أحمد خان ومدرسة الإسلام التعدّدي الهندي

أحمد خان ومدرسة الإسلام التعدّدي الهندي

مشاهدة

07/11/2019

ظهرت الإرهاصاتُ الأولى لعلمِ الكلام الجديد في الهند في العصر الحديث في القرن التاسع عشر، مع سيد أحمد خان (1817 – 1898) الذي رأى ضرورةَ إعادة بناء نظام التربية والتعليم للمسلمين في الهند في إطار يتسع لاستيعاب العلوم والمعارف الحديثة، وقد تنبّه لذلك بعد أن اكتشف النظامَ التعليمي الجديد في جامعتي "أكسفورد" و"كمبردج" في بريطانيا، فأسسّ "دارَ العلوم الشرقية الكبرى" سنة 1872 في مدينة "عليكره"، وفي سنتها الأولى لم ينخرط فيها إلا عدد قليل من التلامذة، ثم تحولت إلى "الكلية الشرقية الأنجلو إسلامية" سنة 1875 فأقبل على الدراسة فيها كثيرون، وخصّصها لتعليم المسلمين العلوم والمعارف الحديثة، واستعان بأساتذة أوروبيين لأداء هذه المهمة، ثم تطوّرت هذه الكليةُ لاحقاً إلى جامعة عليكرة سنة 1920.

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن العلاقات العربية الهندية تاريخياً؟
تنبّه أحمد خان إلى أنّ عملية البناء تبدأ بالتربية والتعليم، الذي يراه المنبع الحقيقي لتكوين ثروة الأمم في مختلف مجالات الحياة وتراكمها باستمرار، وهذا ما دعاه لتكثيف جهوده في هذا المجال، فهو يقول: "انظروا إلى إنجلتـرا، لقد كانت ثروتها تتماشى يوماً فيوماً مع تربيتها، فكلما زادت تربيتها زادت ثروتها، وقد كانت منذ قرون وأمامها من العقبات والصعاب التي تعوق التربية أكثر مما عندنا" كما يذكر أحمد أمين، في كتابه "زعماء الإصلاح في العصر الحديث"، بيروت، دارالكتاب العربي، ص 126. 

على الرغم من المعارضة الصارمة لأحمد خان لكن بصمة فهمه للوحي ظهرت في أعمال أكثر من مفكر مسلم

عارض دعوة أحمد خان كثيرٌ من مسلمي الهند، وواجهوه "بالسخرية والاستخفاف، وكثر في شأنه اللغط والإرجاف. لكنّ الرجلَ لم يُثن عزيمته على الإصلاح، الإرجافُ، وما قوبل به من الاستخفاف. فانتشر رأيه رويداً رويداً، كما هو الشأن في كل موضوع مفيد، وكان هو المبدأ لهذه النهضة الحاضرة في الهند، والمفيض لروح التربية والتعليم على جثمان تلك الممالك": (مجلة المنار، س 1: ع 20 "أغسطس 1898").
كان أحمد خان عالماً مسلماً يمتلك وعياً وبصيرةً بعصره يفتقر إليه أكثرُ معاصريه، فطالما كان أحمد خان يستفزُّ مشاعرَ المسلم بمواقف وآراء شديدة الإثارة، فمثلاً كان موقفُه على الضدِّ من المقاومة المسلحة للاستعمار، ولم يراهن عليها في نهوض مجتمع متخلف؛ لأنه يرى أنّ بناءَ الوعي، وتهذيبَ الأخلاق، وترسيخَ قيم التسامح والعيش المشترك، تسبق الاستقلالَ السياسي، ولم يتردّد في القول: "إنّ المستقبل يكمن في تلاقح العبقرية الإسلامية في الهند، مع الحالة الحضارية المتقدمة للإنجليز" حسبما يذكر رشيد بن زين، في كتابه "المفكرون الجدد في الإسلام" الذي نقله عن الفرنسية: حسان عباس، ص 47.

اقرأ أيضاً: إسلام تعدّدي وإسلام أُحادي: مدرستا الإسلام الهندي
كان خان يرى أنّ نهضةَ مسلمي الهند ينجزها إيقاظُ عقل المسلم الهندي وتهذيبُ أخلاقه، وهو ما فشل التعليمُ التقليدي في تحقيقه. وهذا ما دعاه لأن يكثّف جهودَه في التربية والتعليم الحديثين، ويحرص على إعادة بناء التفكير الديني في الإسلام، الذي ظلَّ رهانَه الأعظمَ حتى آخر حياته.
لم يفتقر أحمد خان للتكوين والإمكانات اللازمة للقيام بهذه المهمة، فقد تعلّم تعليماً دينياً جاداً على أيدي الشيوخ في الهند، واكتسب خبرةً واسعةً في العلوم والمعارف الحديثة، وكان شجاعاً في الإعلان عن مواقفه الصادمة، التي تمايزت عن مواقف كلِّ معاصريه من المفكرين ورجال الدين المسلمين في الهند، فهو أولُ مفكرٍ مسلم في العصر الحديث يتبنّى تفسيراً مختلفاً للوحي يخرج فيه على المفهوم المتوارَث للمتكلمين.

اقرأ أيضاً: باكستان والهند.. هل هناك بريق أمل للسلام؟
يرى أحمد خان النبوةَ ملكةً طبيعيةً يتطلّب تحقُّقها بيئةً ومناخاً خاصاً، إذ يقول: "إن النبوةَ ملكةٌ طبيعية خاصة، كسائر القوى البشرية التي تتفتق عند توفر ظروفها ومناخاتها وبيئتها، مثلما هي ثمار الأشجار... الوحي ليس شيئاً ينزل على النبي من الخارج، بل هو عبارة عن نشاط العقل الإلهي في النفس والعقل القدسي البشري". ويرى أنّ الوحي كان بالمعنى وليس باللفظ؛ أي إنّ مضمونَ الوحي إلهي، أما اللفظُ فبشري، بمعنى أنّ النبيَّ محمد صلى الله عليه وسلم هو من صاغ مضمونَ الوحي الإلهي بألفاظ عربية هي القرآن الكريم، إذ يقول: "التنزيل وحي إلهي، ولكن ليس باللفظ بل بالمعنى، نزّله الله على قلب نبيّه محمد"، وهو ما بيّنه بهاء الدين خرمشاهي، في "تفسير وتفاسير جديدة"، ص60.
أفاد أحمد خان من أسلافه، وأظن أنّه بنى تفسيره للوحي على ما ألمح إليه الشيخُ ولي الله الدهلوي، مثلما أفاد من تفسير أحمد خان من جاء بعده، فقد نسب الشيخُ مصطفى عبدالرازق إلى الشيخ محمد عبده رأياً في تفسير الوحي يرى أنّ "الوحي عرفان يجده من نفسه، مع اليقين بأنّه من قبل الله، بواسطة أو بغير واسطة، والأول بصوت يتمثل لسمعه، أو بغير صوت، ويفرق بينه وبين الإلهام، بأنّ الإلهام وجدان تستيقنه النفس وتنساق إلى ما يطلب على شعور منها"، وهو ما أكده مصطفى عبدالرازق، في كتابه "الدين الوحي الإسلام"، ص 76.

اقرأ أيضاً: ما مصير 1.9 مليون مسلم بعد تجريدهم من جنسيتهم الهندية؟
ولعل في هذا التفسير ما يلتقي مع توصيف أحمد خان السابق للوحي بأنه "نشاط العقل الإلهي في النفس والعقل القدسي البشري". وإن كنا لم نعثر على أصداء لرأي محمد عبده هذا ينعكس على آثاره.
كذلك كان أحمد خان يرفض التمسّكَ بالإجماع بوصفه دليلاً في الشريعة. ويشدد على مرجعية العقل. وعلى الرغم من حماسته للإسلام، لكنه كان يرفض القولَ، الذي صار شعاراً للمصلحين في عصره، والذي يتمثّل في ضرورة العودة لاحياء معارف التراث وعلومه؛ إذ لا سبيل لنهوض الأمة اليوم إلا بما كان سبباً لنهوضها أمس، وإحياء معارف التراث وعلومه يكفل الاستجابة لمتطلبات المسلم اليوم، ويتضمن الحلول لمشاكل العصر.
لم يقلّد أحمد خان آراءَ متكلمي الإسلام، لذلك قدّم اجتهاداً مختلفاً لعقائد ومقولات كلامية أساسية. وذهب إلى تاريخية أكثر أحكام الشريعة، بوصفها أحكاماً مرحلية تعبر عن عصر البعثة. وكانت له رؤيتُه الخاصةُ في تفسير القرآن الكريم، فأعاد النظرَ في فهم آيات الأحكام، وأثارت آراؤه الكثير من ردود الأفعال الحادة، خاصة رأيه في حكم الجهاد في القرآن الكريم، الذي يقول بمرحليته وتعبيره عن حاجة الدعوة عصر البعثة.
ألّف أحمد خان كتباً عديدة، من أشهرها "تفسير القرآن وهو الهدى والفرقان" الذي يقع في مجلدين، والذي اتخذ فيه الواقع أساساً في التفسير، وعمل على تأويل آياتِ القرآن في ضوءِ المعارف الحديثة. واقترح في كتابه "تبيان الكلام" نظريةً لإرساء أسس التفاهم بين الأديان اصطلح عليها بـ"إنسانية الأديان".

اقرأ أيضاً: وليُّ الله الدهلوي والإسلام التعددي الهندي
ولم ينشغل بالدعوة لاتحاد المسلمين تحت راية خلافة جامعة، بل كتب رسائلَ يذمُّ فيها الخلافةَ العثمانية ويرفضها، في الوقت الذي كان شبلي النعماني وسيد أمير علي في الهند يدافعان عن اتحاد المسلمين وهذه الخلافة.
شبلي النعماني لم يكن منسجماً مع أكثر آراء أحمد خان الجديدة، لذلك رفض التدريسَ في عليكره ابتداءً عندما دعاه أحمد خان، إلا أنّه استجاب لاحقاً بعد إصرار الأخير عليه، فأسند إليه كرسيَّ اللغة العربية والفارسية.
ويصف شبلي النعماني علاقته بأحمد خان بقوله: "طالما كان النـزاع بيـني وبين السيد أحمد شديداً في آرائه الدينية، وطالما فنّدت آراءه، ومع هذا لا أنكر فضل أسلوبه العالي الذي استخدمه في شرحه أفكاره، فكان أسلوباً رائعاً منقطع النظير، مملوءاً بالفكاهة الحلوة، والتندر الظريف"، كما يذكر أحمد أمين في كتابه سابق الذكر، ص 136.

اقرأ أيضاً: الهند تُجرِّم رسمياً تطليق المرأة المسلمة نهائياً بيمين "طلاق ثلاثي"
لم يشأ أحمد خان اللقاءَ بجمال الدين الأفغاني حين أقام مدةً في الهند، للاختلاف الواسع بين رؤيتيهما للإصلاح الديني. لذلك ألّف الأفغاني رسالةَ "الرد على الدهريين" في نقد أفكار أحمد خان، (والرد على الدهريين رسالة بالفارسية كتبها جمال الدين الأفغاني، وترجمها للعربية: محمد عبده بمساعدة أبي تراب الأفغاني، صدرت طبعتها الثالثة في القاهرة سنة 1320هـ. ولا تكشف هذه الرسالة عن رؤية فلسفية أو كلامية عميقة).   
لقد أشاعتْ آراءُ أحمد خان واجتهاداتُه في إعادة فهم المقولات الكلامية عاصفةً من الجدل والمناظرات، أيقظتْ التفكيرَ الكلامي الساكن، وأقحمتْ العقلَ المسلمَ في شبه القارة الهندية في فضاءٍ يموج بأسئلة وجدالات مختلفة، لم يألفها هذا العقلُ الذي كان يتلقى اجتهاداتِ مؤسسي الفرق وعلماء الكلام بوصفها اجتهادات أبدية.

خان أولُ متكلّم مسلم في العصر الحديث لم يخرج على علم الكلام القديم برأيه في الوحي بل في العقيدة أيضاً

أحمد خان أولُ متكلّم مسلم في العصر الحديث، لم يخرج على علم الكلام القديم برأيه في الوحي فحسب، بل خرج  بآراء عديدة في العقيدة، وأبواب متنوعة في الشريعة، واتخذ موقفاً صارماً حيال الحديث، رفض فيه توثيقَ أية سلسلة لروايته. ومع إيمانه بختم النبي محمد صلى الله علية وسلم للنبوة، لكن نسبَ إليه بعضُهم القولَ باستمرار النبوة، ولعله كان يرى استمرارَ الوحي بنحو يمكن فيه لمن لديه استعدادٌ وارتياضٌ روحي أن يعيش تجربةَ الوحي الخاصة؛ لأن "الوحي ليس شيئاً ينزل على النبي من الخارج" كما يقول، لكن استمرارَ الوحي لا يعني استمرارَ وحي الرسالة والتبليغ. وفي موقفٍ لافت قال بأصالة العهد القديم، كما ذكر رشيد بن زين، في كتابه السابق الذكر، ص 48.
أحمد خان مفكرٌ شجاع، صريحٌ في الإعلان عن آرائه ومواقفه الشديدة الإثارة، الخارجة على التفكير الديني التقليدي، يمتلك شخصية فاعلة ومؤثرة، تفرض احترامها حتى على من يختلف معه، يصف أحمد أمين شجاعته وصراحته بقوله: "شجاعته التي لا تُحدُّ في تنفيذ خطته، وصراحته البالغة في الجهر برأيه، وعدم اعتداده بنقد الناقدين على اختلاف ألوانهم، وإصراره على ألا يسمع إلا لصوت ضميره، ينقد الإنجليز في ترفّعهم، والمواطنين في تخلّفهم، ورجال الدين في جمودهم، ورجال السياسة في تخيلهم على حد سواء" كما يلفت إلى ذلك أحمد أمين، في كتابه السابق الذكر ص 137، لذلك انبرى للردّ عليه أكبرُ حسين الإله آبادي، وجمالُ الدين الأفغاني، وشبلي النعماني، وغيرُهم. كلٌّ منهم يناقشه من موقع، فمنهم من رأى في فهمه للوحي تجديفاً، ومنهم من وجد رأيه باستمرار النبوة مروقاً مهّدَ لادّعاء بعض المدّعين للنبوة، ومنهم من وصف رفضه المقاومة المسلحة للاستعمار بالعمالة للإنجليز، ومنهم من فسّر عدمَ حماسه لاتحاد المسلمين تحت راية خلافة جامعة خيانةً.
وعلى الرغم من كل تلك المعارضة الصارمة لأحمد خان، لكن بصمة فهمه للوحي وغيره من آرائه المثيرة ظهرت في أعمال أكثر من مفكر مسلم فيما بعد في الهند وباكستان وإيران والبلاد العربية.
وبلغ التأثير الذي أحدثه أحمد خان في حياة مسلمي الهند أن وصف قبره أحد الشخصيات الذين اشتركوا في دفنه بقوله: "هذا قبر أمتنا": (مجلة المنار، س 1: ع 20 "أغسطس 1898").

الصفحة الرئيسية