أبرز 4 مُحددات تتحكم في مستقبل العلاقات الإيرانية الباكستانية

أبرز 4 مُحددات تتحكم في مستقبل العلاقات الإيرانية الباكستانية

مشاهدة

02/08/2021

بعد وصول حزب "حركة الإنصاف" بزعامة عمران خان، المعروف بقربه من إيران، إلى سدّة الحكم في باكستان عام 2018، تزايدت المؤشرات على التوجه الباكستاني نحو تعزيز العلاقات مع إيران، وهو ما فتح باب التساؤلات حول المدى الذي يمكن أن يصل إليه هذا التقارب في ظلّ التحديات العديدة التي يستتبعها على باكستان، وخصوصاً فيما يتعلق بعلاقاتها بالدول الأخرى. فما أبرز المحددات التي تحكم العلاقات بين البلدين وتؤثر على فرص تناميها أو تراجعها؟

العلاقات الباكستانية السعودية... العقبة الأبرز

بعد أزمة النفط عام 1973 وما أعقبها من ارتفاع في أسعار النفط وازدهار اقتصادي في دول الخليج العربي، تعززت العلاقات الباكستانية الخليجية، وجاء ذلك بالتحديد إثر تدفّق العمالة الباكستانية إلى دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية. آنذاك كانت العلاقة بين كل من إيران والسعودية في مستوى جيد من التقارب والوفاق، إلا أنه بعد الثورة الإيرانية في العام 1979 تفاقمت الخلافات بين السعودية وإيران، ومن جهتها سعت باكستان للاستمرار بالحفاظ على مسافة متساوية من كلا البلدين، حفاظاً على مصالحها مع كليهما.

أدى تعثّر مشروع خط الغاز بين باكستان وإيران إلى تقليص ثقة إيران في مشاريع التعاون مع باكستان

إلا أنّ كفّة العلاقات الباكستانية السعودية كانت ترجح بالمجمل، وهو ما برز في حالة التعاون الباكستاني السعودي في دعم الجهاد الأفغاني خلال أعوام عقد الثمانينيات من القرن الماضي، والذي تزامن مع اتخاذ باكستان موقفها المحايد من الحرب العراقية - الإيرانية، وتلا ذلك مؤازرة دول الخليج والتحالف الدولي في حرب الخليج الثانية عام 1991 بعد الغزو العراقي للكويت. وفي مرحلة الحرب الأهلية الأفغانية، خلال أعوام عقد التسعينيات، دعمت باكستان والسعودية حركة طالبان في مواجهة "تحالف الشمال" الذي دعمته إيران، والمتشكّل أساساً من الطاجيك والهزارة الشيعة، ما جعل البلدين، إيران وباكستان في حينه، على طرفيْ نقيض، وتسبب في توتير العلاقات بينهما.

يدرك صناع القرار في باكستان أنّ بلادهم ستكون تحت ضغط كبير في حال قرّرت التخلي عن علاقاتها مع السعودية، مقابل تعزيز العلاقات مع إيران

وكان للعلاقات الباكستانية مع كلٍّ من السعودية والولايات المتحدة الأمريكية انعكاسات سلبية على علاقات التعاون الباكستاني مع إيران، وهو ما ظهر تحديداً بعد تعرقل وتوقف مشروع أنبوب الغاز الممتد بين إيران وباكستان في العام 2014، إذ جاء ذلك التعرقل بسبب ضغوط من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية على باكستان، مع تقديم عروض لها بالحصول على تخفيضات مهمة في أسعار النفط والغاز من السعودية والإمارات وقطر، وقد أدى هذا التعثّر في المشروع الاستراتيجي إلى تقليص ثقة إيران في إمكانية الدفع باتجاه مشاريع تعاون كبيرة مع باكستان.

وبالمجمل، يدرك صناع القرار في باكستان أنّ بلادهم ستكون تحت ضغط كبير في حال قرّرت التخلي عن علاقاتها مع السعودية، مقابل تعزيز العلاقات مع إيران، إذ تمتلك السعودية العديد من الأسلحة للتأثير والضغط على باكستان، ومنها تعزيز العلاقات السعودية مع غريمتها الهند، إضافة إلى احتمال قطع مساعدات النفط التي تأتي من السعودية، والتي تقدر قيمتها بنحو المليار ونصف المليار دولار، فضلاً عن التحويلات النقدية التي ترسلها العمالة الباكستانية في السعودية، إذ يُجبر حجم هذه التحويلات باكستان على توخي الحذر كي لا يتم ترحيل مواطنيها بالسعودية نتيجة نزاع سياسي محتمل.

ميناء تشابهار الإيراني... محطة أساسية على طريق البضائع الهندية المتجهة إلى أفغانستان وآسيا الوسطى

إلا أنّ دوائر صنع القرار في باكستان تبقى حريصة على تجنب الانخراط في معسكرات وصدامات بين الدول على أسس وخلفية طائفية، وذلك خوفاً من تصعيد احتمالات الاقتتال الطائفي الداخلي في باكستان، خاصّة أنّ نسبة الشيعة في باكستان تبلغ قرابة الـ 20% من إجمالي عدد السكان، وانطلاقاً من هذا الاعتبار جاء القرار الباكستاني برفض المشاركة في عمليات التحالف العربي في اليمن عند انطلاقها في آذار (مارس) من العام 2015، وعوضاً عن ذلك، تفضّل باكستان خيار التوجه نحو التوسط بين إيران والسعودية، كما حصل عندما جاء العرض الباكستاني للتوسط بين البلدين عقب حادثة إحراق السفارة السعودية في طهران مطلع العام 2016. وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2019 أطلق رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان مبادرة لنزع فتيل التوترات المتصاعدة بين إيران والسعودية، وقام بزيارة لكلا البلدين بغرض الدفع قدماً بالمبادرة.

تنامي العلاقات الإيرانية الهندية... تهديد يلوح في الأفق

الثابت الأهم في السياسة الخارجية الباكستانية هو العداوة للهند، وهي بالتالي تشترط في أي شريك لها دعماً غير مشروط في مواجهة الهند، إلا أنّ إيران بدأت خلال الأعوام الأخيرة تسير في اتجاه مغاير لهذا الشرط الباكستاني، وذلك بعد توسيع التجارة مع الهند، وهو ما جاء تحديداً إثر التوسع في استقبال وإرسال البضائع من الهند وإليها عبر ميناء تشابهار الإيراني، الواقع في جنوب شرق إيران، وذلك بالإضافة إلى التعاون الهندي الإيراني في بناء خط سكك حديدية يصل بين ميناء تشابهار باتجاه شمال إيران ليتصل بالخط الحديدي المتجه نحو تركمانستان ودول آسيا الوسطى، إضافة إلى خط مقترح يتفرّع منه شرقاً باتجاه أفغانستان.

ويأتي التخطيط والتوجه الهندي لتعزيز العلاقات والتعاون على المستوى الاقتصادي مع إيران بدافع من القلق المتزايد من توسع النفوذ الصيني في باكستان ودول آسيا الوسطى، وتسعى الهند لمنافسة النفوذ الصيني المتنامي في آسيا الوسطى، وتسعى أيضاً لتحصيل موطئ قدم لها في أفغانستان، وذلك عبر مشاريع اقتصادية، ولن تتمكن من الدخول والوصول إليها إلا عبر البوابة الإيرانية.

خريطة ممرات طريق الحرير الجديد... ويظهر ممر غرب آسيا (الرقم 3) الذي يمر عبر إيران... والممر الباكستاني (رقم 6)

وقد تسببت هذه التطوّرات في إحداث قلق لدى باكستان، التي تعتبر أفغانستان بمثابة الخاصرة الرخوة، وهي الفناء الخلفي ذو التأثير المباشر على أمنها القومي، الذي لا تريد أن ترى الهند تقترب منه البتّة.

فرصة لتعزيز العلاقات... الشراكة الاستراتيجية مع الصين

ويبرز من بين أهم العوامل التي قد تشكل دافعاً لتعزيز مستويات التقارب والتعاون بين كل من إيران وباكستان، التوجه المشترك لدى كليهما نحو تعزيز مستويات التعاون الاستراتيجي مع الصين، وهو ما برز على صعيد العلاقات الإيرانية الصينية مؤخراً، وبالتحديد مع الرفض الصيني للعقوبات الأمريكية الأخيرة على إيران بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي في العام 2018، فقد أصرّت الصين على مواصلة استيراد النفط من إيران، ومن ثم جاء توقيع الاتفاقية الصينية الإيرانية في العام 2021، والتي تمتد مدتها إلى 25 عاماً، ومن المقرّر بموجبها أن تستثمر الصين 400 مليار دولار في الاقتصاد الإيراني، مقابل أن تَمُدّ إيران الصين بإمدادات ثابتة وبأسعار مخفّضة من النفط.

يشكّل التوجه المشترك لدى إيران وباكستان نحو تعزيز التعاون الاستراتيجي مع الصين دافعاً لتعزيز مستويات التقارب بين البلدين

ويتزامن هذا التصاعد في العلاقات مع الأهمية الخاصة التي توليها الصين لعلاقاتها مع باكستان، والمتمثلة بدعمها في المواجهة مع الهند حرصاً على عدم الإخلال بتوازن القوى القائم في جنوب آسيا، وذلك مع الأخذ بالاعتبار أنّ الهند تُعتبر غريمة وخصماً إقليمياً لكليهما. وقد تطوّر هذا الدعم واكتسب زخماً مضاعفاً بعد إطلاق الصين مشاريع ومبادرات "طريق الحرير الجديد" في العام 2013، وإدماج باكستان ضمنها، وذلك من خلال إطلاق مشروع الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان، والذي يضمّ عدداً من مشاريع البنى التحتية في باكستان، أبرزها مشروع الربط بين مدينة كاشغر الصينية وميناء جوادر الباكستاني، وبذلك فإنّ الفرص تتزايد لإقامة مشاريع بنى تحتية تربط بين كلٍّ من باكستان وإيران، وذلك في إطار مشاريع طريق الحرير الجديد.

الحدود المشتركة والتعاون الأمني

تنشط في محافظة "سيستان وبلوشستان" الإيرانية الواقعة على الحدود مع باكستان مجموعات سنيّة مسلحة، أبرزها تنظيم "جيش العدل"، و"جند الله"، وبحسب الإيرانيين فإنهم قد رصدوا نشاطاً لجماعة "جند الله" ينطلق من داخل أراضي إقليم بلوشستان الباكستاني باتجاه العمق الإيراني منذ العام 2004.

مقاتلون من جماعة "جيش العدل" الناشطة في المناطق الحدودية بين باكستان وإيران

وخلال الأعوام الأخيرة برزت حادثة مقتل 10 جنود إيرانيين في نيسان (أبريل) 2017، ما دفع إيران في ذلك الوقت إلى التهديد بالتدخل العسكري داخل الأراضي الباكستانية في حال لم تقم باكستان بضرب الجماعات المسلحة التي تقوم بتنفيذ تلك العمليات.

بعد تصاعد هجمات جماعة جيش العدل، وجّهت إيران الاتهامات لباكستان بإيواء الجماعة ودعمها

ومن ثمّ جاءت زيارة رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان إلى طهران في نيسان (أبريل) 2019، في ظلّ  تصاعد هجمات جماعة "جيش العدل" وتوجيه إيران الاتهامات لباكستان بإيواء الجماعة ودعمها، وفي هذه الزيارة جرى الاتفاق بين البلدين على تشكيل قوّة حدودية مشتركة تتولى مهمة مكافحة نشاط الجماعات المسلحة. وتحرص إيران على إنهاء التوترات الأمنية في المناطق الحدودية مع باكستان، وذلك بهدف تدشين المعابر التجارية مع باكستان وتعزيز مستويات التبادل التجاري عبرها، ما يعود بالفائدة على الاقتصاد الإيراني، إلا أنّ ذلك يبقى رهيناً بمستوى التوافق والتعاون الأمني بين البلدين.

وبذلك فإنّ العلاقة بين إيران وباكستان ومساراتها المستقبلية تخضع لاعتبارات ومحددات عدّة، ورغم حقيقة الجوار بين البلدين والمشتركات العديدة بينهما، إلا أنّ ملفات عدّة، أبرزها حسابات التنافس الجيوسياسي، على المستويات الإقليمية والدولية، تبقى المتحكم الأول والعامل الأكثر تأثيراً في مستوى وشكل العلاقة الثنائية.

الصفحة الرئيسية