قواعد الفكر الإخواني (16): المتاجرة بدماء الأعضاء

20720
عدد القراءات

2018-03-08

منذ دخول الإخوان المسلمين معترك السياسة والانتقال المبكر في مطلع الأربعينيات من مربع الدعوة والتزكية والتربية، إلى الاحتكاك المتكرر مع الحكومات والسعي للوصول إلى الحكم، كان الأفراد دوماً هم الحلقة الأضعف والمطية الأسهل والقربان الذي تتاجر بهم الجماعة.

قيمة الفرد في التنظيم الإخواني

فور مقتل رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي على يد عنصرين من عناصر الإخوان المسلمين، ومحاولة تفجير مكتب النائب العام لإخفاء أدلة وخطط الجماعة ونظامها العسكري، لم يتردد حسن البنا في إصدار بيانه المشهور العام 1949 الذي حمل عنوان "ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين" قائلاً "وقع هذا الحادث الجديد – حادث محاولة نسف مكتب سعادة النائب العام، وذكرت الجرائد أنّ مرتكبه كان من الإخوان المسلمين، فشعرت بأنّه من الواجب أن أعلن أنّ مرتكب هذا الجرم الفظيع وأمثاله من الجرائم، لا يمكن أن يكون من الإخوان ولا من المسلمين". ببساطة جرّد البنا هذين الشابين الإخوانيين من انتمائهما للتنظيم؛ بل وانتمائهما للإسلام، ما أفضى لاحقاً إلى اعتراف المتهم عبدالمجيد أحمد حسن على بقية المتهمين من الإخوان تأثراً ببيان حسن البنا، الذي أصابه وأصاب المتهمين بالصدمة، بالرغم من أنّ فهم أحد قيادات النظام الخاص للبيان وهو محمود الصباغ، أنّه كان مجرد شكل من أشكال المداراة والتقية السياسية التي طالما لجؤوا إليها.

لم يتردد البنا فور قتل عنصرين إخوانيين للنقراشي بإصدار بيانه المشهور: ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين

هذا الموقف يكشف قيمة الفرد في التنظيم الإخواني؛ حيث يبقى وقوداً لحركة التنظيم وتأمين الوصول للأهداف، دون أن يحفل بحقوقه في المشاركة بتحمل نصيبه من خيارات اشترك في صناعتها، فالفرد في الإخوان هو مجرد جندي في جيش قيادته لا تعطي له أي حق؛ بل تفرض عليه فقط لوناً صارماً من ألوان الطاعة للقيادة الملهمة والمعصومة، التي يعتقدون أنّ الله ناصرها حتى وإن أخطأت؛ لأنها تدافع عن دينه وشريعته كما تركز الدعاية الإخوانية.

 

 

جنود برسم تبرُّؤ القيادة

تبقى تعليمات حسن البنا لأعضاء الجماعة حاسمة في تحديد أدوار الأفراد "كن جندياً في الثكنة ينتظر الإشارة"، بما يذكر بحسن الصبّاح زعيم فرقة الحشاشين الذي كان يفتخر بأنه إذا أمر أحد أتباعه أن يتردى من شاهق لفعل على الفور.

لكن الفارق أنّ استلاب البنا لأعضاء وقواعد الجماعة كان أقوى من الصبّاح؛ حيث لم يلجأ لمخدر مادي كالحشيش؛ بل لما هو أخطر وهو المخدر الفكري ببرمجة العقل على قناعات، تجعل الفرد ينظر لنفسه بدونية مرضية، وأنّه قليل بنفسه كثير بإخوانه كما علّمته الجماعة، سليب الإرادة في مواجهة القيادة التي يمثلها المرشد.

الفرد الإخواني مجرد جندي تحت قيادة تفرض عليه لوناً صارماً من الطاعة العمياء

لم يجد التنظيم بأساً في أن يتبرأ من أفراد تحلوا بما يعرف في التنظيم بتمام السمع والطاعة، وحملوا السلاح وخاطروا بأرواحهم في سبيل التنظيم، لكن حين استشعر خطرهم على وجوده ضحى بهم دون أن يرف له جفن.

الأمر تكرر تاريخياً في العام 1954 حين دفعت عناصر الجماعة للصدام مع النظام السياسي، وكلفت مجموعة باغتيال الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في ميدان المنشية، وعندما فشلت المحاولة نفى الإخوان علاقتهم بالعملية، وأطلقوا حرباً مع النظام ذهبت بأرواح الكثير من المغرر بهم ممن صدقوا قيادة الجماعة، وتصوّروا أنّهم ينصرون الدين بالتآمر على الوطن، والمشاركة في إضعافه وهو يخوض الحرب مع إسرائيل.

سقط في المواجهات التي أطلقتها الجماعة مع الدولة والنظام السياسي الكثير من البسطاء، ولم تتوقف القيادات أبداً عن المتاجرة بدمائهم بعد أن يقضوا بالحديث عن الشهادة في سبيل الله، التي لم تكن سوى حرب للوصول على الحكم لم تتوقف كما في العام 1965، حين دفعت عناصر جديدة للصدام مع النظام وقوعاً تحت تأثير أفكار سيد قطب وتكفيره للنظم والمجتمعات، وهو ما أطلق موجات تكفيرية ظلت تنتج آثارها عنفاً وتخريباً وقتلاً أصاب الآلاف بوزر تلك الأفكار.

 

 

استخفاف بالبسطاء

يحكي أحد قيادات الإخوان على لسان مسؤول المكتب الإداري بمحافظة الجيزة محمد الصروي، أنّه في العام 2000 أجري استطلاع رأي بين أعضاء مجلس الشورى بالمحافظة حول اشتراك الجماعة في انتخابات تجديد نصفي لأعضاء مجلس الشورى المصري آنذاك، فرفض الأعضاء المشاركة بنسبة 85% في تأكيد على أنّ تلك المعركة لا تستحق ما سينفق فيها من أموال وتضحيات، لكن أعضاء مجلس شورى الإخوان فوجئوا بقرار مكتب الإرشاد بالمشاركة في الانتخابات رغم تصويت مجالس شورى المحافظات بالرفض، ما أغضب "الصروي" الذي تمتم في لحظة انفعال قائلاً "طبعاً إخواننا في المكتب (يقصد مكتب الإرشاد) مش مهم عندهم كم أخ يعتقل أو يموت في الانتخابات طالما هم في أمان".

سقط في مواجهات الجماعة بسطاء كثيرون لم تتوقف القيادات أبداً عن المتاجرة بدمائهم

وفي ذات الليلة التي أفضى فيها بكلماته الصادقة قرر المرشد فصله ليس فقط من إدارة المكتب؛ بل ومن عضوية مجلس الشورى، لأنّه تجرأ بالحديث عن أخطر نقطة في سلوك قيادة الإخوان، وهي الحرص الدائم على التضحية بالبسطاء من أعضاء الجماعة، ودفعهم إلى أتون محرقة تلو الأخرى، ثم المتاجرة بدمائهم بعد أن يموتوا، والحديث عنهم باعتبارهم شهداء الجهاد في سبيل الله، وهم في الحقيقة شهداء مشروع الجماعة السياسي وأحلام القيادة في الحكم.

هي ذات الجماعة التي واصلت في مراحل أخرى المتاجرة بدماء أبنائها حينما دفعت البسطاء للدفاع عن مقر مكتب الإرشاد بالمقطم العام 2013 كما لو كان الكعبة التي يحج لها المسلمون، ليدفع هؤلاء إلى معركة تحت أجواء فوضى عارمة فيما عرف إعلامياً بأحداث مكتب الإرشاد وما تلاها من أحداث، توّجتها الجماعة باعتصامي رابعة والنهضة اللذين اعترفت قيادات الجماعة دون خجل بعبثيتهما، على لسان المتحدث الإعلامي لحزب الحرية والعدالة الإخواني المنحل حمزة زوبع الذي قال في برنامجه عبر قناة "مكملين" في آب (أغسطس) 2015 "كنا نعلم أن هذا الاعتصام لن يرد مرسي إلى منصبه، قد يسأل البعض لماذا كنتم تقولون للناس في الاعتصام مرسي سيعود غداً أو بعد غد؟ لأنّه كنّا نريد أن نصل إلى نقطة التفاوض"، لترد عليه عضوة من الإخوان معبرة عن صدمة قواعد الجماعة من هذا العبث بأرواح الناس "حسبنا الله ونعم الوكيل، غررتم بنا وتهاونتم في دمائنا، قيادة فاشلة ومن فشل إلى فشل".

لكن هذا الفشل المتكرر لم يدفع قواعد الجماعة للتوقف للحظة واكتشاف مدى انتهازية القيادة ومتاجرتها بدمائهم؛ فمع أن الكثيرين من قواعد الجماعة غادروا المشهد بالكلية بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة، لكن دون الدعوة لمحاكمة تلك القيادة التي تاجرت تاريخياً بأرواح الأعضاء وآلامهم في مرحلة تلو أخرى، وعلى مدار حكم كل الأنظمة السياسية ملكية وجمهورية، في معادلة لم تتغير؛ بسطاء يدفعون للذبح من أجل التنظيم في معارك غير متكافئة مع الدولة والمجتمع، ويسقط الضحايا وتتجسد خطايا القيادات الذين يتاجرون بالدماء التي شاركوا في سفكها، ثم تعود تلك الجموع لتكرار الأمر دون اعتبار، في تكرار لأسطورة سيزيف وصخرته.

 

 

 

اقرأ المزيد...

الوسوم:



إعدام جماعي وانفجارات.. هذا ما يشهده الصومال

أعدمت مجموعة من رجال الأمن الصومالي أمس 9 مدنيين في مدينة جالكعي وسط الصومال.

وصرح أحد أعيان المدينة محمد يوسف بأن " رجال الأمن اعتقلوا 9 أشخاص في المدينة واقتادوهم إلى خارجها، قبل أن يتم إعدامهم بشكل جماعي ما أثار غضب الأهالي"، وفق ما نقلت وكالة الأناضول، فيما أكدت مصادر صحفية أن القتلى ينتمون لقبيلة دغل ومرفيلي القاطنة في إقليم جنوب غرب البلاد.

رجال الأمن الصومالي يقدمون على إعدام جماعي لـ 9 مدنيين من مدينة جالكعي وسط البلاد

بدورها نددت الحكومة الصومالية بحادثة القتل الجماعي، كما وعدت بفتح تحقيق حوله وتقديم المتهمين للعدالة.

من جهتهم، حذر شيوخ وأعيان قبيلة دغل ومرفيلي السلطات المحلية، من المساس بأبنائهم العاملين وسط الصومال، بعد تعرضهم "لمضايقات من قبل رجال الأمن" هناك، واتهامهم بـ "التستر على عناصر حركة الشباب التي تنفذ عمليات ضد رجال الأمن والمصالح الحكومية".

هذا ونقلت وكالة سبوتنيك أن انفجارين وقعا  في العاصمة الصومالية مقديشو اليوم، ما أسفر عن إصابة شخص واحد على الأقل.

انفجار قنبلتين في العاصمة الصومالية مقديشو بعد توقيف سيارة محملة بالمتفجرات

ونقل موقع "جوب جوج" الصومالي أن "الانفجار الأول ضرب منطقة سيادكا، القريبة من مجلس النواب، والثاني كان بالقرب من حاجز أمني". ونقل الموقع عن شاهد عيان أن "الانفجار الثاني وقع بعد أن أوقفت قوات الأمن سيارة محملة بالمتفجرات، وأسفر الانفجار عن إصابة السائق، الذي تم توقيفه لاحقا".

كاتدرائية نوتردام تحيي أول قداس بعد الحريق

تحيي كاتدرائية نوتردام بباريس اليوم أول قداس بعد الحريق الذي تعرضت له قبل نحو شهرين ودمر قسماً كبيراً منها.

ويترأس أسقف باريس ميشال أوبوتي القداس في نوتردام الذي سيحضره نحو ثلاثين شخصاً فقط نصفهم من رجال الدين.

وقالت أبرشية باريس في تصريح نقلته وكالة الأنباء الفرنسية إن القداس لن يحضره مصلون "لأسباب أمنية واضحة"، لكن ستقوم قناة "كي تي أو" الكاثوليكية بنقل وقائعه مباشرة "ليتمكن المسيحيون من المشاركة فيه".

أبرشية باريس: القداس في نوتردام لن يحضره مصلون لأسباب أمنية واضحة وسيحضره نحو 30 شخصاً

وإلى جانب المونسنيور أوبوتي، سيحضر القداس خادم رعية الكاتدرائية المونسنيور باتريك شوفيه وعدد من الكهنة ومتطوعون وأشخاص يعملون في الورشة وعاملون في أبرشية باريس. ولن تشارك جوقة معهد نوتردام في القداس، لكن قائداً لجوقة الترتيل سيكون حاضراً.

وسيطلب من الكهنة بالتأكيد ارتداء خوذ لكنهم سيحضرون بلباسهم الكهنوتي.

وتضرر جزء كبير من الكاتدرائية التي تمثّل رمزاً في قلب العاصمة الفرنسية، في حريق أثار حملة تضامن واسعة في العالم لإنقاذ وترميم هذا الموقع الذي يرتدي طابعاً رمزياً كبيراً في قلب العاصمة الفرنسية.

ودمر الحريق مسلة الكاتدرائية وسقفها وجزءاً من قبتها.

واختير موعد هذا القداس في ذكرى تكريس مذبح الكاتدرائية. وقال حول الموضوع المونسنيور شوفيه، إنه "تاريخ يرتدي طابعاً مهماً روحياٌ"، معبراً عن ارتياحه لتمكنه من إثبات أن "نوتردام حية بالتأكيد".

منذ الحريق، يعمل بين 60 و150 عاملاً في الورشة مواصلين نقل الركام وتعزيز البنية. وما زالت المنشأة في طور تعزيزها. أما أعمال تأمينها بالكامل فيمكن أن تستغرق أسابيع قبل إطلاق الأشغال الطويلة والمعقدة لترميمها.

وتعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإعادة بناء الكاتدرائية خلال خمس سنوات.

وحتى الآن، لم يتم دفع سوى تسعة بالمئة من المساهمات الموعودة والبالغة قيمتها 850 مليون يورو.

ويفسر ذلك بأن التبرعات الصغيرة للأفراد يمكن تقديمها بدون أي شروط، لكن الشركات الكبرى والمجموعات عليها صياغة عقود حول تخصيص مساهماتها.

في عام 2017 زار نحو 12 مليون سائح كاتدرائية نوتردام التي تعد تحفة معمارية للفن القوطي وتجري فيها أشغال منذ سنوات.

والكاتدرائية مدرجة على لائحة التراث العالمي منذ 1991. وقد اكتسبت شهرة كبيرة بفضل رواية فيكتور هوغو "أحدب نوتردام" التي تم اقتباسها عدة مرات في السينما والعروض المسرحية الغنائية.

مطالبات بمحاسبة منتهكي حقوق الإنسان في السودان..

أكد مسؤول أمريكي كبير على أنّ هناك انعداماً للثقة بين المجلس العسكري وجماعات المعارضة السودانية بعد فض الاعتصام، محذراً من الفوضى. بينما طالبت الشفافية الدولية بوضع حد للفساد، داعية إلى مقاضاة منتهكي حقوق الإنسان هناك.

وطالب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون إفريقيا، تيبور ناجي، بإجراء تحقيق "مستقل وذي مصداقية" في عملية القمع، التي شهدها السودان بدايات الشهر الجاري وأدت إلى مقتل العشرات، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية.

مسؤول أمريكي يؤكد أن هناك انعداماً للثقة بين المجلس العسكري وجماعات المعارضة السودانية

وفي سياق آخر، أصدرت منظمة الشفافية الدولية بياناً، أمس، دعت فيه إلى "وضع حد للفساد لحماية حقوق الإنسان في السودان".

وأضافت المنظمة في بيانها "في الأسابيع الأخيرة وردت تقارير عن انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان وفظائع ارتكبها الجيش السوداني. تدعو منظمة الشفافية الدولية إلى مقاضاة جميع منتهكي حقوق الإنسان".

وقالت، المنسق الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة الشفافية الدولية، كندة حتر: "الوضع في السودان ينطوي على طاقة كامنة تؤدي إلى سنوات من عدم الاستقرار والعنف، الأمر الذي سيحصن فقط مستويات الفساد العالية بالفعل هناك."

وأضافت حتر: "تحتاج البلاد إلى فترة من الاستقرار لبناء مؤسسات ديمقراطية وأنظمة الحكم الرشيد واستعادة ثقة الشعب في الحكومة".

وكان قد أقرّ المتحدّث باسم المجلس العسكري الحاكم في السودان، أول من أمس، بأنّ المجلس هو الذي أمر بفضّ الاعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم في عملية تسبّبت في مقتل العشرات.

منظمة الشفافية الدولية تدعو إلى مقاضاة جميع منتهكي حقوق الإنسان في السودان ووضع حد للفساد

واعتصم المتظاهرون لأسابيع أمام قيادة الجيش في الخرطوم للمطالبة بداية برحيل الزعيم عمر البشير، ولاحقا للضغط على المجلس العسكري لتسليم السلطة لحكومة مدنية.

لكن في 3 حزيران (يونيو) وبعد ايام على انهيار المحادثات بين قادة الاحتجاجات والجيش، اقتحم مسلحون يرتدون ملابس عسكرية مخيم الاعتصام في عملية قالت لجنة الاطباء انها خلفت 120 قتيلاً. الا ان وزارة الصحة اعتبرت أن الحصيلة في ذلك اليوم بلغت 61 قتيلاً فقط.

هل يُسجن صحفيان لنشرهما مقالاً عن الاقتصاد التركي؟

حملت حكومة العدالة والتنمية التركيا، بقيادة رجب طيب أردوغان، وكالات أنباء عالمية مسؤولية أزمتها الاقتصادية وإنهيار الليرة عبر الاستناد على نظرية  المؤامرة، التي تحاول الحكومة الإسلامية الاختباء خلفها في تبرير فشلها في إدارة الأزمة الاقتصادية.

حكومة العدالة والتنمية تحمل وكالات أنباء عالمية مسؤولية أزمتها الاقتصادية وإنهيار الليرة

وفي أحدث فصول هذه المعارك بين أنقرة والإعلام العالمي، برزت قضية وكالة بلومبيرغ الدولية التي اتهمها الادعاء العام التركي بنشر تقارير عن الاقتصاد التركي "تناقض الواقع"، وتبالغ في تصوير أزمة العملة التركية، وفق ما نقل موقع "أحوال تركية".

وقالت وكالة بلومبيرغ، إنّ المدعين العامين الأتراك يسعون إلى فرض عقوبة السجن لمدة قد تصل إلى خمس سنوات على اثنين من مراسليها في تركيا، بسبب تقريرهما حول أزمة الليرة التركية العام الماضي.

وأوضحت "بلومبيرغ" أن كريم كاراكايا وفيركان يالينكيتش قد اتُهما بمحاولة تقويض الاستقرار الاقتصادي لتركيا بسبب قصة إخبارية كتباها في آب (أغسطس) 2018.

وبحسب تقرير "أحوال تركية"، فإن هذه الاتهامات تأتي بعد أن اشتكت هيئة تنظيم البنوك في تركيا، من تقرير بلومبيرغ حول أزمة العملة.

ودان رئيس تحرير بلومبيرغ، جون مكلثويت، لائحة الاتهام، مشدداً على أنّ مراسلي وكالته قدّما تقارير عادلة ودقيقة عن الاقتصاد التركي.

وكانت تقارير لبلومبيرغ وغيرها قد تناولت أزمة العملة التركية، كما تحدثت عن أن بعض فروع البنوك في تركيا تعاني من انخفاض في العملة الأجنبية، وهو ما ركزت عليه بلومبيرغ التي كشفت، في تقرير لها، أنّ أحد فروع البنوك لم يستطع على الفور، تلبية طلب من أحد العملاء لسحب 5000 دولار.

المدعون العامون الأتراك يطالبون بسجن مراسلين "بلومبيرغ" لخمسة أعوام بسبب تقرير حول الليرة التركية

واستندت بلومبيرغ في تقريرها، على أنّ العميل زار فروع ثلاثة بنوك كبيرة، لكن لم تتم تلبية طلبه، إذ استنتج أن البنوك تكافح لمواكبة الطلب المتزايد على العملات الأجنبية.

وهبطت الليرة التركية إلى مستويات قياسية خلال الأشهر الماضية، وزادت من سوء الوضع الاقتصادي الملفاتُ السياسية الداخلية، وكذلك التوترات بين أنقرة وواشنطن في أكثر من ملف إقليمي ودولي.

كان الرئيس التركي رجب إردوغان، انتقد بشدة في نيسان (أبريل) 2019، وسائل الإعلام الغربية التي اتهمها بتضخيم الصعوبات الاقتصادية لتركيا، مشيراً خصوصاً إلى مقال نشرته "فايننشال تايمز" حول البنك المركزي التركي.

وتندد منظمات تعنى بالدفاع عن حرية الصحافة، بانتظام بحملات الاعتقال التي تطال الصحافيين، وبإقفال وسائل إعلام منذ الانقلاب الفاشل في 2016.

وتحتل تركيا المرتبة الـ157 من أصل 180 في ترتيب حرية الصحافة لعام 2018، الذي وضعته منظمة "مراسلون بلا حدود" غير الحكومية.

إلى أي مدى سيصمد سيناريو عض الأصابع بين أمريكا وإيران؟

تأتي العملية الأخيرة، التي استهدفت ناقلات نفط على بعد حوالي أربعين كيلومتراً من السواحل الإيرانية المقابلة لسواحل سلطنة عمان، في إطار تناقض أصبح مكشوفاً في التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، ومواصلة معركة عض الأصابع بين الجانبين، في إطار رهانات أمريكية على تنازلات إيرانية، وانصياع طهران للمطالب الأمريكية بالتفاوض، مقابل رهانات إيرانية بإمكانية صمودها أمام الضغوط الأمريكية، وضعف احتمالات قيام أمريكا بشن هجوم على إيران؛ لأسباب مرتبطة بالانتخابات الأمريكية القادمة، والخلافات الداخلية بين البيت الأبيض والكونغرس الأمريكي.

اقرأ أيضاً: ترامب يكشف من وراء تفجيرات خليج عُمان

استهداف ناقلات النفط، جاء متزامناً مع تطورين بارزين وهما: زيارة رئيس الوزراء الياباني "صديق الرئيس الأمريكي ترامب" إلى طهران حاملاً رسالة من ترامب، وإطلاق صاروخ كروز من قبل الحوثيين على مطار أبها المدني جنوب المملكة العربية السعودية، بعد ضربات ضد أهداف مدنية وعسكرية ومنشآت اقتصادية تم تنفيذها من خلال طائرات إيرانية مسيّرة، إضافة إلى العملية التي نفذت ضد ناقلات نفط في ميناء الفجيرة الإماراتي، قبل أكثر من شهر.

خلافاً لعملية الفجيرة أكدت الولايات المتحدة وبريطانيا أنّ الحرس الثوري الإيراني يقف وراء تفجير ناقلات النفط في خليج عُمان

وخلافاً لعملية الفجيرة، أكدت الولايات المتحدة وبريطانيا أنّ الحرس الثوري الإيراني يقف وراء العملية الأخيرة، وبأدلّة تشير إلى قيام عناصر من الحرس الثوري الإيراني باستعادة لغم لم ينفجر بمحاذاة إحدى ناقلات النفط خلال تفجيرها، فيما جاء إطلاق الحوثيين صاروخ كروز ليؤكد مسؤولية الحرس الثوري، ارتباطاً بالقدرات المحدودة للحوثيين على التعامل مع هكذا صواريخ.

رغم انشغالات المحللين والرأي العام بسؤال الحرب في المنطقة، من حيث توقيتها ومدياتها وأطرافها، وفيما إذا كانت ضربة محدودة ستوجهها أمريكا لأهداف إيرانية أم ستكون حرباً شاملة مفتوحة؟، إلا أنّ ردود الفعل الأمريكية المتناقضة ترسل رسائل واضحة أنّها متمسكة بخيار الضغط على إيران لأبعد حد ممكن لإجبارها على التفاوض، وأنّها ليست بصدد الذهاب إلى الحرب، ويبدو أنّ القيادة الإيرانية، وفي ظل تقدير عميق لرد الفعل الأمريكي المحتمل وأنّه لن يصل لمستوى شنّ حرب ضدها، تمارس تنفيذ سياسة استفزاز لأمريكا، وحلفائها في المنطقة، وإحراجها بتنفيذ عمليات نوعية ضد ناقلات النفط في الخليج، وقد أرسل رد الفعل الأمريكي السلبي على عمليات تفجير ناقلات الفجيرة رسالة لطهران بأنّ بإمكانها مواصلة الاستفزاز وتعطيل الملاحة البحرية "النفطية" في الخليج، وهو ما يعزز قناعات واسعة في المنطقة بأنّ إيران ستنفذ المزيد من العمليات ضد أهداف متعددة في الخليج، دون رد فعل أمريكي خارج أطر التنديد والوعيد، خاصة وأنّ تلك العمليات لا يتوقع أن تشمل أهدافاً أمريكية، بما في ذلك بوارجها في الخليج العربي، وقواعدها العسكرية المنتشرة في دول الخليج، وخاصة في البحرين؛ حيث قيادة الأسطول الأمريكي الخامس، وفي قطر؛ حيث القواعد العسكرية في السيلية والعديد، وقاذفات بي 52 الرابضة فيها.

اقرأ أيضاً: ماذا تستفيد إيران من الهجمات في خليج عُمان وعلى السعودية؟

العملية التي نفذت ضد ناقلات نفط بالقرب من السواحل الإيرانية، تزامنت مع تصريحات ذات دلالة أصدرها المرشد الأعلى خامنئي، حول موقف طهران من الملف النووي الإيراني، وأنّ إيران تؤكد بشكل قاطع أنّها ليست بصدد إنتاج قنبلة نووية؛ لأنّها "محرمة دينياً"، وهو ما يعني تنازلاً إيرانياً واستعداداً لإغلاق الملف النووي، وتقديم ورقة للرئيس الأمريكي، باعتبار أنّ القضية النووية تشكل السبب الجوهري لانسحابه من الاتفاق الموقّع مع إدارة الرئيس الأمريك السابق باراك أوباما، وهو ما يكشف ملامح الإستراتيجية الإيرانية بإبداء استعداد للتفاوض مع أمريكا وتقديم تنازلات في ملفات محددة كالملف النووي، وشن عمليات تثبت استمرار توفر بدائل لدى القيادة الإيرانية، في حال قررت أمريكا مواصلة الضغط على طهران، في العقوبات الاقتصادية التي أصبح واضحاً أنّها تنتهك إيران من الداخل، وهو ما تخشى معه القيادة الإيرانية، من اندلاع انتفاضة شاملة، تضعف موقفها التفاوضي وقدراتها على مواصلة حرب عض الأصابع مع أمريكا وخصومها في الخليج والسعودية.

حرب عض الأصابع بين أمريكا وإيران محفوفة بمخاطر عديدة تجعل خيار "الصفر" في احتمالات اندلاع حرب خياراً غير واقعي

حرب عض الأصابع بين أمريكا وإيران، محفوفة بمخاطر عديدة تجعل خيار "الصفر" في احتمالات اندلاع حرب شاملة، خياراً غير واقعي، رغم الانضباط الإيراني العالي والدقيق في التخطيط لتنفيذ العمليات واختيار الأهداف والتوقيت، كما أنّ الرهانات على عامل الوقت، الذي يشكل قاسماً مشتركاً في رهانات القيادتين؛ الأمريكية والإيرانية، لم يعد مضموناً في ظل احتمالات وقوع أخطاء عسكرية، أو تنفيذ عمليات من قبل قوى أخرى بما فيها "داعش" و"القاعدة"، التي تحفل سجلاتها بتنفيذ عمليات بحرية ضد حاملات طائرات في خليج عدن"كول".

اقرأ أيضاً: كيف نتصدى لإيران في الخليج؟

العملية الأخيرة وردّ الفعل الأمريكي عليها المتضمن تقديرات استخبارية بإمكانية تنفيذ عمليات جديدة ضد ناقلات النفط في الخليج، وضد أهداف في دول الخليج، بما يعنيه أنّ أمريكا ليست بوارد الرد على إيران، يطرحان تساؤلات حول قدرة المنطقة وخاصة المملكة السعودية والإمارات، ودول أخرى تعاني أزمات اقتصادية خانقة، على الصبر على التجاوزات الإيرانية، في ظل شكوك "رسمية وشعبية"، عميقة تتصاعد في المنطقة بأنّ هناك توافقات أمريكية إيرانية على السيناريوهات التي يتم تنفيذها، تتزامن مع توجهات أوساط أمريكية لتقييد تصدير الأسلحة الأمريكية للإمارات والسعودية، على خلفية دورهما في حرب اليمن.