجّت به في السجن، إلا أنّ بعض أوراق القضية ذكرت أنّ الأعيرة النارية التي قتل بها الضابطان، لم تكن هي ذاتها التي تستخدم في السلاح الآلي الذي كان يقتنيه "الأسواني"

هنا يتذكر الأسواني ، تفاصيل مهمة وقعت أثناء عملية الاقتحام الدموي، عندما أطلق زخات من بندقيته؛ أطلقت القوات بالخارج النار عشوائياً على البناية، هذا ما جعله يرجّح أنّ القتل وقع بطريق الخطأ بين القوات، وأنه لم يرتكب فعل القتل، يظل الأسواني متمسكا بهذه الرواية نافياً عن نفسه تهمة القتل.

محمد محمود صابر، الشهير بالأسواني .. والصحفي المصري صلاح الدين حسن(حفريات)

خطة "الهروب الكبير"

مرت سنون وهو في سجن ليمان طره، يشعر بـ"المظلومية" بين جدرانه، حتى اختمرت فكرة الهروب في عقله، فطرحها على رفيقيه عصام القمري، وخميس مسلم، وبدأ وضع الخطة المحكمة، إنه الهروب الكبير.

يقول: رأينا أننا مقاتلون لا يليق بنا السجن، بينما رأى عبود الزمر، القيادي الجهادي، أن عملية الهروب ستجلب على التنظيم الوبال، وأنه يجب المكوث إلى أن يأذن الله بالخروج مستشهداً بقصة موسي، عليه السلام، ومؤمن آل فرعون.

ظل الأسواني في السجن حتى قيام "يناير" ورفضت السلطات الإفراج عنه إلا بعد حملة قامت بها التيارات الإسلامية

لم يقتنعوا وبدأوا في استجلاب بارود بدائي من خارج السجن، وضعه بعض زوارهم في كعوب أحذيتهم، واستطاعوا تسريب عدد من مقاعد البامبو، التي فككها القمري وأعاد تضفيرها على هيئة سلم يشبه السلالم التي تستخدمها قوات الصاعقة.

وضع الأسواني، قطعة إسفنجية في موضع لسان قفل الزنزانة، حتى إذا أغلق الحارس الباب توهم بأنه قد أغلق، ثم عمل طبعة لمفتاح العنبر في غفلة من الشاويش، وقام باستنساخه بعدما قطع جزءاً من حديد سريره.

حددوا التوقيت؛ قبل أذان الفجر بنصف ساعة، حيث يغط العساكر في نوم عميق، فتحوا باب الزنزانة والعنبر، فوجدوا أنفسهم في ساحة التريض.

كان هناك برجان على اليمين وآخران على الجهة اليسرى، فقام القمري بألقاء قنبلتين في اتجاه اليمين، وقال الأسواني وخميس بإلقاء قنبلتين في الاتجاه المقابل.

كان القمري يعتمد على الصدمة الأولى التي يأخذ بعدها هو زمام المبادرة، وهو ما حدث، فالعساكر قد أصيبوا بالهلع جراء المفاجأة فألقوا بأنفسهم على الأرض مصابين... ألقي القمري بالسلم على أطراف السور، وبدأوا التسلق واحد تلو الآخر، فإذا بهم على ضفة النيل مباشرة، حيث كان بانتظارهم قارب مطاطي، كانت خلية تابعة لهم في الخارج قد تركته ومضت، فاستقلوه في اتجاه الضفة الأخرى... لقد ضللوا القوات التي لم تتوقع أنهم عبروا النيل فأخذتهم الكلاب البوليسية، في اتجاه مخالف تماماً.

العودة وراء القضبان

يقول الأسواني إنه كان ينوي الهجرة إلى أفغانستان، لكنه لم يكن يعرف ما الذي يدور في ذهن القمري ومسلم.. كلفوا بعض الأشخاص بتزوير جوازات سفر لهم.. لكن الأقدار كانت لها كلمة أخرى.

توجهوا إلى شقة في منطقة مساكن إيديال، كانت لصديق لهم يدعى خالد بخيت سافر إلى المملكة العربية السعودية، بعد اغتيال السادات، ولم تعد له علاقة بالتنظيم.

رصدت قوات الأمن مكالمة بين طارق الأسواني، شقيق محمد، وبين أحد أفراد الخلية، العاملين وقتها في أحد البنوك، ولم يكن تعرفه الأجهزة الأمنية، فأرادت الأجهزة القبض على طارق حتى يوصلهم إلى شقيقه محمد، فتوقعت أن يكون في شقة صديقه القديم بخيت، فجهزت الحملة وذهبت للاقتحام.

من دافع عن الأسواني بعد القبض عليه هو القاضي الذي حكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة بقضية الجهاد الكبرى

لم تكن تعرف أن في الشقة الصيد السمين نفسه، فظنت في بداية الأمر أن عملية القبض ستكون سهلة.. إلا أنها اصطدمت بالمجموعة التي يقودها القمري، فقتل من القوات 7 بينهم ضباط في المحاولة الأولى في الاقتحام.

يقول الأسواني إن القمري كان قد طلب منه الصعود إلى السطح، للتعامل مع ضابط وعسكري، كانا قد صعدا بالفعل، فباغتهما وأطلق النار على قدم العسكري، وأخذ سلاحه إلا أنه لم يرد قتل الضابط، مكتفياً بسحب سلاحه.

قدمت التعزيزات الأمنية وازدادت ضراوة إطلاق النيران؛ فقرروا فك الحصار والفرار من المكان، قام القمري بالتغطية النارية، وطلب من رفيقيه الهروب، وقاوم حتى أصيب بطلقة في ظهره استقرت في قلبه.

لم يكن الاسواني ممن خطّوا إقرارات توبة أو دخلوا في مبادرات للصلح مع الدولة وظل متمسكاً بأفكاره

في اليوم الثاني كانت قوات الأمن قد توصلت لمسلم وقتلته بعد الاشتباكات، وفي اليوم العاشر كانت قد توصلت للأسواني إذ ألقي القبض عليه وهو يسير أمام المستشفى القبطي في رمسيس، عندما ذهب لملاقاة أخيه، فلم يستطع الإفلات.

في محاكمة الهروب، تطوع محام للدفاع عنه، فقال في مرافعته: "إنني القاضي الذي حكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة في قضية الجهاد الكبرى، واليوم أتيت للدفاع عنه.. كان القاضي عبدالغفار، الذي أصدر أحكاماً ببراءة غالبية أعضاء التنظيم في قضية الجهاد الأولى العام 1984، وكانت مفاجأة للجميع بمن فيهم الأسواني نفسه.

الأسواني في سجن الطرة(حفريات)

ظل الأسواني قابعا في السجن حتى قيام ثورة 25 من يناير العام 2011، ورفضت السلطات الإفراج عنه، إلا بعد حملة قامت بها التيارات الإسلامية، وصلت حد التظاهر من أجله.

لم يكن من الذين خطّوا إقرارات توبة، أو دخلوا في مبادرات للصلح مع الدولة، ظل متمسكاً بأفكاره، حتى خروجه.

الآن يجلس طريح الفراش، بسبب ما يقول إنه نتيجة التعذيب في السجون، ما أدى به إلى مشكلات كبيرة في الحبل الشوكي، ثم أعقبها جلطات يحاول مقاومتها.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أكراد في تركيا.. كيف حدث الانتقال من السلاح إلى صناديق الانتخاب؟

2020-10-16

بين السلاسل الجبلية الممتدة ما بين شمال جبال زاغروس والمرتفعات الأرمنية شرق الأناضول، انتشرت قبائل الأكراد منذ العصور القديمة، وبعد سقوط مملكة ميديا في القرن السادس قبل الميلاد على يد الفرس، خضعوا لحكم الإمبراطوريات المتعاقبة، مع الاحتفاظ بقدر من الحريّة منحتهم إيّاها تضاريس بلادهم المنيعة.

في السبعينيات تبلور بين الشباب الكردي الاتجاه نحو إطلاق عمل سياسي ضمن الإطار اليساري

وبحكم ما اقتضاه نشوء الدول في صيغتها الحديثة من ترسيم وتثبيت حدود فاصلة بينها، وما استتبع ذلك من تقطيع وتجزئة لروابط عرقية واجتماعية وثقافية، تكوّنت وتشكّلت عبر عصور طويلة متلاحقة، ونتيجة عدم نشوء دولة جامعة للأكراد، كان مصيرهم التفرّق بين أربعة دول هي: إيران وتركيا والعراق وسوريا.
سنعرض في أربعة تقارير مسيرة تفاعل الأكراد على المستوى السياسي مع كلّ من الدول الأربع، والبداية في هذا التقرير مع تركيا.
من الانتفاضات المحليّة إلى الدولة الموعودة
عرف الأكراد في تركيا أطواراً عدّة فيما يتعلق بموقفهم وحراكهم على المستوى السياسي، وبالإمكان تتبع المرحلة الأولى في الفترة المتأخرة من العصر العثماني؛ حين كان الأكراد يحظون بقدر من الحكم المحلي، مع ظهور عدد من الأسر الحاكمة والزعامات القبليّة المحليّة، وذلك منذ اختيارهم الانحياز إلى جانب الدولة العثمانية عوضاً عن الصفويّة، لكن وفي عهد السلطان عبد الحميد، ومع حالة التراجع التي أصابت الدولة في أعقاب الخسارة في الحروب مع روسيا، شهدت مناطق الأكراد عدداً من الانتفاضات والثورات قادها زعماء محليون من أمراء وزعماء قبليين، كما نجد مثلاً في ثورة الأمراء البدرخانيين، عام 1879، وثورة مدينة "شمدينان" عام 1880، بقيادة الشيخ عبيد الله النهري، وانتفاضة يزدان شير البوتاني، وحتى انتفاضة عبد السلام البارزاني في دهوك عشيّة الحرب العالمية الأولى.

اقرأ أيضاً: رسالة أوجلان... هل تصنع السلام بين أكراد سوريا وتركيا؟
ومع دخول الدولة أتون الحرب العالمية الأولى؛ تمكّنت من تجنيد عدد كبير من الأكراد، قاتلوا إلى جانب الجيش العثماني الرابع، ومع نهاية الحرب وهزيمة الدولة العثمانية، جاء انعقاد مؤتمر الصلح في فرساي، عام 1991، والذي حرص الأكراد على إيصال صوتهم فيه عبر ممثلهم شريف باشا، وتمكن من إيصال مطالب الأكراد بإقامة دولتهم الخاصّة، وهو ما تمّت ترجمته فعلياً بعد ذلك بعام، عند توقيع معاهدة سيفر، عام 1920، فجاءت متضمنةً خطة مقترحة لإقامة دولة كردية مستقلّة، وكانت تلك اللحظة الأقرب لتحقيق الدولة المنشودة.

شريف باشا خندان حمل مطالب الكرد إلى مؤتمر الصلح في فرساي

تبدّد الوعد.. وبداية المواجهة
رفض الأتراك معاهدة سيفر القاضية بتقسيم بلادهم إلى عدّة دول على أساس العرق، وخاض الجيش التركي بقيادة مصطفى كمال حرباً لأربعة أعوام، عرفت بـ "حرب الاستقلال"، انتهت بإقرار معاهد لوزان عام 1923، والتي قضت تماماً على سيفر ووعودها، بما في ذلك الدولة الكردية الموعودة، ولتصبح مناطق الأكراد جزءاً من دولة جديدة قامت، هي الجمهورية التركيّة، بقيادة مصطفى كمال أتاتورك.

اقرأ أيضاً: العراق "فاترينة" عرض .. 6 أسلحة يستخدمها أردوغان ضد الأكراد
كانت دولة أتاتورك الجديدة دولة قوميّة، لا تعترف بالأقليّات، وإنما تسعى لدمجهم قسرياً ضمن النسيج القومي للدولة، ووجد الأكراد بذلك أنفسهم في مواجهة سياسات الإدماج القسري، فحُظر عليهم استخدام اللغة الكردية في الأماكن العامّة، ومنع استخدام كلمة "الكرد"، وأطلق عليهم اسم "شعب شرق الأناضول"، ومع بداية هذه المرحلة جاءت ثورة الشيخ سعيد بيران الكردي، عام 1925، لتعبّر عن ذروة الرفض لسياسات الجمهوري الجديدة، قبل أن يتصدى الجيش لها ويقمعها.
استمرار النهج.. ولحظة الثورة
استمرت الحكومات التركيّة المتعاقبة بممارسة نهج التمييز والاضطهاد بحقّ الأكراد؛ فكان التكلّم بغير اللغة التركيّة في الأماكن العامّة محظوراً وتترتب عليه العقوبات والغرامات، وكان من المحظور إصدار الصحف، أو عقد الاجتماعات العامّة، التي تنادي بمطالب الأكراد وحقوقهم.

شهدت مرحلة التسعينيات بداية تشكّل اتجاهات سياسية جديدة بين الأكراد في تركيا

ضمن هذا السياق؛ اتّجه أغلب الشباب الكردي الناشط إلى الانتماء للأحزاب والحركات اليساريّة المعارضة، ومع مطلع السبعينيات، بدأ يتبلور بين الشباب الكردي اتجاه نحو إطلاق إطار جديد للعمل السياسي ضمن الإطار اليساري، للمناداة بالمطالب القومية الكردية على أساس مماثل للحركات الثورية والتحرريّة التي كانت منتشرة حول العالم آنذاك، ومن هنا جاء الإعلان عن تأسيس النواة الأولى لحزب العمال الكردستاني، في تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1978، بعد أعوام من النشاط السريّ، واختير عبد الله أوجلان، كأول رئيس له.
تبنّى الحزب الهدف المنشود بإقامة دولة كرديّة في تركيا تكون بمثابة المرحلة الأولى على طريق إقامة دولة كردستان الكبرى، وتبنى الحزب بدايةً أساليب سلميّة، تقوم على نشر الأفكار، وتنظيم المظاهرات، وتوزيع المنشورات، وتعاملت السلطات التركيّة مع الحزب وأهدافه باعتبارها تهديداً يستهدف كيان الجمهوريّة، فتصدّت لأنشطته ولاحقت كلّ من انتسب له.

اختير عبدالله أوجلان كأول رئيس لحزب العمال الكردستاني

خمسة عشر عاماً من العمل المسلّح
وفي عام 1980، قاد كنعان إرفين انقلاباً عسكرياً في تركيا، وبعد استلامها الحكم، اتجهت الحكومة العسكريّة لتعزيز سياسات الإدماج، حتى شرعت بتغيير أسماء القرى والبلدات الكردية إلى أسماء تركيّة، وحظرت على الأكراد التسمّي بأسماء كرديّة. وفي عام 1984، مع اشتداد وطأة القمع، أعلن حزب العمال تبنّي خيار الكفاح المسلّح في مواجهته مع الدولة والمباشرة باستهداف مصالحها، حتى تحقيق الحرية والاستقلال للشعب الكردي، وفي بداية عقد التسعينيات تجاوز عدد مقاتلي الحزب العشرة آلاف مقاتل.

اقرأ أيضاً: السجون التركية تحظر صور كاسترو وجيفارا في زنازين الأكراد
جاء ردّ الدولة عبر إعلان حالة الطوارئ في المحافظات الكردية، وشنّ حملات عسكريّة ضدّ معاقل الحزب وقواعده، وخلال أعوام الصراع؛ تمّ تدمير مئات القرى الكرديّة، وتدمير أجزاء من كبرى المدن في جنوب تركيّا، كديار بكر، وماردين، ونصيبين، وتسبب الصراع في نزوح نحو أربعمئة ألف كردي عن ديارهم.

مقاتلون من حزب العمال الكردستاني

عام 1998؛ قررت دمشق إبعاد عبد الله أوجلان من سوريا؛ حيث كان قد لجأ إليها ونشط منها منذ عام 1979، وقامت بترحيله إلى روسيا، ومن هناك ذهب إلى أوروبا، وتنقّل بين اليونان وإيطاليا، قبل أن يختار التوجّه إلى كينيا. وبعد وصوله إلى نيروبي، في الخامس عشر من شباط (فبراير) عام 1999، نفذّت الاستخبارات التركيّة، بمساعدة من جهازيْ الاستخبارات المركزيّة الأمريكية والموساد، عملية اختطاف لأوجلان، ونقلته إلى تركيّا، وهناك جرى عرضه بصورة مهينة على شاشات التلفزة بغرض بثّ شعور الهزيمة في نفوس الأكراد ومقاتلي الحزب، وتمت محاكمته وصدر بحقه الحكم بالإعدام قبل أن يخفف لاحقاً إلى عقوبة السجن المؤبد.

اقرأ أيضاً: من سيحمي أكراد سوريا من أردوغان؟
وفي العام ذاته؛ أعلن حزب العمال، في الأول من أيلول (سبتمبر)، هدنة، وانسحبت قواته من تركيّا إلى قواعده في شمال العراق، في المقابل أعلنت الحكومة التركيّة وقف العمليّات العسكريّة، رغم عدم التزامها الكامل بذلك واستمرارها في تنفيذ الطلعات الجويّة.
اتجاهات سياسية جديدة
شهدت مرحلة التسعينيات بداية تشكّل اتجاهات سياسية جديدة بين الأكراد في تركيا، تمثّلت في تأسيس أحزاب سياسية اتجّهت لتبنّي خيار العمال السلمي والمشاركة بالعملية الديمقراطيّة في البلاد، مع السعي لإيصال ممثلين عنها إلى البرلمان يحملون مطالب الشعب الكردي، بدايةً من تأسيس "حزب العمل الشعبي"، عام 1990، والذي نجح في الوصول إلى البرلمان التركي في انتخابات عام 1991، بعد تحالفه مع حزب الشعب الديمقراطي الاشتراكي، واشتهرت نائبته، ليلى زانا، التي أرادت القيام بأداء قسم اليمين في البرلمان باللغة الكردية، فمنعت، وأثارت ضجّة واسعة في حينها.
وعام 1993؛ جاء قرار المحكمة الدستوريّة التركيّة بإغلاق الحزب، وذلك بدعوى ثبوت إقامة أعضائه صلات مع حزب العمال، وعام 1994؛ أزيلت الحصانة البرلمانيّة عن ليلى زانا، وحُكم عليها بالسجن مدة خمسة عشر عاماً، بتهمة إلقاء خطابات انفصاليّة.
ومباشرة، بعد قرار إغلاق حزب العمل الشعبي، عام 1993، تأسس حزب كرديّ آخر؛ هو "حزب العمل الديمقراطي"، قبل أن تغلقه المحكمة الدستورية مباشرة بدعوى أنّه امتداد للحزب السابق.

ليلى زانا في مواجهة المحكمة

وفي أيار (مايو) 1994؛ أسّس المحامي الكردي، مراد بوزلاق، حزب "ديمقراطيّة الشعب"، وحرص الحزب الجديد على الابتعاد تماماً عن حزب العمال، تجنباً لمصير الأحزاب السابقة، لكن، وفي اجتماع للحزب، عام 1996، تمّ إنزال العلم التركي ورُفع علم حزب العمال، ما أدّى إلى اعتقال عدد من أعضاء الحزب.

تمكّن حزب الشعوب في انتخابات 2015 من حصد 13% من مجموع أصوات الناخبين في البلاد

شارك الحزب في الانتخابات التشريعية للعام 1995 والعام 1999، واستمر حتى عام 2003؛ حين صدر قرار المحكمة الدستوريّة بإغلاقه، وأيضاً من جديد بالتهمة ذاتها: إقامة صلات مع حزب العُمّال.
وفي عام 1997؛ تأسّس حزب الشعب الديمقراطيّ، وفي الانتخابات التشريعيّة للعام 2002، تمكّن الحزب من حصد (6.2%) من مجموع أصوات الناخبين في البلاد، لكنّه لم يتمكّن من دخول البرلمان لعدم تجاوزه العتبة (10%)، وعام 2005 اتجّه الحزب للاندماج في مبادرة "حركة التجمع الديمقراطي"، بقيادة ليلى زانا، التي نجم عنها تأسيس "حزب التجمّع الديمقراطي" عام 2005.
تحوّلات متسارعة
دخلت تركيا مع بداية الألفيّة منعطفاً جديداً، مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، عام 2002، والذي حرص على تأكيد الالتزام بإطلاق توجّه جديد في التعامل مع قضايا الشعوب والأقليات غير التركيّة في البلاد، وفي مقدمتها الأكراد، والتراجع عن الاتجاه الذي ساد والقائم على سياسات الدمج والتمييز والاضطهاد، وذلك مقابل الالتزام الكردي بالتراجع عن العمل المسلّح والتخليّ عن مطالبات الاستقلال والانفصال.

اقرأ أيضاً: الأكراد والثورة الإيرانية.. مسلسل بلا نهاية من المآسي
وفي هذه المرحلة، ومع تسارع التحوّل على مستوى المشاركة السياسة الكرديّة، وتحوّلها إلى الإطار القانوني، أعلن أوجلان في السجن عن مراجعة أفكاره السياسية، واتجه نحو التخلّي عن العنف، وفي آذار (مارس) عام 2005؛ أصدر منشوراً بعنوان "الكونفدراليّة الديمقراطيّة في كردستان"، تبنّى فيه مطلب إنشاء إقليم حكم ذاتي كرديّ على غرار الإقليم العراقيّ، وقد تبنى الحزب الرؤية الجديدة في العام ذاته.
المزيد من النواب الأكراد في البرلمان
بعد انطلاق نشاط حزب التجمع الديمقراطي عام 2005، لم تمر سوى أربعة أعوام حتى صدر القرار بحظره هو الآخر، عام 2009، بالتهمة ذاتها أيضاً، ومع حظره تأسس حزب بديل جديد وهو "حزب السلام والديمقراطيّة"، قبل أن يُحظر ويُحلّ عام 2014.
وفي عام 2012، تأسس "حزب الشعوب الديمقراطي" كحزب يساري يتبنى الديمقراطية الاشتراكية، ويناصر قضايا الأقليّات في تركيا، وفي مقدمتها قضايا المطالبة بالحقوق الكرديّة، وفي انتخابات عام 2015 تمكّن الحزب من تحقيق نقلة نوعيّة على مستوى العمل السياسي الكردي، مع تمكّنه من تجاوز نسبة الـ 10%، وحصوله على نحو 78 مقعداً، بعد حصده 13% من مجموع أصوات الناخبين، ما شكّل مفاجأة للمحللين حينها، وفي الانتخابات الأخيرة عام 2018، تمكّن من حصد نحو 11.7% من مجموع الأصوات، وحصل على 69 مقعداً في البرلمان من أصل 600 مقعد.

صلاح الدين ديمرداش رئيس حزب الشعوب الديمقراطي

ويرى محمد عثمانلي، باحث الدكتوراه في التاريخ التركيّ الحديث، من جامعة "باموق قلعة" بتركيا، في إجابته لـ "حفريات" عن سبب التحوّل في شكل المشاركة السياسية لدى الأكراد في تركيّا؛ بأنّ "ذلك يعود بالأساس إلى شعور الناخب التركي بأنّ المسار الديمقراطي والمشاركة في الانتخابات جلبت له المنافع الملموسة عبر الحصول على المزيد من الحقوق على المستوى الثقافي، إضافة إلى تعزيز مستوى التنمية في المحافظات ذات الغالبية الكرديّة، عبر إيصال الممثلين إلى البرلمان، في حين أنّ القناعة ترسّخت لدى شريحة واسعة من الأكراد بأنّ نهج حزب العمال لم يحقق لهم مطالبهم، وإنّما أدّى إلى الكثير من الخسائر على مختلف الصعد".
ويعلّق عثمانلي على الاختلاف بين مشاركة الأحزاب الكرديّة الناشئة منذ التسعينيات وبين حزب العمال، بأنّ "تلك الأحزاب اتجهت إلى مناجزة الحكومات التركيّة عبر ذات الآليات الديمقراطية التي أوصلت الحكومات إلى السلطة، في حين أنّ حزب العمال لم يدرك التحوّلات في تركيّا، واستمر بمناجزة الدولة على الأساس ذاته الذي فرضته الحكومات غير الديمقراطيّة في العقود السابقة من القرن الماضي".

للمشاركة:

بقايا الغموض: كيف دمّرت السرية الثقة بالإخوان المسلمين؟

2020-01-18

كثيراً ما وثّق التاريخ جماعات وحركات تؤمن أنّها وحدها تمثّل الحق، وأنّ تحقيقه لا يتم إلا بعد صراع حتمي، وأنّ التمهيد لهذه المعركة لا بد أن يُحاط بالسرية، ولعل الإخوان المسلمين تعد واحدة من أشهر الجماعات التي أحاطها الكثير من هذه السرية "المتعمّدة"، مما ألحق الضرر بها وعزّز العنف لديها، بل وكانت سبباً لعدم تطور الجماعة أو تغيرها وثقة الآخرين بها، فما هو تاريخ السرية لدى الجماعة؟ وكيف انغلقت على ذاتها من الداخل؟

السرية مجرد مصلحة
إنّ نشأة السرية في صلب جماعة الإخوان المسلمين منذ عهد مؤسسها ومرشدها الأول، حسن البنا، تتسم بنوع من التناقض، أو تستند إلى روايتين لا تتفق إحداهما مع الأخرى، ففي ذلك الوقت، كانت بنية الأحزاب المصرية عموماً، تتسم بنوع من السرية، وذلك في صراعها السياسي مع بعضها البعض للوصول إلى السلطة. وهو ما جعل البنا يتخذ السرية جزءاً من عمل التنظيم والجماعة آنذاك، بوصف الجماعة حزباً يسعى إلى السلطة، بل إنّ أهدافه العامة المعلنة في حينه، تحتاج مركزاً في السلطة حتى تتحقق.

نشأت السرية في صلب جماعة الإخوان منذ عهد مؤسِّسها ومرشدها الأول حسن البنا

وهذه الرواية الأولى، ليست أساسية، أو معلنة، بل تنوب عنها الرواية الثانية التي يتبناها الإخوان في التأريخ لجماعتهم، وهي "مقاومة الاحتلال الإنجليزي في أرض مصر وفي فلسطين، ومقاومة العصابات الصهيونية في فلسطين،  وهو عملٌ يحتاج حتى ينجح إلى السرية"، وفق كتاب "التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين" لمؤلفه علي عشماوي.
لكن الرواية الأخيرة، إن صحت بعض تفاصيلها، فإنّها بالكاد استمرت حتى العام 1948 أو بعده بقليل؛ حيث سيطر الاحتلال على فلسطين. وانحسر نشاط الجماعة في مصر. مما يعني أنّ السرية اقتصرت على عمل الجماعة من أجل تحقيق أهدافٍ داخلية على صعيد السلطة بالتحديد، ويبدو أنّ تلك السرية لم تعجب واحداً من أهم الشخصيات التي انضمت، إلى الإخوان المسلمين فيما بعد، وهو سيد قطب، الذي انتقدها في نهاية الثلاثينيات، وبداية الأربعينيات بقوله "إنّ زعيمها حسن البنا مغلّف بالسرية ويشبه زعيم حركة الحشاشين حسن الصباح، التي تعد من أكثر الحركات السرية تطرفاً في التاريخ. وهي تتطلب طاعةً عمياء لقائدها، وهو ما ينسحب على الإخوان أيضاً" بحسب تقريرٍ نشره موقع "المرجع" للدراسات حول الإسلام الحركي في 2018.

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت البرجوازية الصغيرة حاضنة لجماعة الإخوان؟
وإذا كانت السرية، أحد تكتيكات الجماعة منذ بداياتها تقريباً، فكيف صارت جزءاً من تركيبتها؟ ولماذا؟
هذا السؤال، يجيب عليه الكاتب والباحث المصري، والعضو السابق في جماعة الإخوان طارق أبو السعد بقوله "لقد ظهرت السرية في مفاصل التنظيم منذ عهد حسن البنا نفسه، ربما لأسبابٍ عديدة، كإمكانية حفاظ البنا على سلطته في التنظيم، وحمايته هو وقادة الجماعة من حوله في حال اتخذوا قراراتٍ معينة".

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في تركيا: جدوى الرهان وأمده
وتابع  أبو السعد، في تصريحه لـ"حفريات"، موضحاً "إنّ هذه السرية تثبت نجاعتها في جعل الولاء محصوراً بشخصية قائد المجموعة، أو المرشد، أو أمير جماعة من مجموعات الإخوان، فهي تُعوّد الفرد على الطاعة العمياء من جهة، وتبقيه جاهلاً بمن هم قادته، وما هي أهدافهم الحقيقية وأعمالهم الأساسية التي يمكن للأفراد تنفيذها، دون أن يعلموا عواقبها في بعض الأحيان، وبالتالي، أصبحت السرية أساساً من أسس التربية الإخوانية"، مما يعني أنّها شكلت مصلحةً لقادة التنظيم، ولم تكن مصلحة للتنظيم ككل، بل عزلت العديد من الأفراد من مراتب مختلفة عن بعضهم، وعزلتهم عن المجتمع أيضاً.

قادة معروفون للجماعة لكن أهدافهم ومصالحهم غير معلنة وكأنها خطيرة

عداوة وعزلة
خلقت السرية في صفوف جماعة الإخوان تاريخاً من الوقائع والخرافات على حد سواء، بشأن الجماعة وتفاصيل علاقاتها الخارجية، ومدى سطوتها وطموحاتها في مصر ودولٍ عربيةٍ أخرى، وحول العالم أيضاً، وقد شهدت أعوام الربيع العربي، خصوصاً بعد سقوط نظام محمد مرسي التابع للجماعة، الكشف عن ملفاتٍ ما تزال تخرج إلى اليوم على العلن، وكلها تتحدث عن أشياء سرية كان الإخوان يخفونها، كعلاقاتهم مع إيران، وأخرى مع تركيا، وبعضها قديم، شمل حتى علاقاتٍ لهم مع دول عربية، وأخرى غربية كبريطانيا.

سيد قطب قبل انضمامه للجماعة كان من أشد المنتقدين للسرية التي تتبناها وشبّهها بنهج الحشاشين

وكان آخر تلك الوثائق، جزء من أرشيف الاستخبارات الإيرانية السرية، حصل عليها موقع "The Intercept" الذي تشارك في نشرها مع صحيفة "نيويورك تايمز" في وقت واحد الشهر الماضي، وتتحدث عن "اجتماعٍ بين فيلق القدس الإيراني والإخوان في 2014 تم في تركيا، تخلل محاولاتٍ للنقاش حول دور إيران في سوريا والعراق" بحسب المصدر ذاته، وذلك ربما من أجل دورٍ يريد الإخوان لعبه في الدولتين، كنوعٍ من المصلحة، بعد إزاحتهم من الحكم في مصر.
ويعلق أبو السعد على مسألة السلطة والسطوة من خلال السرية لدى الإخوان بقوله "انطلاقاً من مسألة عزل الأفراد عن بعضهم البعض داخل التنظيم، فإنّ عملية توخّي السرية المفرطة هذه، تربي الفساد داخل أفراد الجماعة أياً كانت مناصبهم داخلها، فهم بطبيعة الحال، سوف يصبحون شكّاكين، ويشعرون بالريبة ممن حولهم، وربما يشكون في كل فردٍ أو جماعةٍ يختلفون عنهم في الأفكار داخل المجتمع، مما يولّد لديهم نوعاً من الحذر، ومن ثم الرفض، واعتبار الآخر غير صادق، أو أمين، وبالتالي التصلب والتشدد".

يلتزم أعضاء الجماعة بالسرية حتى يتم ضمان طاعتهم العمياء

وبسؤاله عن علاقة هذه بأوراق الجماعة السرية، وعلاقاتها في الخارج، أجاب الباحث في شؤون الجماعة: "إن ذلك ينسحب على علاقات الجماعة بتنظيماتٍ أخرى، وذبولٍ أخرى؛ فالسرية سوف تجعلها تعتاد الكذب، حتى لا تظهر نواياها وأهدافها الحقيقية، كما أنّها ستخلق لها تحالفات خاطئة أو فاشلة في معظم الأحيان؛ لأنّ الجماعة ترتاب في هؤلاء الحلفاء دائماً، وعادةً ما تشعر بالقلق، لعدم تحقق طموحاتها من خلالهم بصورة سريعة أو واضحة"، مما يجعلها تفشل في الاندماج الحقيقي داخل البيئتين؛ السياسية والاجتماعية من حولها، ويرى أبو السعد، أنّ "هذه السرية، طالما أسست للفساد، والعنف أحياناً، في صفوف الجماعة، وأنّه لا أصل دينياً أو دعوياً لهذه السرية، كما يدعي الإخوان في أدبياتهم".

أبو السعد: السرية ضرورة تنظيمية لدى جماعة الإخوان تخفي أهدافها الحقيقية وعلاقاتها الخارجية

من جهته، يرى الباحث وأستاذ العلوم السياسية اليمني محمد العذري، أنّ جماعة الإخوان "جماعة أيديولوجية، لا تندمج مع المفاهيم المدنية داخل المجتمع، وتحتاج إلى السرية، وإلى السيطرة على أفرادها، وجعلهم مختلفين عن الناس، بأن يتميزوا باتباعهم للمرشد، الذي يلعب دوراً سياسياً أكثر من كونه دينياً، وغالباً ما كان هنالك مرشد وهمي معلن عنه، وآخر غير معلن وسري، من أجل تحقيق اهداف الجماعة، والإبقاء على سرية وغموض علاقاتها، بكل تقلباتها ومصالحها". مما يثير الشبهات حول هذه السرية.

اقرأ أيضاً: الإخوان وإيران.. تحت عباءة الخميني
ويؤكد العذري، في تصريحه لـ"حفريات" أنّ "السرية ضرورية في الجماعة من أجل حماية مصالح وأهداف قادتها ومرشديها"، وهو ما يتفق معه أبو السعد، مضيفاً أنّ السرية ضرورة تنظيمية طبعت الجماعة بكل مفاصلها، "مما جعلها تصبح عمليةً تلقائية يستفيد منها كل من هو في الجماعة، أو على علاقةٍ معها في الخارج. وفي جميع الأحوال، يكاد زمن السرية في الجماعة، التي أعيد تشكيلها عدة مراتٍ منذ سبعينيات القرن الماضي تحت إطار هذه السرية ينتهي، بعد فضائح عديدة كشفت سوء تقدير الجماعات لعلاقاتها الخارجية، ولأهدافها غير المعلنة، التي تتناقض وأهدافها المعلنة. مما أودى بالكثير من مصداقيتها، وصدقية طموحاتها السياسية والاجتماعية، خاصةً بعد العام 2012".

للمشاركة:

ما حقيقة مشروع التحالف السنّي في العراق؟

2020-01-18

في بلاد ترتقي فيها الأساطير إلى مرتبة الحقيقة، وتصبح القضايا المعلنة أسراراً وخفايا، كالعراق، لا يبدو تقصي الحقائق أمراً هيناً، وهو أمرٌ ينطبق تماماً على الحديث المتواتر عن "خطوات من أجل إحياء مشروع التحالف السنّي".
ومع أنّه، لو أقيم، حقٌ دستوري (البند الخامس من الدستور العراقي الجديد، الذي يتيح للمحافظة أو عدة محافظات المطالبة بإقليم إداري ضمن نظام العراق الاتحادي الفيدرالي)، على غرار إقليم كردستان الحالي، إلا أنّه يواجه بمواقف رافضة ومنددة حد "التخوين" من قبل الحكم الشيعي الذي عمل ويعمل على إخضاع السنّة لسلطته.

اقرأ أيضاً: العراق وإيران: بين الوردي وشريعتي
المشروع في "صخبه" الجديد يتصل بمشروعٍ سابقٍ تبنّته "قوى سياسية عراقية (سنّية) مختلفة العام 2013، في ذروة الانتهاكات التي ارتكبت بمدن شمال وغرب العراق من قبل حكومة رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، إلا أنّ طرحه اليوم، ومع ارتفاع مستوى الخطاب الوطني من خلال انتفاضة العراقيين، التي تلاشت معها الطروحات الطائفية والمناطقية، يعتبره مسؤولون عراقيون وسياسيون بأنّه "متعمد وعن قصد من أطراف محددة لها مصلحة بإشعال الجدل وإعادة الحس الطائفي" في البلاد.

النجيفي والسفير الأمريكي ماثيو تولر
وجاء التصويت على قرار برلماني بسحب القوات الأمريكية من العراق وسط مقاطعة سنّية وكردية ليظهر الإشارة الأولى لحاجة السنّة إلى تحالف طالما أنّهم يرفضون القرار ويواصلون انتقاده، كما في تصريح رئيس "جبهة الإنقاذ والتنمية" الشخصية السنّية البارزة ورئيس البرلمان السابق، أسامة النجيفي، في لقائه مع السفير الأمريكي، ماثيو تولر، فقد اعتبر النجيفي قرار مجلس النواب بإخراج القوات الأجنبية من العراق "قراراً متسرعاً يشوبه نقص واضح في جوانبه القانونية، ويمثل ضربة للوحدة الوطنية في ظل غياب مكونات أساسية في أمر يخص مصلحة البلد ككل، كما أنّه يزرع بذرة لخلافات مستقبلية ذات تأثير سلبي على العراق، ويعبّر عن اتجاه خطير قوامه الانفراد في اتخاذ قرارات مهمة، رغم أنّ الحكومة هي حكومة تصريف أعمال يومية لا يحق لها اتخاذ قرارات أو توصيات حول أمور استراتيجية".

أسامة النجيفي: القرار النيابي بإخراج القوات الأجنبية متسرع يشوبه نقص واضح في جوانبه القانونية ويمثل ضربة للوحدة الوطنية

ليس الشخصيات السنّية العلمانية، كما النجيفي، مَن تتجه نحو هذا المنحى، فثمة حديث عن "بدء شخصيات عراقية محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين بنسختها العراقية بإجراء اتصالات مع أطراف أمريكية فاعلة في الساحة المحلية تحت عنوان وضع تصورات لإقامة تخالف سنّي في المناطق السنّية العراقية".
احتمالات إحياء مشروع إقامة تحالف سنّي متكامل يؤدي إلى "ضمان احتواء تنظيم داعش ومواجهة عودة نشاطه" تأتي متوافقة مع تأكيد واشنطن المتواصل على أنّ وجود القوات الأمريكية في العراق مهم لضمان عدم عودة التنظيم الإرهابي، وإذا ما عرفنا أنّ معظم القواعد الأمريكية يتواجد في المناطق السنّية من العراق، يصبح اللقاء السنّي- الأمريكي متوافقاً لجهة الأسباب والذرائع.

تنديد شيعي

وتقابل القوى الشيعية الأساسية في العراق مثل هذا اللقاء بالحديث عن "مؤامرة التقسيم" الأمريكية، كما يقول النائب عن "تحالف البناء" (القوة الشيعية الأكبر في البرلمان) حنين القدو، وتأكيده  حول وجود "مخطط تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بتجزئة البلاد وإنشاء ما يسمى بالإقليم السني".

اقرأ أيضاً: ما هي مخاوف سنّة العراق بعد الانسحاب الأمريكي؟
ويقول القدو، في تصريح صحافي، إنّ "واشنطن تخطط مع قيادات سنية رفيعة على إعادة تفعيل قضية تقسم البلاد لإقاليم: سني وشيعي وكردي"، لافتاً إلى أنّ "التحالف السنّي يضم محافظات الأنبار وصلاح الدين وجزءاً من نينوى وديالى".
الحلبوسي والسفير الأمريكي

قيادات سنّية تنفي
من جهته، ينفي رئيس مجلس النواب، (السنّي) محمد الحلبوسي، وجود أي طرح يتعلق بتشكيل الأقاليم في العراق وما يطرح حالياً بشأن "التحالف السنّي"، حيث قال في تصريح صحافي، إنّه "لا وجود لأي طرح يتعلق بتشكيل أقاليم، فقد كنا ولا زلنا وسنبقى نؤمن ونعمل على وحدة العراق أرضاً وشعباً".

اقرأ أيضاً: الدولة العراقية "المارقة"... من صدام إلى معارضيه
لكن هناك مَن يؤكد أنّ مشروع التحالف "يعول عليه القادة السنّة (محمد الحلبوسي ورفاقه) من أجل الحصول على "تأييد الولايات المتحدة والمجتمع الغربي مقابل الموافقة على استمرار استضافة القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي لمواجهة الإرهاب من جانب وإيران من جانب آخر".
وكان رئيس حركة الحل، (السنّي) جمال الكربولي، قد أكد في تغريدة على "تويتر"، أنّه "لا مجال أخلاقياً ولا وطنياً لمناقشة أطروحات الأقاليم، فيما العراق يشهد حركة شعبية تصحيحية ستطيح برؤوس الفساد والطائفية وتعود بالعراق إلى طريقه القويم واحداً موحداً".

محمد الحلبوسي: لا وجود لأي طرح يتعلق بتشكيل أقاليم وسنبقى نؤمن ونعمل على وحدة العراق أرضاً وشعباً

وفي سياق متصل، ينفي النائب عن تحالف القوى (السنّية) أحمد مظهر الجبوري، وفق ما أورد موقع "الفرات نيوز"، مناقشة قضية التحالف السنّي في اجتماع لقادة عراقيين (سنّة) في إمارة دبي، مبيناً أنّ "الأقاليم هي حق كفله الدستور الذي كتب بأيدي جميع القوى السياسية الممثلة لجميع المكونات، بالتالي فهو حق مشروع ولا نحتاج للذهاب والاجتماع في دبي لمناقشة هذا الأمر".
لكن ذلك النفي لم يوقف إشارات ترويجية لإقامة التحالف السنّي، كما في فيديو توضيحي نشره "مركز العراق الجديد"، كما لم يمنع استمرار تداول الأخبار المتعلقة بمشروع التحالف.
والمشروع الجديد، حتى لو كان على مستوى الحوار فقط، فإنّه، وفق المصدر السابق، "وسيلة ضغط  للإبقاء على الوجود الأمريكي بالعراق، وتهديد القوى الشيعية الرافضة لذلك الوجود"، بل إنّ تفسيرات التحالف المفترض سيكون "حاضناً للقوات الأمريكية في حال انحسارها تواجدها في المناطق الأخرى".
لكن هذا الربط بين "ضرورات" التحالف والحاجة إليه وبين الحاجة الأمريكية إلى "فضاء آمن" للقوات، تنفيه تصريحات المسؤولين في واشنطن الذين يؤكدون على دعمهم لعراق موحّد.

قاعدة عين الأسد مقر القوات الأمريكية (غرب الأنبار)

صوت سنّي معتدل
وفي حديثه لـ"حفريات"، أكد السياسي (السنّي) المستقل حكمت الدليمي، أنّ "موضوع لقاء دبي (بين القادة السنة) والاتفاق على التحالف غير دقيق تماماً"، موضحاً أنّ "بداية الموضوع كانت في لقاء متلفز على قناة الفلوجة مع النائب فيصل العيساوي وذكره النائب كإنذار للكتلة الشيعية إذا ما ذهبت بخياراتها منفردة فإنّ بقية المكونات لها الحق في اتخاذ خياراتها ومنها التحالف".

اقرأ أيضاً: هل كانت الحكومة العراقية على علم بضربة إيران للقواعد الأمريكية؟
ويلفت الدليمي، الذي يوصف بأنّه "صوت سنّي معتدل" مع أنّه يرفض هذا التوصيف الطائفي له، إلى أنّ "هذا الحديث فتح شهية عدة جهات"، ويبدو أنّ العيساوي لم يتحدث من فراغ وإنما بناءً على تفاهمات وطلب من جهات دولية؛ بالتالي أخذوا بالتفكير باغتنام الفرصة ليكونوا في مقدمة المشروع، ومنهم من يراهن على هذا المشروع منذ أمد طويل، بل أكثر من ذلك التقسيم، وتقريباً أغلب هؤلاء الآن هم في جبهة الإنقاذ التي يترأسها النجيفي، فوجدوها فرصة لإذكاء هذا المشروع، وفق قوله.
ويضيف "هنالك الطيف الاجتماعي في المحافظات المحرَّرة، والتي تجثم ميليشيات ما يسمى بالمقاومة الإسلامية على أراضيهم ومقدّراتهم، وتستحوذ على جزء كبير من مصادر رزقهم، وعانوا من فترة رهيبة؛ حيث التُّهم الجاهزة بالإرهاب والطائفية، فوجدوا في هذا الحديث متنفساً لهم".
وحول المؤشرات الطائفية بشأن التحالف السنّي يقول "الأمريكيون وأغلب الدول العربية المجاورة يترقبون نتائج التظاهرات والصراع الأمريكي الإيراني، بالتالي هم ليسوا مع أي شيء يربك ويشتت هذين الحدثين وهذا واضح من رسائل ولقاءات".

للمشاركة:



تعرّف إلى القيادي المسؤول عن الميليشيات السورية في ليبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان؛ أنّ القيادي الليبي المسؤول عن استقبال المرتزقة السوريين وتوزيعهم على محاور القتال في طرابلس.

وقال المرصد في تصريح لـ "سكاي نيوز": إنّ أحد أبرز قادة الميليشيات في طرابلس، وهو مهدي الحاراتي، صاحب الدور المحوري في تجنيد المسلحين السوريين بالعاصمة الليبية.

المرصد: مهدي الحاراتي صاحب الدور المحوري في تجنيد المسلحين السوريين بالعاصمة الليبية

ووفق المرصد؛ فإنّ الحاراتي هو من يستقبل المرتزقة في طرابلس، ويشرف على عملياتهم وتحركاتهم.

والحاراتي، بحسب المرصد، زعيم إحدى الميليشيات الليبية في طرابلس، وهو أيرلندي ليبي سبق له القتال في سوريا إلى جانب تنظيمات متشددة.

وبرز اسم الحاراتي (46 عاماً) قبل أعوام، منذ بدء الاحتجاجات التي أطاحت بنظام معمر القذافي في ليبيا، وظهر في عمليات اقتحام لمنزل الزعيم الراحل في باب العزيزية بطرابلس، قبل أن يتم تعيينه في مجلسها العسكري لكنه سرعان ما استقال.

وفي عام 2012؛ سافر الحاراتي إلى سوريا في مهمة تقصي حقائق، لكنه بدأ سريعاً الانخراط في العمليات القتالية ضدّ القوات الحكومية، وشكّل ما عرف باسم "لواء الأمة"، لكنّ أعماله هناك لم تستمر، وسلم اللواء إلى فصائل مسلحة أخرى.

عاد الحاراتي إلى ليبيا وعين عمدة لطرابلس، لكن لاحقته تهم الإرهاب بسبب اشتراكه في قيادة ميليشيات متطرفة في بلده وفي سوريا، وهو مصنف بقوائم الإرهاب في عدد من الدول العربية.

ويلعب الحاراتي حالياً دوراً تنسيقياً مهماً مع مسلحين تابعين لفصائل معارضة سورية لدى وصولهم إلى ليبيا برعاية تركية، في تدفق للمرتزقة اعترف به المبعوث الدولي إلى ليبيا، غسان سلامة، الذي أشار أيضاً إلى إمكانية تواجد خبراء عسكريين أتراك في طرابلس.

الحاراتي أيرلندي ليبي سبق له القتال في سوريا إلى جانب تنظيمات متشددة وشغل منصب عمدة طرابلس

لكن سلامة أكد، الجمعة، أنّ الأمم المتحدة لا تملك مؤشرات واضحة حتى الآن على نشر قوات عسكرية تركية هناك.

وتشعل أنقرة لهيب النزاع الليبي بإرسال المرتزقة لدعم ميليشيات طرابلس، بعد إغرائهم بالجنسية التركية وألفي دولار شهرياً، علماً بأنّ أعمارهم تتراوح بين 17 إلى 30 عاماً، في "تجارة حرب" نقلتها تركيا في وقت سابق إلى سوريا والآن تعيد تصديرها إلى ليبيا.

وتظهر في طرابلس الأسلحة التركية، ومنها مضادات الطائرات في أيدي مسلحي الميليشيات، وسبقتها الطائرات المسيرة التي يستهدفها الجيش الوطني بين الحين والآخر.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان، أمس، وصول دفعة جديدة من المرتزقة من سوريا إلى ليبيا عن طريق تركيا، بهدف دعم ميليشيات طرابلس، ليصل إجمالي عددهم في العاصمة الليبية إلى نحو ألفي مسلح.

 

 

للمشاركة:

ماذا بعد تصنيف بريطانيا لحزب الله جماعة إرهابية؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

قالت وزارة الخزانة البريطانية؛ إنّها صنفت منظمة حزب الله اللبناني، بجميع أجنحتها، جماعة إرهابية، بناء على قواعد مكافحة الإرهاب، وقررت تجميد أرصدتها بدءاً من الأول من أمس.

وقال متحدث باسم الوزارة: "بعد المراجعة السنوية للتصنيف الموجود حالياً للجناح العسكري لحزب الله، اتخذ قرار بإدراج الجماعة برمتها منظمة إرهابية، وهذا يتماشى مع تصنيف وزارة الداخلية للجماعة، عام 2019، والتصنيف الموجود حالياً للجناح العسكري للحزب هو تصنيف مطبق على نطاق الاتحاد الأوروبي"، وفق ما أورت الـ "بي بي سي". 

وزارة الخزانة البريطانية تصنف حزب الله اللبناني بجميع أجنحته جماعة إرهابية وتجمّد أرصدتها

وأضاف: "ما تزال بريطانيا ملتزمة باستقرار لبنان والمنطقة، وسنواصل العمل عن قرب مع شركائنا اللبنانيين".

وسيمنع القرار الجديد أيّ شخص من التعامل مع أيّة جهات مالية أو اقتصادية يملكها حزب الله، أو المشاركة في تمويل أيّة جهة تابعة له أو خدمتها.

وأصدرت الحكومة البريطانية بياناً عاماً يشير إلى خطوات يجب اتباعها من أيّة مؤسسة مالية أو أفراد لهم تعاملات مع الحزب بعد قرار التجميد.

وهذه الخطوات هي: التحقق مما إذا كان هناك حسابات أو أموال أو موارد اقتصادية للحزب، أو توفير أية خدمات مالية، وتجميد هذه الحسابات وغيرها من الموارد المالية، وتعليق تقديم أية خدمات مالية للحزب، والامتناع عن التعامل بهذه الأموال أو إتاحتها لهذا الكيان المنصوص عليه في القرار، ما لم تكن مرخصة من قبل مكتب تنفيذ العقوبات المالية، وإبلاغ مكتب تنفيذ العقوبات المالية بأية نتائج ومعلومات إضافية من شأنها تسهيل الامتثال للقرار، وتقديم أية معلومات تتعلق بالأصول المجمدة للأشخاص المدرجين في القرار.

وتدرج بريطانيا 75 منظمة في قائمة الإرهاب الدولي لديها، تطبيقاً لقانون الإرهاب الصادر عام 2000.

 

 

للمشاركة:

لماذا أغلق الليبيون موانئ النفط؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

اقتحم ليبيون ميناء الزويتينة النفطي، شرق ليبيا، معلنين وقف صادرات النفط الخام، فيما يقلص إنتاج البلاد لأكثر من النصف، ويزيد التوتر قبل قمة في ألمانيا لبحث الصراع الليبي.

وأعلن رجال قبائل شاركوا في الاقتحام، الأول من أمس، في مناطق تسيطر عليها قوات شرق ليبيا (الجيش الوطني الليبي) بقيادة اللواء خليفة حفتر، إغلاق كلّ الموانئ الخاضعة لسيطرة الجيش الوطني.

وصرّح المتحدث باسم الجيش الليبي، اللواء أحمد المسماري، أمس، بأنّ إقفال موانئ وحقول النفط "خطوة جبارة من الشعب الليبي".

وأضاف: "الشعب الليبي هو الذي أقفل الموانئ النفطية والحقول ومنع تصدير النفط، نحن علينا حماية شعبنا، حماية كلّ مكونات الشعب الليبي وعدم السماح لأيّ أحد بتهديد الشعب الليبي".

رجال قبائل يعلنون إغلاق الموانئ الخاضعة لسيطرة الجيش احتجاجاً على دفع حكومة الوفاق الأموال للمرتزقة

من جهته، قال مصدر بالمؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، نقلت عنه "رويترز"؛ إنّه سيتم وقف تصدير الخام من موانئ النفط بشرق ووسط البلاد، بدءاً من اليوم، وهو ما سيؤدي إلى خسارة صادرات حجمها 700 ألف برميل يومياً".

وذكر المصدر؛ أنّ إغلاق الموانئ، باستثناء ميناء زويتينة، جاء بناء على أمر من الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، والذي يسيطر على شرق ووسط البلاد، وكان مهندس بميناء الزويتينة النفطي الليبي، قال لـ "رويترز": إنّ "محتجين دخلوا الميناء وأعلنوا إغلاقه أمس".

ودعا شيوخ قبائل في شرق وجنوب ليبيا، الخميس، لإغلاق الموانئ احتجاجاً على ما وصفوه باستغلال حكومة الوفاق لعائدات النفط لدفع أموال لمقاتلين سوريين أرسلهم أردوغان للقتال في ليبيا.

وتستعد العاصمة الألمانية برلين، غداً، لاستضافة مؤتمر حول ليبيا، بهدف ترسيخ الهدنة الميدانية ومنع التدخلات الأجنبية، لا سيما عبر تقديم الدعم العسكري.

كما سيتم اقتراح حظر على توريد الأسلحة لأطراف النزاع، والعمل على إيجاد توافق سياسي دولي لحلّ الأزمة الليبية بعيداً عن الحل العسكري.

وتعاني ليبيا التي لديها أحد أكبر احتياطات نفط في القارة الأفريقية، من العنف وصراعات السلطة منذ سقوط نظام معمر القذافي، عام 2011، في أعقاب انتفاضة شعبية.

 

 

للمشاركة:



هل اقترب إجهاض التدخل التركي في ليبيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

يوماً بعد يوم تجد انقرة نفسها معزولة في تدخلها غير المشروع في الشأن الليبي.

ويقترب يوما بعد يوم وبشكل متسارع اجهاض المشروع التركي التوسعي في ليبيا.

اوروبا التي رفضت بجميع دولها التدخل التركي في ليبيا أيا كان شكله او أسبابه يبدو انها أجمعت على امر واحد وهو انهاء هذا التواجد التركي في ليبيا بأي شكل.

وفي هذا الصدد، لم يستبعد مفوض الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل إرسال الاتحاد الأوروبي مهمة عسكرية إلى ليبيا.

وقال بوريل في مقابلة مع مجلة دير شبيجل الألمانية اليوم الجمعة: "إذا حدث وقف لإطلاق النار في ليبيا، سيتعين على الاتحاد الأوروبي أن يكون مستعدا للمساعدة في تطبيق ومراقبة وقف إطلاق النار – وربما أيضا بجنود".

وتعتزم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الاجتماع مع قادة من الدول المشاركة في النزاع الليبي خلال مؤتمر في برلين بعد غد الأحد لبحث حل سلام في ليبيا، التي تشهد حربا أهلية منذ سنوات.

وتواجه حكومة رئيس الوزراء الليبي، فايز السراج، ضغطا من قبل المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي الذي يسيطر على أجزاء واسعة في ليبيا، خاصة في شرق البلاد، بينما تسيطر حكومة الوفاق الليبي على أجزاء صغيرة في شمال غرب البلاد.

ومن المنتظر أن يشارك السراج وحفتر في مؤتمر ليبيا الأحد.

وقال بوريل إن روسيا وتركيا أعدتا خطة لوقف إطلاق النار في ليبيا.

وأضاف: "هذا من المحتمل أن يكون نبأ جيدا للغاية للمواطنين في ليبيا، لكنه ليس بالضرورة تأكيد على النفوذ الكبير للاتحاد الأوروبي"، مطالبا الأوروبيين بتطبيق حظر توريد الأسلحة لليبيا، موضحا أن هذا الأمر غير فعال حاليا بسبب عدم تولي أحد زمام المراقبة.

وكان  وزير خارجية الاتحاد الاوروبي ندد بتدخل تركيا في النزاع الليبي اثر اجتماع في بروكسل مع وزراء خارجية فرنسا والمانيا وايطاليا وبريطانيا.

وردا على سؤال للصحافيين يتصل ببيان مشترك يدين التدخل الأجنبي من دون اي توضيح اضافي، قال بوريل "من المؤكد ان ذلك يشير الى القرار التركي بالتدخل عبر قوات (برية) في ليبيا".

وأضاف "انه امر نرفضه ويزيد من قلقنا حيال الوضع” في هذا البلد.

وعقد بوريل واربعة من نظرائه في دول اعضاء في الاتحاد الاوروبي اجتماعا طارئا  لبحث الوضع في ليبيا.

وأورد البيان المشترك ان "الاتحاد الاوروبي مقتنع بان لا حل عسكريا للازمة الليبية”، داعيا الى “وقف فوري للعمليات القتالية".

وصرح وزير الخارجية الالماني هايكو ماس لدى وصوله الى بروكسل "باتت ليبيا مكانا تخوض فيه قوى اخرى حربا بالوكالة، ونرفض هذا الامر".

واعتبر بوريل أنّ "تركيا وروسيا غيّرتا التوازن في الحوض الشرقي للبحر المتوسط"، حذّر من أنّه "لا يمكننا أن نقبل بأن يتكرّر نفس الوضع في ليبيا".

واتّهم بوريل كلاً من موسكو وأنقرة بالانخراط عسكرياً في ليبيا بإرسال أسلحة ومرتزقة.

وقال "هناك المزيد والمزيد من الأسلحة والمرتزقة. لم يعد بإمكاننا القول إنّ في ليبيا حرباً بلا مقاتلين".

وبذلك تكون أوروبا قد وصلت الى قناعة راسخة بأن التدخل التركي سوف يقود الى فوضى لا مثيل لها في ليبيا ويغري المزيد من الجماعات المسلحة للانخراط في الصراع وبالتالي تتحول ليبيا الى ميدان صراع طويل الأمد تمتد مخاطره الى أوروبا مباشرة.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

حفتر يقطع الطريق أمام الخدعة الأردوغانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

جوان سوز

أحرز الجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر، تقدّماً ميدانياً كبيراً منذ إعلانه منتصف الشهر الماضي عن معركة الحسم لتحرير العاصمة طرابلس من المليشيات الإرهابية المدعومة من تركيا التي يقودها فايز السرّاج رئيس حكومة "الوفاق الوطني" المنتهية صلاحيتها، الأمر الّذي وضع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مأزق كبير.

فالرئيس التركي عارض حكومات اليونان ومصر وقبرص وغيرها من الدول للمضيّ قدماً في الاتفاقيات التي وقعها مع السرّاج رغم أن بعضاً منها ينتهك حقوق عدّة دول شرق المتوسط، كمصر واليونان وقبرص، لكن أردوغان تجاوز كلّ المواقف الرافضة لاتفاقياته تلك وقدّم الدعمين العسكري واللوجستي غير المحدود للسرّاج، كي يسيطر على ليبيا بأكملها، لا سيما أنها بلد غنيّ بالثروات النفطيّة وتستحق خوض هذه المغامرة، وفقاً لطموحات أردوغان غير المحدودة في العالم العربي.

وكان يهدف أردوغان من خلال تلك الاتفاقيات إنقاذ ميليشيات حليفه السرّاج، لا سيما أنها لم تصمد كثيراً أمام هجمات الجيش الليبي، حيث خسرت كثيرا من مواقعها، لذلك لم تكتفِ أنقرة بإرسال مرتزقةٍ سوريين للقتال إلى جانب تلك المليشيات، بل أرسلت كذلك خبراء ومستشارين وجنودا من الجيش التركي إلى الأراضي الليبية لدعم السرّاج. ومع ذلك، قُتِل عشرات الجنود الأتراك والمرتزقة السوريين هناك، ولم يستطع أردوغان إنقاذ حليفه الليبي في أرض المعركة.

ومع مرور نحو شهر كامل من المعارك بين الجيش الليبي والمليشيات التي يقودها السرّاج، أدرك أردوغان أن المعادلة العسكرية على الأراضي الليبية لن تتغير لصالح حليفه، فالمرتزقة السوريون يجهلون التضاريس الليبية وكذلك الجنود الأتراك، الأمر الذي يسهم في تقدّم مقاتلي الجيش الليبي، خصوصا أن مليشيات السرّاج تشكّلت على هيئة "عصابات"، وهي غير مدرّبة بالشكل المطلوب، لذا لجأ أردوغان مؤخراً إلى خدعة أخرى ليمنح من خلالها حليفه وقتاً إضافياً وليتقدّم نتيجة ذلك ميدانياً على الأرض.

وتأتي خدعة أردوغان على شكل هدنة لوقف إطلاق النار بين الجيش الليبي ومليشيات السرّاج بعد اتفاقٍ روسي ـ تركي، لكن في واقع الأمر، فالمليشيات التي يقودها السرّاج اخترقت الهدنة منذ لحظاتها الأولى ليلة الأحد الماضي، وشنّت بعد ذلك هجوماً مضاداً على مواقع الجيش الليبي، الأمر الّذي يعني أن هذه المليشيات لن تلتزم أبداً بأي هدنة، خصوصا أن مجموعاتها العسكرية غير منضبطة وقيادتها غير موحّدة، لذلك فالجيش الليبي رغم تقدّمه الميداني الكبير، كان سيخسر الكثير فيما لو لم يرفض هذه الهدنة الهشّة.

وباعتقادي، فإن أفضل ما فعله الجيش الليبي أكثر من تقدمه الميداني على الأرض، كان رفض قائده المشير خليفة حفتر، الموافقة على هذه الهدنة، فقد غادر العاصمة الروسية قبل ساعات، تاركاً أردوغان يسقط في ليبيا، لا سيما أن الأخير كان يسعى لنقل تجربة جيشه في سوريا إلى ليبيا.

وعلى سبيل المثال بعد فشل الجيش التركي من التقدم ميدانياً في مدينتي رأس العين/سري كانييه وتل أبيض/كري سبي، السوريتين قبل نحو ثلاثة أشهر، وافق أردوغان على هدنتين؛ الأولى أمريكية والثانية روسية، وكلتاهما مكّنت جيشه مع المرتزقة السوريين، من السيطرة على المدينتين، لذلك كان يرغب بتكرار الأمر ذاته في ليبيا، لكن مغادرة حفتر لموسكو قطع الطريق أمام هذه الخدعة الأردوغانية.

لذلك، الكرة الآن في مرمى الجيش الليبي وعليه أن يشدد بقوة على رفضه المطلق للهدنة الروسية ـ التركية التي تهدف بالدرجة الأولى لشرعنة الوجود التركي في ليبيا مع مليشيات السرّاج، فحصول هذه الهدنة، سينجم عنه تقدّم المليشيات الإرهابية على حساب الجيش الليبي، وهذا ما لا يجب أن يحصل أبداً.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

العراق وإيران: بين الوردي وشريعتي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

نجاة السعيد

إن التظاهرات المستمرة في كل من العراق وإيران تدعونا للبحث عن الفروقات بين المجتمعين. الكثير من شعوب المنطقة ينظرون على أنهما متماثلان لأنهما ذو أغلبية شيعية، كما أن وجود حكومة عراقية انبطاحية بشدة للنظام الإيراني وغير مؤهلة ـ وهذه من أهم أسباب تظاهر الشعب العراقي ضدها لأنها لا تمثل غالبية المجتمع ـ كرس هذا المفهوم بين المجتمعات العربية ولم يلتفت إلا القليل عن الفروقات بين المجتمعين.

ولكي يكون التحليل السياسي صحيحا، علينا أن نحلل المجتمعين لكن من منظور علماء اجتماع وهنا سيتم التركيز على: علي الوردي (1913 ـ 1995) في العراق وعلي شريعتي (1933 ـ 1977) في إيران.

الاثنان عالما اجتماع وأنثروبولوجيا، ومفكران متميزان، ومصلحان اجتماعيان تنويريان، مما يجعلهما قادرين على توفير مفاتيح لمعرفة المجتمعين والعوامل المؤثرة بهما.

ذكر الوردي أن المجتمع العراقي كان له طابعا علمانيا، وأنه معروف، عبر تاريخه الطويل، بانفتاحه على الأديان المتعددة والمذاهب المختلفة حتى صارت هناك أديانا ومذاهبا في العراق فقط دون دول العالم الأخرى كالأيزيدية والشبك والكاكائية وغيرها.

كذلك انتشرت في العراق التيارات غير الدينية مما جعله نقطة قوة في التسامح والتعايش مع تعدد الآراء واختلاف الملل. ونتيجة لهذا التسامح، صار التزاوج والتخالط بين السنة والشيعة أمرا اعتياديا وموجود في مختلف المحافظات والمدن بل باتت العديد من العشائر المعروفة مشتركة بين السنة والشيعة.

وبالرغم من أن التعددية والتسامح تعتبران نقاط إيجابية، إلا أنه من الممكن أن تستغل من ثقافات وأديان مختلفة تؤدي إلى نتائج عكسية مثل انتشار الطائفية والتخلف.

فأحد هذه التأثيرات السلبية، كما ذكر الوردي، على المجتمع العراقي أنه عندما تحول الإيرانيون إلى التشيع، صارت قوافل الإيرانيين تتوارد تباعا إلى العراق من أجل زيارة العتبات المقدسة أو طلب العلم أو دفن الموتى أو غير ذلك، وكان من طبيعة الإيرانيين ممارسة طقوس كثيرة منها التطبير والإدماء أيام عاشوراء والأربعين على الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب رغم رفض العراقيين للتطبير القادم من إيران في القرن التاسع عشر لأنها كانت طقوسا غير محبذة ودخيلة على التشيع العلوي (النجفي) آنذاك.

لكن مع تدهور أحوال العراق السياسية والاقتصادية خاصة بعد حربي الخليج العربي الأولى والثانية وتداعياتهما الظالمة، خاصة في فرض الحصار عليه، الذي أدى إلى هدم البنية التحتية للدولة وتدمير النسيج الاجتماعي، اخترقت إيران المجتمع العراقي وزاد تغلغلها بعد سقوط نظام صدام حسين.

ولعل فهم إيران للمجتمع العراقي جعلها تستفيد من الإطاحة بنظام صدام أكثر بكثير من الأميركيين. وتبعا لذلك زادت ظاهرة تكفير الخلفاء الراشدين وزوجات النبي عند العراقيين بعد 2003 وفي عهد الرئيس السابق باراك أوباما، سلمت العراق إلى إيران بالكامل وغذى ملالي إيران المجتمع العراقي، من خلال سيطرتهم على الحوزات العلمية والحسينيات والبرامج التلفزيونية، بالأحقاد ضد السنة مستغلين ضغائن الذكريات السيئة من ممارسات نظام صدام الوحشية ضد أتباع المذهب.

كذلك شرح الوردي أن المجتمع العراقي مع الوقت بدأ ينتشر به التفاضل الديني عن الحضاري والمنفعي، فقد قال: "لم يكن الوعي السياسي موجودا بداية القرن العشرين وقام مقامه الوعي الديني"، لذلك لم يثر العراقيون على المغول والتتر والعثمانيين رغم ظلمهم الكبير مثلما ثاروا في ثورة العشرين ضد الإنكليز مع أنهم قدموا خدمات كثيرة للعراق، مثل إنشاء القوانين والأنظمة، لكن العلامة الوطنية عند العراقيين كانت بالمزايدة على الوقوف بوجه الإنكليز.

ولعل هذا قد يفسر سكوت الكثير من العراقيين على ما اقترفه النظام الإيراني من دمار في العراق أو حتى لو كان هناك نقد أو امتعاض فإنه لا يكون بنفس الصورة المبالغ بها ضد الأميركيين.

وقد شخّص الوردي ثلاث مشاكل في المجتمع العراقي، والكثير منها تتقاطع مع الكثير من المجتمعات العربية الأخرى، وهي: أولا: الصراع بين قيم البداوة وقيم الحضارة. ثانيا: التصادم الثقافي وازدواج الشخصية. ثالثا: التصادم الاجتماعي حيث التنافس بين مصالح مجتمع زراعي تقليدي وآخر صناعي متحضر.

يؤكد الوردي على ازدواج الشخصية كثيرا، حيث يقول: "المجتمع العراقي يعاني من ازدواج الشخصية بشكل مركز ومتغلغل في الأعماق. فالعراقي كثير الهيام بالمثل العليا والدعوة إليها في خطاباته وكتاباته، ولكنه في نفس الوقت من أكثر الناس انحرافا عنها في واقع حياته".

يقول الوردي أيضا إن المجتمع العراقي يتميز بالنظرة الثاقبة المصحوبة بالنقد اللاذع وأحيانا التذمر وهذا مما يجعلهم يميلون للعصيان على الأمراء والحكام عموما، لذلك يؤكد الوردي "لا ينفع مع هذا المجتمع الأسلوب الوعظي الدارج من السلطة". أحيانا هذه النظرة الناقدة تطول غير العرب مثل: "بين العجم والترك بلوي ابتلينا" وحتى العرب والتي تتمثل في مقولات الوردي المشهورة: "العربي بدوي في عقله الباطن مسلم في عقله الظاهر".

وبالمقارنة مع المجتمع الإيراني، فقد ذكر شريعتي أن مشكلة إيران هي الحلم في التاريخ الإمبراطوري، التي تريد إعادة إنتاجه واستنساخه من جديد بلباس التشيع الصفوي وممارسته المختلفة، التي أدخل عليها الكثير من الانحرافات الفكرية والإشكالات العقائدية والبدع والطقوس. ويرى بعض المتابعين للشأن الإيراني، أن المذهب الشيعي في إيران تداخل مع العقائد القديمة في البلاد وتأثر بالفلكلور والقصص والخرافات عبر التاريخ، فصار "تشيعا فارسيا".

وقد تجلى ذلك واضحا مؤخرا بصورة الحسين بن علي وهو يحتضن قاسم سليماني التي نشرها موقع علي خامنئي الإلكتروني والتي أثارت تفاعلا واسعا بين النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي. وكأن الإيرانيين بذلك يريدون احتكار حب أهل البيت ودخول الجنة لأتباع التشيع الصفوي فقط، وكأن الباقي ضد محبة سبط رسول الله وليس لهم أفضلية دخول الجنة.

البعض يعتقد أن الإيرانيين متحالفون مع جميع الشيعة، المستضعفين في الأرض، لكن في الواقع الإيرانيين لا يتحالفون إلا مع الذي يخدم مصالحهم من الشيعة أما الشيعي الذي لا يتوافق مع مصلحتهم تتم تصفيته. وقد شاهدنا كيف يتم قتل الشيعة المتظاهرين في العراق من قبل الميليشيات الإيرانية بدم بارد.

وقد أشار شريعتي أن البعد القومي في الشخصية الفارسية يطغى على المذهب، فكم مرة ضحوا بالمذهب الشيعي من أجل القومية. ويؤكد على ذلك تصريحات مستشار الرئيس الإيراني لشؤون القوميات والأقليات المذهبية، علي يونسي، التي اعتبر فيها العراق عاصمة لإمبراطورية إيران.

وما زالت المخيلة الفارسية تعيش العقدة القومية، التي هزتها الحقيقة التاريخية بعدما فتح العرب بلاد فارس في عهد الخليفة الثاني عمر (الفاروق)، وهذا ما يفسر النظرية الفوقية لدى بعض القوميين المتشددين الفرس تجاه العرب.

وقد أشار شريعتي بأن القومية الفارسية قد عزلت المواطن الإيراني عن العربي وباقي المجتمعات الإسلامية لأنها أدت إلى تراجع الشعور الديني المشترك لصالح الشعور القومي.

إن من أكثر نقاط الضعف في الشخصية الإيرانية أنها عاطفية جدا ولا يتعامل مع العقل إلا النخبة من المثقفين، وهذا الذي جعل رجال الدين يستغلونها أسوء استغلال، والذي وصفه شريعتي بـ "الاستحمار الديني"، الذي تمثل بأدلجة المذهب الشيعي بدعوى محبة أهل البيت إلى ثقافة الكراهية واللعن والبراءة من السنة ورموزهم.

ونتج عن ذلك متاجرين في الدين ووعاظ سلاطين لنشر الشرك والخرافة والفرقة، كما أفتى رجال الدين بأشنع الفتاوى مثل جواز الكذب والبهت والسرقة والغدر والغش وغيرها لتحقيق مصالحهم.

كذلك ذكر شريعتي، أن الشخصية الإيرانية تعيش الخوف دائما من الماضي والحاضر، وهكذا استغل الحكام هذا الذعر لترهيبهم، ولو بالبلطجة، والتركيز على ما يخافونه وتكراره وشيطنة الآخر واستدعاء الأفكار الفاشية أمامهم.

وهذا يوضح لماذا يخلق النظام الإيراني الأزمات في المنطقة لأنه يعلم أنه لن يستمر إلا بخلق هذا العدو الوهمي المتمثل إما بأميركا وإسرائيل أو الدول العربية المجاورة ذات الأغلبية السنية.

وهذا الخوف الذي يعيشه الإيراني، زاد من قسوة وتخويف نظامهم في التعامل معهم وكان هذا واضحا فيما قام به الخميني بالإقامة الجبرية لعشر مراجع كبار بعضهم صاحب الفضل عليه.

وبما أن مشكلة إيران هو ذلك الحلم في التاريخ الامبراطوري، وبالتالي احتمال علاقته مع الغرب، بغض النظر عن نوعية النظام إسلامي أم علماني، ستكون في الغالب تصادمية ندية وليست منفعية توافقية كما هي العلاقة مع شرق آسيا.

وقد تجلى ذلك بمواقف ومقولات علي شريعتي، فالبرغم من أنه يدعو للعلمانية وضد رجال الدين في إيران، إلا أنه كان ناقما على الغرب. فقد قال شريعتي: "إن على كل من يريد أن يصير متحضرا عليه أن يستهلك الحضارة التي صنعها الغرب، وإذا أراد أن يرفضها فليظل وحشيا وبدائيا".

وقد كان شريعتي ضد ما بدأ به الشاه محمد رضا بهلوي، الذي أسماه بـ "عصر الانفتاح"، لأنه يرى في حزمة الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي قام بها الشاه، تبعية إيران للغرب وتغريب لاقتصادها وحياتها الاجتماعية ومنها الحصانة للرعايا الأميركية والارتباط الأكبر مع أمريكا.

ولعل هذا الرفض للتبعية الأمريكية والتي اتضحت بكتابات شريعتي، كان أحد رموز البعد الأيديولوجي للثورة الخمينية.

ومن خلال التظاهرات المستمرة في كل من العراق وإيران علينا أن نتساءل: ما الذي ستنتج عنه التظاهرات والمواجهة ضد النظامين في كل من البلدين؟ هل نحن أمام جيل عراقي تواق إلى نظام مدني ـ علماني، ومن هنا نتفاءل أن المجتمع سيرجع إلى فطرته الأصلية؟ أم هل العراق في صدد التحرر من التشيع الصفوي وليس إلى العلمانية؟ هل الجيل الجديد، الذي لم يعش ممارسات صدام الوحشية، متحرر من فكرة المظلومية ومستعد الآن إلى بناء دولة وطنية أساسها المصالح المتبادلة أم أن النظرة النقدية اللاذعة المتذمرة ستسمر في تعاملاته مع الدول المجاورة والدول المتقدمة؟ هل الحل هو بإصلاح النظام الحالي في العراق أم أن ما بني على باطل (أساس طائفي) فهو باطل؟

وبالنسبة للتظاهرات في إيران، هل سينتج عنها مجتمعا متحررا من الحلم التاريخي الفارسي الامبراطوري أم سيظل كما هو لكن بقناع مختلف عن التشيع الفارسي الصفوي؟ هل سيتحرر الإيرانيون من العقدة القومية ضد العرب أم سيستمرون بالتخطيط لاحتلال والسيطرة على الدول العربية؟ هل العزلة التي عاشها المجتمع الإيراني تحت حكم النظام الثيوقراطي سيغيره ويجعله أكثر اندماجا مع المجتمعات الإسلامية؟ هل هذه العنجهية الفارسية ستختفي مع الضغوطات السياسية والاقتصادية وتخلق مجتمعا إيرانيا توافقيا مع الغرب أم أن العلاقة ستظل تصادمية؟

على دول المنطقة ودول صانعة القرار خاصة أميركا أن تفكر في كل هذه الأمور وتحللها وعلى أساسها تتخذ القرارات السياسية. فتجربة تحرير العراق من صدام أثبتت لنا أن دراسة المجتمعات لا تقل أهمية عن التخطيط السياسي والعسكري، إن لم تكن أهم.

عن "الحرة"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية