أتباع الأديان إذ يحوّلون الإيمان إلى عصبيات

3130
عدد القراءات

2019-05-14

يقع المتحمسون للدفاع عن دين وانتقاد غيره في تناقض منهجي، ففي حين يؤمنون بكتبهم إيماناً غير قابل للشك والنقاش العقلي،  يستخدمون العقل والمنطق في مجادلة الكتب والأديان الأخرى، والأغرب من ذلك محاكمة الأديان والكتب الدينية استناداً إلى معتقد ديني آخر.

اقرأ أيضاً: الحقيقة الدينية والأخلاقية في الفضاء العام.. أين هي من الفردانية؟
الإنسان يؤمن ويصدق بقلبه ويفهم ويطبق بعقله، ولا يحتاج إلى دليل علمي أو عقلي كي يؤمن بفكرة هي ابتداء خارج مجال العقل. وفي اللحظة التي يلجأ فيها الشخص إلى العلم والمنطق يجب أن يقبل أنّها أفكار قابلة لأن تكون خاطئة، وأنّ إيمانه بها ليس سوى عجزه عن إثبات خطأها، بمعنى أنّها تظل عرضة للاختبار والمراجعة وموضع اعتقاد باحتمال أن تكون خطأ، لكن الإيمان الديني هو شعور عميق يطمئن إليه صاحبه ولا يخضعه أبداً للعقل.

الإنسان يؤمن ويصدق بقلبه ويفهم ويطبق بعقله ولا يحتاج لدليل علمي أو عقلي ليؤمن بفكرة خارج مجال العقل

وفي تحويل الإيمان والتدين إلى جماعات متراصّة، تحدد لأعضائها انتماءهم وهوياتهم وتميزهم عن غيرهم يتحول الدين من إلهيته إلى كونه فكرة تنظيمية أرضية، وفي إخضاع المواطنين لسلطة مؤسسات رسمية تعليمية أو دينية تجعل الدولة نفوذها وسلطتها مستمداً من الله بغير إذن منه.
وحين يتجادل أتباع الأديان والمذاهب في صفوق متواجهة ومنظمة تجاه بعضهم بعضاً، فإنهم يحولون الإيمان من المعنى المقدس إلى تجمعات ضيقة مهما اتسعت، ويقزمون المعنى من فكرة سامية إلى عمليات للحماية والصيد والرعي الجائر. وفي المحصلة تتحول العلاقة بالدين إلى عمليات سلطوية أو تشكيلات إنتاجية وحمائية، ويتحول الإيمان إلى عصبيات.
لا يطلب الإيمان الديني من المؤمنين أن يفرضوه على أحد ولا أن يجادلوا به سواهم؛ فالإيمان لا يناقش ولا يردّ، فذلك أمره إلى الله  تعالى وحده، وفي ذلك لا حق لأحد بأن ينشئ من الإيمان تشكيلات سلطوية أو سياسية أو اجتماعية، ولا تكليفاً لأحد بمواجهة غير المؤمنين أو فرض الإيمان عليهم أو محاسبة أحد بناء على اعتقاد أو عدم اعتقاد.
وبالطبع فلا يمكن إجبار أحد على معتقد ولا منعه من اعتقاد، ولا معنى للجدل العقلي والمنطقي حول المعتقدات الدينية بهدف نقضها أو إثباتها، ومن ثم لا يجوز محاسبة أحد على اعتقاده، لكن يجب أن يظل الاعتقاد الديني فردياً لا علاقة لأحد به سوى الفرد نفسه ولا سلطة للدولة أو المجتمعات عليه، ولا حق لها بتنظيمه وإدارته أو تعليمه.

اقرأ أيضاً: السلطة السياسية.. هل ما تزال قادرة على تأدية دور ديني؟
وينظم المجال العام استناداً إلى الإنسان نفسه بما هو كائن حر عاقل قادر على معرفة وتمييز الخطأ والصواب والضرر والنفع والقبيح والحسن، وأما المعالجات العلمية العقلية والمنطقية للدين فهي علوم ومعارف إنسانية وليست ديناً، ولا يشغلها صحة الدين أي دين أو عدم صحته، لكن يشغلها الدين كمكون ثقافي واجتماعي يساهم في تكوين الفضاء العام ويوثر في السلوك والفكر والثقافة والفنون والحياة بعامة.
ليس متقبلاً بالطبع ازدراء دين من الأديان أو معتقد من المعتقدات، لكنّ المصادر الدينية لا تقتصر على كونها دليلاً اعتقادياً مقدساً، بل تصلح للمعرفة والاستشهاد، وفي ذلك فإنها عمليات معرفية ليست مقدسة وليست أيضاً محرمة على التدبر والتعلم في فضاءات إنسانية، ولا يجعل ذلك من الدين موضعاً للازدراء، وقد يستشهد بالقرآن الكريم والسنة النبوية ومصادر وكتب التراث الإسلامي بعامة كالسيرة والتفسير والفقه وعلم الكلام استشهاداً معرفياً ولغوياً وليس دينياً، بمعنى الاستدلال على التاريخ واللغة والثقافة والأفكار الاجتماعية والحياتية والأحداث والأماكن، الاستشهاد اللغوي شائع كثيراً ومتداول لكن الاستشهاد المعرفي ما يزال محدوداً.

اقرأ أيضاً: الخوارج والتحكيم.. صراع سياسي أم ديني؟
إنّ الاستشهاد المعرفي ليس ديناً وليس جدلاً دينياً؛ فالقرآن أو الأحاديث تكون هنا مصدراً أو دليلاً معرفياً، ولا يمس ذلك الأفكار الدينية تأييداً أو نقضاً أو حتى جدلاً ومناقشة.
على سبيل المثال يمكن ملاحظة اتجاهات في أسلوب الحياة من القصص القرآنية، كما يمكن الربط بأحداث ومعارف تاريخية، وكذا في العمل والتجارة واللباس والحضارة والثقافة، وهذا كله ليس ديناً وليس ضد الدين.

لا يمكن إجبار أحد على معتقد ولا منعه من اعتقاد، ولا معنى للجدل العقلي حول المعتقدات بهدف نقضها أو إثباتها

إنّ الحديث مثلاً عن استخدام المتكأ والسكين في المجالس كما ورد في قصة يوسف عليه السلام، أو مصادر وأساليب العمل والتجارة لدى الأمم، كما في قصص مدين وعاد وثمود، والبحث والتساؤل التاريخي والمعرفي عن أمم وأشخاص، كما في الآية الكريمة ﴿الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها﴾، الأعراف 175، وذو القرنين وأهل الكهف والبروج وأخبار القرى والمدن، وغير ذلك في مجالات كثيرة يمكن الاستدلال بها في المعرفة، أو أنها تمنح إشارات في مسائل وأفكار مصادرها نادرة أو غير موجودة، ولا حاجة عند البحث والتدبر في هذه المسائل إلى التشكيك في الدين أو الدفاع عنه؛ فالقضية ليست معركة الإيمان والإلحاد، لكنها فقط محاولة للمعرفة والفهم.
الأمر نفسه ينطبق على الكتب الدينية مثل العهد القديم والجديد أو الكتب الدينية الأخرى كالهندوس والصابئة، وحتى الأساطير والملاحم. مثل إلياذا، وأوديسا، ورامايانا، وبهابهارتا. فالعودة إلى هذه المصادر لأجل المعرفة والاستدلال على الأماكن والأحداث والتاريخ ليست عمليات دينية أو عقائدية ولا تشكيكاً بهذه الكتب ولا تأييداً لها. مؤكد أنّ ذكر مدينة أو مفردة أو فكرة مثلاً يدل على وجودها وقت تدوين النص.

اقرأ المزيد...

الوسوم: