أحداث الزاوية الحمراء.. عندما رقص الإخوان على أطلال المذبحة

أحداث الزاوية الحمراء.. عندما رقص الإخوان على أطلال المذبحة
12804
عدد القراءات

2019-08-20

قامت الإستراتيجية التي اتّبعها الرئيس الراحل، أنور السادات، في جزء كبير منها، على استدعاء جماعة الإخوان المسلمين، وإعادة موضعتها في المجال العام، في ظلّ رغبته في استئصال سياسات عبد الناصر، وتوجهاته ذات الطابع الاشتراكي، وهو ما يلزمه بالضرورة، في ظنّه، صعود تيار يميني، مثل جماعة الإخوان، يُفضل الولايات المتحدة على الاتحاد السوفييتي (المُلحد)، ولا يرى غضاضة في انتهاج خطط الاقتصاد الرأسمالي/ الريعي، ويمارس باسم الدين نوعاً من التوجيه الاجتماعي، الذي يصبّ في صالح سياسات النظام الجديدة، وهو ما استغلّته الجماعة جيداً في نشر أفكارها، وتوسيع قاعدتها الشعبيّة، ودفع السادات ثمنه فادحاً فيما بعد.

اقرأ أيضاً: العنف في الشرق الأوسط: من السلطة إلى الإسلاميين
مع صعود الإخوان بصورة عامة، بعد أعوام من المنع والحظر، وفي ظلّ صراع سياسي حادّ أربك المشهد السياسي، بات واضحاً أنّ الأمور انفلتت بشكل كامل، وقد خرجت من عباءة التنظيم عدة تشكيلات جهاديّة، كانت الجماعة الإسلامية أبرز تجليّاتها، وفي ظلّ أجواء مفعمة بخطاب الاستقطاب الديني الحادّ، كانت الحالة الطائفيّة هي الحلقة الأضعف، والأكثر عرضة للانفجار، في ظلّ توتر العلاقة إلى حدّ غير مسبوق بين رأس النظام، وبطريرك الأقباط البابا شنودة، مع الشعور القبطي العام بالاضطهاد.
تراخيص الكنائس بداية تقليدية للنزاع
وفق تقرير النيابة العامة؛ بدأت مقدمات الحادث قبل خمسة أيام من وقوعه، ففي يوم 12 حزيران (يونيو) 1981، تقدمت إدارة أحد المصانع التابعة للمؤسسة المصرية العامة للدواجن، بالزاوية الحمراء، ببلاغ يفيد بحدوث تعدٍّ من مواطن قبطي، يدعى كامل مرزوق سمعان، على قطعة أرض مملوكة للمصنع، معدّة لإقامة مصلى للعاملين به، وفي اليوم التالي؛ صدر قرار من حيّ شمال القاهرة، بتمكين المصنع من قطعة الأرض، وهو ما خلق شعوراً عاماً بعدم الارتياح لدى الأقباط، نظراً لسرعة البتّ في النزاع، في حين سادت حالة من الشماتة والاحتفاء بين عدد من المتشددين بالمنطقة الشعبية، خاصة أنّ كامل سمعان كان ينوي إقامة كنيسة، على قطعة الأرض التي ادّعى ملكيتها، لكنّه لم يحصل على التراخيص اللازمة.

مع صعود الإخوان بعد أعوام من المنع خرجت من عباءة التنظيم عدة تشكيلات جهاديّة كانت الجماعة الإسلامية أبرز تجليّاتها

مع تزايد وتيرة الاحتقان، وفي ليلة حزينة من مساء يوم السابع عشر من حزيران (يونيو) 1981، شهدت منطقة الزاوية الحمراء مشهداً جنونياً من مشاهد العنف الطائفي، وسمعت أصوات طلقات نارية متتالية، وسادت موجة من التعدي على منازل الأقباط وحرقها، وقام ملثمون بالسطو المسلح على محلات الذهب المملوكة لهم، كما ذُبح القمص مكسميوس جرجس بدم بارد، وسحلت جثته في الطرقات، وقُتل كامل مرزوق سمعان، وعشرات آخرين من الأقباط، كما سقط عدد من المسلمين قدرتهم تقارير بسبعة قتلى، في معارك جانبية، استمرت حتى الصباح بالأزقة والطرقات المحيطة، قبل أن تتمكن قوات الشرطة من إحكام سيطرتها على الحي الشعبي.
كان المشهد شديد الغرابة، وقد عكس حالة من التربص بين الطرفين، إلّا أنّ فارق العدد حسم المعركة لصالح الجانب المسلم، وقد أجّج حمل الأقباط للسلاح مشاعرهم الدينية، في ظلّ حالة الشحن الطائفي التي مارستها التيارات الأصولية، التي استباحت المجال العام وفرضت سيطرتها عليه، بعد أن فتح لها النظام الأبواب على مصراعيها، على رأس تلك التيارات؛ جماعة الإخوان، التي صعّدت من خطابها الطائفي في أعقاب الحادث، وحاولت توظيفه لفرض المزيد من الأسلمة على قضايا المجتمع.
الإخوان وممارسة التحريض على الأقباط
في العدد (63) من مجلة الدعوة، تموز (يوليو) 1981، التي تصدرها جماعة الإخوان المسلمين، جاء تقرير على صفحتين، تحت عنوان "حقائق نقدمها للمسؤولين حول أحداث الزاوية الحمراء"، والتقرير في مُجمله يكشف نزعة طائفية متعصبة، لا تخطئها العين، تتفق والبنية الذهنية المتأصله في العقل الجمعي الذي يحرك الإخوان ومن يتبعهم.

مع تزايد وتيرة الاحتقان وفي مساء 17 حزيران 1981 شهدت منطقة الزاوية الحمراء مشهداً جنونياً من العنف الطائفي

يقول التقرير عن أسباب الحادث: "بدأت الأحداث يوم الأربعاء 17 حزيران (يونيو) 1981، عقب صلاة المغرب، أمام مسجد النصر؛ حيث كان المسلمون يصلّون، وتفاجؤوا بكرة قدم تصيب المصلين داخل المسجد، والتي كان يلعب بها بعض الشباب النصراني، وعندما خرج المصلون يعتبون عليهم، كان ردّهم فيه سوء أدب واستفزاز، مما دفع أحد المصلين إلى تحذير إخوانه من الاستدراج وطلب منهم الانصراف، ولكن قبل أن ينصرف المسلمون؛ إذ بوابل من الرصاص ينطلق من البناية المواجهة للمسجد، فأصابت رصاصة مقتلاً من واحد من المصلين، فحدث هرج ومرج، فانتشر الخبر في كلّ الحي، فكانت هناك ردود أفعال من بعض المسلمين ضدّ المسيحيين".
يمارس التقرير حالة من المظلومية الساذجة، وفق نظرية مستحيلة، تفترض أنّ المسلم أصبح مضطهداً في وطنه، من أقلية، تستهين بشعائره الدينية، وتنكر عليه حقّ الاعتراض على ذلك؛ بل وتقتله بدم بارد على أبواب المسجد! ويواصل التقرير المريب السردية الإخوانية في إصرار على التحريض، وسكب الزيت على النار المشتعلة، فيقول: "عقب صلاة العشاء وعند خروج المصلين من مسجد النذير، الذي يبعد خمسمئة متر تقريباً عن مسجد النصر، أطلق النصراني كامل سمعان وأولاده الرصاص على المسلمين، داخل المسجد وخارجه، من مسدساتهم الأتوماتيكية، واستمروا في إطلاق الرصاص حتى الثانية صباح يوم الخميس، ولم يتوقف إطلاق الرصاص حتى تمّ القبض عليهم، كما أطلق نصارى آخرون الرصاص على المسلمين، في منطقة الجنينة، وعزبة أبو ليلة".

اقرأ أيضاً: بشهادة "القاعدة".. العنف خرج من رحم "الإخوان"
وهكذا، بدأ الأقباط في ممارسة خطتهم الإجرامية بالمرور على المساجد، واستهداف مَن فيها من مسلمين عُزل، وفي غيبة من أجهزة الدولة، التي تركتهم يمارسون نوعاً من التطهير العرقي في الزاوية الحمراء! وعليه؛ سقط المزيد من الضحايا، يقول التقرير: "سقط من المسلمين حتى صباح يوم الخميس أكثر من ستين شخصاً، ما بين قتيل وجريح، ولم يصب، حتى صباح الخميس، أيّ نصراني بأذى، علماً بأنّ كلّ الإصابات التي حدثت للمسلمين كانت بالرصاص"، وهو ما يتنافى مع تأكيد وزير الداخلية اللاحق، اللواء حسن أبو باشا، أنّ عدد القتلى في حادثة الزاوية الحمراء من الأقباط بلغ أكثر من 81 شخصاً.

اقرأ أيضاً: مراجعات الصحوة والعنف... قراءة مغايرة
كما أكّد شهود عيان أنّه في حوالي الساعة التاسعة مساءً، شاهدوا أطفالاً وصبية يجرون، وبعضهم يهتف بهتافات عدائيّة ضدّ المسيحيين، وقام ملثمون يحملون سيوفاً باقتحام محلات الصاغة، كما أكّد السادات نفسه، في خطابه الأخير، أنّ هناك بيانات ومنشورات للتحريض ضدّ الأقباط، وزّعت فور اشتعال الموقف! وأنّ إمام مسجد النور بالعباسية جمع نحو 1500 من أنصاره، عازماً التوجه بهم إلى الزاوية الحمراء، لولا تدخل وزير الداخلية ليثنيه عن ذلك، كما خرجت مجموعات أخرى من أحياء الشرابية وحلوان للانتقام من الأقباط.

تقرير الإخوان يصر على استخدام كلمة (نصارى) بكل ما تحمله من دلالات دينية

من الملاحَظ؛ أنّ تقرير الإخوان يستخدم نوعاً من التمييز الديني الصارخ، مع الإصرار على استخدام كلمة (نصارى) بكل ما تحمله من دلالات دينية، وما بين مسلم ونصراني تنكأ الجماعة جرحاً دامياً بإصرار، يعكس عدم قدرتها على معالجة الفتنة بنوع من المسؤولية؛ لأنّها (أي الفتنة)، خرجت ببساطة من تحت عباءتها.
يواصل التقرير مزيداً من التحريض، بادعاء روايات كاذبة، لا يستسيغها المنطق، فيقول: "يروي المصابون أنّ مواقف الأطباء النصارى منهم في المستشفيات التي نقلوا إليها، كانت مواقف غير إنسانية؛ حيث رفض طبيب التخدير في مستشفى أحمد ماهر تخدير أحد المصابين، لإجراء عملية جراحية سريعة، وأجرى الطبيب المسلم العملية الجراحية من دون بنج! كما رفض طبيب آخر التدخل لإيقاف نزيف أحد المصابين، وأهمله حتى تقيّح الجرح، ولما نُقل المصاب إلى مستشفى آخر، قرّر الأطباء عدم إمكانية إنقاذه لفوات الوقت".

اقرأ أيضاً: المنشق عن الجماعة الإسلامية عوض الحطاب: العنف لن يتوقف بوجود أمراء الدم
ولا ندري كيف ومتى تحوّل الأطباء الأقباط، إلى مراكز قوى في المستشفيات الحكومية، ليمارسوا أعمالاً تندرج تحت مسمى الجريمة العلنيّة، والتحدي الفجّ للأغلبية المسلمة من أطباء ومرضى، دون وازع من ضمير، أو خوف من عقاب؟
في موقع الآخر؛ تحاول الجماعة غسل أيديها من تبعات الجريمة، وإلقاء اللوم على الجانب القبطي وحده، مؤكدة أنّ "أحداث الزاوية الحمراء جاءت نتيجة لسياسة اتبعها البطريرك شنودة".
وإذا كانت أحداث الزاوية الحمراء قد كشفت هذا الفشل الذريع لسياسات الرئيس السادات، الذي أراد الاستناد إلى الشرعية الدينية، كشرعية نهائيّة وناجزة للحكم، ضارباً بعرض الحائط الأسس المركزية لمفهوم الدولة ككيان اعتباري، يقوم على المساواة في الحقوق والواجبات دون تمييز، فإنّها في الوقت ذاته أماطت اللثام عن انتهازية جماعة الإخوان المسلمين، والمدى الذي يمكن لخطابها العنصري أن يذهب إليه، في تأجيج الطائفية، وممارسة الكذب والتدليس دون حدود.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل الفن مطالب بدور اجتماعي؟

صورة عبدالباسط سلامة هيكل
أستاذ علوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر
2020-02-26

هل الفنان مطالب أن يضع نُصب عينيه جدوى اجتماعية لفنّه؟ أم أنّ الفنّان مشغول بإثبات نفسه في سياق الحياة العادية حتى لا يحدث قطيعة بينه وبين الجمهور؟
أثار قرار نقابة المهن الموسيقية بمنع مطربي المهرجانات من الغناء في مصر جدلاً واسعاً؛ لنجد أنفسَنا أمام النقاش المُتكرر حول قضية الالتزام وعدم الالتزام في الفنّ؛ التي ينشب حولها بين الحين والآخر شجار حادّ بين دعاة "الفنّ للحياة"، ودعاة "الفن للفن"؛ تلك الإشكالية التي لم تنته منذ ظهرت بوضوح في القرن التاسع عشر، وإن كانت قديمة قدم الحضارة اليونانية عندما تحدّث أفلاطون عن علاقة الشعراء بجمهوريته.

اقرأ أيضاً: ما هي أبرز ردود فعل الفنانين على قرار منع المهرجانات في مصر؟
ويعود أول تحرّك واضح نحو دراسة الارتباط والتفاعل المستمر بين الفن والحياة في العصر الحديث، إلى الحركة الرومانتيكية؛ عندما أدخلت معياراً جديداً، يرى أنّ روعة الفن تعتمد فيما تعتمد على ما يحققه الفنان من آراء ومواقف ناقدة للحياة، وتبع ذلك اهتمام النقاد بكشف أثر البيئة في الفنّ وسلطان الحياة الاجتماعية على الفنان، فقام الناقد الفرنسي "تين"، بأول دراسة نقدية تُبرز علاقات الإنتاج الفني والأدبي بالبيئة بشكل عام، وبالحياة الاجتماعية بشكل خاص.

أدخلت الحركة الرومانتيكية معياراً جديداً يرى أنّ روعة الفن تعتمد على ما يحققه الفنان من آراء ومواقف ناقدة للحياة

وحتى تلك اللحظة، وبعدها، لم تكن العلاقة بين الفن والحياة الاجتماعية من القضايا الشاغلة للنقاد العرب، فظلّ العقل النقدي العربي محصوراً في المقاييس التقليدية، مُركِّزاً على القيم والمعايير الجمالية البحتة، فلم يلتفت إلى الوظيفة الاجتماعية للفنان أو الجانب الاجتماعي للفنّ، إلا نادراً، ولعلّ السّبب الأهم وراء ذلك هو تأخر تطوّر الفكر الفلسفي العربي؛ الذي لم يتجاوز الحدود التي فرضتها طبيعة الجدل الفكري والفلسفي في العصور القديمة، لكنّ هذا لا ينفى تعامل الفنان العربي مع الحياة الاجتماعية وتفاعله معها وتعبيره عن بعض قضاياها الاجتماعية والإنسانية.
وبمضي الوقت، انشغل النّقاد بتلك العلاقة الشائكة بين الفن والمجتمع، حتى تشكّلت لدينا رؤيتان مختلفتان لدور الفنّ، تصطدمان أحياناً، لكن لا يُمكن لإحداهما أن تُزيح الأخرى؛ حيث إنّ تطابَقَ وعي الجمهور إزاءَ العمل الفني أمر يستحيل تحققه، فكما تتعدد تجارب الإبداع؛ تتفاوت آراء الجمهور إزاء تلك التجارب الفنية بين القبول والرفض، فالعالم الفني كون صغير أشبه ما يكون بالكون الكبير الذي نحيا فيه، كلاهما زاخر بالمتناقضات والاختلافات.

اقرأ أيضاً: أيّهما أهم بالنسبة للجمهور: رصيد المبدع الفني أم موقفه السياسي؟
وترى "الرؤية الأولى" الفن بوصفه وسيلة لشيء آخر يُعبر عنه بالمجتمع؛ فالفنان جنديّ في معركة الإصلاح الاجتماعي، مقيد بقواعده وملتزم بآدابه، والفنان وفق تلك الرؤية، منشغل بتصوير الأشياء والتعبير عنها كما يجب أن تكون، وقد تناولت الكثير من الدراسات الجمالية والنقدية والفلسفية، منذ ستينيات القرن الماضي دور الفنان في المجتمع، وفي إذكاء الحياة القومية والإنسانية، منتهية إلى أنّ الفنون مثقِّفة أو مثقَّفة، فلا تطلق كلمة "الفن"، إلّا على التجارب المرتبطة بمستويات فكرية وحضارية متطورة، وأنّ الفنّ ليس عملية تلقائية كما يظنّ العامة، بل عمل مُعقد يحتاج إلى تخطيط دقيق، على حد قولهم؛ "كي لا يتورط الفنان في الخطأ، وينحرف بعينه عن المسارات والخصائص، التي تُشوّه الفن العربي وتُؤدي إلى فقدان معالمه وملامحه العربية، نريد من الفنان أن يعرف كيف يبدأ، وكيف يعمل، وكيف ينتهي، نريده أن يُخطط لعمله الفني، وأن يعيه، وأن يضع له بداية ووسطاً ونهاية؛ أي نريد له فناً قائماً على منهج وبرنامج واضح مدروس، لا فناً تائهاً عشوائياً، ليكون طريقنا إلى الفن الأصيل واضحاً كلّ الوضوح".

العالم الفني كون صغير أشبه ما يكون بالكون الكبير الذي نحيا فيه، كلاهما زاخر بالمتناقضات والاختلافات

أمّا الرؤية الثانية، فترى الفنّ بوصفه عملية إبداع، وعملية تلقي أيضاً، غاية في نفسه، يُقصد لذاته، وأنّ الفنان حرّ غير مقيّد، يهتم بتصوير الأشياء كما هي، أو كما يفهمها ويتصورها الناس من حوله فحسب؛ فأصحاب هذه الرؤية يميلون بالفن إلى كونه نتاجاً تلقائياً، يعبّر فيه الفنان كما يُحبّ، ويختار من المعاني والألفاظ ما يروق له، شأن الفنون الشعبية المتوارثة منذ آلاف السنين، فتفرّق تلك الرؤية، بين مهمة المُصلح الاجتماعي أو السياسي، والفنان الذي ينشغل بالتصوير لا التوصيف، فيُعبّر عن عواطفه فحسب دون أن يلتفت إلى توصيف داء أو دواء، فهذا عمل المُصلح، وليس الفنان.

اقرأ أيضاً: دار الأوبرا المصرية: 150 عاماً من المقاومة بالفنّ
ويتهمُ أصحاب تلك الرؤية، دعاة الالتزام الاجتماعي في الفنّ؛ بأنّ دعواهم لا تعدو عن كونها التزاماً طبقياً، فلا يُوجد فنّ قادر على الالتزام بالتعبير عن المجتمع ككلّ، فالتزام الفن اجتماعياً، إنّما هو التزام مُؤطر لخدمة مصالح طبقة اجتماعية أو سياسية بعينها، حيث انحاز "دعاة الفن للمجتمع"، عبر تاريخهم، للطبقة الاجتماعية التي هي موضع عناية السلطة؛ فوُجد الفن الإقطاعي، والبرجوازي، والاشتراكي، الذي سرعان ما تراجع بتخلي السلطة عنه، ويرون أنّ موقفهم لا يخلو هو الآخر من انحياز، لكنّه انحياز إلى عدم رسالية الفن، انحياز إلى ألفاظ ومعانٍ لا تهتم بثورية ولا تقدمية، وإنّما تحكي بلسان مواطن الحارة المصرية، وأحيائها الشعبية.
وبين تلك الرؤيتين، تنشب صراعات بين الحين والآخر، لكن سرعان ما يمضيان في مساريهما المتوازيين، فقد تنجح التدخلات البيروقراطية في إحداث التهميش الرسمي للمسار الثاني، لكنّها لن تستطيع محوه، فليس باستطاعة نقابة المهن الموسيقية أن تمنح شرعية الوجود لشكل فني، وإنما الجمهور وحده هو من يمنح هذا الشكل الفني أو ذاك شرعية الحياة والحركة والانتشار، كما يكتب، بتجاهله، شهادة الموت الفني لهذا العمل أو ذاك، فكم من أعمال وأشكال فنية وُلدت وماتت، ولم يشعر بها أحد، كما تُولد وتموت الأشجار في الغابات.

المجتمع يُعبر عن نفسه بوسائل متعددة من بينها الفنّ، فما الفنّ السائد سوى مرآة عاكسة للذوق العام

فالمجتمع لا يهتم بالعمل الفني إلا بقدر ما يجد فيه صوراً تشبهه، وإنْ كان به إسفاف؛ فذاك الإسفاف لم يبدأ من الفن، لكنّه انعكاس لواقع المجتمع، الذي يُعبر عن نفسه بوسائل متعددة من بينها الفنّ، فما الفنّ السائد سوى مرآة عاكسة للذوق العام، فالفنّ نتاج طبيعي للحياة الاجتماعية المحيطة بالفنان، سواء حضرت في هذه الحياة الخصائص القومية والأبعاد الإنسانية الإيجابية البعيدة عن التعصب والعنصرية والإسفاف، أم كانت حياة تردد وقلق وحيرة، إن لم أقل حياة تيه وضياع، وإنْ سلّمنا بتردي الواقع الفني، فإننا لا نُسلّم بمنطق الوصاية الطبقية أو المؤسسية فنياً أو دينياً أو اجتماعياً، فمثل تلك الوصاية لن تُحدث ثورة ذوقية في عالمنا العربي، وإنّما العمل الطويل؛ الذي يبدأ بعودة حصة الموسيقى إلى المدارس، والإعلاء من قيمة الجمال في مناهجنا، والتوقف عن التحقير والتحريض ضد الفنّ في خطابنا الديني؛ هذه هي الخطوات الأولى نحو تكوين ذوق فني راقي.

للمشاركة:

"بنت مكة".. بأي سياق اجتماعي جاءت؟

2020-02-26

قبل نحو أسبوعين أطلقت فتاة سعودية أغنية راب تتغنى فيها بجمال وقوة بنات منطقة مكة المكرمة. وحظيت الأغنية بمئات آلاف المشاهدات على موقع يوتيوب، لكنها جرّتْ على صاحبتها سيلاً من الانتقادات اللاذعة، وأعادت السجال حول ضوابط الذوق العام، كما تذكر "بي بي سي".

اقرأ أيضاً: ما هي أبرز ردود فعل الفنانين على قرار منع المهرجانات في مصر؟
وبعيداً عن الوقوف مع أو ضد الأغنية، فإنّ من المهم الإضاءة على المعاني السوسيولوجية التي تحيط بالحادثة وتفاعلاتها وما هو أبعد منها. فقبل أعوام كتب صحافي سعودي مقالاً في صحيفة "الحياة" تحدث فيه عن "غياب الفردانية في المجتمعات السعودية، فالسعودي الفرد الجامع للهوية والمستقل بها مغيّب تماماً تحت ضغط الأسرة الكبيرة والحمولة والجماعة والعشيرة، وبالتالي فالهوية الوطنية اللاحقة غير موجودة بغياب مفرداتها الأساسية وتفاصيلها المركبة لها"، على حد تعبيره. كان ذلك المقال في العام 2016، وبعد أربعة أعوام عليه نجد أنّ مياهاً كثيرة جرت، وحملت معها تحولات أساسية تصاعدت فيها الفردانية؛ تحت تأثير السياسات الرسمية السعودية في الانفتاح الاجتماعي والترفيه، وإقرار قوانين لصالح المرأة، وتحت تأثير الاتساع المتنامي في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة لدى الأجيال الجديدة الشابة، من الإناث والذكور، للتعبير عن الذات، وتسجيل اليوميات والذكريات، والتعليق على مختلف الشؤون والقضايا.

أطلقت فتاة سعودية أغنية راب تتغنى فيها بجمال وقوة بنات منطقة مكة. وحظيت بمئات آلاف المشاهدات على موقع يوتيوب

وإذا كان الحضور السعودي على وسائل التواصل الاجتماعي في المنطقة العربية حضوراً قوياً وواضحاً، فإنّ هذا ينسحب أيضاً على مجتمعات خليجية أخرى، وجدت في شبكات التواصل متنفساً بديلاً في كثير من الأحيان عن أشكال الترابط والتواصل التقليدية؛ مثل العائلة الممتدة، والمحيط أو البيئة ذات الصبغة الدينية، ومجتمع الجيران، بذريعة أنّ الأخيرة باتت لا تعمل- في التواصل وتعزيز الحاجات الفردية- بالشكل الأمثل الذي تفعله وسائل التواصل الاجتماعي، وما تتضمنه من "قروبات" وصداقات ومعارف وعوالم متشابكة، وهو معنى أشارت إليه دراسة صدرت نهاية العام الماضي عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية "CSIS".

اقرأ أيضاً: جدل واسع في مهرجان موسيقي بأمريكا.. هل هي العنصرية؟
في هذه الدراسة يلاحظ معدّها، جون ألترمان، أنّ ثمة تصاعداً في النزعة الفردية في المجتمعات العربية، والخليجية خصوصاً، وهي (النزعة) تواجه تحديات أمام بطريركية الأسرة والعشيرة أو القبيلة والمسؤولين الحكوميين. ويلحظ ألترمان بأنّ الإشراف الذي يمارسه كبار السنّ على الأجيال الجديدة يقلّ، كما أنّ الدعم الذي يقدّمه أفراد الأسرة لبعضهم بعضاً يقل كذلك. والأسرة النووية تكاد تكون هي الأساس الأوسع انتشاراً، في ظل تراجع قوي للأسرة الممتدة وسطوتها على الأفراد، وعلى وجه الخصوص الأجيال الجديدة. ولا شك في أنّ التكنولوجيا وطفرة الاتصالات قد منحت الأفراد أفكاراً جديدة، ومصادر مختلفة للمعلومات، وخيارات واسعة للترفيه والتفاعل، وخلقت لهم عوالم أخرى عززت من شعورهم وتقديرهم بهوامشهم الخاصة واستقلاليتهم النسبية.
في أغنية "بنت مكة" تظهر بشكل واضح وصريح النزعة الفردية، حتى لو كانت تنطوي على امتداح وافتخار بالجماعة، بنات مكة. تقول الأغنية:
" أنا بنت مكة.. أصيلة وعشانها تشقى (تتعب). وقت الشدة ما نتكى (لا تكثر متطلباتنا). يشد بي الظهر، تلاقيني على الدكة ( مقعد مرتفع).. فل وكادي الشعر مسقى".

بعيداً عن الوقوف مع أو ضد الأغنية المهم الإضاءة على المعاني السوسيولوجية التي تحيط بالحادثة وتفاعلاتها وما هو أبعد منها

تتغزل كلمات هذه الأغنية، التي رفعت على موقع يوتيوب في 13 شباط (فبراير) 2020، بخصال بنات مكة كالجمال والعلم والكرم. ووفق موقع "بي بي سي عربي" فإنّ الأغنية صُوّرت على طريقة الفيديو كليب. وفي مطلعها، تظهر مغنية محجبة، عرفت نفسها باسم أصايل، في مقهى معظم العاملين فيه من النساء، بحسب ما ذكرته مواقع سعودية. كما تضمن الفيديو لوحات راقصة يؤديها أولاد وفتيات صغار بأسلوب "بريك دانس".
ولعلّ من المعاني العامة، وخصوصاً السوسيولوجية، التي تترافق مع تصاعد الإحساس بالفردية، وتراجع تأثير العوائل والقبائل على الشريحة الشابة وصغيرة السن في منطقة الخليج، أنّ ذلك يستدعي الرهان على تعزيز مكانة الحكومات والمؤسسات وإنفاذها لسلطة القانون وتعزيز رابطة المواطنة؛ لأنّ ذلك شرط أساسي لتنامي الإحساس بالفردية، ونيل الحقوق الشخصية، التي هي في الحقيقة رسمٌ للحدود، ولعلّ ذلك ما لاحظه منذ قرن من الزمان المؤرخ فردريك جاكسون تيرنر حين قال إنّ "الحدود تُنتِج الفردانية".

جون ألترمان: ثمة تصاعد في النزعة الفردية في المجتمعات العربية والخليجية خصوصاً، تواجه تحديات أمام بطريركية الأسرة والعشيرة

مجلة "فوغ" العربية كانت قد لاحظت في تقرير-حول تحولات العباية الخليجية وحضور الشخصي بقوة في هذه التحولات- نشرته في نيسان (إبريل) 2019 أنّ العباية السوداء أصبحت خلال العقود الثمانية الأخيرة جزءاً من الهوية الثقافية للمرأة الخليجية. وخلال العقدين الأخيرين طرأت عليها تغيّرات كثيرة على مستويات مختلفة. فقد تجلّت الحاجة، بحسب المجلة، إلى التعبير عن الأسلوب الشخصي في البداية باعتماد الزخارف المطرّزة وأحياناً الملوّنة على العباية السوداء التي بقيت واسعة طويلة تلامس أطرافها الأرض، وكانت تخفي تحتها الزينة والأزياء الأنيقة. وذكرت "فوغ" أنّ اهتمام المرأة الخليجية بالموضة العالمية وانفتاحها على الاتجاهات والصيحات المختلفة، خصوصاً مع تطوّر القدرة الشرائية، جعلاها تبحث عن أسلوبها الخاص من دون التخلّي عن العباية. لكن الأخيرة تحوّلت، كما جاء في كتاب Fashion talks: Undressing the Power of Style، "من زيّ تقليدي إلى تعبير عن الأسلوب… وطرأت عليها تحوّلات كبيرة كتلك التي طرأت على النساء اللواتي يرتدينها". المجلة النسائية لاحظت أيضاً تنوّع الألوان في العبايات؛ حيث ظهر في الإمارات، وفي جدة في السعودية قبل أن ينتقل أخيراً إلى مدينة الرياض، كما شرحت المصمّمة السعودية نورا الدامر "ظهرت العباية الملوّنة في جدة قبل عشرة أعوام، لكنها الآن بدأت الانتشار في الرياض. وكما هو معروف فإنّ الرياض مدينة محافظة لا تتبنّى المظاهر الجديدة بسرعة وسهولة. ويمكن القول إنّنا منذ (نحو عام)، بتنا في الرياض نرى العبايات الملوّنة".
في المحصلة، "بنت مكة"... مناسبة لدراسة كل ذلك وغيره بعمق أكثر وتروٍّ ومنهجية علمية. وإذا كان العقدان الماضيان من الألفية الثالثة، قد شهدا-في العالم العربي- طغياناً للأيديولوجيا، فعسى أن نشهد في العقد الحالي حضوراً للسوسيولوجيا؛ كي نفهم أكثر، وبصخب أقل.

للمشاركة:

كيف يسيطر رجال الدين على العامة؟

2020-02-25

لا شك أنّ رجال الدين يمثلون سلطة في العالم الإسلامي، على امتداد تاريخه، وهي سلطة على عقول وقلوب الناس، وعلى أدق تفاصيل حياتهم اليومية، وهي كذلك سلطة موازية للسلطة المدنية التي هي سلطة الدولة، فمن أين حصلوا على هذه السلطة؟ وكيف تكونت؟ وما هي عناصرها وآليات عملها؟
يسيطر البعض على العامة بابتكار مصطلح "رجال الدين"، وهم لا يفضلون هذا الاسم لدلالاته السلبية التي يعرفونها جيداً، ولذلك يفضلون اسم "علماء الدين"، لكن المعنى واحد.

اقرأ أيضاً: ما سر عداء رجال الدين للفلسفة والمنطق؟
إنّهم يحاولون إخفاء ما يحوزون عليه من سلطة تجعل منهم كهنوتاً داخل الدين والمجتمع المسلم بالتخفي تحت كلمة "علماء"، وهي الكلمة المخففة التي تدل على أنّ الدين علم مثله مثل أي علم آخر، ولما كان علماً فهو في حاجة إلى "علماء"؛ أي فئة متخصصة فيه تستبعد غيرها وتحتكر المعرفة الدينية ونتاجها الذي هو الفتوى والتفسير. وإلحاق العلم والتخصص والأهلية بفئةٍ ما يسحب من غيرها على نحو تلقائي أي قدرة على القول أو الرأي الديني، ويجعل المعرفة الدينية حكراً في أيدي هذه الفئة وحدها.

إلحاق العلم والتخصص والأهلية بفئةٍ يسحب من غيرها تلقائياً أي قدرة على القول أو الرأي

قد تكون هذه السيطرة مفهومة في عصور سابقة، نظراً لانتشار الأمية وندرة التعليم الذي كان قاصرة على أعداد معدودة من أعضاء الطبقات الموسرة؛ حيث كان رجل الدين هو المتعلم وسط محيط أمّيّ، والممتلك لناصية العلوم الدينية التي أساسها اللغة والتفسير والفقه.
لكن غير المفهوم هو استمرار سيطرة رجال الدين في عصر الحداثة وبعد انتشار التعليم وشيوع الثقافة وإتاحة المعرفة الدينية في المجال العام من خلال الطباعة وامتلاء المكتبات بالكتب التراثية وغيرها؛ فليس هناك أي شيء يمنع المثقف من التبحر في المعارف الدينية بمجرد قراءته للكتب التراثية، وما "علماء الدين" سوى أشخاص قرأوا ودرسوا نفس هذه الكتب المنتشرة والمتاحة للجميع الآن، لكن لم تسهم هذه الظواهر الجديدة في كسر احتكار رجال الدين للمعرفة الدينية؛ لأنّ سلطتهم معترف بها اجتماعياً، بل وسياسياً من الدولة، ونظراً لتقديم أنفسهم على أنّهم حماة الدين والقائمين عليه، الأوصياء عليه وعلى الناس، وحفظة التراث الديني وحملة الدين الممثلون له المتحدثون بإسمه.

اقرأ أيضاً: هل بمقدور البشر معرفة شؤون العقيدة بمعزل عن رجال الدين؟
كل هذه التوصيفات تجعل منهم كهنوتاً لا شك فيه، وهو ليس كهنوتاً وظيفياً تراتبياً مثلما نجد في المسيحية الكاثوليكية أو الأرثوذكسية، بل كهنوت يجد أساسه من النصوص التراثية، تلك النصوص التي تكون ملكية خاصة لهم من حيث التفسير والتوظيف الفقهي؛ أي من حيث الحراسة والحماية والاحتكار.
يستند رجال الدين على بعض العناصر لتدعيم سلطتهم، وهي الحاضرة بوضوح في النص القرآني، ومنها: السمع والطاعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، صحيح أنّ هذين المبدأين عبارة عن وصيتين قرآنيتين، إلا أنّهما في السياق القرآني لا يعنيان أبداً تكوين فئة خاصة من الناس تتولى فرض السمع والطاعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إنّ الدلالة القرآنية أن يكونا عامَّين شائعين بين المسلمين، والخطورة هي في احتكارهما في أيدي فئة ما، تفرض السمع والطاعة لها، وتتولى هي وحدها الأمر والنهي.

إنّهم يحاولون إخفاء ما يحوزون عليه من سلطة تجعل منهم كهنوتاً بالتخفي تحت كلمة "علماء"

واللافت للنظر أنّ الآية الكريمة التي ورد فيها الأمر الصريح بالطاعة لا تدل أبداً على طاعة رجال دين، فهي تقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (النساء 59).
الآية توصي بطاعة الله ورسوله وأولي الأمر، وأولو الأمر هم الحكام، مما يعني أنّ رجال الدين ليس لهم وضع في هذه الوصية، وتوصية الآية بطاعة أولي الأمر نابعة من حال عرب شبه الجزيرة وقت الدعوة المحمدية، فهم لم يكونوا خاضعين لسلطة دولة مركزية، ولم يجمعهم نظام سياسي واحد، وعودتهم حياتهم في الصحراء على عدم الانقياد لأحد، وكان هذا طبيعياً فيهم نظراً لافتقادهم حياة الاستقرار وعيشهم في حالة من التنقل الدائم في الصحاري؛ وقد قال عنهم ابن خلدون إنّهم "أصعب الأمم انقياداً بعضهم لبعض، للغلظة والأنفة، وبُعد الهمة والمنافسة في الرئاسة؛ فقلما تجتمع أهواؤهم" بسبب "التحاسد والتنافس".

اقرأ أيضاً: العلمانية.. عندما ينصح بطرس البستاني بإبعاد رجال الدين عن العمل في السياسة
وبذلك كانت اللّبنة الأولى في النظام السياسي الذي يمكن أن ينشأ فيهم هي الطاعة لأولى الأمر، ولم يكن من الممكن أن تنشأ فيهم هذه الطاعة إلا بأمر ديني صريح ومباشر في القرآن نفسه؛ إذن الطاعة في القرآن هي لأولى الأمر من الحكام المدنيين لافتقاد العرب لسلطة جامعة ونظام سياسي معترف به ومستقر؛ ولم تكن أبداً طاعة لما سوف يُسمى بعد ذلك برجال/ علماء الدين.
لكن يعمل رجال الدين على نقل الوصية القرآنية بالطاعة لأولي الأمر المدنيين إليهم هم أنفسهم كقائمين على الدين، ونقل الوصية القرآنية بالسمع والطاعة إلى سمع وطاعة لأوامر رجال الدين، وهذا ما يمثل نقلاً غير مشروع لمبدأ الطاعة من مجاله الأصلي إلى مجال آخر غريب عنه، ولم يكن مقصوداً في النص القرآني وهو مجال السلطة الدينية لرجال/ علماء الدين.

اقرأ أيضاً: صنع الله إبراهيم لـ"حفريات": رجال الدين لا يحلون المشكلات بل يفاقمونها
وعلاوة على ذلك فإنّ رجال/ علماء الدين يستغلون مبدأ الترغيب والترهيب كآلية للسيطرة على العامة، الموظف في الأصل لأهداف معينة في النص القرآني كلها أخلاقية، منها التنبيه والتحذير من فعل السيئات، والتشجيع والتحبيب على فعل الخيرات. فهم يقلدون الطرائق القرآنية ويوظفونها لبث الطمع والخوف في نفوس الناس، وهما من الانفعالات البشرية البدائية البعيدة عن التعقل والتوسط والاعتدال.
كما يتم استغلال الشعور الأصلي بالخطيئة وعقدة الذنب والخوف من الوقوع في المحظور والرغبة الأصلية في نيل الرضا والرحمة والمغفرة، أو الخلاص، فيصير الوعد بهذه الأشياء وضمانها حكراً في يد رجال/ علماء الدين، ويتعاملون معها على أنّهم هم وحدهم المسؤولون عن توزيعها على الناس.

غير مفهوم استمرار سيطرة رجال الدين في عصر الحداثة وبعد انتشار التعليم وشيوع الثقافة وإتاحة المعرفة الدينية

ويحول توزيع الوعد والضمان بالخلاص، أو الرحمة والمغفرة وتخليص الناس من عقدة الذنب وإيلام الضمير، إلى "سلع دينية"، وهي كما قال عالم الاجتماعي الفرنسي بيير بورديو (1930 – 2002)، سلعاً رمزية تصنع "رأس مال رمزي" Symbolic Capital، يكون حكراً في يد فئة حصرية مغلقة على نفسها تتولى إنتاجه وتوزيعه. وبذلك يصير رجال الدين هم حَمَلة رأس المال الديني، الرمزي في طبيعته، المحتكرين له والمالكين الحصريين، القائمين وحدهم على إنتاجه وتوزيعه، ويشكلون سلطة ثانية موازية للسلطة المدنية، منافِسَة لها ومنازٍعَة، مما يهيئ لكل احتمالات الصدام معها. وغالباً ما تكون السلطة السياسية المدنية ضعيفة تجاه تلك السلطة الموازية لرجال الدين، نظراً لسيطرتهم على العامة، طالما ظلوا "عامة" غير قادرة على التفكير لنفسها والاستقلال برأيها وبالقدرة على تنظيم شؤونها لشخصية بنفسها.
إنّ مجرد وجود فئة تدعي لنفسها التخصص في الدين وتحتكر لنفسها إنتاج المعرفة الدينية على نحو حصري وسري وإقصائي لمن سواها، هو الذي يخلق فئة من العامة العاجزة المعتمدة في أدق شؤون حياتها على من يحتكر توزيع السلع الدينية، أهمها الفتوى والوعد بالخلاص.
لكن التفقه في الدين ليس في حاجة إلى متخصصين، فيكفي أن نقرأ وندرس الكتب التي درسوها وادعوا منها أنّهم متخصصون، التخصص أو بالأحرى الإيهام به واستغلاله، والمتاجرة به هو احتكار للدين وسيطرة على العامة، وهو ما يشكل عقبة أمام بناء أي شخصية مستقلة.

للمشاركة:



تسريبات تثبت تورط أردوغان ونجله وصهره في قضايا فساد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

قدّم زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض بـتركيا، كمال قليتش دار أوغلو، أدلة لإحدى محاكم أنقرة، تثبت صحة تسجيلات مسربة منذ عام 2013، وتكشف تورط رجب طيب أردوغان في نهب المال العام.

 

وبحسب الأدلة التي وضعها محامي قليتش بين يدي قضاة المحكمة المدنية الابتدائية السادسة، في العاصمة أنقرة؛ فإنّ أردوغان متورط وعائلته في نهب المال العام، ما يكشف دورهما التخريبي وإدخال تركيا في أزمات اقتصادية كبرى، وفق ما نقلت "العين" الإخبارية عن صحيفة "جمهوريت" التركية.

كمال قليتش يقدم أدلة تثبت صحة تسجيلات مسربة منذ عام 2013 تكشف تورط أردوغان بقضايا فساد

وأظهر أحد التسجيلات الصوتية المسربة مؤخراً لأردوغان ونجله؛ أنّهما اشتريا شقة بلغت قيمتها 25 مليون دولار، يسأل فيه بلال، نجل أردوغان، والده: "يمكننا إعطاء 25 مليون دولار لتشيليك (رجل أعمال) والباقي سنشتري به شقة من شهريزار (مشروع عقاري بإسطنبول) ليردّ الرئيس التركي: افعلوا ما ترونه".

بينما فضح تسريب صوتي آخر مخطط أردوغان ونجله بلال، للانتقام من فتح الله غولن، الداعية التركي المقيم حالياً في واشنطن، بعد كشف وقائع الفساد الكبرى.

ووفق التسريب الصوتي؛ فإنّ بلال تحدث لوالده الرئيس التركي قائلاً: "نحن وسرهات شقيق وزير المالية بيرات ألبيرق صهر أردوغان، جلسنا واتفقنا على أنّه لا بدّ أن يدفعوا ثمن نوايانا الحسنة، ولا بدّ من أن نفعل شيئاً، لا بدّ لجماعة غولن من أن تعرف حدودها وينتهي هذا".

وتعقيباً على حديث بلال، ردّ أردوغان، خلال التسريب الصوتي: "هناك بعض الإجراءات التي ستتخذ اليوم بالفعل، وسيصل الأمر لذروته، لكن لا بدّ لعائلة سرهات أن تقدّم دعماً كبيراً لوسائل الإعلام مع الأصدقاء الآخرين".

وأزاح تسريب صوتي ثالث لمكالمة هاتفية بين أردوغان ونجله بلال الستار عن فضيحة فساد لعائلة الرئيس التركي، وتدخلهم في شؤون القضاء بالبلاد.

وخلال هذا الاتصال، قال بلال لوالده: "يا أبي، لا بدّ من القيام بعملية وحملة ضدّ رجال الأمن والنيابة العامة في أسرع وقت ممكن، لا بدّ من القيام بحملة ضدّ النيابة العامة وكبار جماعة غولن".

إلا أنّ الرئيس التركي قاطع بلال، قائلاً له: "يا بني، لا تخلط الأمور ولا تتحدث في مثل هذه الأشياء على الهاتف توقف عن هذا الحديث الآن".

وقال محامي زعيم حزب الشعب الجمهوري، جلال تشيليك: "اليوم رفعت ضدّي قضية جنائية بسبب التسجيلات التي قدمتها في القضايا المرفوعة ضدّ رئيس الحزب".

وأضاف: "في إطار الصلاحيات التي منحني إياها القانون أخذت تقرير الخبراء المتعلق بالتسجيلات السبعة، 6 منهم داروا بين أردوغان ونجله بلال، وآخر له مع رئيس إدارة الإسكان وقتها هالوق قارابيل".

وبحسب تسجيل فيديو منسوب للمحامي تشيليك، نشرته صحيفة "جمهوريت" التركية المعارضة، فإنّ تقرير الخبراء يؤكد بوضوح أنّ التسجيلات المنسوبة لأردوغان "صحيحة تماماً"، قائلاً: "كشفنا أنّه لا يوجد فيها أيّ مونتاج".

وكانت صحف تركية معارضة قد وصفت بلال، نجل أردوغان؛ بأنّه "وزير نفط داعش" لدوره الكبير مع صهره بيرات ألبيراق في تسهيل تهريب النفط الذي استولى عليه التنظيم المتطرف في سوريا، وتسويقه والتربح منه.

قضايا الفساد تتمحور حول شراء شقق وأراضٍ، والتضيق على القضاء وملاحقة الصحفيين والموالين لغولن

وأوضحت الصحف؛ أنّ قيمة أصول شركته البحرية التي يمتلكها بالشراكة مع عمه مصطفى أردوغان، وصهره ضياء إلجين، تضخمت إلى 180 مليون دولار، ونقل مقر الشركة إلى منطقة بيليربيي على مضيق البوسفور، ووصلت قيمة المقر الجديد لـ 150 مليون دولار.

وتمثل خطوات أردوغان هذه امتداداً لسلسة اضطهاد لمعارضيه؛ ففي 16 شباط (فبراير) الجاري فتحت سلطات الرئيس التركي تحقيقاً مع مراسلة إحدى صحف المعارضة؛ لقيامها بالكشف عن فساد صادق ألبيرق، والد وزير الخزانة والمالية بيرات ألبيرق، صهر الرئيس رجب طيب أردوغان، في مسألة "تسقيع الأراضي".

وبدأت سلطات أردوغان التحقيق مع مراسلة صحيفة "جمهورييت"، المعارضة هزل أوجاق، لكتابتها تحقيقاً صحفياً عن شراء ألبيرق أراضٍ على طريق قناة إسطنبول المائية عام 2003، قبل شراء أخرى ونقل ملكيتها للوزير نفسه عام 2012.

 واعتبرت السلطات التركية خبر الصحفية "إهانة" لوزير المالية، في حين أنّها لم تنفِ في الوقت ذاته ما كشف عنه التقرير.

التحقيق المذكور كان قد كشف هذه الواقعة، في كانون الثاني (يناير) الماضي، حيث ذكر أنّ والد الوزير كان قد اشترى 3 أفدنة في منطقة "أرناؤوط كوى" الواقعة على مسار القناة، وبعد أن أعلن أردوغان عن هذا المشروع، في 2011، اشترى 13 فداناً أخرى ونقل ملكيتها لنجله وزير المالية.

ووفق ما ذكره التحقيق؛ فإنّ الأرض المشتراة تقع ضمن حدود المنطقة السكنية في الخطة الجديدة لقناة إسطنبول، وأشار سماسرة عقارات وخبراء إسكان إلى أنّ "الأراضي الموجودة بتلك المنطقة زادت قيمتها السوقية بشكل كبير".

وتشير تقارير للمعارضة التركية إلى أنّ وجود أردوغان وحزبه على رأس السلطة، منذ 17 عاماً، سهل عملية نهب عائلته لأموال الشعب التركي وتكوين ثروات طائلة، عبر صفقات تجارية مشبوهة، في حماية أجهزة حكومة العدالة والتنمية.

للمشاركة:

تركيا تفاقم أزمة المهاجرين في اليونان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

بعد الخلافات التي طرأت على العلاقات اليونانية التركية، بسبب اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، التي عقدها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مع حكومة السراج في ليبيا، فتحت أنقرة الباب على مصراعيه أمام المهاجرين للتوجه إلى اليونان، في محاولة لمفاقمة الأزمة، جراء تكدس أعداد المهاجرين غير الشرعيين القادمين.

 

 

ولاحتواء ذلك الوضع المتأزم في الجزر اليونانية؛ بدأت السلطات باتخاذ تدابير لإعادة تنظيم مراكز الاستقبال، وقوبل لذلك بردود أفعال متباينة، سواء من جهة المهاجرين أو سكان الجزر اليونانية، وفق ما نقلت صحيفة "أحوال" تركيا.

تركيا تفتح الباب على مصراعيه أمام المهاجرين إلى أوروبا عبر اليونان في محاولة لمفاقمة الأزمة

وفي هذا الصدد؛ قالت الشرطة اليونانية وشهود عيان: إنّ "اشتباكات اندلعت في جزيرة ليسبوس، أمس، بين الشرطة وسكان يحتجون على بناء مركز احتجاز للمهاجرين".

وقال الشهود؛ إنّ "نحو 500 شخص حاولوا منع تحميل معدات ثقيلة تُنقل برفقة تعزيزات من الشرطة، استعداداً لبناء المركز على الجزيرة الواقعة في بحر إيجة".

وأعقبت ذلك اشتباكات في الشوارع وحاول السكان قطع الطريق إلى موقع البناء.

وسيتحول الموقع في ليسبوس إلى مخيم يُراقب دخوله عن كثب، وسيحلّ محلّ مخيم موريا المفتوح، وهو منشأة مترامية الأطراف صُممت لاستيعاب أقل من ثلاثة آلاف شخص، لكنّها تضمّ الآن أكثر من 18 ألفاً من طالبي اللجوء.

وتعتزم السلطات اليونانية بناء مراكز احتجاز على جزر ليسبوس وتشيوس وساموس وكوس وليروس، والجزر القريبة من تركيا، التي يأتي منها الآلاف من طالبي اللجوء الذين يقصدون أوروبا كلّ عام.

واتخذت الحكومة اليونانية المحافظة موقفاً أكثر صرامة تجاه الهجرة مقارنة بالحكومة اليسارية السابقة؛ حيث أصدرت مناقصة لبناء سياج عائم لردع طالبي اللجوء الذين يصلون عن طريق البحر، واستحداث إجراءات أسرع في التعامل، يمكن أن تزيد من عمليات الترحيل.

سكان الجزر اليونانية يعيقون عملية بناء مخيمات جديدة لاستقبال المهاجرين ويشتبكون مع السلطات

ويشعر السكان المحليون بالقلق من أنّ بناء هذه المراكز والتي ستحلّ محلّ المخيمات التي يمكن الوصول اليها بشكل مفتوح، مما سيجعل منها أماكن مكتظة بشكل دائم.

وتقول السلطات إنّ المراكز المغلقة ستوفر السلامة العامة بشكل أكبر، وتخلق مخاطر صحية محتملة.

وقال ستيليوس بيتساس، المتحدث باسم الحكومة اليونانية؛ إنّ هذه المخاوف تحظى بأهمية خاصة بسبب انتشار فيروس كورونا.

وقال بيتساس: "من الواضح أنه يمكن التعامل مع أمور مثل فيروس كورونا بسرعة وفعالية في منشأة مغلقة، لكن لا يمكن ذلك في منشأة فوضوية مفتوحة تعتبر قنبلة صحية موقوتة".

وعبر مئات الألوف الحدود إلى أوروبا من تركيا عبر اليونان، في عامَي 2015 و2016، قبل إبرام اتفاق توسط فيه الاتحاد الأوروبي للحدّ من تدفقهم، لكنّ أعداد الوافدين الجدد ارتفعت منذ أيلول (سبتمبر) 2019.

 

 

للمشاركة:

هل توقف المنظمات الإغاثية عملها في مناطق سيطرة الحوثيين؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

عادت جرائم ميليشيات الحوثي وتضييقهم على المنظمات الإغاثية الدولية، ونهبهم للمساعدات، إلى الواجهة، مع تحذير مسؤول أمريكي من عزم الجهات الدولية المانحة وقف المساعدات الإنسانية للمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بسبب العراقيل التي تضعها الميليشيات.

وقال مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية، وفق ما نقلت "رويترز": إنّ الجهات المانحة وجماعات المعونة تعتزم وقف المساعدات الإنسانية للمناطق الواقعة تحت سيطرة ميليشيات الحوثي في اليمن خلال الأشهر المقبلة، إذا لم تتوقف الميليشيات عن عرقلة وصول المساعدات.

مسؤول أمريكي يؤكد عزم الجهات الدولية وقف المساعدات إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين

كما أوضح المسؤول الأمريكي قائلاً: "ترسم كلّ جهة مانحة ومنفذة خططاً لكيفية التصرف إذا لم يغير الحوثيون سلوكهم على الأرض، ومن بين الخطط تعليق الكثير من برامج المساعدات، باستثناء البرامج اللازمة فعلاً لإنقاذ الحياة؛ كبرامج إطعام الأطفال المرضى وما شابه".

وأضاف: "الجميع يدرس إطاراً زمنياً مدته شهر أو شهران، تلك هي النقطة التي ستبدأ عندها جهات التنفيذ المختلفة تعليق بعض البرامج".

يذكر أنّ وكالات الإغاثة اشتكت طوال العام الماضي من ظروف العمل الآخذة في التدهور، ومن عدم صدور تصاريح السفر، ومن قيود أخرى تتعلق بتوصيل المعونات.

وفي هذا السياق؛ أعربت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية عن قلقها البالغ إزاء موقف الحوثيين الذي فاقم من أثر الأزمة بالتدخل في عمليات المساعدات.

مجلس الأمن يوافق على قرار تمديد العقوبات على قادة في الميليشيات الحوثية وعلى حظر الأسلحة لعام آخر

وقالت بوجا جونجونوالا، القائمة بأعمال المتحدث باسم الوكالة: "نعمل بدأب على إيجاد أسلوب يتيح استمرار تقديم المعونة الأمريكية بلا توقف، لكن نتخذ خطوات للتخطيط للقادم مع شركائنا بحيث يمكنهم تعديل برامجهم بشكل آمن ومسؤول في حال اضطررنا لخفض المعونة".

هذا وقد وافق مجلس الأمن، التابع للأمم المتحدة، أمس، على قرار تمديد العقوبات الموجهة لقادة في الميليشيات الحوثية، وعلى حظر إرسال أسلحة للحوثيين لعام آخر.

 وأيدت 13 دولة القرار، في حين امتنعت روسيا والصين عن التصويت، وقالتا إنّ       صياغة القرار غير متوازنة.

كما عبّر المجلس في نصّ القرار عن "قلقه البالغ من الوضع الإنساني في اليمن، ومن جميع محاولات الإعاقة غير المبررة لتقديم المساعدات الإنسانية، بما في ذلك التدخل الأخير في عمليات الإغاثة بمناطق يسيطر عليها الحوثيون".

 

 

للمشاركة:



انتخابات إيران.. هل انتهى زمن الإصلاحيين في إيران؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-02-26

ترجمة: مدني قصري


شارك 42.57 بالمئة فقط، من الناخبين الإيرانيين، بمن فيهم 26.2 بالمئة في طهران، في الانتخابات التشريعية الأخيرة، والتي جرت يوم الجمعة 21 شباط (فبراير) 2020، ورغم أنّ نسبة المشاركة منخفضة تاريخياً، إلا أنّ هذه أقل نسبة منذ ثورة 1979، حيث تَوّجَت هذه الانتخابات، المرشحين المحافظين والمحافظين المتطرفين فقط، في حين تمّ استبعاد جزء كبير من الإصلاحيين والمعتدلين (بما في ذلك 90 نائباً منتهية ولايتهم مسبقاً)، من قبل مجلس حراس الدستور، الذي اعتبر ترشيحاتهم غير متوافقة من قبل الهيئة القوية - غير المنتخبة - في أيدي المحافظين.

اقرأ أيضاً: الانتخابات الإيرانية... عسكرة الثورة والدولة
يُحلّل الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه في فريق "المعرفة النووية" في معهد سيري للعلوم السياسية Ceri-Sciences Po؛ كليمانت تيرم Clément Therme، والذي يعد أحد أفضل خبراء إيران في فرنسا، ونشر كتاب "إيران وخصومها، بين الأمة والثورة" مؤخراً، في هذه المقابلة، التي أجرتها معه صحيفة "لوبوان" الفرنسية، نتائج الانتخابات التشريعية الإيرانية، ويتناول آثارها على إيران والمنطقة. 
فوز المحافظين ليس مفاجئاً، فقد تم الإعلان عنه مسبقاً، من خلال الإقصاء الهائل للمرشحين الإصلاحيين

هل كان إعلان فوز الائتلاف المحافظ في الانتخابات التشريعية الإيرانية مفاجئاً؟
فوز المحافظين ليس مفاجئاً، فقد تم الإعلان عنه مسبقاً، من خلال الإقصاء الهائل للمرشحين الإصلاحيين، الأمر الذي يُذكرنا بما حدث خلال انتخابات 2004، حيث انخفض معدل المشاركة إلى 50 بالمئة في ذلك الوقت، إلّا أنّ نسبة المشاركة كانت أقل هذه المرة، حيث وصلت إلى 40 بالمئة فقط، لكن ما يثير الدهشة، هو أنّ النظام يعترف بسخط المواطنين الشديد، مع العلم أنّ المرشد الأعلى؛ آية الله خامنئي، قد دعا السكان إلى التصويت كواجب ديني ووطني، ومن الواضح أنّ هذا فشل شخصي للزعيم الأعلى، الذي شارك شخصياً في التعبئة.
كيف نُفسّر معدل المشاركة المنخفض؟
انخفاض معدل المشاركة في الانتخابات التشريعية الأخيرة، يمثل جزءاً من أزمة الثقة بين النظام والمواطنين، والتي تطوّرت وتفاقمت، بعد تحطّم طائرة الخطوط الجوية الأوكرانية، في 8 كانون الثاني (يناير) الماضي، بالإضافة إلى تأخر السلطات في نشر المعلومات المتعلقة بانتشار فيروس كورونا في إيران.

اقرأ أيضاً: هل نحن أمام إيران جديدة بعد الانتخابات البرلمانية؟
هناك بالفعل أزمة مصداقية اليوم، فيما يتعلق بإيمان المواطنين بكلمة الجمهورية الإسلامية، وفي هذا السياق، اعتبر السكان، أنّ المشاركة في الانتخابات وسيلة لإعطاء شرعية للنظام، لذلك رفض غالبيةُ المواطنين الإيرانيين هذه الانتخابات، خاصة في طهران، حيث وصلت نسبة المشاركة رسمياً إلى 25٪ فقط، علماً بأنّ السلطات رفضت نشر معدل المشاركة الدقيق.

ما الذي سيتغير حال انتقال البرلمان إلى الحضن المحافظ؟
لن يكون هناك الكثير من النقاش والجدل السياسي، حيث تمّ استبعاد أكثر النواب انتقاداً للنظام (الشخصيات المحافظة والإصلاحية المعتدلة)، لذلك سيكون البرلمان برلماناً مُخلِصاً جداً لآية الله خامنئي، الذي سيسعى إلى تعزيز خياراته الإستراتيجية؛ فالمحافظون المرتبطون بالدولة العميقة وبقوات الأمن، هم المفضَّلون دائماً من قبل نظام الجمهورية الإسلامية، وسوف يعتمدون على جهاز الأمن، ويعززون عملاء النظام، لتقديم وحدة وهمية سطحية، في مواجهة الضغوط القصوى من قبل الولايات المتحدة، كما سيساعد هذا الوضع في قمع قوى المجتمع المدني؛ كالحركات الاجتماعية للطلاب والمثقفين والنساء والأقليات العرقية، وسيكون الشعب أمام سلطة معزولة، ولكنها أكثر توحداً وتماسكاً، تتسامح أقل فأقل مع النقد في داخلها، في رأيي؛ سينصبّ النقاش من الآن فصاعداً على مستوى الشدة في النزعة المحافظة، وعلى درجة التوفيق بين غالبية المواطنين، الذين ما زالوا في حالة عدم ثقة تجاه النظام.
هل تلعب هذه الانتخابات دوراً في تعيين المرشد الأعلى القادم؟
لقد أتاحت هذه الانتخابات، في مرحلة أولى، إقصاء المرشحين المحتمَلين، فكان هذا حال الناطق السابق باسم البرلمان؛ علي لاريجاني، على سبيل المثال، فمن خلال المؤسسات غير المنتخبة، سيما مجلس حراس الدستور، الذي يقوم بالفرز على مستوى المرشحين، قام المرشد الأعلى بتطهير النظام، من خلال تقوية الفصائل التي يدعمها شخصياً، والتي يتمنى أن تلعب دوراً رئيسياً في الأعوام القليلة المقبلة في إيران، بعد اختفائه، وتتألف هذه المجموعة من؛ ابنه مجتبى خامنئي، وإبراهيم الريسي رئيس السلطة القضائية، الذي هُزِم خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة في إيران، وحسين الطيبو المسؤول عن الاستخبارات "حماة الثورة الإيرانية"، وشقيقه مهدي، بالإضافة إلى القائد الجديد لقوة القدس، خليفة قاسم سليماني؛ اسماعيل قاني، ويُمثّل هؤلاء مجموعة من الشخصيات التي ستكون حاسمة في تعيين المرشد القادم، فهم يرغبون في السيطرة على البرلمان، حتى تكون لديهم مجموعة من النواب، تعكس نظرتهم وتغذي خُطبهم.

هل تشير هذه الانتخابات التشريعية إلى نهاية الإصلاحيين في إيران، والتي يعتبرها جزء من الإيرانيين اليوم "خداعاً" في الجمهورية الإسلامية؟
نعم، على أي حال إن لم تكن هذه هي النهاية، فمن الواضح على المستوى المؤسسي، أنّ عجز المعتدلين عن الإصلاح، وتجاوز الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة، أي تطبيع العلاقات مع الأخيرة، قد كلفهم الكثير، ونحن لا نرى كيف يمكن لغالبية السكان، الذين صوتوا للإصلاحيين، على اعتبار أنّهم "الأقل سوءاً"، أن يستثمروا الآن رأس المال الاجتماعي، في هذه المجموعة السياسية المهمشة تماماً، والتي أصبحت محصورة أيضاً، بسبب تناقضاتها؛ بين الولاء التام للنظام (لقد دعوا السكان للتصويت في الانتخابات التشريعية، كما أصرّ الرئيس السابق محمد خاتمي شخصياً، رغم استبعاده من وسائل الإعلام في البلاد، على وضع ورقة تصويته في صندوق الاقتراع)، وبين خطاب متعارض وغير مطابق تماماً لولائهم لنظام الجمهورية الإسلامية.
هل يمكن أن نعزو، جزئياً، عودة البرلمان الإيراني للحضن المحافظ إلى سياسة دونالد ترامب المتمثلة في الضغط الأقصى؟
نعم، بالطبع، هناك بُعدُ ردِّ الفعل وتأثيره، فلا شكّ أنّ انتخاب ترامب يُقوّي أكثر المحافظين تشدداً في إيران؛ حيث إنّ الخلاف داخل البلاد، إلى جانب الضغط القوي الذي تمارسه الولايات المتحدة في الخارج، يدفع المرشد الأعلى إلى إعادة الاستثمار في أعظم مؤيديه، وليس في القاعدة الاجتماعية للنظام، لذلك نشهد الآن في إيران مرحلة من الانطواء على الذات، مع رغبة في الاعتماد أكثر فأكثر على جهاز الأمن، الذي يسيطر عليه المحافظون، لكن هذا الخطاب "عن العدو الأمريكي"، لا يلقَى في الوقت الحالي لدى المجتمع الإيراني نفسَ الصدى القوي، كما كان الحال في الأعوام الأولى من الثورة؛ لأنّ ما يريده معظم الإيرانيين اليوم؛ هو حكومة ذات كفاءة، قادرة على حل مشاكل البلاد، والتركيز على التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

هل يمكن أن يكون الرد الأمني، الذي ينادي به أكثر المحافظين تشدداً، كافياً لثني الإيرانيين عن التظاهر مرة أخرى؟
لقد انتقلت الجمهورية الإسلامية في إيران من أزمة شرعية النظام عام 2009، مع الحركة الخضراء، إلى أزمة السلطة من عام 2017 إلى عام 2019، مع ثورة الطبقات الشعبية، وصولاً إلى أزمة المصداقية اليوم، وتطرح هذه الأزمة الأخيرة المرتبطة بالسخط الشعبي الواسع، مشكلة حساسة وخطيرة أمام الجمهورية الإسلامية، ومن الواضح أنّ الاستجابة الأمنية ليست كافية، إذ يجب على السلطة أيضاً؛ ضمان الحد الأدنى من التنمية الاقتصادية والرفاه للسكان، خاصة للطبقات العاملة، حيث يتمثل التحدي الذي يواجه الجمهورية الإسلامية في تمكين المحرومين، الذين يمثلون جوهر الشرعية الثورية للنظام، ويطمحون لرؤية تحسن ملموس في ظروف معيشتهم، على المدى القصير أو المتوسط،، فإن لم يتحقق ذلك، فسوف تستمر دورة القمع / المظاهرات؛ لأنّ حل مشاكل البلاد الاقتصادية لا يكمن في انتخاب رئيس محافظ عام 2021، فليس لدى المحافظين أي حل يقدمونه في مستوى قوتهم المؤسسية.
ألا تستطيع إيران تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع روسيا والصين؟
في الواقع، يقترح المحافظون زيادة الاعتماد على الصين وروسيا، عن طريق زيادة عزل البلاد عن بقية العالم، هذا ما يسمونه الاكتفاء الذاتي  "khodkafaei"، وهو ما كانت تفعله إيران منذ عهد أحمدي نجاد، منتصف العقد الأول من القرن العشرين، لكنّ التقارب مع الصين وروسيا لا يمكن أن يضمن هذه التنمية الاقتصادية، خاصة فيما يتعلق بالطاقة، التي تدفع الاقتصاد الإيراني، ويجب أن يكون هناك حد أدنى من التعاون مع النظام المعولم الذي تهيمن عليه المعايير الأمريكية.

اقرأ أيضاً: ثوران البرلمان الإيراني الجديد
وفي قطاعي النفط والغاز الرئيسيين، تحتاج إيران إلى أفضل التقنيات، التي لا تملكها سوى الشركات الغربية واليابانية، وقد رأينا مؤخراً أنّ الصين لم تكن قادرة على استبدال شركة "Total" في المرحلة 11 من حقل غاز الشمال أو حقل فارس الجنوبي South Pars، لذلك هناك خيار وجودي حقيقي يجب القيام به، بين تقوية النظام وارتقاء إيران كقوة إقليمية محترمة، مع تنمية اقتصادية كبيرة، لكنّ البلاد ستواجه عندئذ مشكلة التوافق مع الأيديولوجيا الثورية لآية الله الخميني.

هل يمكن أن نقارن المظاهرات في إيران بالمرحلة الحالية، باحتجاجات العراق ولبنان، خاصة وأنّ النظام الإيراني، الذي دان المتظاهرون هيمنته عليهم، يبدو مستعصياً على الحل؟
أصبحت الجمهورية الإسلامية اليوم قوة رجعية مضادة للثورة، وهي مفارقة؛ لأنّ  تنظيم القمع ودعمه في العراق ولبنان، يتم باسم أيديولوجيا خمينية ثورية، من خلال شبكة من الأمن والنفوذ الأيديولوجي والاقتصادي، تمتدُّ من إيران إلى لبنان؛ مع حزب الله وميليشيات الحشد الشعبي في العراق، لذلك نشهد سخرية تاريخية حقيقية على وضع الجمهورية الإسلامية المتعارض مع الحركات الديمقراطية في الشرق الأوسط، منذ خريف عام 2019.
هل تُهدّد هذه الثورات الجمهورية الإسلامية على المدى القصير؟
تُشكّل هذه الثورات تهديداً للنفوذ الإقليمي لإيران في الشرق الأوسط، الذي اتضح أنه محدود، وذلك لأنّ إيران تستفيد أيضاً من الأخطاء الأمريكية في المنطقة، لقد رأينا هذا مع قيام الولايات المتحدة بالقضاء على الجنرال الإيراني قاسم سليماني، الذي عزّز عداء العراقيين لأمريكا، ففي داخل إيران، هذا بالطبع تهديد لشرعية الجمهورية الإسلامية، التي تضاف إلى أزمة سلطة النظام والمخاوف إزاء المصداقية، في رأيي؛ هذا النظام غير مُهدّد على المدى القصير، لكنه مهدد بضعف كبير على المدى الطويل، يمكن ضمان بقاء النظام السياسي من خلال تقوية جهاز الأمن، والاعتماد بشكل أكبر على الركيزة القمعية، ولكن كلما قمع النظام شعبه أكثر، كلما أثار الرفض وخطر المعارضة، لقد أصبحت الثورة الإسلامية بشكل متزايد عاملاً من عوامل الانقسام داخل المجتمع الوطني الإيراني، داخل حدود البلاد وخارجها.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
https://www.lepoint.fr/monde/en-iran-une-crise-de-confiance-entre-regime...

للمشاركة:

حزب الله.. الولاء لإيران قبل الأمن الصحي للبنان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

عديد نصار

لم يكن في وارد انتفاضة 17 أكتوبر، منذ انطلقت، أن تضع حزب الله على رأس استهدافاتها، وعلى الرغم تصدر هذا الحزب مواجهة الانتفاضة من خلال خطابات زعيمه الذي أعلن بوضوح رفضه لأهدافها، كما من خلال إرسال وتحريض المجموعات التشبيحية للاعتداء على المتظاهرين والتهجم عليهم في عمليات “غزو” لساحات اعتصامهم وأماكن تظاهرهم، إلا أن خطاب الانتفاضة لم يتغير، واضعا جميع القوى السياسية التي شاركت في السلطة على مدى 30 سنة في خانة واحدة في تحمل المسؤولية عما آلت إليه أوضاع البلاد والكارثة الاقتصادية والاجتماعية التي ألمت بها.

لم يكن ذلك حبا لحزب الله وزعيمه، ولا خوفا من سلاحه أو بطشه، ولكن ذلك كان لأمرين بسيطين: الأول والأهم العمل على افتكاك القواعد الشعبية التي تعتبر البيئة الحاضنة للحزب، والرازحة كما كل اللبنانيين تحت وطأة الأزمات المتفاقمة، وبالتالي عدم إثارة الشكوك لديها حول حقيقة الانتفاضة كي تكون في صلبها، لأنه دون هذه الفئة من المجتمع لا يمكن للانتفاضة أن تحقق هدفها الأساس لتحقيق باقي أهدافها والمتمثل في الانتقال من مجتمعات الرعايا الطائفية إلى مجتمع المواطنة المتساوية في رحاب وطن لجميع أبنائه وبناته يحكمه القانون ويسوده عمل المؤسسات. والثاني عدم جر الخارج الإقليمي والدولي إلى ملعب الانتفاضة.

غير أن حزب الله لم يترك بابا إلا وشرّعه على نفسه في تأكيد عدائه للانتفاضة الشعبية ولجميع أهدافها، ممارسا قمعا ظاهرا وخفيا على أبناء المناطق التي يسيطر عليها مانعا عليهم التظاهر والاعتصام وملاحقا الناشطين منهم الذين يشاركون في التظاهرات في المناطق الأخرى. وهو لم يترك وسيلة لتشويهها إلا واستخدمها مسخرا وسائل إعلامه وحلفائه وجيشه الإلكتروني لإطلاق اتهامات متنوعة بحق الناشطين ولإطلاق النعوت المسيئة إليهم.

وفي حين فُرض حظر تام للتظاهر في الضاحية الجنوبية لبيروت، أتيح للشيوعيين واليساريين تنظيم “حراك” شعبي غير صدامي، أي أنه لا يهاجم إلا القوى التي كانت منضوية في اصطفاف 14 آذار، وتحديدا سمير جعجع قائد القوات اللبنانية وكذلك المصارف وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، مستثنيا حزب الله وحركة أمل. ومع ذلك لم يسلم المتظاهرون الجنوبيون في صور والنبطية من الاعتداءات المتكررة.

غير أن كل ذلك لم يكف، إلى أن جاءت الكورونا لتضرب في قم، محجة حزب الله المقدسة. هنا برز بوضوح أن حزب الله الذي تصدى للانتفاضة لا تعنيه معاناة اللبنانيين الاقتصادية والمعيشية فحسب، وإنما لا تعنيه صحتهم العامة أيضا.

فرض حزب الله على الحكومة أجندته كاملة. فليس هناك وقف للرحلات الجوية من إيران إلى بيروت، ولا أحد يمكنه أن يتحكم بكيفية وصول “الحجاج” وكيفية استقبالهم وانتقالهم إلى أماكن سكناهم المنتشرة في مختلف المناطق، مع أن أول حالة إصابة سجلت في لبنان بفايروس كورونا المستجد جاءت من إيران وبالتحديد من مدينة قم.

وفي مطار بيروت الدولي، حيث ينبغي أن تتشدد المراقبة على الوافدين من البلاد المصابة بالفايروس، ظهر إلى العلن مدى سيطرة حزب الله على هذا المطار وتحكمه بأمنه. فيد حزب الله فوق يد الأمن العام ووزارة الصحة والحكومة مجتمعة. وقد افتضح ذلك عندما أقدم عنصر من الحزب على الاعتداء على إحدى المراسلات التي كانت تسأل القادمين على متن طائرة إيرانية من طهران، حيث انتزع هاتفها المحمول وفرض عليها تشغيله ثم بادر إلى مسح ما قامت بتسجيله مع القادمين بمعرفتهم ورضاهم، كل ذلك على مرأى ومسمع القوى الأمنية في المطار دون أن تحرك ساكنا.

وفي حين أغلقت غالبية الدول أراضيها أمام الوافدين من إيران، برر وزير الصحة استمرار استقبال الطائرات الإيرانية بأسباب سياسية و“إنسانية”، إذ لا يمكن للبنان أن يرفض استقبال أبنائه القادمين من إيران. بينما عمدت السعودية إلى الطلب من الكويت الإبقاء على السعودي المصاب بالفايروس على أراضيها حتى استكمال علاجه. أما كندا فقد عمدت إلى تشديد المراقبة على جميع الوافدين من كل بلدان العالم بعد أن تبين لها مدى خطورة انتشار الفايروس في عدد كبير من الدول.

لبنان المحكوم من حزب الله، الذي تصدى للانتفاضة وأمّن حماية نظام المناهبة وإعادة إنتاج حكومته بالطريقة التي تؤكد سيطرته على البلاد، بات مهددا بالكورونا. فاستمرار فتح أجوائه ومطاره للطائرات الإيرانية يمثل تهديدا صريحا للأمن الصحي في البلاد، حتى بات حزب الله الذي وضع لبنان تحت حجر مالي وفي قبضة عصابات ناهبة، يمثل أيضا تهديدا صريحا للأمن الصحي لعموم اللبنانيين. وهذا ما يجعل الصدام أمرا محتوما بين الانتفاضة وبين الحزب، إذ لم تعد المسألة متعلقة بلقمة العيش فقط، بل بالخطر المحدق بصحة كل من هو متواجد على الأراضي اللبنانية، لا لشيء إلا لأن حزب الله لا يريد قطع خطوط الاتصال مع إيران لأنه بذلك تنقطع عنه الإمدادات والمؤونة. وإلا فما معنى أن يترك القادمون يخرجون من حرم المطار دون الالتزام بنقلهم بباصات خصصتها لهم وزارة الصحة؟

سيكون حزب الله مع اللبنانيين وجها لوجه، وبالتحديد مع ما يقول عنهم إنهم “بيئته الحاضنة” إذا سُجلت إصابات جديدة بفايروس كورونا المستجد بين القادمين من إيران.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

الانتخابات الإيرانية... عسكرة الثورة والدولة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-26

مصطفى فحص

حسم ناظم ولاية الفقيه موقفه داخلياً، وحدَّد طبيعة جديدة للنظام تختلف عن الطبائع السابقة التي شهدت تنافساً بين تيارات متعددة إصلاحية ومعتدلة، ومتشددة، ضمن ثنائية «الثورة» و«الدولة»، وكان الانطباع العام أن التيارين الإصلاحي والمعتدل يميلان إلى فكرة «الدولة»، بينما ارتبط التيار المحافظ بطبيعة «الثورة». إلا أنَّ الانتخابات التشريعية الأخيرة فتحت الطريق رسمياً لإخضاع المؤسسات الرسمية والعقائدية، وثنائية «الثورة» و«الدولة»، لطبيعة واحدة.
تنتمي هذه الطبيعة الواحدة الجديدة بكاملها إلى عسكريتارية عقائدية موالية لمؤسسة «الحرس الثوري»، الذي بات بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة يسيطر على مجلس الشورى (البرلمان)، ومن المرجح أن يكون رئيسه أحد قادته السابقين. هذا التحول غير الصحي في الحياة السياسية للنظام يكشف عن مأزق بنيوي عند النخبة الحاكمة في عدم قدرتها على إعادة إنتاج طبقة سياسية جديدة وفقاً لشروطها الآيديولوجية في توقيت يجري فيه الاستعداد لمرحلة ما بعد المرشد، لذلك اتخذت قرارها الأصعب بإنهاء الإصلاحيين وإقصاء المعتدلين، رغم تداعيات هذا القرار المستقبلية التي ستظهر التراجع الحاد في شعبية النظام، الذي ترجم في ضعف الإقبال على الانتخابات، خصوصاً في المدن الكبرى المؤثرة في صناعة الرأي العام الإيراني، يقابله تراجع حاد في حضور التيار الأصولي في الشارع؛ الأمر الذي عجّل ببدء نقل السلطة إلى العسكر الذي يحظى بتأييد التيارات الراديكالية كافة التي تخوض معركة الدفاع عن النظام، بهدف ضمان استمراره.
أظهرت نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة سيطرة «الحرس الثوري» والتيار الأصولي على أغلبية مقاعد البرلمان، فلأول مرة يحصل «الحرس» على 120 مقعداً من أصل 290، فيما تراجعت حصة الإصلاحيين إلى 19 مقعداً، بينما تقاسمت أجنحة النظام المتشددة والأصولية بقية المقاعد. إلا أن هذه النتائج ستفرز برلماناً منسجماً في توجهاته الداخلية والخارجية، فهو داخلياً سيحمل على عاتقه مهمتين: الأولى داخلية في جزأين: الأول تعطيل ما تبقى من ولاية حسن روحاني الرئاسية ومحاصرته تشريعياً وإلغاء أي تأثير له حتى إخراجه نهائياً من المشهد السياسي الإيراني، لكيلا تتكرر تجربة ما بعد الرئاسة التي مارسها الرئيس رفسنجاني والرئيس خاتمي. أما الجزء الأهم لبرلمان العسكر فهو في تقديم تجربة تشريعية شعبوية تلامس واقع المواطن الإيراني المتذمر اقتصادياً ومعيشياً، وذلك بهدف التمهيد لسيطرة «الحرس» على موقع رئاسة الجمهورية. أما المهمة الثانية فهي تقديم تغطية تشريعية لقرارات النظام المتعلقة بالسياسة الخارجية واحتمال الانتقال إلى التصعيد مع واشنطن خلال المرحلة المقبلة؛ فمن المتوقع أن تشهد مزيداً من الاحتكاكات الخشنة الإيرانية عبر وكلائها في مقابل استمرار واشنطن في فرض مزيد من العقوبات على إيران.
من البرلمان حالياً إلى الرئاسة مستقبلاً، يستعد النظام الإيراني لعسكرة طبيعة السلطة، وهذا أشبه باعتراف ضمني من النخبة بتراجع خطابها العقائدي وتقلص تأثيره الثقافي والاجتماعي على المجتمعات الإيرانية إلى مرحلة تهدد وحدتها، التي قامت منذ عام 1979 على الربط بين هويتين؛ دينية ووطنية، جمعتهما مؤسسة الولي الفقيه الذي شكّل موقعه في رأس هرم السلطة ضماناً لهذا الربط الذي أمّن الغطاء الروحي لـ«الثورة» و«الدولة».
ولكن مع ازدياد صعوبات المرحلة الانتقالية وغياب وجه يمتلك إرثاً تاريخياً يسمح له بملء الفراغ الذي سيتركه غياب المرشد الحالي، لجأ النظام إلى التسليم بدور «الحرس الثوري» المطلق، وتسليمه زمام الأمور؛ حيث باستطاعته ضمان انتقال السلطة إلى مرشد جديد وتأمين الغطاء الثوري والعقائدي له وحماية موقعه في تركيبة السلطة، ولكن هذه المعادلة تفرض على «الحرس» التدخل مباشرة في الانتخابات الرئاسية؛ حيث من الصعب أن يقبل بوجود رئيس قوي في مرحلة انتقالية تضعف دور المرشد، كما أن معضلته الكبرى أنه لا يمكن له ضمان استقرار النظام إذا كان المرشد جديداً والرئيس ضعيفاً، لذلك بات أغلب التكهنات أن «الحرس» يتجه لحسم الموقف في الموقعين، وبات الأقرب والأكثر احتمالاً أن يكون الرئيس قوياً لكن بشرط أن يكون من «الحرس».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية