آيا صوفيا.. أردوغان يحشد لإعادة شعبيته التي بدّدتها مُقامرات السياسة والاقتصاد‎‎

آيا صوفيا.. أردوغان يحشد لإعادة شعبيته التي بدّدتها مُقامرات السياسة والاقتصاد‎‎

مشاهدة

11/07/2020

خلص استطلاع أجراه مركز أبحاث الرأي التركي (متروبول) إلى أن 44 في المئة ممن شملهم، يعتقدون أن آيا صوفيا وضع على جدول الأعمال لصرف انتباه الناخبين عن المشاكل الاقتصادية في تركيا.

وبالفعل يُتيح تحويل آيا صوفيا إلى مسجد، حشد القاعدة الإسلامية-القومية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان وشق صفوف المعارضة وسط مواجهته أزمة اقتصادية ونزاعات إقليمية، ولكن في ظل المخاطرة بتأجيج التوتر مع الغرب وفق ما يرى محللون.

ودعم أردوغان، الذي يتخذ من الإسلام سياسة له على مدار حكمه المستمر منذ 17 عاما، حملة آيا صوفيا، قائلا إن المسلمين يجب أن يتمكنوا من الصلاة هناك مرة أخرى وأثار القضية، التي تمس وترا حساسا لدى كثير من الأتراك المتدينين الذين يصوتون لحزب العدالة والتنمية خلال الانتخابات المحلية في العام الماضي.

ووافق مجلس الدولة التركي على طلبات قدّمتها منظمات عدة بإبطال قرار حكومي يعود للعام 1934 يعطي الموقع وضع متحف، فيما أعلن أردوغان فتح الكنيسة أمام المسلمين لأداء الصلاة.

وبرغم وضعيتها كمتحف، فقد تضاعفت الأنشطة ذات الطابع الديني الإسلامي داخلها منذ وصول أردوغان إلى السلطة عام 2003، من بينها تلاوة القرآن وتنظيم صلوات جماعية أمامها.

واعتبر الباحث في المعهد الفرنسي للدراسات الأناضولية جان ماركو أنّ "العديد من مناصري نظام أردوغان يرون قرار تحويلها متحفاً على أنّه نزع ملكية".

وأضاف "بالتالي، في خطوة ذات أبعاد، سواء دينية أو قومية، فإنّ رجب طيب أردوغان يتطلع إلى إعادة التأكيد على قوته وعلى الهوية المسلمة لتركيا".

وآيا صوفيا التي حُوّلت إلى مسجد عقب دخول العثمانيين إلى القسطنطينية في 1453، مدرجة في لائحة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو)، وتُعدّ واحدة من أهم الوجهات السياحية في إسطنبول.

واعتبر مدير "صندوق مارشال الألماني" في أنقرة اوزغور أونلوهيسارجكلي أنّ تحويل آيا صوفيا إلى مسجد يتيح أمام أردوغان حصد نقاط لدى رأي عام "يؤيد بغالبيته هكذا قرار، مدفوعاً بمشاعر دينية أو قومية".

وقال "إنّه نقاش لا يمكن للرئيس أردوغان خسارته ولا يمكن للمعارضة الفوز به. ومن شأن هذه المسألة أيضاً شق صفوف المعارضة".

وأشار إلى أنّ الناخبين التقليديين للأحزاب العلمانية، خاصة حزب الشعب الجمهوري الكمالي، وبرغم قلة اهتمامهم بالإرث العثماني، لكنّهم "متعلقون جداً بالسيادة وقد يساندون هذا القرار فقط لأنّ دولاً خارجية تدعو تركيا إلى عدم اتخاذه".

ويثير مصير آيا صوفيا قلق اليونان وروسيا اللتين تراقبان من كثب الإرث البيزنطي في تركيا، بالإضافة إلى الولايات المتحدة وفرنسا اللتين حذّرتا أنقرة من تحويلها إلى مسجد.

واعتبر المحلل في المكتب الاستشاري فرسيك مبلكروفت، انتوني سكينر، أنّ "ايا صوفيا قد تكون الرمز الأبرز للماضي العثماني وأردوغان يستخدمه لحشد قاعدته وازدراء خصومه في الداخل والخارج".

وفي الواقع، يأتي القرار التركي وسط تصاعد التوتر بين أنقرة والاتحاد الاوروبي بسبب قيام تركيا بعمليات تنقيب عن الغاز مثيرة للجدل في شرق البحر الأبيض المتوسط، وفي وقت يثير تدخلها في ليبيا أزمات، خاصة مع فرنسا.

وقال سكينر إنّ تحويل آيا صوفيا إلى مسجد "يندرج في سياق هذه السياسة الخارجية المتشددة والتي تتجلى بعرض القوة في شرقي المتوسط وليبيا".

وكان جان ماركو رجّح أنّ قراراً مماثلاً "سيبعد تركيا أكثر عن حلفائها الغربيين، ويؤثر على العلاقات الثنائية مع اليونان وقد يفرض معوقات أمام العلاقات مع روسيا".

وختم قائلاً "رمزياً، إنّ هكذا قرار سيظهر بمثابة تتويج لدولة انتقلت نحو الهجوم في كافة مسارح النزاعات في محيطها القريب: سوريا، العراق، ليبيا، شرق المتوسط".

قصة عمرها 15 قرنا.. آيا صوفيا هويتان دينيتان

يمتد تاريخ آيا صوفيا لقرابة 1500 عام. وللمبنى شأن كبير في الإمبراطوريتين البيزنطية والعثمانية واحتل موقعا مرموقا كمكان عبادة للمسيحيين ومن بعهدهم المسلمون، لذلك فإن أي تغيير يخصه سيكون له أثر بالغ على أتباع الديانتين. علاوة على ذلك فإن المبنى مدرج على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو).

اكتمل بناء آيا صوفيا التي تعني "الحكمة الإلهية" في اللغة اليونانية، سنة 537 في عهد الإمبراطور البيزنطي جستنيان.

يطل المبنى الضخم على ميناء القرن الذهبي ومدخل البوسفور امتدادا من قلب القسطنطينية. كان المبنى مركزا للأرثوذكسية وظل أكبر كنيسة في العالم على مدى قرون.

ظل المبنى تحت السيطرة البيزنطية، باستثناء فترة وجيزة في قبضة الصليبيين في القرن الثالث عشر، حتى فرضت قوات المسلمين بقيادة السلطان العثماني محمد الفاتح سيطرتها عليه وحولته إلى مسجد.

بنى العثمانيون أربع مآذن، وغطوا رموزا مسيحية وقطع فسيفساء مذهبة، ووضعوا لوحات ضخمة تتزين بأسماء الله الحسنى واسم النبي محمد والخلفاء الراشدين المسلمين بالأحرف العربية.

وفي عام 1934، أقام مصطفى كمال أتاتورك أول رئيس لتركيا جمهورية علمانية على أنقاض الإمبراطورية العثمانية المهزومة، وحول آيا صوفيا إلى متحف، يزوره الآن ملايين السياح كل عام.

وحثت جمعية تركية تسعى إلى إعادة آيا صوفيا إلى مسجد مرة أخرى المحاكم التركية عدة مرات في السنوات الخمس عشرة الماضية على إلغاء مرسوم أتاتورك.

وفي الحملة الأخيرة، قالت أمام أعلى محكمة في تركيا إن حكومة أتاتورك ليس لها الحق في الخروج على رغبات السلطان محمد بل أشارت إلى أن توقيع الرئيس على الوثيقة مزور.

استندت هذه الحجة على وجود تباين بين توقيع أتاتورك على المرسوم، الذي صدر تقريبا في نفس التوقيت الذي حمل فيه لقبه، وتوقيعاته على مستندات لاحقة.

عن "أحوال" التركية

الصفحة الرئيسية