أحزاب تونسية تكشف بالوثائق تورّط "النّهضة" في الاغتيالات السياسيّة

61596
عدد القراءات

2018-10-07

يبدو أنّ لعنة التنظيم الخاصّ ستلاحق حركة النّهضة الإسلاميّة في تونس، وستكون جزءاً من تاريخها في كلّ المحطّات السياسيّة، فالحركة التي أعلنت منذ عامين أنّها تخلّت عن جانبها الدعوي، لتصبح حزباً مدنيّاً، لا تزال تبحث عن محو صورة الحركة "الإخوانية" التي رافقتها منذ نشأتها، خاصّةً بعد نشر معطياتٍ موثّقةٍ ومرفقةٍ بتسجيلاتٍ تفيد بتكوينها لجهازٍ أمنيٍّ سريٍّ، يتعقّب أصدقاءها، وخصومها، ويقوم بتجميع معطيات أمنيّةٍ لفائدتها.

في هذا الصدد، عرضت هيئة الدفاع في قضية اغتيال السياسييْن التونسييْن؛ شكري بلعيد ومحمد البراهمي، خلال مؤتمرٍ صحفيٍّ بعنوان "التنظيم الخاص لحركة النهضة بعد الثورة وعلاقته بالاغتيالات السياسيّة"، عقدته الثلاثاء الماضي، معطيات خطيرة جداً بالوثائق والأسماء، عن وجود تنظيم أمنيٍّ سرّيٍ خاصٍ لحزب حركة النّهضة الإسلاميّة.

اقرأ أيضاً: وسائل إعلامة فرنسية: الكشف عن منظمة إجرامية تابعة لحركة النهضة

واتّهمت هيئة الدفاع، الحركة بالضلوع بشكلٍ مباشرٍ في اغتيالات سياسيّة شهدتها تونس قبل خمسة أعوام، عبر هذا التنظيم، وبسرقة آلاف الوثائق من وزارة الداخليّة التونسيّة.

لعنة التنظيم الخاصّ ستلاحق حركة النّهضة الإسلاميّة في تونس

وبيّنت الهيئة، التي تجمع كلّ المحامين في قضيتيْ بلعيد والبراهمي، بأنّ الوثائق المسروقة حُجزت في منطقة المروج بمحافظة بن عروس شمالي العاصمة تونس، مشيرةً إلى وجود وثائق مودعة لدى القضاء التونسي، تتضمن تأكيداً لعمليّات تجسّس قامت بها حركة النهضة، من خلال تنظيمها السرّي، الذي يشرف عليه أحد قيادات الحركة، ويدعى مصطفى خذر.

اقرأ أيضاً: السبسي ينهي التوافق مع النهضة... لماذا؟!

وتحفّظت الهيئة على مصدر هذه الوثائق، لكنّها أكّدت أنه تم العثور في كانون الأول (ديسمبر) العام 2013 على مجموعة وثائق في المكان الذي يسكنه المتّهم الرئيسي (مصطفى خذر) آنذاك، وأنّ جزءاً من هذه الوثائق موجود في وزارة الداخليّة.

جهازٌ أمنيٌّ سريٌّ وغرفة سوداء بوزارة الداخليّة

كما أعلنت الهيئة عن وجود غرفةٍ سريّةٍ في وزارة الداخلية تسمّى الغرفة السوداء، يتمّ فيها إخفاء عددٍ كبيرٍ من الوثائق المهمّة المتعلّقة بجهاز التجسّس التّابع للحركة.

وقال عضو لجنة الدفاع المحامي رضا الردّاوي في تصريح لـ "حفريات"، عقب النّدوة الصحفيّة، إنّ "النهضة تمكّنت إثر فوزها في انتخابات 2011 من تعيين مقرّبين منها في أجهزة الدولة، بخاصّة في الجهاز الأمني، وهو ما مكّنها من التدخّل في عديد الملفات الحسّاسة من بينها الاغتيالات"، وفق تعبيره.

الردّاوي: قيادات من الإخوان في مصر قدّموا دورةً تكوينيةً في الاستخبارات لقياداتٍ في الجهاز الأمني السرّي الخاص بالنّهضة

واتّهم الردّاوي، مصطفى خذر بالوقوف وراء كل عمليّات التنظيم، "من بينها إخفاء زعيم تنظيم أنصار الشريعة المحظور سيف الله بن حسين الملقّب بأبي عياض، وأنّ قياداتٍ من تنظيم الإخوان المسلمين في مصر قدّموا لقياداتٍ تابعة للجهاز الأمني السرّي الخاص بحركة النهضة دورةً تكوينيةً في الاستخبارات تحت مسمّى (دورة في الزراعة)".

وحسب تقرير الهيئة، فإنّ أدوار هذا الجهاز السرّي تتمثّل أساساً في "بناء منظومةٍ أمنيّةٍ موازيةٍ واستقطاب القضاة وتتبع العسكريّين، إضافة إلى التعاون مع (الإخوان المسلمين) في مصر، والحصول على معلومات عن المؤسسة العسكرية الجزائريّة وشركة غازها، ومحاولة اختراق سفارة الولايات المتحدة بهدف التجسّس".

جدير بالذكر أنّ المحامي شكري بلعيد (48 عاماً) المعارض الشرس لحزب النهضة، اغتيل بالرصاص في 6 شباط (فبراير) 2013 أمام منزله بحي المنزه شمال العاصمة، ما شكّل صدمة لدى التونسيين، وخلق حينها أزمةً سياسيّةً حادّةً استقال على إثرها رئيس الوزراء حمّادي الجبالي (حركة النهضة) من منصبه.

المعارض الشرس لحزب النهضة، الراحل شكري بلعيد

وتبنّى اغتيالَ بلعيد (يسار) وكذلك اغتيال النائب المعارض محمد البراهمي (قومي عربي) في 25 تموز (يوليو) العام 2013، جهاديّون على صلة بتنظيم "الدولة الإسلاميّة". وأكّدت السلطات التونسية في بداية  العام 2014 أنّها تمكّنت من تصفية القاتل المفترض في القضيّتين كمال القضقاضي.

حركة النّهضة ترفض الاتّهامات وتدين الجبهة الشعبيّة

من جانبها، رفضت حركة النهضة هذه الاتّهامات، وأدانت، في بيان رسميّ أصدرته بعد يومٍ واحدٍ من عقد الندوة الصحفيّة، ما وصفتها بـ "الأساليب المغالطة والتضليل بتوظيف ملف قضائيٍّ تبيّن أنّ أطواره تعود إلى العام 2013 وبتّ القضاء في شأنه ولا صلة للمتهم فيه (مصطفى خذر) بحركة النّهضة".

اقرأ أيضاً: العلاقة بقطر ومغازلة حركة النهضة وراء تفكّك حزب المرزوقي

واستنكرت، في البيان ذاته، "تلفيق التّهم المجانية لمؤسّسات الدولة من قضاءٍ وأمنٍ ورئاسة الجمهوريّة والإساءة للعلاقات الخارجيّة للبلاد بدولٍ شقيقةٍ وصديقةٍ"، ونفت وجود أيّ نشاطٍ للحركة خارج إطار القانون المنظم للأحزاب.

وأكّدت النّهضة أنّ قضيّة الشهيديْن شكري بلعيد ومحمد البراهمي تحت أنظار القضاء، وأنّها تأسف لأن يكون "البرنامج الوحيد للجبهة الشعبية هو الاستثمار في دماء الشهيدين للتغطية على فشلها المتواصل في المحطّات الانتخابيّة السابقة وعجزها عن تقديم برامج جديّة للشعب التونسي"، حسب نصّ بيانها.

اقرأ أيضاً: ولاء قادة "النهضة" لتونس أم تركيا؟

وشدّد الناطق الرسمي باسم حركة النهضة، عماد الخميري، في تصريحه لـ"حفريات"، على أنّ حركته "ستستخدم كلّ الوسائل القانونيّة للردّ على هذه الادّعاءات"، معتبراً إيّاها "محاولاتٍ يائسة للجبهة الشعبيّة بتوظيف ملف الاغتيالات السياسيّة في صراعاتها الحزبيّة".

وأكد الخميري أنّ حركة النّهضة "حزب سياسي مسؤولٌ، وملتزم بقانون الأحزاب الذي ساهمت في كتابته"، داعياً الجبهة الشعبيّة إلى "ضرورة الالتزام بمؤسّسات الدولة في مقدّمتها المؤسّسة القضائيّة".

النائب المعارض، الراحل محمد البراهمي

دعوات لحلّ حزب حركة النّهضة

ودعت النائبة عن حركة "نداء تونس" فاطمة المسدّي، السلطة التنفيذيّة الممثّلة في الحكومة إلى التفاعل بجديّةٍ مع المعطيات الخطيرة على أمن الدولة التي تمّ عرضها في الندوة الصحفيّة.

وأضافت أنّ الحكومة مطالبة بتجميد نشاط حزب حركة النهضة فوراً، وتكوين لجنةٍ مفتوحةٍ من قضاةٍ وخبراءٍ أمنيين ومجتمعٍ مدنيٍ لدرس كل الوثائق علناً، وإحالتها على القضاء، قبل أن تحلّ الحركة في حالة ثبوت الإدانة.

الخميري: حركة النّهضة ستستخدم كلّ الوسائل القانونيّة للردّ على الاتّهامات الموجهة إليها وهي محاولاتٍ يائسة للجبهة الشعبيّة

من جهته، اعتبر القيادي في الجبهة الشعبيّة منجي الرحوي أنّ المعطيات التي كشفتها لجنة الدّفاع، في ملف الاغتيالات، قادرة على "حلّ حركة النهضة" في حال تطبيق القانون عليها، معتبراً أنّ تونس باتت مصابة بـ "سرطان النهضة" بتواطؤء من رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي" وفق قوله.

هذه الدعوات لحلّ الحركة أيّدها الأمين لحركة الشعب، المعارضة، زهيّر المغزاوي، في حال تأكّدت صحّة المعطيات الخطيرة التي كشفت عنها هيئة الدفاع عن الشهيديْن.

ولفت المغزاي في تصريحه لـ "حفريات"، إلى أنّ قضايا الاغتيال التي شهدتها تونس، هي "قضايا وطنٍ وليست قضايا حزبٍ سياسيٍّ معيّنٍ، وعلى كلّ الأطراف أن تتحمّل مسؤوليّتها في كشف الحقائق المتعلّقة بمن يقف وراءها".

اقرأ أيضاً: النهضة: مضمر الدين ومعلن السياسة

في المقابل، أكّد القيادي بحزب مشروع تونس، المعارض، أيمن البجاوي أنّ القضاء هو الطرف الوحيد المخوّل له اتّخاذ القرار بشأن حلّ حزب حركة النّهضة من عدمه، كما أنّه الطرف الوحيد المسؤول عن النّظر في مثل هذه الملفات، والمعطيات.

أربعة اغتيالات سياسيّة في تاريخ تونس

وشهدت تونس مجموعةً من الاغتيالات في تاريخها السياسي، ماتزال تفاصيلها غامضةً إلى اليوم، بدأت باغتيال مؤسّس الاتحاد العام التونسي للشغل فرحات حشّاد في 5 كانون الأول (ديسمبر) العام 1952، وتمّ اتّهام المنظمة السريّة الفرنسية "اليد الحمراء" بالوقوف وراء مقتله، وماتزال عائلته تطالب بالكشف عن حقيقة مقتله، تلاه اغتيال القيادي في الحركة الوطنيّة صالح بن يوسف، في 11 آب (أغسطس) العام 1961، في ظروف غامضة لم يتم الكشف عن ملابساتها إلى حدّ الآن.

اقرأ أيضاً: حركة النهضة التونسية وجماعة الإخوان: هل تختلفان؟

واُغتيل مؤسّس الجبهة الشعبيّة اليساريّة شكري بلعيد في 6 شباط (فبراير) العام 2013 أمام منزله في محافظة أريانة، ليتمّ في 25 تموز (يوليو) من العام نفسه اغتيال النائب المؤسّس محمد البراهمي، أمام منزله في محافظة أريانة، ولا تزال الجبهة الشعبية تطالب إلى اليوم بكشف المتورطين في هذه الاغتيالات.

اقرأ المزيد...

الوسوم: