أزمة البحث العلمي: لماذا تقدم العالَم وتخلف العرب؟

البحث العلمي

أزمة البحث العلمي: لماذا تقدم العالَم وتخلف العرب؟

مشاهدة

26/10/2019

تنصّ المادة 23 من الدستور المصري على أنّ الدولة تكفل حرية البحث العلمي، وتشجيع مؤسساته، باعتباره وسيلة لتحقيق السيادة الوطنية، وبناء اقتصاد المعرفة، وترعى الباحثين والمخترعين، وتخصّص له نسبة من الإنفاق الحكومي، لا تقل عن ١% من الناتج القومي الإجمالي، تتصاعد تدريجياً حتى تتفق مع المعدلات العالمية، كما تكفل الدولة سبل المساهمة الفعالة للقطاعين؛ الخاص والأهلي، وإسهام المصريين في الخارج في نهضة البحث العلمي.

مصر تملك حوالي 60 جامعة ومعهداً علمياً، وحوالي 114 مركزاً بحثياً، ولا تتعدى براءات اختراعها السنوية 100 براءة اختراع

ويشير نصّ المادة إلى فرضية اهتمام الدولة بالبحث العلمي، لكن رغم ذلك؛ يتّسم الوضع في مصر بضعف البيانات والأبحاث والإحصاءات التي يحتاج إليها، كلّ من الأكاديميين المتخصصين أو صناع القرار في القاهرة. وأشار مسؤولون في الحكومة المصرية، إضافة إلى ضعف البحث العلمي، إلى تصدّر مصر قائمة السرقات العلمية في العالم بأبحاث اقتبسها أكاديميون دون الإشارة لمصادرها، رغبة في الترقي السريع داخل الجامعات المصرية.
من جانب آخر؛ فإنّ إسرائيل، المجاورة لمصر، وطبقاً للمعايير الدولية، تحتلّ المرتبة الأولى في علوم الكمبيوتر، والمرتبة الثالثة في الكيمياء، وتحتلّ أيضاً المركز الثالث في العالم في صناعة التكنولوجيا المتقدمة، والمركز الخامس عشر بين الدول الأولى في العالم المنتجة للأبحاث والاختراعات، أمّا بالنسبة إلى عدد سكانها، قياساً إلى مساحتها؛ فهي الأولى في العالم على صعيد إنتاج البحوث العلمية، وفي تحقيق أجراه المحرر الاقتصادي لمجلة "دير شبيغل" الألمانيّة، إريش فولات، حول أثر المهاجرين الروس في الاقتصاد "الإسرائيلي"، والتقدّم التكنولوجي الكبير الذي بلغته بفضلهم، يتبيّن أنه يتم تداول أسهم أكثر من ١٠٠ شركة "إسرائيلية" في البورصة التكنولوجية، تجاريها كندا، فقط في هذا المجال، وأنّ "إسرائيل" تصدّر اليوم من بضائع التكنولوجيا العالية ٤٠% من إجمالي صادراتها.
مقر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في القاهرة

مصر تغتال البحث العلمي
أستاذ علم المكتبات والرئيس السابق لدار الكتب المصرية، الدكتور زين عبد الهادي، أشار إلى أنّ مصر تملك حوالي 60 جامعة ومعهداً علمياً، وفي الجامعات هناك حوالي 114 مركزاً بحثياً، ولا تتعدى براءات الاختراع السنوية لها 100 براءة اختراع، من واقع إحصائية عام 2017، ليس ذلك فقط؛ حيث لا تقتصر المراكز البحثية على الجامعات؛ إذ تملك أكاديمية البحث العلمي 14 مركزاً علمياً، وتملك الوزارات المصرية 219 مركزاً بحثياً.  

اقرأ أيضاً: المراكز البحثية ومعضلة الأخونة
وأضاف عبد الهادي، في تصريح لـ "حفريات" أنّ "موازنة التعليم العالي تبلغ 47.1 مليار جنيه (معظمها للباب المتعلق بالرواتب والأجور)"، لافتاً إلى أنّ "مخصّصات البحث العلمي، تبلغ، وفق تصريح رئيس أكاديمية البحث العلمي، حوالي 19 مليار جنيه عام 2019، منها مليار جنيه فقط لوزارة التعليم العالي، وتعاقدات مع وزارة الإنتاج الحربي لإنشاء محطة تحلية تعمل بالطاقة الشمسية".

أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية واليابان والاتحاد الأوروبي على البحث العلمي خلال عام ١٩٩٦ بما يقارب ٤١٧ بليون دولار

ولفت عبد الهادي إلى أنّه؛ إذا ألقينا نظرة على الكيفية التي بنيت بها إستراتيجية 2030 للبحث العلمي، فسنجد عبارات مطاطة، لا يمكنها أن تنفَّذ، أو أنّها أُعدّت لذرّ الرماد في العيون.
وذكر مقال بعنوان "مصر تغتال البحث العلمي"؛ أنّ مصر تملك 125 ألف عالم في مجالات مختلفة، إذاً؛ من أين نتجت المشكلة؟ وما هي جذورها؟ وهل هناك علاج لمثل هذه الحالة التي تشير إلى فشل مؤسسي كامل؟!
يوضح عبد الهادي؛ أنّ هناك أمراً تاريخياً، يعود لعدم تفوّق مصر في مجال البحث العلمي، وربما تكون هناك معوقات أخرى، اقتصادية وثقافية أو إدارية أو ترويجية أو بشرية، مثل عدم توافر الكفاءات الكافية لإدارة البحث العلمي، من جانب آخر؛ فإنّ هناك علاقة متذبذبة دائماً بين وزارة التعليم العالي ومؤسسات البحث العلمي في مصر، "ناهيك عن قضية الموارد المالية المتاحة، وهو أمر في غاية الأهمية، ورغم مرور أكثر من عقد تقريباً على تطبيق مفاهيم الجودة بمؤسسات التعليم المصرية، إلا أنّه، حتى الآن، لم تصدر أيّة براءات اختراع ذات مستوى عالٍ، يمكنها المزاحمة في سوق براءات الاختراع العالمية".
ويرى عبد الهادي؛ أنّ المشكلة تكمن فيما تواجهه عديد الجامعات والأكاديميات المصرية من التحديات التي تتعلق بمستقبلها العلمي، وفي الوقت نفسه؛ تواجه العديد من التحديات المهنية، المتعلقة بخريجيها، الذين سيعملون في الأسواق العربية والعالمية، إضافة إلى التحديات المتعلقة بواقع هذه الجامعات في التقارير الدولية المتعلقة بأفضل جامعات في العالم.
أستاذ علم المكتبات والرئيس السابق لدار الكتب المصرية، الدكتور زين عبد الهادي

البحث العلمي دولياً
نشر مركز "هردوا لدعم التعبير الرقمي" دراسة قدّرت إنفاق الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، والاتحاد الأوروبي على البحث العلمي، خلال عام ١٩٩٦، بما يقارب ٤١٧ بليون دولار، وهو ما يتجاوز ثلاثة أرباع إجمالي الإنفاق العالمي بأسره على البحث العلمي، في حين تولي دول جنوب وشرق آسيا أهمية متزايدة للبحوث والتطوير؛ فقد رفعت كوريا الجنوبية نسبة إنفاقها على البحث العلمي من الناتج المحلي الإجمالي من ٠٫٦ % في عام ١٩٨٠ إلى ٢٫٨٩ % في عام ١٩٩٧، ووجهت أولوياتها نحو مجالات الإلكترونيات، وعلوم البحار والمحيطات، وتقنيات البيئة، وتقنيات المعلومات، وأدوات القياس، والمواد الجديدة، وعلوم الفضاء والطيران.
أما الصين؛ فقد خططت لرفع نسبة إنفاقها على البحث العلمي من ٠٫٥ % من إجمالي الناتج المحلي عام ١٩٩٥، إلى ١٫٥ في عام ٢٠٠٠، ووجهت أيضاً أهداف خطتها الخمسية خلال تلك الفترة نحو تحسين تطبيقات التقنية في قطاع الزراعة، وتطوير البنية الأساسية الوطنية للمعلومات، وزيادة التطوير في عمليات التصنيع.

اقرأ أيضاً: ما أسباب أزمة البحث العلمي في العلوم الإنسانية بمصر؟
وأصبحت ماليزيا، بفضل سياستها العلمية والتقنية، الدولة الثالثة في العالم في إنتاج رقائق أشباه الموصلات، وأكّدت في خطتها المستقبلية لعام ٢٠٢٠ الأهمية الخاصة للبحث العلمي والتقنية في الجهود الوطنية للتنمية الصناعية والمنافسة على المستوى العالمي، كما أولت قطاعات مثل الاتصالات والمعلومات أهمية قصوى؛ حيث خصصت لها ما يقارب بليوني دولار سنوياً.
أصبح الآن ممكناً الحصول على تمويل لأبحاث علمية في جامعاتنا

البحث العلمي في مصر والخارج
في مقال منشور لأستاذ علوم الكمبيوتر في جامعة نيويورك، الدكتور محمد زهران، عقد مقارنة بين العلماء في مصر والخارج، لافتاً إلى أنّه لا يقصد الدفاع عن وضع البحث العلمي في مصر أو التجريح فيه، فقط أراد توضيح بعض النقاط، وذكر أنّ أوجه المقارنة هي حول؛ كيف يقضي الأساتذة أوقاتهم؟ كيف يقضي الطلبة أوقاتهم؟ تمويل البحث العلمي، أنواع الأبحاث العلمية، والضغوط المختلفة على الأساتذة والطلبة.
ويوضح زهران، أنّ "الأستاذ الجامعي في الخارج يقضي بعض وقته في التدريس والتحضير للتدريس، لكنّ عدد المواد التي يدرسها (في أغلب الجامعات تتراوح بين واحدة أو اثنتين لكلّ فصل دراسي، بقية الوقت يكون للبحث عن تمويل لمشروعاته البحثية، وعمل البحث العلمي مع الإشراف على طلبة البحث، أما الأستاذ الجامعي عندنا فمطلوب منه تدريس عدد أكبر من المواد الدراسية، لعدد أكبر من الطلبة، وهذا يستلزم وقتاً ومجهوداً أكثر".
ويتابع: "عادة يشرف الأستاذ الجامعي عندنا على عدد أكبر من الطلبة بالقياس مع الأستاذ في الخارج، لكنّ عدد الأبحاث المنشورة أقل؛ لأنّ الطلبة أغلبهم يعملون في وظائف أخرى بخلاف الدراسة، فالبحث يأخذ وقتاً أكبر قد يمتدّ لأعوام، أصبح الآن ممكناً الحصول على تمويل لأبحاث علمية في جامعاتنا، وهذا يساعد على السفر للمؤتمرات العلمية، وشراء بعض المستلزمات اللازمة للبحث (خاصة في التخصصات العملية)، وهذا يقلل من الفارق في الإمكانيات بين الداخل والخارج، ولكن لا يلغيه؛ فالفارق ما يزال كبيراً، نقصد بالإمكانيات هنا: الأجهزة اللازمة للبحث، والوقت اللازم للبحث، نتكلم عن الوقت؛ لأنّ فارق المرتبات بين أستاذ الخارج والداخل كبير جداً، فالأستاذ عندنا يضطر للعمل في وظائف أخرى (استشاري مثلاً) بخلاف وظيفته الجامعية، ليتمكن من إعالة أهله، وهذا يقلل من الوقت الممنوح للبحث العلمي".
وبخصوص طلبة الدراسات العليا في الخارج يقول زهران إن "أغلبهم، على الأقل، متفرغون تماماً للبحث العلمي، بخلاف الطلاب في مصر، الذين يكونون حديثي التخرّج، ويعملون في وظائف أخرى لكسب قوت اليوم، تفرغ الطالب الكامل للدراسات العليا يستلزم إعطاءه راتباً يكفيه، فإن أردنا أن نعمّم ذلك عندنا؛ فيجب على أساتذتنا عند الحصول على تمويل للأبحاث استخدام جزء من هذا التمويل كراتب للطلبة الذين يعملون في البحث، وقد تساعد الجامعة في ذلك".
أضف إلى ذلك أنّ "تمويل البحث العلمي في الخارج يأتي من مؤسسات حكومية في الأغلب، ومن بعض الشركات، وقد بدأت بعض الشركات والمؤسسات في مصر في تمويل بعض المشروعات، وهذه خطوات على الطريق الصحيح".
ولفت زهران في نهاية حديثه إلى أنّ "ما نريد أن نستخلصه من هذه المقارنة السريعة؛ أنّنا يجب أن نقيّم أساتذتنا في الداخل في إطار التحديات التي يواجهونها، من حيث قلة الموارد من إمكانيات ووقت، ونحن نقع في هذا الخلط عندما نقارن دولاً ببعضها، لا يمكنك أن تقارن بين شعبَين، حتى تضعهما في الظروف نفسها؛ هل لو جئنا بشعب السويد ووضعناه في فقر مدقع سيظلّ منظَّماً ويقف في طابور ولا يلقي القمامة في الشارع ولن يتبادل السباب؟ وماذا لو ذهبنا نحن إلى بيئة مثل السويد أو سويسرا؟".


الصفحة الرئيسية