أبو زيد الهلالي بوصفه ملهماً لابن خلدون!

أبو زيد الهلالي بوصفه ملهماً لابن خلدون!

مشاهدة

06/03/2019

من كان مقتنعاً بأنّ الخيال الحربي العربي أقسى من الواقع، فإنّ عليه أن يراجع قناعته هذه، في ضوء أبرز مآثر العرب الشعبية، وأعني بها تغريبة بني هلال. فهذه السيرة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس في المشرق العربي، ليست إلا الرواية المهذّبة لمأساة الناس في المغرب العربي؛ فالهلاليون وحلفاؤهم الذين سبق لهم أن تخلوا عن عاصم القرمطي في عام 360هـ، وانحازوا للخليفة الفاطمي المعز الذي كافأهم على صنيعهم هذا بأن أسكنهم صعيد مصر، سرعان ما لبّوا طلب حفيده المستنصر في عام 443هـ، وانهالوا على ليبيا وتونس والجزائر والمغرب الأقصى؛ فحرقوا ما حرقوا ودمّروا ما دمّروا، عقاباً وتأديباً لوالي تونس المعز بن باديس الصنهاجي الذي أوقف الدعاء للخليفة الفاطمي وأعلن التحاقه بالخليفة العبّاسي مجدّداً، إلى درجة أنّ شاعري القيروان ابن رشيق وابن شرف اللذين هربا مع ألوف الهاربين إلى صقلية، يصفان هؤلاء الهلاليين بـ"الكفر والتوحّش".

المحرّك الرئيس الذي أوحى لابن خلدون بتعميم التقابل الضاري بين الصحراء والمدينة تم استقلابه بالسيرة الهلالية على نحو يدعو للضحك المبكي

ومع أنّ الموحّدين قد تكفلوا بإعادة توحيد المغرب العربي، وأزاحوا كابوس الهلاليين وحلفاءَهم عن صدر المغاربة الذين نكبوا بسبب هذا الكابوس بالتشرذم السياسي والتقهقر الاقتصادي والجمود الثقافي وانتشار الأمراض والأوبئة، إلا أنّ ذكرى ذلك الغزو البربري، ظلّت ماثلة في أذهان الأبناء وأبناء الأبناء، مثل ابن خلدون الذي هجر السياسة وآثر الاعتكاف في إحدى قلاع الجزائر عام 779هـ، مفكّراً ومتأمّلاً في ماضي ومستقبل هذه الحضارة التي كانت شمسها تؤذن آنذاك بالمغيب، فتمخّض اعتكافه عن مصنّفه الأشهر (كتاب العِبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) الذي لا يعدّ مصنفاً لامعاً في التاريخ الحضاري والسياسي فقط، بل هو يشتمل أيضاً على تحليلات غير مسبوقة في الدين والفلسفة والاجتماع والاقتصاد والتربية، أودعها صدر مصنّفه الذي اشتهر بعنوان (المقدّمة).

اقرأ أيضاً: صلابة الحداثيين العرب ورخاوة من بعدهم
ومن الملاحظ أنّ المقابلة الضارية بين الوعي الصحراوي والوعي المديني، تمثل الخيط الناظم الرئيس للأطروحة الخلدونية التي لم تخل من مفارقات تراجيدية؛ فالدول حتى تستوي على سوقها لا تستغني عن قسوة الصحراء وخشونتها، وحتى تبلغ مرحلة الحضارة عليها أن تتخلى طائعة عن روحها القتالية التي صنعت بداياتها، وإن بلغتها فإنّها سرعان ما تتراخى وتضعف؛ وكأنّ ثمة دورة تاريخية حتمية تحكم مسار الحضارات والدول على هذا النحو إلى ما لا نهاية.

الغزو الهلالي غدا بمرور السنين جرحاً غائراً ورضّة عنيفة في العقل الباطن للمغاربة

لم تخلُ معاينات ابن خلدون وتمثيلاته من بعض التعبيرات التي عدّها بعض الباحثين تحاملاً على العرب أو انتقاصاً منهم. وقد فات هؤلاء الباحثون ثلاث حقائق تنفي عن ابن خلدون هذا الادعاء؛ أما الحقيقة الأولى فتتمثل في أنّ ابن خلدون عربي يتحدّر من أصول حضرمية يمنية ويصعب النظر إليه بوصفه شعوبياً كارهاً للعرب، وأما الحقيقة الثانية فتتمثل في أنّه قصد الهلاليين وحلفاءَهم في كل عبارة يمكن أن تُشتمُّ منها رائحة الإنحاء على العرب؛ فالغزو الهلالي غدا بمرور السنين جرحاً غائراً ورضّة عنيفة في العقل الباطن للمغاربة. وأما الحقيقة الثالثة فتتمثل في أنّ مقدمة ابن خلدون وتاريخه، قد أعيد اكتشافهما على أيدي المستشرقين الفرنسيين الذين انكبّوا على دراسة وتحليل القسم الخاص بتاريخ المغرب العربي لغايات استحواذية بحتة، سرعان ما تمخّضت لاحقاً عن استعمار هذا المغرب عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً. ومن البديهي أن يدفع هؤلاء المستشرقون بظاهر مقولات ابن خلدون، إلى أقصى حدودها الممكنة، ترسيخاً لعزل المغرب العربي عن مشرقه، وإمعاناً في الضرب على وتر الأصول والمنابت، وتوطيداً لثقافتهم الفرانكفونية على أنقاض الثقافة العربية الإسلامية. ومن المؤسف أنّ بعض الباحثين العرب قد تبعوا هؤلاء المستشرقين الفرنسيين في كثير مما قالوه، ولم يتنبهوا لمرامي هذه الأقوال.

اقرأ أيضاً: الأدب العربي المغدور
وأياً كان الأمر، وبعد أن حدث ما حدث وترسّخ ما ترسّخ، على امتداد قرون طويلة، وفقاً لمقولة كارل ماركس العتيدة: (التاريخ يعيد نفسه مرتين؛ مرة بصورة مأساوية ومرة بصورة هزلية)، فإنّ ما يعنينا قوله هنا يتمثل في التذكير بأنّ الغزو الهلالي أو المحرّك الرئيس الذي أوحى لابن خلدون بتعميم هذا التقابل الضاري بين الصحراء والمدينة، قد تم استقلابه في السيرة الهلالية التي يرجح الباحثون أنّها أنشئت في القرن السابع الهجري، على نحو يدعو للضحك المبكي فعلاً؛ فالغزاة الغاشمون غدوا فرساناً نبلاء، والضحايا المتحضّرون غدوا أعداء وخونة للأمة، والأسماء الحقيقية لقادة المقاومة وقادة الغزو معاً طمست تماماً؛ (المعز بن باديس الصنهاجي، يحيى الرياحي وابنه مؤنس) واستبدلت بأسماء وهمية لشخصيات متخيّلة تماماً (أبو زيد الهلالي وابنه زيدان وأبناء أخته يحيى ومرعي ويونس وذياب بن غانم)، إلى درجة أنّ الباحث المخلص سيجد نفسه مطالباً بإثبات العكس؛ أي بإثبات أنّ يحيى الرياحي والمعز بن باديس قد وجدا فعلاً على أرض الواقع المأساوي وعلى مسرح الأحداث الدامي!

الصفحة الرئيسية