قواعد الفكر الإخواني (18): العمى الفكري والإستراتيجي

صورة أحمد بان
باحث مصري متخصص فى الشؤون الاسلامية
5590
عدد القراءات

2018-03-22

ساهم الصعود السياسي الذي أحرزه الإخوان، الذي كان يعود، في جانب منه، إلى التشوه في البنيان السياسي المصري، فضلاً عن القدرات التعبوية الكبيرة التي تمتع بها التنظيم بحشد عناصره، في غلبة الشعور بالتفوق، التنظيمي والفكري والسياسي، على نفوس أعضاء الجماعة، ما حجب عن القواعد والقياديين معاً التوقف لدراسة حقيقة هذا الصعود وطبيعته.

شوفينية تنظيمية

ربّما بدا ذلك مفهوماً، إذا تعلّق الأمر برفع الروح المعنوية لأعضاء التنظيم، وتحفيز أعضائه، عبر الدعاية المباشرة، بالحديث عن قدرات تفوق قدرات التنظيم وإمكاناته، لكنّ المدهش أنّ هذا الغرور، التنظيمي والفكري، الذي أصاب الأعضاء، إذا جازت التسمية، انتقل إلى قيادات التنظيم منذ النشأة في شوفينية تنظيمية واضحة، لم ينجُ منها أحد من الأعضاء أو القيادات.

تحرّكت الجماعة على مدار تسعة عقود في العمل السياسي بمنطق الجماعة الشمولية التي تعرف كلّ شيء

كانت هذه الأعراض، وغيرها، انعكاساً للعمى الفكري والتنظيمي، الذي أصاب الجماعة منذ النشأة، الذي كان من أهم مظاهره الخلل في التصور والتفكير، ومن ثم التدبير والفعل.

اعتقد الإخوان أنّ شمولية الدين تنسحب عليهم كحركة اجتماعية وسياسية، تتحرك لتطبق ما تفهمه عن هذا الدين، وكان هذا الشمول التنظيمي مضاداً لمقصود الدين ذاته، في عديد من الملفات، خاصةً في المرحلة الزمنية التي بدأت بنشأة الدولة الوطنية الحديثة.

لم تُعنَ الجماعة أبداً بالتمييز الحاسم بين الدين، كمساحة للوحي المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه، وأي مقاربة بشرية في فهم الدين وتنزيل نصوصه على الواقع.

 

 

احتكار الجماعة المسلمة

قدّم الإخوان تصورهم للدين، باعتبارهم الامتداد الطبيعي لمسيرة الجماعة المسلمة، وكانوا صريحين في التعبير عن ذلك، عندما وصف حسن البنا دعوته بأنّها دعوة الإسلام في القرن الرابع عشر الهجري، وكان هذا محض افتراء كبير على الدين، وعلى المسلمين في هذا الزمان، فقد تلبّس الإخوان في فهمهم، كما تلبّس غيرهم بما يتلبس الفهم البشري من صحة وبطلان ورشد وانحراف وإخلاص وهوى، أو مناسبة الزمان، أو التناقض معه، أو محدودية المهمة وإطلاق القيمة.

كان تصور البنا عن الدولة ينطوي على تناقض عميق بين تأييده للنظام النيابي والانخراط في تبنّي النظام الشمولي

تصوّر الإخوان أنّ حركتهم عابرة للزمن، وأنّها خالدة تبعاً لتصورهم عن ذاتهم، وعن فهمهم للدين ومراده وأهدافه، ومن ثم لم يدركوا أبداً أنّهم، كحركة اجتماعية لها دورة حياة وفترة سماح سنني، إذا تجاوزتها دهستها الأحداث، فقد غالبوا نواميس الكون وقوانينه، رغم أنّ بعض أدبياتهم كانت تحذرهم من ذلك، فكان البنّا يوصيهم بالقول "لا تصادموا نواميس الكون فإنّها غلابة"، لكنّهم غالبوها، وقفزوا عليها، فغلبتهم بالقطع.

منطق الجماعة الشمولية

تحرّكت الجماعة، على مدار تسعة عقود في العمل السياسي، بمنطق الجماعة الشمولية التي تعرف كلّ شيء، وتقوم بكل شيء، بالشكل الذي أكّد أنّ الأزمة ليست في الممارسة، بقدر ما هي في أدبيات الحركة ذاتها.

كان تصور البنّا عن الدولة ينطوي على تناقض عميق؛ بين تأييده للنظام النيابي، وفي الوقت نفسه، كان منخرطاً في تبنّي النظام الشمولي، ورفض فكرة الأحزاب والتعددية السياسية، التي هي بيئة النظام النيابي، فقد ذكر في رسالته "مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي"، متحدثاً عن موقف الإسلام من النظام النيابي، "وعلى هذا فليس في قواعد هذا النظام النيابي ما يتنافى مع القواعد التي وضعها الإسلام لنظام الحكم"، ورغم ذلك فقد ذمّ التعددية الحزبية التي لا يزدهر النظام النيابي إلا على أرضيتها، وربما هذا ما وسم الخطاب الإخواني المراوغ؛ حيث تبدو المراوغة، انعكاساً للتناقض، سمة رئيسة في بنية الإخوان الفكرية، ومن ثم السلوك والخطاب.

افتقر الإخوان إلى أهمّ ملكات التفكير الإستراتيجي وهي التمييز بين المهم والأهم وترتيب الأولويات

كانت نسبة المشروع السياسي إلى الإخوان خطيئة عظيمة، فلم تنحز تجاربهم السياسية لمقصود الدين في بناء النظام السياسي، من حيث الديمقراطية، والعدل الاجتماعي، والاستقلال الوطني؛ حيث إنّ المرجعية الشرعية، في الحقيقة، لا تدخل بفعل الاختصاص والاستقصاء والحصر، إلّا في دائرة محدودة جداً من النشاط السياسي، الحزبي أو السلطوي؛ حيث تُقحَم الشريعة في معظم البرامج الحزبية، فقط بوضع المقاصد والغايات الكلية؛ لذا تبدو نسبتها إلى الوحي المعصوم أو الدين، تشويهاً وإفساداً للدين والدنيا، كما جرى تاريخياً، ومايزال يجري.

 

 

رؤية إستراتيجية مرتبكة

كان من علامات العمى أيضاً، في التجربة السياسية، تبعاً لذلك؛ أنّ التجارب السياسية التي خاضتها الجماعة في معظم المراحل، لم تكن موظفة لحساب رؤية إستراتيجية واضحة، فنجد الجماعة، في مرحلة، منخرطة في الصدام مع الدولة، والسعي إلى الوصول للسلطة والحكم، في الوقت الذي كان يتحتم، وفق الرؤية الإستراتيجية الصحيحة، أن تسلك مساراً إصلاحياً، بينما في أوقات أخرى كان يتحتم اختيار مسار ثوري، ورؤية تغييرية، لم تفلح الجماعة أبداً في اختيار المسار الصحيح والملائم للمرحلة.

تصوّر الإخوان أنّ حركتهم عابرة للزمن وأنّها خالدة تبعاً لتصورهم عن ذاتهم وفهمهم للدين ومراده وأهدافه

كان منطق الحراك السياسي الإخواني مرتبكاً بالشكل الذي أربك النظرة الوطنية العامة لأولويات العمل السياسي، وربّما كان هذا ضمن أسباب أخرى أضعفت تجربة الدولة الوطنية بشكل كبير.

افتقر الإخوان إلى أهمّ ملكات التفكير الإستراتيجي، وهي التمييز بين المهم والأهم، وترتيب الأولويات، التي تيسّر ذلك، لكن لأنّ الإخوان لم يتحرّروا تاريخياً، وحتى اللحظة، من مشكلات بنيوية في التفكير والتحرر من وهم الاصطفائية والمظلومية، فلم يمتلكوا أبداً الحدّ الأدنى من التأهّل الحركي والإستراتيجي، رغم المسار الطويل زمنياً، الذي لم يخلّف سوى إرث كثيف من المشكلات؛ النفسية والمعرفية والتربوية.

تصور بائس للدولة الحديثة

يبدو تصور الإخوان للدولة شديد البؤس؛ حيث ينطوي على ضمور فكري يعبّر عن نوستالجيا لأوضاع تاريخية، صنعت تصور الإخوان للدولة، وهي مقاربة شديدة السطحية والفقر والتقليد، في فهم كيفية تنزيل الشريعة سياسياً، أو علاقة النظر الديني ببناء النظام السياسي، فلم تدرس الغالبية العظمى من القيادات المسؤولة عن بناء النسق النظري والفكري، مقومات النظر الشرعي والأصولي، أو حتى تراث الفقه السياسي، مع محدوديته، وتوقفه المبكر تاريخياً، فضلاً عن كون هؤلاء مؤهلين أصلاً لفعل التجديد.

الإخوان لم يتحرّروا تاريخياً من مشكلات لازمتهم متعلقة بالتمسك بأوهام الاصطفائية والمظلومية

لم تفهم الجماعة أبداً واقع الدولة الوطنية الحديثة، ولم تتحرّر من الخلط بين الرفض لفكرة التقسيم التي فرضها الاستعمار، فأنتج الدولة الوطنية، وبين أنّ هناك واقعاً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، كثيف التعقيد، تراكم ولا يمكن القفز عليه، أو تجاهله، كما فعلت.

لم تراكم الجماعة، ولم يراكم أيضاً مفكّرو الحالة الإسلامية، نظرية سياسية متماسكة؛ بل ظلت كتاباتهم أقرب إلى محاولات لإعادة تدوير كتابات كالأحكام السلطانية، التي كانت ردّة فعل من الفقهاء على أوضاع مختلة بالأساس، تناقضت مع قيم الدين ومقاصده، ومن ثم ظلّ الإطار الفكري إطاراً تلفيقياً يتغذى على ما أنتجه فقهاء الإسلام حول السياسة والحكم، وما أبدعته التجربة الغربية من أنظمة وأفكار.

لم تراكم الجماعة ومفكّرو الحالة الإسلامية نظرية سياسية متماسكة تترجم إلى أفكار وبرامج يمكن تقييمها

تحدّث الإخوان عن أصالة أفكارهم، وصكّوا شعار "الإسلام هو الحلّ"، دون أن يترجموا ذلك إلى أفكار وبرامج يمكن تقييمها، أو الحكم على أصالتها، وكان العقل الإخواني، المرتبك؛ فكرياً وإستراتيجياً، مآلاً طبيعياً لجماعة لم تمتلك مفكّرين، ولم تتورط في التفكير الحرّ؛ بل ظلت تتغذى على ما يكتبه حسن البنا، ويعيد حواريوه تدويره، وعندما تكون الأرضية الفكرية بائسة رخوة ومتحركة إلى هذا الحد، فمن الطبيعي، بعد تسعة عقود، أن تتردد الأسئلة داخل هذا التنظيم المأزوم، بعد الفشل التام، لتهرب من الإجابة الصحيحة والوحيدة، التي تقول إنّ الجماعة تحلت بالعمى الفكري والإستراتيجي منذ النشأة، وهو ما صدقته السلوكيات والاختيارات عبر تاريخها، الذي بدا بلا أي إنجاز حقيقي.

اقرأ المزيد...

الوسوم: