أحد المدّعين ضد ضابط سوري لـ "حفريات": لا عدالة إلا بمحاكمة الأسد

أحد المدّعين ضد ضابط سوري لـ "حفريات": لا عدالة إلا بمحاكمة الأسد

مشاهدة

28/02/2021

مثّل الحكم القضائي الصادر، في ألمانيا، بحقّ أحد القيادات الأمنية لدى النظام السوري، سابقة تاريخية، بحسب شهادات سوريين، لا سيما ممن تعرضوا للقمع والاعتقال في سجون الأسد؛ إذ إنّه أول حكم بالإدانة يتّصل بجرائم نظام البعث السوري، والذي يتزامن مع اقتراب ذكرى اندلاع الثورة، في آذار (مارس) عام 2011.

"الأخضر الإبراهيمي" أسلوب تعذيب بأنبوب صلب يستخدم في مدّ مياه الشرب داخل جدران المنازل، لونه أخضر، والتسمية للسخرية من المبعوث الدولي السابق إلى سوريا 

وقد تمّت التحقيقات في ألمانيا بناء على مبدأ "الولاية القضائية العالمية"، الذي يقضي بمحاكمة مرتكبي "أخطر الجرائم"، بغضّ النظر عن جنسيتهم، وكذا مكان حدوثها؛ وقد صدر الحكم بحقّ المتهم الأول، الضابط في جيش النظام السوري، إياد الغريب، بالسجن لمدة أربع سنوات ونصف السنة، على خلفية اتّهامه بارتكاب "جرائم ضدّ الإنسانية"، بالإضافة إلى "المشاركة في اعتقال وحبس ما لا يقل عن 30 متظاهراً في دوماً"؛ وهو أحد فروع الأمن الداخلي التابع لجهاز أمن الدولة، ويسمى "الفرع 251"، أو "فرع الخطيب"، كما أدين ضابط الاستخبارات السورية، أنور رسلان، في جرائم مماثلة، فضلاً عن التورط في "تعذيب 4 آلاف معتقل".

جرائم ضدّ الإنسانية 

وقالت لين معلوف، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، تعقيباً على قرار المحكمة الإقليمية العليا في كوبلنز بألمانيا بإدانة إياد الغريب: "يعدّ الحكم التاريخي الصادر، اليوم، وهو الأول من نوعه فيما يتعلق بالجرائم التي يرتكبها مسؤول حكومي سوري بموجب القانون الدولي، بمثابة انتصار رائع لعشرات الآلاف من السوريين ضحايا التعذيب، والإخفاء القسري، وكذلك للمنظمات السورية والدولية المعنية بحقوق الإنسان والدعاوى القضائية التي ناضلت معاً دون كلل أو ملل من أجل الكشف عن الحقيقة وتحقيق العدالة". 

وأضافت نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية: "ساعدت هذه المنظمات في ضمان توثيق الجرائم، وإعداد ملفات قانونية للمحاكمة، ولولاها لما كانت هذه المحاكمة ممكنة، كما أنّ هذا الانتصار يبعث رسالة واضحة إلى الحكومة السورية، مفادها أنّ المسؤولين عن الانتهاكات المروعة سيتمّ تقديمهم إلى ساحة العدالة"، موضحة أنّ هذا الحكم إنّما يأتي "بعدما يقرب من 10 سنوات من اندلاع الاحتجاجات السلمية الأولى في سوريا، وهي سنوات استعملت خلالها الدولة آليتها الوحشية ضدّ شعبها في مختلف مراكز الاحتجاز والسجون".

الفنان السوري وسيم مقداد أحد المعتقلين السابقين في فرع الأمن الداخلي

والتقت "حفريات" الفنان السوري وعازف العود، وسيم مقداد، أحد السوريين الذين تقدّموا بدعوى قضائية ضدّ المتهم، إياد غريب؛ حيث إنّه "معتقل سابق" في فرع الخطيب، وتعرض داخله مثل غيره للتعذيب الوحشي والانتهاكات الحقوقية، وقال: "تكمن أهمية هذه المحاكمة بأنّها الخطوة الأولى على طريق العدالة في سوريا، وطريق العدالة لن يتحقق قبل مثول بشار الأسد، ومسؤوليه المقربين من العسكريين والمدنيين أمام المحاكم، ومن ثم، محاكمة كلّ المتورطين من الأجهزة الأمنية السورية في قضايا تعذيب".

ويشير عازف العود الدمشقي إلى أنّه جرى اعتقاله مع اثنين من أصدقائه، أثناء وجودهم بأحد شوارع مدينة دوما في ريف دمشق، موضحاً أنّه "من اللحظات الأولى قامت عناصر النظام بتغطية أعيننا وبدؤوا بركلنا وضربنا بأيّ شيء يمسكون به".

ويردف: "استمرت الإهانات وسوء المعاملة في الباصات التي نقلنا بها إلى فرع الخطيب، وفي فرع الأمن الداخلي تعرضنا للتعذيب أثناء التحقيقات، كما تعرضنا لظروف اعتقال غير إنسانية؛ تشمل التواجد في الزنازين المكتظة على آخرها بالمعتقلين، وندرة الطعام، فضلاً عن عدم جودته، وانعدام الرعاية الطبية".

أقبية التعذيب السورية

ويتابع المقداد، الذي كان في طريق عودته من محكمة كوبلنز الإقليمية العليا، غرب ألمانيا، بعد أن حضر جلسة الحكم على المتهمين: "لقد كنا معزولين، بشكل كامل، عن العالم الخارجي في فترة اعتقالنا؛ ليس بمقدورنا الاتصال بمحامي، ولا بعائلاتنا، ولم نكن نعلم ما سيكون مصيرنا".

بيد أنّ المقداد يؤكّد شعوره بـ "الارتياح لصدور الحكم ضدّ الغريب ورسلان؛ لأنّه سيكون حافزاً لناجين آخرين للإدلاء بشهاداتهم في القضايا القادمة والخاصة بالمسؤولين المماثلين عن جرائم تعذيب من النظام الحاكم في دمشق، وكذا بحقّ كلّ من تجاوز في حقّ الشعب السوري".

واللافت من الناحية القانونية؛ أنّ مبدأ "الولاية القضائية الدولية" في ألمانيا، قد ساهم في إجراء هذه المحاكمة "التاريخية" و"غير المبسوقة"، بحسب مقداد، وذلك لطالما عمدت الصين وروسيا على استخدام حقّ النقض لجهة إعاقة أيّ إجراء مماثل في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ضدّ النظام في سوريا.

الفنان السوري مقداد، المعتقل السابق في "فرع الخطيب" لـ"حفريات": العدالة لن تتحقق قبل مثول بشار الأسد، ومسؤوليه المقربين من العسكريين والمدنيين أمام المحاكم

وتشير الشهادة، التي وثّقها مركز توثيق الانتهاكات في سوريا، وقد أدلى بها الناشط ياسر عبد الصمد حسين كرمي، من مدينة عين العرب (كوباني)، في شمال حلب، بينما نشرت في آب (أغسطس) عام 2013، إلى إنّ "الفترة التي قضاها في فرع الخطيب كانت الأقسى مقارنة بمراكز الاحتجاز الأخرى التي تنقل بينها، منذ اعتقاله في 31 كانون الأول (ديسمبر) عام 2012، حيث كانت من بين أقسى جولات التعذيب والضرب التي تعرضت لها، والتي استمرت 12 يوماً متواصلة". 

قصّة الموت والتعذيب

ومن بين وسائل التعذيب التي تعرض لها ياسر، بحسب شهادته الموثقة: "وضع رأس المعتقل على الأرض ثم البدء بركله وضربه على منطقة الأنف والفم إلى أن تدمى تلك المنطقة، بشكل كامل، ثم كان هناك عنصران يتناوبان بالضرب بالأيدي على منطقة الوجه والرأس، وكانوا يطلبون مني الجلوس بوضعية جاثياً حوالي خمس ساعات متواصلة".

ويلفت الناشط في شهادته إلى أنّ الفرع الأمني كان يضمّ "مهجعاً خاصاً للنساء المعتقلات، يحمل الرقم 28، والذي ضمّ حينها ما يقارب 50 إلى 60 معتقلة، كنّ يتعرضن للتعذيب الشديد"، وقد تصادف وجوده بجوار غرفة اعتقاله التي حملت رقم "29". 

وفي شهادة أخرى، أشارت الصحفية السورية، لونا وطفة، التي قضت 13 شهراً في معتقلات جهاز أمن الدولة السورية، من بينها فرع الخطيب، الذي اعتقلت فيه لمدة شهر، بعد القبض عليها إثر ضبط "أدلة توثق لمجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية عام 2013"، في الفترة بين كانون الثاني (يناير) عام 2014 وشباط (فبراير) عام 2015، إلى العديد من أساليب التعذيب في الفرع؛ منها "الدولاب، والأخضر الإبراهيمي"، والأخير عبارة عن "أنبوب صلب يستخدم في مدّ مياه الشرب داخل جدران المنازل، لونه أخضر"، موضحة أنّه أطلق على الأخير هذا الاسم من قبل "عناصر الأجهزة الأمنية من باب السخرية بالمبعوث الدولي السابق إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي".

 ويضاف إلى ذلك، وسيلة تعذيب تسمى "الكوشوك الأسود؛ وتعدّ أداة للضرب مصنوعة من إطار السيارات، تقطع بشكل طولي، ويبلغ عرضها 10 سنتيمترات، بحسب الصحفية السورية، وتردف: "كانت هناك سطول (دلاء) ماء يتم وضع رأس المعتقل في أحدها، حتى يصل مرحلة الاختناق، وهذا كنت أشاهده بعيني، كما كان في الفرع ساحة مسمّاة "ساحة الشبح" مخصصة لتعذيب المعتقلين وتعليقهم من أطرافهم، أو ما يسمى "شبحهم".

اقرأ أيضاً: اجتماع سري بين النظام السوري وإسرائيل في اللاذقية... برعاية من؟ وماذا بحث؟

الصفحة الرئيسية