أبو بكر الأصم.. المعتزلي الذي أنكر وجوب الإمامة

في مقابل إجماع الفقهاء القدماء، والكثير من المتكلمين، على وجوب الإمامة، يظهر لنا متكلم معتزلي من القرن الثالث، هو عبدالرحمن بن كيسان، المعروف بأبي بكر الأصم (201 – 279)، برأي انفرد به، ينص على عدم وجوب الإمامة.
تنقل لنا كتب تاريخ الفرق والمدونات الفقهية وكتب السياسة الشرعية هذا الرأي للأصم على أنّه رأيه وحده الذي خالف فيه إجماع الأمة وعلمائها، ويأخذ بعضها في الهجوم عليه دون مناقشة لدواعي ومبررات رأيه.

إنّ رفض الأصم لوجوب الإمامه يعني وضعه للثقة كلها في الأمة باعتبارها حاكمة على نفسها دون حاجة لسلطة تحكمها

وأبرز من هاجم الأصم في رأيه هذا هو أبو المعالي الجويني (419 – 478)، في كتابه "غياث الأمم في التياث الظلم"؛ إذ شوه رأي الأصم، وصوّره على أنّه صادر عن نية سيئة؛ إذ يريد الأصم، حسب الجويني، أن يترك الأمة في حالة من الفوضى التامة والضياع والتفكك بإنكاره لوجوب الإمامة.
ولم نعرف من أنكر وجوب الإمامة من القدماء إلا الخوارج، لكن لم يكن الأصم منهم بل كان معتزلياً، بالتالي يجب البحث عن مبررات إنكار الأصم لوجوب الإمامة انطلاقاً من مذهبه الاعتزالي.
لكن لمّا كانت المعتزلة قد أجمعت على وجوب الإمامة وخالفهم الأصم في ذلك، فإنّ انفراد الأصم بإنكار وجوب الإمامة يجعلنا نتلمس ملامح مذهبه الاعتزالي الخاص الذي استقل به عن التيار الاعتزالي العام. ولذلك سأحاول فيما يلي أن أوضح ما يمكن أن يكون قد دفع الأصم لهذا الرأي انطلاقاً من مذهبه الاعتزالي الخاص به.

اقرأ أيضاً: المعتزلة.. ضرورة البناء والنقد

لم يكن الأصم منكراً لوجوب الإمامة وحدها، بل كان كذلك منكراً لأصل من أصول المعتزلة على الرغم من أنّه كان معتزلياً، وهو وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يروي عنه الأشعري في "مقالات الإسلاميين". وإذا صحّ عنه ذلك، وإذا ربطنا بين إنكاره لوجوب الإمامة وإنكاره لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا يعني إنكاره لتولّي سلطة عليا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو لم ينكر وجوب الإمامة وحدها، بل أنكر أحد أهم وظائفها الشرعية وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ونظراً لعدم توضيح كل الذين نقلوا عنه لحقيقة مذهبه، فإنني أعتقد أنّه لم ينكر وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا باعتباره من وظائف الإمام الشرعية، ولم ينكر المبدأ ذاته كأصل ديني؛ إذ ربما كان يريد من المبدأ أو الأصل ألا يكون حكراً في يد السلطة الحاكمة.

اقرأ أيضاً: محمد إقبال وحلم المعتزلة المتأخر أحد عشر قرناً

كما يذكر الأشعري عن الأصم رأياً آخر غريباً. ففي تناول الأشعري لمسألة هل يجوز أن يخرج المسلمون لإقامة العدل وتنفيذ القصاص وإنفاذ الأحكام بإمام أم بغير إمام، يذكر أنّ الأصم ذهب إلى أنّ جماعة من المسلمين يمكنها أن تقوم بكل ذلك دون إمام؛ لأنها مع كثرتها العددية فلا يمكن أن تجتمع على الجور أو الظلم ولا يمكن أن تتفق على عدوان؛ وهذا في مقابل كل المعتزلة الذين أجمعوا على ضرورة الخروج مع إمام عادل ولا يجوز تنفيذ الأحكام إلا مع إمام. وقد كان الأصم في هذا الرأي الذي يبدو غريباً في توافق مع نفسه ومع رأيه الآخر المنكر للإمامة. فلما كان منكراً لوجوب الإمامة، فقد أنكر بالمثل وظائفها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأعلن عدم ضرورتها في إقامة العدل والقصاص وتنفيذ الأحكام؛ لأن جماعة المسلمين يمكنها أن تفعل كل ذلك دون إمام. وبذلك يفكك الأصم كل مبررات الإمامة التي قدمها كل الفقهاء والمتكلمين من قبله.
أنكر الأصم إذن شيئين: وجوب الإمامة، ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال بجواز خروج جماعة من المسلمين لإقامة العدل وتنفيذ الأحكام دون إمام. ومع آرائه التي تبدو غريبة، كيف نفهمها أو نبررها في سياق مذهبه الاعتزالي؟

لم ينكر الأصم وجوب الإمامة وحدها بل أنكر أصلاً من أصول المعتزلة وهو وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

يقوم المذهب الاعتزالي على أولوية العقل على النص، وعلى استقلال العقل بالتشريع وكونه مصدراً للتشريع قبل النص، وبجوار النص، وبعد النص، وهذا من نتاج نظرية التحسين والتقبيح العقليين لدى المعتزلة. ولما كان العقل مشرعاً ومستقلاً عن النص، وحاكماً له وعليه في المذهب الاعتزالي، فيمكننا فهم عدم وجوب الإمامة عند الأصم بناء على ذلك، من حيث إنّ الإمامة غير واجبة عقلاً.

ولما كان مبرر الإمامة عند الفقهاء هو القيام على الشرع وحمايته، فإنّ وضع المعتزلة للعقل كمشرع مستقل يعني أنّ القوة الوحيدة المؤهلة لإقامة الشرع وحمايته هي العقل، وليس أي منصب سياسي معين. العقل هو الذي يقيم الشرع ويحميه وليس السلطة السياسية؛ لأن العقل عند المعتزلة هو في حد ذاته قوة تشريعية مستقلة سابقة على النص ومصاحبة له وتالية عليه.

هذا بالإضافة إلى أنّ قول الأصم بجواز خروج جماعة المسلمين لإقامة العدل ورد المظالم وتطبيق الأحكام دون إمام، يعني اعتقاده في أنّ قوامة الشرع تأتي من الجماعة لا من سلطة عليا، فهي قوامة مشاعية مشتركة بين جماعة المؤمنين، وليست مركزية ولا متركزة حصراً في سلطة سياسية عليا. يحول الأصم إقامة الشرع بذلك من المنظور الرأسي التراتبي الذي يجعل صيانة الشرع وتطبيقه في يد سلطة عليا، إلى المنظور الأفقي لجماعة المسلمين؛ حيث تكون القوامة على الشرع مشاعة ومبثوثة وموزعة في الجماعة كلها. وهذا هو ما سأطلق عليه لاحاكمية الأصم، واللاحاكمية هي الترجمة العربية الحرفية لكلمة "أناركية" Anarchism.

اقرأ أيضاً: المعتزلة قادوا ثورة العقل لتعرية ظلم السياسة ومفاسدها

وينقل الأشعري عن الأصم قوله: "لو تكافّ الناس عن التظالم لاستغنوا عن الإمام" (الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص 460)، فالإمامة عند الأصم هي لضرورة مًلحّة وهي افتقاد العدل في المجتمع، وبالتالي هي جائزة عنده وليست واجبة. والإمامة بذلك لن تكون ضرورية إلا إذا افتقد الناس القدرة على التحسين والتقبيح العقليين، نظراً لسيطرة الأهواء والمصالح الخاصة عليهم، مما يؤدي إلى اقتتالهم، فوجب وجود سلطة سياسية عليا تفرض عليهم النظام بالقهر والقوة، أو نظراً لقصور العقل فيهم، أو عدم اكتماله نتيجة لعدم تطور مستواهم الحضاري.

اقرأ أيضاً: 6 معارضين من علماء الشيعة لولاية الفقيه.. لماذا رفضوها؟

نستطيع من ذلك استنتاج أنّ الإمامة عند الأصم ليست جائزة إلا لسيطرة الأهواء وقصور العقل. وعلى هذا الأساس قال الأصم إنّ الناس إذا اتصفوا بالقدرة على التمييز بين الخير والشر والتحسين والتقبيح العقليين، لما احتاجوا للإمامة؛ لأنّها في الأساس سلطة رادعة قهرية لا تنشأ الحاجة إليها إلا لغياب العقل وانتشار الفوضى.

يتحدى الأصم بذلك كل من كتبوا في وجوب الإمامة، ومنهم المعتزلة أصحابه؛ لأنه يثبت وفق تحليلنا السابق أنّه ليس في العقل ما يوجب الإمامة، بل إنّها ليست واجبة بالعقل، وضرورتها هي لغياب العقل لدى الناس. وإذا صح ما نقله عنه القاضي عبدالجبار كتبرير لإنكاره وجوب الإمامة على أساس أنّ العدل إذا انتشر بين الناس لم يحتاجوا للإمام، وأنّ الأصم لم ينكر الإمامة بالكامل بل وضع مبرراً لها وهو درء الفتن ومنع انتشار الظلم بين الناس، فإنّ مبرر الإمامة عند الأصم تاريخي فقط، وليس عقلياً أو شرعياً. لقد كان ينظر إليها على أنّها ضرورة من أجل نقص وفساد في المجتمع؛ أي إنّ مبررها هو درء الشرور وحسب، وليس جلب المصالح.

اقرأ أيضاً: هل يختلف الشيعة على مفهوم ولاية الفقيه؟

ويجب أن ننتبه إلى جانب آخر من رفض الأصم لوجوب الإمامة، وهو الذي يظهر عندما نربط بين رفضه لهذا الوجوب بتجويزه لخروج جماعة المسلمين لإقامة العدل وتطبيق الشرع دون إمام. إنّ هذا الربط يدلنا على أنّه رفض ربط الفقهاء بين الإمامة والشريعة، وكأنّ لسان حاله يقول: "ليست الأمة الإسلامية في حاجة إلى إمام، لأنها قادرة على حكم نفسها بنفسها، لكنها لا تصير قادرة على حكم نفسها بنفسها إلا إذا توافرت فيها القدرة العقلية على التحسين والتقبيح، والتمييز العقلي بين النافع والضار، والصحة والخطأ". إنّ رأي الأصم في عدم وجوب الإمامة كان يمكنه أن يحرر الفقه الإسلامي من مبحث الإمامة وباب السياسة الشرعية كله، لكن كان الأصم في غير زمانه، وتعرضت آراؤه للتشويه والهجوم، أو للإقصاء والتجاهل مثل باقي أفكار المعتزلة.

كان الأصم ينظر للإمامة على أنّها ضرورة من أجل نقص وفساد في المجتمع أي أنّ مبررها هو درء الشرور

لكن من مفارقات التاريخ أنّ رأيه في عدم وجوب الإمامة قد عاود الظهور في العصور المتأخرة، لا بذاته بل في صورة تجاهل كتب الفقه المتأخرة لمبحث الإمامة تماماً، نظراً لزوالها الفعلي من التاريخ، وكان على المدونات الفقهية المتأخرة، خاصة مع الشاطبي، أن تتعامل مع وضع اختفت منه شرائط الإمامة، ومع حالة للشريعة بدون إمامة بالفعل.

لقد كان الأصم على حق إذن في رفضه للربط بين الشريعة والإمامة؛ لأن تطور التاريخ أدى إلى زوال منصب الإمامة، وبقيت الشريعة دون إمامة شرعية أو حتى فعلية، وكان على الفقهاء المتأخرين التعامل مع هذا الوضع، أي شريعة دون إمامة تقوم عليها وتحميها.

عندما شبّهت موقف الأصم من الإمامة باللاحاكمية أو الفوضوية بمعناها الحديث، فقد كان ذلك بناء على اشتراك رأي الأصم مع مذهب اللاحاكمية الحديث في وضع السيادة في الشعب، أو الأمة بالمعنى القديم، وينزعها عن أي سلطة سياسية عليا.

اقرأ أيضاً: من هم الأشراف؟ ولماذا يتصارع الصوفية والشيعة والإخوان على اللقب؟

غالباً ما يتم النظر إلى اللاحاكمية من جانبها السلبي الرافض للسلطة بكل أنواعها، أما جانبها الإيجابي الذي يضع السيادة في الشعب فقد تم تجاهله. إنّ الذي يجمع الأصم مع اللاحاكمية الحديثة هو أنّ رفضه لوجوب الإمامة يعني رفضه لوضع السيادة في الإمامة ووضعه لها في الأمة، أو جماعة المسلمين كما نُقل عنه. إنّ رفضه لوجوب الإمامه يعني وضعه للثقة كلها في الأمة باعتبارها حاكمة على نفسها دون حاجة لسلطة تحكمها.

وقد ظهر موقف مشابه لرفض الأصم للربط بين الشريعة والإمامة، وإنكاره لوجوب الإمامة، على يد الشيخ علي عبدالرازق في كتابه الشهير "الإسلام وأصول الحكم"، لكن من منطلقات أخرى وباستخدام حجج مختلفة، لكنها انتهت إلى شيء قريب للغاية من آراء الأصم. وقد تعرض علي عبدالرازق لحملات تشويه وهجوم مثيلة للتي تعرض لها الأصم في المدونات القديمة.


المصادر:
أحمد بن يحيى المرتضى، كتاب طبقات المعتزلة، بيروت 1987، ص 56-57.
أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين، نشر هلموت ريتر، دار فرانز شتاينر، فيسبادن، 1980، ص 278، 456، 460، 467.
القاضي عبدالجبار، المغني، مجلد 20، ص 48.

الأقسام: