هل تقف أجندات خفية وراء فوضى التعليم الديني في تونس؟

صورة عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي
589
عدد القراءات

2017-11-14

ما يزال التعليم الديني في تونس يطرح إشكالاً عويصاً إثر ثورة 17 كانون الأول (ديسمبر) 2010؛ فبعد سياسة التضييق والمنع الإداريّ والتحفظ السياسيّ التي انتهجها النظام السابق إزاء المؤسسات الدينية على تنوّع وجوهها وأشكالها، والرقابة الشديدة على المساجد والجوامع وغيرها بدعوى الخوف من الإرهاب وتجفيف منابعه ومقاومة الإسلام السياسي الذي كان يتّخذ من هذه الفضاءات مجالاً للاشتغال، مكّنت حالة الانفلات أواخر 2010 وبداية 2011 التعليم الديني من العودة بقوّة لافتة للنظر إلى مسرح الأحداث مجدداً، غير أنّ هذه العودة ترافقت بفوضى عارمة وتخبط كبير يثيران تساؤلات جمّة ومخاوف حقيقيّة.

انعكاس لفوضى مؤسسية عارمة
خلق حدث الثورة في 2011 فوضى مؤسّسيّة عجيبة عبثت بكلّ الترتيبات القانونيّة والتنظيميّة في تونس، وفتحت الباب أمام نشوء تعليم دينيّ مواز تنوّع في أشكاله وتعدّد في جمهوره، وتباين في موادّه التعليميّة؛ فظهرت كتاتيب لتحفيظ القرآن وجمعيّات للقراءات والتجويد وأخرى للعلوم الشرعيّة كالفقه والعقيدة ورياض أطفال دون أن يكون لها إطار قانونيّ تنظيميّ يضبط الهويّة الإداريّة بشكل دقيق وصارم، أو البرامج التعليميّة التي تقدّم للجمهور العريض المقبل عليها بنهم، أو الطرائق البيداغوجيّة التي تستخدم في التعليم أو التكوين، أو إطار الإشراف والتدريس المجهول في تكوينه وشهاداته العلمية؛ بل إنّ هذه الأطر الناشئة ظلّت لفترة غير قليلة خارج الإشراف والرقابة والمتابعة بما مكّن التعليم الدينيّ الموازي من ترسيخ قدمه والانتشار في شبكات مترامية الأطراف.

حدث الثورة التونسية في 2011 خلق فوضى مؤسّسيّة فتحت الباب أمام نشوء تعليم دينيّ مواز تنوّع في أشكاله وتعدّد في جمهوره وتباين في موادّه التعليميّة

وقد تنوّعت هذه الأطر التعليميّة الدينيّة الموازية في المضمون التربويّ والمعرفيّ الذي تقدّمه لروّادها، فبعضها اختصّ بتحفيظ القرآن وتلاوته لفئات عمرية وجندرية مختلفة وفق قراءات وروايات مخصوصة، وقع انتقاؤها واختيارها بقصديّة موجّهة تتعدّى ما هو معمول به في الدولة التونسيّة ذات التوجّه المالكيّ أساساً منذ قرون، وأخرى اهتمت بما سمّته "العلوم الشرعيّة" كالفقه والعقيدة، ولكن من منظور مذهبيّ معيّن يتعلّق بالأدبيّات الحنبليّة التراثيّة والوهّابيّة الحديثة ذات النزعة المحافظة والمتشدّدة. كلّ هذه الموادّ

التعليمية مجتمعة أسهمت في خلق ثقافة دينيّة سلفيّة تنشدّ إلى الأصول التراثيّة، وأقرب إلى التشدّد في الأفكار والممارسات وأبعد عن روح التسامح وثقافة التنوّع.
 

استهداف لشتى المستويات
أمّا الجمهور الذي استهدفته هذه الأطر الدينيّة الموازيّة فمتنوّع عمرياً وجندرياً، فالناشئة التي كانت تتوجّه إلى المحاضن والمدارس التحضيريّة أصبحت أكثر إقبالاً عليها لتلقّي موادّ تعليميّة ترتكز على تحفيظ القرآن والأحاديث وبعض المأثورات الدينيّة والأناشيد والأدعية المنتقاة بعناية، في جوّ من الآداب الدينيّة في الأكل والشرب واللباس والتفاعلات والممارسات؛ لخلق جيل نمطيّ يمثّل بيئة حاضنة لثقافة دينيّة أصوليّة. بينما كانت الفئة العمريّة الثانية تشمل الأطفال بين سنّ السادسة والثانية عشرة في إطار جمعيّات انتشرت في الأحياء، وفي كافّة المدن والجهات، وتركّز على مادّة دينيّة مفصّلة وموسوعيّة تشمل تلقين الأحاديث والتفاسير، وتعليم القراءات وبعض المبادئ العقديّة في إطار الفصل بين الجنسين امتثالا للمنظور الفقهي التقليديّ وثوابته عن العلاقة بين الجنسين.

الأطر التعليمية الناشئة بعد الثورة التونسية ظلّت لفترة غير قليلة خارج الإشراف والرقابة والمتابعة بما مكّن التعليم الدينيّ الموازي من ترسيخ قدمه والانتشار

ولم تستثنِ هذه الأطر الموازية فئة الكهول من الجنسين في جدول زمنيّ يركّز على نهاية الأسبوع وأيّام الآحاد حيث تتكاثر الدروس والحلقات التكوينيّة التي تقدّم موادّ أكثر تفصيلاً وتعمّقاً، وتشمل التفسير والعقيدة والفقه وتتخيّر بشكل انتقائيّ مقصود موضوعات تتّصل بفقه اللباس والاختلاط والزينة وتفاسير أصوليّة مخصوصة كابن كثير، أو موضوعات التوحيد والصفات والبدعة في العقيدة، ومن منظور سلفيّ متشدّد. علاوة على تخيّرها لمراجع وعيّنات محدّدة لتدريسها وتلقينها. وهذا يثير شكوكاً هائلة في خلفيّات هذه الأطر الموازية ومقاصدها والجهات الداعمة لها.
 

مدرسون غير مؤهلين
لكنّ ما يثير الريبة ويلقي بظلال من التشكيك هو إطار التدريس والإشراف، فأغلبهم لا يمتلك تحصيلاً علميّاً رسميّاً من مؤسّسات حكوميّة معترف بها وذات أهليّة اختصاصيّة، وإنّما لا يتعدّى تحصيلهم مستويات دنيا من المعرفة الدينيّة كتلاوة القرآن أو رواية الحديث أو إجازات تقليديّة في التفسير والعقيدة عن شيوخ مغمورين أو جهات دينيّة لا شأو لها في تونس أو في المجال الدينيّ؛ لذلك اتّخذ التعليم الدينيّ الموازي منزعاً مذهبيّا بالأساس، ولم يراع الاقتدار أو التمكّن الذي يؤهّل المكلّفين للقيام بالعمليّة التعليميّة ضمن ضوابط ومسالك دقيقة ومعلومة، وكأنّما فوضى إطار التدريس جزء من الفوضى الشاملة لهذا القطاع الموازي في كلّ مستوياته.
 

أجندات خفية للإسلام السياسي
ولكن ما العوامل التي دفعت بهذا التعليم الدينيّ الموازي إلى الظهور والانتشار بهذه الكيفية المتعاظمة؟ وما الشبكة التي تدعم هذا التعليم الموازي مالياً وتنظيميّاً وسياسياً؟ ألا توجد أجندات خفية تتقصّد نشر ثقافة دينيّة موجّهة على علاقة بالمناخ السياسيّ الوطنيّ والإقليميّ؟ ورغم أنّ النظام التعليميّ التونسيّ قد عرف تراجعاً في نوعيّته ومردوديّته المجتمعيّة والاقتصاديّة في السنوات الأخيرة فإنّ هذا لا يبرّر طفرة التعليم الديني الموازي وانتشاره بهذه الكيفية في كلّ الجهات والأوساط الاجتماعيّة، بل إنّ إحساس التونسيّ بإخفاقات المنظومة التربويّة الوطنيّة لا يمكن أن تعلّل ظاهرة التعليم الموازي؛ في ظل ما يبذله المواطن ماديّاً واجتماعياً لتعليم أبنائه، ويسعى إلى تعليم جيّد ومتميّز على غرار التعليم الخاصّ وما يكلّفه من أعباء.

يرى مراقبون أن نشوء نمط تعليمي فوضوي خارج الرقابة والتأطير والتوجيه ضرب من الاستخفاف بسلطة الدولة واختراق لمؤسّساتها 

ما من شكّ في أنّ التعليم الدينيّ الموازي شبكة متكاملة الحلقات في مستويات: الفئات العمريّة، والجندرية، والموادّ التعليميّة التي اقتصرت على الأنشطة القرآنيّة والحديثيّة والعقديّة، وعلى مستوى المرجعيّات المذهبيّة الحاضرة بشكليها الجليّ والخفيّ، وفي مستوى الجهات الداعمة والحاضنة التي موّلت بطرق ملتوية وسرية وناكفت في المنابر الإعلاميّة والمجالس السياسيّة والفكرية عن هذه الأطر ودورها الحضاري المزعوم. ولا يخفى ارتباط هذا التعليم الدينيّ الموازي بفاعلين سياسيّين أمسكوا زمام السلطة ووفّروا التسهيلات الإدارية، وأزاحوا كلّ العقبات وأبطلوا كلّ رقابة إدارية، بما جعل هذا التعليم يعمل بأريحيّة وتنفتح له كلّ الأبواب ويخترق النسيج المجتمعيّ في ظلّ سياسة العين العمياء والأذن الصمّاء.

التعليم الدينيّ الموازي شبكة متكاملة الحلقات في مستويات الفئات العمريّة والجندرية والموادّ التعليميّة التي اقتصرت على الأنشطة القرآنيّة والحديثيّة والعقديّة وعلى مستوى المرجعيّات المذهبيّة

إنّ بروز تعليم دينيّ مواز يحمل في طياته مقاصد أعمق تتّصل بالبعد الثقافي والحضاري للمجتمع التونسي المعروف بتوجّهاته الحداثيّة؛ فهذا التعليم كفيل بنشر ثقافة دينيّة تقليديّة سلفيّة تمثّل قاعدة أيديولوجيّة متينة وبديلة عن الإرث السياسي القديم. ولهذا صلة مكينة بالترتيبات السياسيّة المحلّية والإقليمية والعالمية، فكثير من الشخصيات الدينية التي زارت تونس أمثال وجدي غنيم محسوبة على جماعات الإسلام السياسي، واحتضنتها مؤسّسات وجمعيّات تنتمي إلى شبكة التعليم الديني الموازي، مع ما رافق ذلك من تحشيد سياسي وتجنيد فكري وعملي يقع استثماره في المواجهات السياسية الوطنية وفي بؤر التوتر الإقليمية التي تعزّز ثقافة "الجهاد"، لذا فهذا التعليم الديني الموازي منخرط في رهانات آنية ومستقبلية تخدم أجندات معلومة لحركات الإسلام السياسي.
 

استخفاف يثير المخاوف
لقد أثارت طفرة التعليم الديني الموازي مخاوف جملة من الفاعلين الوطنيّين يتراوحون بين مجالات الفكر والثقافة والسياسة؛ فنشوء نمط تعليمي فوضوي خارج الرقابة والتأطير والتوجيه ضرب من الاستخفاف بسلطة الدولة واختراق لمؤسّساتها وتشكيك في وجودها العملي والمفترض. بل إنّ تعليماً دينياً موازياً يعيد إلى الواجهة قضيّة الدولة الحديثة والشأن الديني بين الاحتواء والقطيعة، وكأنّما إدارة المجال العامّ لم تعد محكومة بترتيبات قانونية وتتمّ ضمن أطر معلومة؛ بل أضحت نهباً لفاعلين لهم ارتباطات داخلية وخارجية ويندرجون ضمن استراتيجية تجعل الدينيّ أداة في التحشيد والتوظيف السياسي.

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: