أردوغان لا يفكر في التخلي عن السلطة قبل 2023

1494
عدد القراءات

2019-05-14

أقترح أن نمعن في التفكير قليلاً عندما ننظر إلى موضوع إلغاء الانتخابات المحلية في إسطنبول؛ فأمامنا اليوم شخص لا يمكن أن يخطر بباله، بأي حالٍ من الأحوال، أنه سيتخلى عن السلطة، وسيترك الحكم قبل عام 2023؛ شخص لديه رغبة جامحة لإثبات أنه أعظم من مؤسِّس الجمهورية التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك. يعتقد أردوغان أنه لزاماً عليه البقاء في السلطة حتى عام 2023 مهما كانت الظروف؛ حتى إذا انسحب بحلول هذا العام من الحياة السياسية يكون قد ترك إرثًا عظيماً يثبت به أنه أعظم من مصطفى كمال.

وكانت رغبته في التوسع في سوريا هي الركن الأكبر من خطته نحو إحياء حدود الميثاق الوطني الصادر عام 1919، التي أدرجها على جدول أعماله خلال السنوات الأخيرة.

وهو لا يتردد، من أجل إدراك هذا الهدف، في المغامرة بنفسه، بل وبالدولة كلها. ويسانده في هذا حلفاؤه داخل هذا البلد. 

يعلم أردوغان جيدًا أنه لن يحقق الفوز بالطرق العادية في جولة الإعادة في الانتخابات.

يعلم أنه لن يتمكن من الفوز في الانتخابات بالطرق التقليدية، ويعلم كذلك أنه لم يعد أمامه سبيل آخر غير اللجوء إلى التحايل والقمع والترهيب، أو بمعنى آخر اللجوء إلى الطرق غير المشروعة.

ولكن الأهم من ذلك أيضاً، يعلم أنه قد يفشل في تحقيق الفوز عن طريق "الخداع"، ويعلم كذلك أن هناك احتمالاً قوياً ألا تُتاح له الفرصة كي يفعل هذا الأمر. 

ولعل خسارته في انتخابات 31 مارس هي أكبر مؤشر على ذلك، وإن كان الذين يقولون "طيب أردوغان يفوز دائماً في كل شيء يفعله" لا يزالون عاجزين عن إدراك هذه الحقيقة.

يعجز هؤلاء عن رؤية حقيقة أن هناك احتمالاً قوياً لأن يتعرض، الذي خسر في جولة الانتخابات الأولى في 31 مارس، للهزيمة مرة أخرى في الجولة الثانية.

يدرك أردوغان هذه الحقيقة جيدًا؛ لذلك ينبغي أن نبتعد بتفكيرنا عن خياري "هل سيفوز في جولة الإعادة أم لا؟". 

لا شك أن أكثر ما يجعل أردوغان يشعر بعظم هزيمته في هذه الانتخابات أنه لم يعد أمامه خياراً آخر للفوز في هذه الانتخابات سوى الدخول في نضال مرير لتحقيق الفوز.

لكن الحقيقة أن الموضوع يتجاوز بكثير معضلة "هل سيفوز أم لا؟".

في رأيي الشخصي، إن خيار عدم إتاحة الفرصة لإجراء الانتخابات من الأساس أصبح من الخيارات المطروحة بقوة على الطاولة في الوقت الراهن.  

ومن الخيارات التي لا يمكن تجاهلها كذلك أنه قد يضطر- نظرًا لأنه لن يقدر على عقد صفقة مع الأكراد - إلى وقف الحرب في سوريا، وإلى ترك هذا الأمر لمن بعده، أو إلى التخلي عن الأراضي المحتلة هناك، أو لكليهما معاً. ربما يلجأ في هذا إلى ورقة عبد الله أوجلان.

أعتقد أن الأكراد في سوريا يدركون جيداً أن أردوغان ليس مستعداً للعيش معهم في سلام، وأنه يريد فقط الانتشار وتوسيع حدوده.  وتاريخنا شاهد على هذا.

يزخر التاريخ بأمثلة لا حصر لها على الذين كانوا يبعثون برسالة "تعالوا وتصالحوا معنا!" إلى الذين يحاربونهم، ويسعون لإبادتهم قبل أن يقدموا على تدميرهم بالفعل. تاريخنا حافل بنماذج كثيرة من متلازمة (الإصلاح/المصالحة) و(الحرب/المجازر). وخلال فترات التاريخ الطويلة لم يفز أبداً خيار (الإصلاح/المصالحة)؛ لأن السلطة الحاكمة لم يكن لديها الخلفية الثقافية التي ترجح هذا الاختيار.

نعود لنقول إن أردوغان يريد من هذا كله أن يترك إرثًا في عام 2023 أكبر مما تركه مصطفى كمال أتاتورك. وفي رأيي الشخصي، إنه لن يتردد، لتحقيق هذا، في اللجوء إلى كل الخيارات الصعبة، بما فيها خيار توسيع الحرب مع الأكراد أو حتى المصالحة معهم.

لا شك أن أهداف أردوغان وطموحاته تتخطى بكثير التخطيط للاحتفاظ بإسطنبول؛ لأن إسطنبول، في قناعته، ليست سوى عنصر وسيط مهم داخل المدينة الفاضلة الكبيرة التي يحلم بتشييدها. أما طموحه للاحتفاظ بالسلطة، وأن يصبح أعظم من أتاتورك فهو هدفه الأول في الحياة الذي يسعى لتحقيقه بكل ما أوتي من قوة.

وعلى الرغم من هذا فأعتقد أن أردوغان وصل في الوقت الراهن إلى مرحلة أصبحت معها كل خطوة يخطوها تُسرع به نحو النهاية؛ لأن قرار إلغاء الانتخابات كان له وقع أكثر قسوة من أي انقلاب عسكري شهدته البلاد، بل إنه أعاد الدولة والمجتمع التركي إلى أجواء عام 1876. 

لن تسمح هذه الأمة، بغض النظر عن موضوع انتخابات إسطنبول، بأن يبقى أي نظام جاء بالانتخابات ويرفض الرحيل بالانتخابات أيضاً بالبقاء في سدة الحكم إلى الأبد.

لن تسمح الأمة التركية بوجود فرعون يُورِث السلطة لابنه أو ابن أخيه أو صهره.

لا تنسوا أن الذين قاموا بالانقلابات العسكرية كذلك كانوا دائماً ما يكررون عبارة "سنترك الحكم في أقرب وقت ممكن".

يلعب أردوغان اللعبة من منظوره وعالمه الخاص فقط. وهو لا يرى في عالمه الخاص هذا نهايةً للفترة التي سيظل بها على قيد الحياة.

نحن إذن أمام شخص ضيق الأفق، ضحل التفكير إلى أبعد الحدود.

نحن هنا بصدد الحديث عن شخص ينظر إلى الحياة من منظور ضحل، لا يتجاوز حياته وعالمه الخاص الذي يفرضه على هذا المجتمع.

هناك أيضًا قاعدة مهمة للغاية ألا وهي أنه قد يمكنك سرقة كل شيء، كما قد يمكنك حرق كل شيء وتدميره، ولكنك لن تستطيع أن تسرق "الأمل" من  قلوب الناس.

قد لا يأتي الأمل بعد الدمار الكبير، هذا صحيح، ولكنكم ستظلون تشعرون بإعجاب شديد وتُجلُّون كل من يتمسكون بالحياة والأمل أثناء المذابح الجماعية التي يتعرضون لها وبعدها.

قد يراودكم الآن السؤال، أمام صورة كتلك، عن أي خيار يتعيّن علينا اختياره؛ هل نختار أن نصير متفائلين أم متشائمين ؟!

من الطبيعي أن يكون أولئك الذين يدافعون عن قيم الأمل والإنسانية في الحياة هم الذين سيدعون إلى التفاؤل، أما الداعون إلى الخراب والدمار فسيكونون في معسكر المتشائمين القانطين من أي أمل في الحياة.

ومع ذلك، فهناك خيار ثالث غير أن نكون متفائلين أو متشائمين.

هناك سؤال يتعين عليك الإجابة عنه بغض النظر إن كنت متفائلاً أو متشائمًا: ما الذي تقترح فعله إزاء الموقف الذي تختاره، بماذا تفكر أن تفعل؟ 

هناك أمر آخر لا يمكن لأحد أن يتخلى عنه سواء أكان متفائلاً أم متشائماً. هذا الأمر هو "الفطرة الكامنة بداخل الشخص بوصفه إنساناً"؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يتنازل عن إنسانيته بأي حالٍ من الأحوال؛  إذ إن تنازله عنها يعني أنه صار في عداد الموتى. 

نحن نعيش في عالم يقتضي منا أن نكون متشائمين في كل أمر نُقبل على فعله. وإذا تخلينا عن فطرتنا البشرية في اختيار ما نريد فعله، فسيعني هذا الموت.

عن "أحوال" التركية

اقرأ المزيد...

الوسوم: