أردوغان.. السياسي المتلبس بالمهدوية

أردوغان.. السياسي المتلبس بالمهدوية

مشاهدة

26/04/2021

بائع الحلوى في اسطنبول، ابن أسرة "ريزة" المتدين لأسرة متدينة، يصبح في العام 2014 رئيساً للجمهورية التركية، فترة قياسية للوصول إلى الحكم، منذ أن عاد للمعترك السياسي في العام 2001، بعد فترة انقطاع إجبارية، مؤسساً حزب العدالة والتنمية في العام نفسه، رجل لا يميل أبداً لإضاعة الوقت، كما لو أنّ كل شيء جاهز، إلا أن يصبح رئيساً للوزراء، لأسباب قانونية، وحتى هنا لم يحاول أن يضيع الفرصة، فاستعار "عبدالله غول" ليتولى المنصب بديلاً عنه حتى ينجح في إحداث تعديل قانونية من خلال فوز حزبه تشريعياً، وهذا ما حدث بالفعل، أقل من سنتين فقط، أصبح رئيساً للحكومة في العام 2003.

الإسلاميون يعتبرون أنفسهم وحدهم الذين يحملون مسؤولية الشعب والدفاع عنه فاخترع أردوغان شعار "رئيس الشعب"

بعد أقل من عشر سنوات أيضاً، انتقل أردوغان إلى السلطة، كرئيس للجمهورية في العام 2014، بعد أن خاض معارك سياسية كثيرة بصيغة دينية واضحة، فالإسلاميون يعتبرون أنفسهم وحدهم الذين يحملون مسؤولية الشعب والدفاع عنه، فاخترع أردوغان شعار "رئيس الشعب"، ولأن تركيا علمانية بالتاريخ والممارسة، ولأن الإسلاميين هم الخصم التقليدي التاريخي للعلمانية، اخترع أيضاً أردوغان شعار "تركيا الجديدة"، ولأن الإسلاميين يعتبرون أنفسهم حماة الفضيلة ومناصري العدالة والداعين إلى التنمية، تنقل أردوغان من حزب السلامة الوطنية إلى حزب الرفاه إلى حزب الفضيلة، وأخيراً إلى حزب العدالة والتنمية.

كان لا بد من هذه المقدمة التاريخية التي تسرد أرقام السنوات ودلالات المحطات ومعاني الشعارات والمحتويات الحزبية لمسيرة الرئيس الحافلة بالجدل والقبول والرفض والمعارضة، مسيرة لا أحد ينكر أنه قدم لتركيا اقتصاداً نامياً، وقوياً بالرغم من التراجع والتذبذب الذي يعانيه، وأيضاً لا أحد ينكر أنه قدّم تركيا في أتون أزمات وصراعات وحروب وثورات، كقربانٍ لمجد غير حقيقي، لم تبرز تركيا كقوة عالمية، ولا كقوة إقليمية، تركيا ليست قوة إقليمية لسبب بسيط وهو أنها كانت دائماً تظهر في أزمات الإقليم وحروبه وصراعاته كقوة تابعة للقوى العالمية، روسيا مرة وأمريكا مرة، تماماً كما هي الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كلتا الجمهوريتين ذات سياق ديني، بتبعية سياسية وعسكرية لقوى محورية عالمية في الإقليم.

دار حوار أشبه بالجدال، بالمعنى الإيجابي للجدل، بيني وبين صديق إسلامي، حول شخصية أردوغان، الرئيس الذي يحاول أن يمسك بالعصا من المنتصف، على طرفها الأولى السياسي، وعلى الآخر الديني، وبين السياسي الذي يغذّيه الإحساس العالي بالزعاماتية والسلطوية والسلطانية، وبين الديني الأقرب إلى الشخصية المهدوية، إن جاز التعبير، نسبة إلى المهدي المنتظر، بين الجهتين أو الشخصيتين مسافة حرجة وقابلة للانفجار، يرى صديقي كما يرى أغلب الإسلاميين أنّ أردوغان حامي السنة والجماعة، وأنّه الوحيد الذي يشكل الثقل الموازي لآية الله خامنئي، حامي الشيعة، والزعيم الأوحد الذي يتحمل تكاليف الصمود في وجه آية الشيطان أميركا وحلفائها.

يشاغب أردوغان إسرائيل ويحرج زعماءها منافحاً ومكافحاً دينياً ويقترب منها ويقيم معها علاقات متقدمة زعيماً سياسياً

بات أردوغان بحسب صديقي الإسلامي، الخيار الوحيد أمام العرب للصمود أمام إرادات العالم بمحوهم والتخلص منهم وتحطيمهم وزعزعة كياناتهم القطرية. يناوئ العالم كله من أجل العرب والإسلام، ولكنه لم يحاول توضيح ما يجعله متأكداً مما يقول، بحق الرجل الذي أراد أن يكون سياسياً فحمّلوه فوق طاقته، أراد أن يجلس على كرسي الحكم والسلطة والسياسة فاختطفوه إلى كرسي الخلافة، هذا إذا سلّمنا جدلاً بعدم رغبة أردوغان بأن يزجّ به عشوائياً في هذا المعترك. لكني أجدني مقتنعاً بأنّ أردوغان يستهويه هذا الأمر، فيعمد إلى توظيفها سياسياً، وأعتقد انه نجح في ذلك.

أقل هذه النجاحات أنه يفعل سياسياً ما يمكن اعتباره محظوراً دينياً ويجد من يؤول له ذلك تأويلاً مُرْضياً، وتأويلاً مَرَضياً، على سبيل المثال، لا للحصر، التقارب التركي المصري الجديد، ألقى بظلال قاتمة على الإسلاميين خاصة المتواجدين على الأراضي التركية، وسيجد حتماً من يبرر له ذلك. بحجة أنّ السلطان والخليفة يجتهد سياسياً، فلا بأس إن دفع البعض ثمناً دينياً لذلك الاجتهاد، وحين يجتهد دينياً، لا بأس بأن يدفع البعض ثمناً سياسياً لذلك. المهم أنّ الرجل يفعل كل ما يمكن تبريره.

يشاغب أردوغان إسرائيل، ويحرج زعماءها، منافحاً ومكافحاً دينياً، ويقترب منها ويقيم معها علاقات متقدمة، زعيماً سياسياً، يرفض شرعية الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي دينياً، ويسعى لترميم علاقات طيبة معه سياسياً، وقس على ذلك جملة من الخصومات الإقليمية لتركيا يحاول أردوغان، تقليلها وإصلاح بعضها، على حساب أي شيء آخر ما عدا حماية سياسته وسلطته.

التنازع بين السياسي والديني داخل شخصية أردوغان واضح وصريح بسياسة لصالح المحتوى الديني لديه لكنها تصنع الخصوم

التنازع بين السياسي والديني داخل شخصية أردوغان واضح وصريح، سياسة لصالح المحتوى الديني لديه، لكنها تصنع الخصوم والخصومات والاستعداء الدولي، مقابل ممارسات أخرى لصالح المحتوى السياسي داخل شخصيته سيبقى يخشى أن تزعزع مكانته في عقل ووجدان إسلاميي العالم الذين هم اليوم في حالة حرجة، وقد رأوا فيه ملاذاً أخيراً، بعد ملاذاتهم الحرجة والمصابة بالقلق والخوف في وأوروبا.

ربما اقتنع أردوغان بأنّ عليه أن يقدم تنازلات على المستوى السياسي والديني، على حد سواء لكي يحتفل بعد عامين من الآن وهو على رأس السلطة بمئوية الدولة التركية، لكنه من جهة أخرى يتوعد العالم بدولة تركية جديدة بعد 2023، شيء يخلق الالتباس حقاً، وفي هذا حديث آخر.

الصفحة الرئيسية