آثار نابلس في مهب السرقة الإسرائيلية

فلسطين

آثار نابلس في مهب السرقة الإسرائيلية

مشاهدة

04/12/2018

تزخر محافظة نابلس شمالي الضفة الغربية بالمواقع والمعالم الأثرية المهمة التي تشهد على الحقب التاريخية التي مرت على فلسطين منذ آلاف السنين، وتشكّل كنزاً ومتحفاً مفتوحاً للسائحين والباحثين عن عبق التاريخ في بلد مهد الديانات، الأمر الذي جعل من هذه المدينة مطمعاً للصوص الآثار الذين يتم تجنيدهم بطريقة منظمة من الاحتلال الإسرائيلي مقابل أجور مالية زهيدة.

اقرأ أيضاً: هل تعاونت إسرائيل مع تركيا في تهريب آثار يهودية من سوريا؟

وتضم الأراضي الفلسطينية أكثر من 11 ألف موقع ومعلم أثري، 61% من هذه المواقع تقع ضمن المناطق المصنفة "ج"، التي تخضع للسيطرة الأمنية والإدارية الإسرائيلية الكاملة، وأغلب السرقات تتم في تلك المناطق، وتُنقل إلى داخل الكيان الإسرائيلي.

طمس المعالم الأثرية

مدير مديرية السياحة والآثار في نابلس مفيد صلاح يقول إنّ "المواقع والمعالم الأثرية في محافظة نابلس تعود لعدة حقب تاريخية شهدتها فلسطين على مر العصور منذ الفترة الكنعانية قبل أربعة آلاف عام قبل الميلاد، مروراً بالعهد البيزنطي والروماني وصولاً للفترة العثمانية، ويعتبر تل بلاطة أو "شكيم" كما كان يُطلق عليه قديماً، من أقدم المواقع الأثرية الكنعانية في محافظة نابلس، ووضع التل ضمن المواقع الأثرية المدرجة على القائمة التمهيدية للتراث العالمي".

التميمي: أكثر من 500 موقع أثري فلسطيني ضمها الجانب الإسرائيلي داخل البؤر الاستيطانية بالضفة الغربية

ويضيف صلاح في حديثه لـ"حفريات": "لم تسلم المواقع الأثرية في محافظة نابلس من عمليات التخريب والحفر من قبل لصوص الآثار بدعم ومساندة الاحتلال الإسرائيلي، بهدف طمس المعالم الأثرية الفلسطينية وتغيير طابعها التاريخي، حيث عمدت السلطات الإسرائيلية لحث المواطنين في الضفة الغربية على التنقيب عن القطع الأثرية وتسليمها لها، بحجة المحافظة عليها من الضياع والاندثار، وهو الأمر الذي دفع العديد من العاطلين عن العمل لتكون المواقع الأثرية مرتعاً لهم للقيام بعمليات الحفر والتنقيب".

ويشير صلاح إلى أنّ "لصوص الآثار بنابلس يعملون لصالح الاحتلال الإسرائيلي، ويتم تزويدهم بالمعلومات والخرائط عن المواقع الأثرية الفلسطينية، ليتم التنقيب بداخلها واستخراج التماثيل والعملات المعدنية والقطع الحجرية الأثرية المتنوعة، بطريقة عشوائية، تؤدي إلى تدمير ما تبقي من الموقع الأثري الذي جرت عمليات الحفر والنبش التخريبي بداخله".

قطع أثرية مسروقة تم ضبطها في نابلس

ويؤكد أنّه "لا توجد إحصائيات رسمية لدى وزارة السياحة والآثار الفلسطينية عن أعداد القطع الأثرية التي تم سرقتها من محافظة نابلس، وذلك نظراً لوجود العديد من المواقع والمعالم الأثرية التي تتوزع على مساحات شاسعة يصعب حصرها"، وفي هذا السياق أوضح أنّه "جرى تنفيذ عمليات إنقاذ وترميم لخربة الهوى قبل أشهر قليلة، وقد تعرضت لعمليات الحفر والتنقيب من قبل لصوص الآثار وسرقة عدة جرار فخارية وقطع معدنية أثرية، لكن جرى استعادتها من قبل طواقم وزارة السياحة والآثار بمحافظة نابلس".

تأثير المستوطنات الإسرائيلية

ويبين صلاح أنّ "المستوطنات الإسرائيلية المحيطة بمحافظة نابلس كان لها دور بارز في تدمير المواقع الأثرية الفلسطينية، في ظل تواجد أعداد كبيرة من هذه المواقع بمحاذاة البؤر الاستيطانية، التي يصعب الوصول إليها أو القيام بحمايتها، كما أنّ هناك عدداً كبيراً من هذه المواقع الأثرية تقع بداخل حدود المستوطنات الإسرائيلية المقامة على أراضي المحافظة".

اقرأ ايضاً: منحوتات فنان عراقي تجسد آثار العزلة والاغتراب وتداعيات الحرب

ويتابع أنّ "وقوع معظم المواقع الأثرية الفلسطينية بنابلس في المناطق المصنفة (ج) التي تشكل 61% من مساحة الضفة الغربية، يشكل عائقاً أمام توفير الحماية الأمنية لها، وترفض السلطات الإسرائيلية منح طواقم مديرية الآثار بالمحافظة من التراخيص اللازمة للوصول إلى هذه المواقع لمتابعتها وإجراء عمليات التنقيب بداخلها، بحجة أنّها مناطق تقع تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة".

آثار بلدة بيت فوريك بنابلس

ويؤكد صلاح أنّ القانون الفلسطيني رقم (11) لعام 2018 بشأن التراث الثقافي المادي الفلسطيني، الذي صادق عليه الرئيس الفلسطيني مؤخراً يشكل رادعاً للصوص الآثار، وينص على معاقبة كل من يقوم بسرقة الآثار الفلسطينية بالسجن الفعلي من 6 أشهر إلى 15 عاماً، ودفع غرامة مالية تقدر قيمتها من ألف إلى 50 ألف دينار أردني".

غياب وعي واستغلال

الباحث في مجال الآثار والتاريخ نصر التميمي يقول لـ "حفريات": إنّ "السلطات الإسرائيلية تقوم باستغلال بعض المواطنين بمحافظة نابلس وإغرائهم بالمبالغ الباهظة مستغلين ظروفهم الاقتصادية الصعبة، لدفعهم للتنقيب عن الآثار الفلسطينية وسرقتها، وهي مجموعات منظمة تبحث عن جميع القطع الأثرية سواء كانت معدنية أو فخارية، مستخدمين أجهزة للكشف عن المعادن، في دليل واضح على أنّ هذه الجماعات هي عصابات منظمة يجري توجيهها من قبل دولة الاحتلال الإسرائيلي".

المستوطنات الإسرائيلية المحيطة بمحافظة نابلس كان لها دور بارز في تدمير المواقع الأثرية الفلسطينية

ويضيف "منذ بداية قدوم السلطة الفلسطينية العام 1994، والمناطق الأثرية الفلسطينية تشهد حالات متزايدة من الاعتداءات المستمرة عليها في ظل غياب الوعي الثقافي لدى بعض المواطنين، ما أدى إلى تدمير وسرقة بعض المواقع الأثرية في نابلس في خربة سيلون وفقاس وسبسطية وتل بلاطة وغيرها، مع غياب القوانين الفلسطينية الرادعة لمعاقبة المخالفين وتوفير الحماية للمواقع والمعالم الأثرية، حتى بلغت عدد القطع الأثرية التي تم سرقتها وتهريبها أكثر من 3 ملايين قطعة أثرية".

ويؤكد التميمي أنّه "بعد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين العام 1967، صعّدت السلطات الإسرائيلية من إجراءات التنقيب عن الآثار في الأراضي الفلسطينية لتشمل أكثر من ألف موقع أثري، وهو الأمر الذي أدى إلى انخفاض المواقع الأثرية بالضفة الغربية من 12 ألفاً إلى 7 آلاف موقع فقط، بالإضافة إلي تصديق سلطة الآثار الإسرائيلية على إقامة المزيد من أعمال الحفر والتنقيب بعدة مواقع أثرية فلسطينية تحت مسميات واهية، وذلك بهدف طمس هذه المعالم التاريخية ونسبها إليهم".

عمليات حفر لصوص الآثار في نابلس

بحث عن تاريخ موهوم

ويقول التميمي إنّ "السلطات الإسرائيلية قامت في الفترة ما بين عامي 1913 و1986 بتأسيس جمعيتي إلعاد وأبحاث إسرائيل، اللتين تختصان بعمليات الحفر والتنقيب عن الآثار في الأراضي الفلسطينية، للبحث عن أي دلائل تثبت أحقية الكيان الإسرائيلي بأرض فلسطين وبمعالمها الأثرية والتاريخية، إضافة لذلك قامت إسرائيل بضم عدد من المواقع الأثرية الفلسطينية لعدة مستوطنات في محافظة نابلس، وتغيير مسار جدار الفصل العنصري للالتفاف على عدة مواقع أثرية وتاريخية مهمة، كما حصل سابقاً مع مسجد بلال بن رباح في بيت لحم، والحرم الإبراهيمي بالخليل اللذين أعلنتهما إسرائيل موقعين أثريين يتبعان إليها".

آثار سبسطية في نابلس

ويشير التميمي إلى "أنّ أكثر من 500 موقع أثري فلسطيني تم ضمها من قبل الجانب الإسرائيلي بداخل البؤر الاستيطانية بالضفة الغربية المحتلة، لتصبح خاضعة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، وهناك عشرات من المواقع والمعالم الأثرية الفلسطينية قامت إسرائيل بالترويج لها عالمياً ومحلياً وإعلانها مواقع تقع ضمن التراث الإسرائيلي".

اقرأ أيضاً: "تفكيك منابر أثرية" يثير شكوكا بشأن العناية بالآثار في مصر

ويبين أنه "عند قيام دولة الاحتلال ببناء جدار الفصل العنصري حول المدن الفلسطينية بالضفة الغربية في العام 2002، تم تدمير العشرات من المواقع الأثرية في الأراضي الفلسطينية، واستخراج المئات من القطع الفخارية والحجرية والمعدنية الأثرية ونقلها إلى داخل إسرائيل بشكل غير قانوني في مخالفة واضحة للقوانين الدولية".

فرض عقوبات رادعة

ثمة الكثير من المعالم والمواقع الأثرية التي تمنع إسرائيل الفلسطينيين من زيارتها والتعرف عليها عن قرب بمحافظة نابلس وكافة أرجاء الضفة الغربية، بحجة أنها تقع داخل الحدود الإدارية والأمنية الإسرائيلية، بينما تسمح للسائحين الأجانب والإسرائيليين بزيارة هذه المواقع بحرية ودون أي قيود تذكر، وفق ما يؤكد التميمي.

خربة فقاس بنابلس أحد المعالم الأثرية بالمدينة

وطالب التميمي بضرورة أن تكون هناك عقوبات رادعة بحق لصوص الآثار الفلسطينيين، "باعتبار أن ما يرتكبونه من جريمة بمعاونة الاحتلال على طمس المعالم التاري التاريخية خية لفلسطين يقع ضمن الخيانة العظمي لوطنهم، كما حثّ على ضرورة نشر ثقافة الحفاظ على المعالم الأثرية الفلسطينية بداخل المجتمع من خلال عقد المحاضرات والندوات التوعوية التي تهدف إلي توضيح أهمية المواقع الأثرية الفلسطينية "باعتبارها كنزاً فلسطينياً لا يمكن التفريط فيه بأي حال من الأحوال".

الصفحة الرئيسية