هل يسيطر الإسلام السياسي على الحريات في تونس؟

صورة عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي
619
عدد القراءات

2017-12-19

مثّلت الحريّة على الدوام مطلباً لا يمكن الاستغناء عنه مهما تباينت السياقات الثقافيّة والاجتماعيّة الحاضنة والفاعلة، بما يجعل تاريخ الإنسان سعياً دائباً للانعتاق من الاستعباد على اختلاف أدواته ومظاهره؛ والسياق التونسيّ المحلّيّ لا ينأى بنفسه عن هذا السياق وخاصّة بعد سقوط نظام بن عليّ وظهور الجمهوريّة الثانيّة وتحوّلات المشهد التونسيّ في فاعليه ومرجعيّاته وارتباطاته الداخليّة والخارجيّة، خاصّة وأنّ الحريّة كانت واحدة من الرهانات التي تبنّتها قوى فكريّة وسياسيّة واجتماعيّة. لكنّ هذا المطلب يتوزّع بين محدّدات تفعل فيه وتضبط صورته واستتباعاته من دستور يتبنّى سقفاً حداثيّاً ومدنيّاً عالياً لا يستثني مجالاً مهما تصاغر شأنه، وبين مجتمع تتضارب آفاقه وانتظاراته ومنظوراته بل وأولويّاته، وفاعل دينيّ يفرض إكراهات جمّة ويتحرّك من رصيد ثقافيّ وتاريخيّ عميق، ومن تأويلات نصوص دينيّة تقيّد هذه الحريّات وتستدعي نموذجاً مخصوصاً.

رغم تأكيد الدستور التونسي على قيمة المواطنة والتشاركيّة إلا أن أفق الحريّات ما يزال مطلباً حالماً ومثاليّاً

ورغم ما يحفل به الدستور التونسي من تأكيد على قيمة المواطنة والتشاركيّة إلا أن أفق الحريّات العامّة والخاصّة على أرض الواقع ما يزال مطلباً حالماً ومثاليّاً في ظلّ إكراهات المجتمع وما يقوم عليه من ثوابت، ويبقى بذلك السؤال مفتوحاً حول كيفية تحقيق توافق حقيقيّ بين الدين والحريّة، وهل للفاعلين السياسيّين وعي مبدئيّ بأوّليّة الحريّة أم إنّ الأمر لا يتجاوز التسويق الأيديولوجيّ؟

دستور مثالي "حالم" بالحريات

يقرّ الدستور التونسيّ في توطئته وهي أساس كلّ الفصول اللاحقة بـ"علويّة القانون واحترام الحريّات وحقوق الإنسان"، وهذا الإقرار يجعله نظرياً دستوراً تحرّريّاً وحداثيّاً، ولا تتوانى فصوله اللاحقة عن استعراض تجلّيّات هذه الحريّة من حريّة المعتقد والضمير في الفصل السادس، وحريّة الرأي والتعبير في الفصل الواحد والثلاثين، إلى حريّة العمل النقابيّ والجمعيّاتيّ في الفصل الخامس والثلاثين، وحريّات التعليم والثقافة والبيئة السليمة في الفصول اللاحقة.

الخطاب الدستوري أقرب لخطاب دعائيّ للاستهلاك السياسيّ داخليّاً وخارجيّاً كأنه يسترضي كتلاً انتخابيّة وفاعلين دوليّين

كلّ هذا يندرج في باب محوريّ هو باب الحريّات؛ بما يوهم بالطابع الحداثيّ الذي يكاد يضاهي دساتير المدنيّات الغربيّة، بل يفوقها في أحايين كثيرة، لذا يبدو الخطاب الدستوريّ حالماً مشبعاً بالطوباوية والمثاليّة، يرسم أفقاً نظريّاً وافتراضيّاً تنفيه الوقائع اليوميّة، وتجعل منه خطاباً دعائيّاً أيديولوجيّاً للاستهلاك السياسيّ داخليّاً وخارجيّاً، وكأنّه حُبّر لاسترضاء كتل انتخابيّة وفاعلين دوليّين لا أكثر.

بل إنّ مظاهر الحريّة ومضامينها التي أقرّها باب الحريّات تبدو ملتبسة وهلاميّة ومتناقضة أحياناً؛ فالدستور يكفل حريّة الضمير وحريّة ممارسة الشعائر الدينيّة، بينما يقرّ من جهة أخرى أنّ الدولة "راعية للدين" وهذا يمنحها الوصاية وحقّ إدارة الشعائر ممّا يخلق تداخلاً بين الدينيّ والسياسيّ عكسته تلك السجالات والمماحكات الحزبيّة حول تعيين مفتي البلاد التونسيّ أو وزير الشؤون الدينيّة، ويمكن أن يكون مدخلاً لحكم ثيوقراطيّ تُوظّف فيه المسألة الدينيّة كالمساجد وخطب الجمعة لمآرب سياسيّة كما هو الحال في الممارسة الأيديولوجيّة لأحزاب الإسلام السياسيّ.

بين التنظير والواقع

لقد تضمّن باب الحريّات في الدستور التونسيّ تفريعات تشريعيّة جمّة تتّصل بأنواع اجتماعيّة كثيرة كالمعوَّق والطفل والمرأة، وبمجالات عدّة كالبيئة والثقافة والعمل والتعليم، وجعلها في معنى الالتزامات المفروضة على الدولة، والاستحقاقات التي يتمتّع بها كلّ مواطن. ولكنّ الواقع الاجتماعيّ المعيش للفرد التونسيّ يكذّب هذه الأوهام الدستوريّة، فالنظام التعليميّ يشهد أزمة بنيويّة عميقة بتدنّي مردوديّته وتفاقم المعضلات الإداريّة والتربوية كالمناظرات الوطنيّة والانقطاع المبكّر عن المدرسة الذي تجاوز 120 ألفاً دون سنّ السادسة عشرة، وهذا يناقض منطوق الفصل التاسع والثلاثين.

مظاهر الحريّة ومضامينها التي أقرّها باب الحريّات في الدستور تبدو ملتبسة وهلاميّة ومتناقضة أحياناً

إلى ذلك، فالفصل الخامس والأربعون الذي يقرّ بحقّ الأجيال القادمة في بيئة سليمة تدحضه الوقائع المتعلّقة ببؤر التلوّث وانتشار الفضلات وانتهاك المساحات الخضراء، وكأنّ الحريّات التي بشّر بها الدستور لا وجود لها في أرض الواقع ولا تحظى بمقوّمات حقيقيّة لتحقيقها. وهذا يخلق قطيعة جذريّة بين حزمة الحريّات المنشودة ومقتضيات الواقع الاجتماعيّ، فالنخب السياسيّة بشتّى توجّهاتها من العلمانيّة إلى الإسلامويّة مارست ضرباً من الخديعة السياسيّة المكشوفة.

بيئة ثوابت لا يمكن تجاوزها

لكنّ المفارقة الأعمق في مقولة الحريّة في السياق التونسيّ تكمن في البيئة الاجتماعيّة التي تحتضن مختلف هذه الحريّات وتفعل فيها؛ فالمجتمع التونسيّ تحكمه ثوابت سوسيولوجيّة عميقة كالجندر والقبيلة والأعراف التي تحوز سلطة مكينة لا يمكن التغاضي عنها أو تجاوزها؛ لذلك فحريّة المرأة في العمل والمساواة والمشاركة السياسيّة لا تلقى إجماعاً من مختلف الفئات الاجتماعيّة والفاعلين الاجتماعيّين كما هو الحال في الأوساط الشعبيّة أو الريفيّة أو الحركات الدينيّة ذات التوجّهات المتشدّدة، وكثيراً ما يُنظر إليها من منظور أخلاقيّ يربط المرأة بمفهوم العورة، ويسجنها في شبكة من القيود الأخلاقيّة والسلوكيّة يرى في هذه الحريّة خطيئة وانتهاكاً لقيم متعالية، وكأنها تشكل خطراً يتهدد الاستقرار المجتمعيّ. والأمر نفسه بالنسبة إلى بعض الحركات الاجتماعيّة المرتبطة بجماعات عرقيّة كالأمازيغ أو الجمعيّات المثليّة ذات النزعات المناقضة لمألوف المجتمع التونسيّ؛ بما يثير إشكالاً مزدوجاً يتعلّق بضوابط الحريّة نفسها وتقبّل المجتمع التونسيّ لها.

مايزال النظام التعليميّ يشهد أزمة بنيويّة عميقة بتدنّي مردوديّته وتفاقم المعضلات الإداريّة والتربوية

ويكفي أن يتأمّل الناظر المجال العامّ التونسيّ ليكتشف أنّ الانفلات المجتمعيّ الذي تمّ باسم الحريّة والديمقراطيّة قد خرّب الكثير من علويّة القانون والانضباط في السلوك والممارسة، فقد شهد النشاط الجمعيّاتيّ فوضى قانونيّة وإداريّة ناجمة عن الفهم الاجتماعيّ المغلوط للحريّة وكيفيّات ممارستها، بما يثير سؤالاً إشكاليّاً حول جاهزية المواطن التونسيّ لتقبّل مفهوم الحريّة واستيعاب ترتيباتها في المجالين الخاصّ والعامّ، بل إنّ حريّة الانتظام النقابيّ والحزبيّ وما رافقها من أشكال التعبير التي اكتسحت الفضاء العامّ وتحوّلت معها إلى حالة انفلات جماعيّ غريبة قد أظهرت خللاً مفهوميّاً ومجتمعيّاً عميقاً يتعلّق بالذهنيّة الحضاريّة للفرد التونسيّ، ووعيه السياسيّ واستعداده لممارسة الحريّة في أطر قانونيّة معلومة وتشاركيّة ترتقي بالوعي المجتمعيّ، وترسّخ قيم المواطنة، وتسهم في خلق جودة الحياة، وبهذا تحوّلت الحريّة في سياق اجتماعيّ تونسيّ إلى مبرّر لإنتاج الفوضى وتوتير العلاقات الاجتماعيّة وتهديد السلم الجماعيّة.

تناقضات خطاب الإسلام السياسي

إلّا أنّ المفارقة الجوهريّة في المجتمع التونسيّ قائمة بين الحريّة مفهوماً وممارسة من جهة والفاعل الدينيّ من جهة أخرى؛ فمفاهيم مثل "حريّة الضمير" و"حريّة المعتقد" و"حريّة ممارسة الشعائر" و"حريّة التعبير" تصطدم بالوعي المجتمعيّ القائم على خلفيّة اعتقاديّة أصوليّة عزّزتها حركات الإسلام السياسيّ الحركيّ والسلفيّ معاً. فقد شهد الواقع التونسيّ كمّا هائلاً من عنف الخطاب والممارسة الذي استهدف نخباً فكريّة وفنّيّة وسياسيّة مخالفة في التوجّه والقناعات مارسته أطراف سياسيّة محسوبة على الإسلام السياسيّ تدعمه وإن بطرق غير معلَنة وخفيّة. وهذا يضع مقولة الحريّة موضع تشكيك، ومعها النخب السياسيّة التي نافحت عن مجتمع الحريّة وتغنّت بعصر المواطنة الواعية موضع المساءلة، بالقدر الذي يعرّي جملة الادّعاءات التي يتظاهر بها الإسلام السياسيّ في تبنّيه لقيمة الحريّة والتوسيع من آفاقها، واستعداده للانخراط في العمليّة الديمقراطيّة بكلّ استتباعاتها.

حريّة المرأة في العمل والمساواة والمشاركة السياسيّة لا تلقى إجماعاً من مختلف الفئات الاجتماعيّة والفاعلين الاجتماعيّين

إذا كان الخطاب الدستوريّ طوباويّاً في مشروعه التأسيسيّ لحريّة مجتمعيّة ترسّخ لعهد المواطنة الواعية والمسؤولة، فإنّ الواقع التونسيّ فنّد هذه الرؤية وكشف تهافتها وافتقارها إلى أسس صلبة تنبني عليها وكأنّها حريّة دخيلة أو مسقطة على واقع لم ينتجها ولم يستوجبها؛ فالدستور لم يكن نتاج وعي حقيقيّ ومشترك اختاره الشعب التونسيّ، ولم يكن تعبيراً عن إرادة مجتمعيّة مكتملة نجمت عن مسار طبيعيّ من تطوّر الوعي والممارسة. بل على العكس من ذلك كشفت هذه الحريّة المصطنعة عن استحواذ النخب السياسيّة بالقرار وتلاعبها به توظيفاً ودعاية.

من جانب آخر فالمجتمع التونسيّ الذي قضّى عقوداً في الاستبداد الفرديّ ونظام الحزب الواحد لم يكن مهيّأً لتشرّب هذه الحريّة والاندماج فيها والاستجابة لضروراتها في التفعيل المجتمعيّ، والتخلّص من إرث سياسيّ وثقافيّ راسخ يحتاج جهوداً تنمويّة وتوعويّة لتعديله وتطويره. فضلاً عن أنّ الحريّة التونسيّة اصطدمت بالعامل الدينيّ الذي استثمرته حركات الإسلام السياسيّ، مستغلّة الوعي الدينيّ الشعبيّ الذي ينظر بريبة كبيرة إلى الحريّة بوصفها منتجاً غربيّاً دخيلاً، فتعاظم العنف السياسيّ الذي عصف بحلم الحريّة وفعّل المرجعيّة الدينيّة في إثارة الرأي العامّ وتحشيد الجماهير والاستقواء بالمقدّس على كلّ خصم سياسيّ مناوئ، بما يلقي بظلال من الشكّ على آفاق الحريّة في حقل سياسيّ يتّخذ الدينيّ أداة في الصراع وتحصيل المغانم.

اقرأ المزيد...

الوسوم: