"أزمة التنظيمات الإسلامية": لماذا تصل الحالة الإسلامية إلى طريق مسدود كل مرة؟

"أزمة التنظيمات الإسلامية": لماذا تصل الحالة الإسلامية إلى طريق مسدود كل مرة؟
23246
عدد القراءات

2018-09-05

قراءة في كتاب "أزمة التنظيمات الإسلامية/الإخوان نموذجاً" لجاسم سلطان


انطلاقاً من فكر النهضة وبعد مضيّ أكثر من قرن على سؤال روّادها الأوائل "لماذا تخلّف المسلمون وتقدم الغرب؟" يستلهم جاسم سلطان صاحب "مشروع النهضة" من ذات السؤال مادة كتابه "أزمة التنظيمات الإسلامية- الإخوان نموذجاً"، لكن بعد أن ينقله من فضاء الفكر العام إلى فضاء الفكر الخاص بالتنظيمات الإسلامية ليسأل: لماذا هذا المسار؟ وما الذي يجعل الحالة الإسلامية تصل إلى الطريق المسدود المرة بعد الأخرى؟ ويصطدم الأمل بإقامة دولة الإسلام بإنتاج دولة فاشلة: في مصر كما في باكستان كما في السودان.. والصومال والجزائر، "فيما شكلت تجربة ماليزيا وتركيا استثناءً في صناعة نجاحات مقدّرة، فكلتا التجربتين بنت نموذجها على الأسس الغربية المعروفة".

اقرأ أيضاً: ملامح سقوط المشروع الإخواني

هذا السؤال المحوري، وما تفرّع منه من أسئلة تتناسل من بعضها، هي مكنون جعبة سلطان الفكرية، وهو إذ يفتح جعبة أسئلته تلك يفتحها بتردد حذر كمن يفتح جرحاً دقيقاً، وهو الطبيب المتخصص في المهنة قبل أن ينحو باتجاه التفرغ لعلوم النظر والعمل الفكري، ما يعكس توجّسه منذ البدء من ردود فعل قد يثيرها الكتاب في توقيته وحساسية مواضيعه.

صدر الكتاب عن الشبكة العربية للدراسات والنشر- بيروت / 2015

تقبل نقد الذات

مادة الكتاب، الصادر عن الشبكة العربية للدراسات والنشر- بيروت- 2015 "تتناول حركة الإخوان المسلمين وإن كان مجمل الأفكار هو قاسم مشترك عند الجميع بسبب الاستدعاءات التراثية والتصورات الكبرى التي يحملها مجمل التيار الإسلامي"، وهو واحد من سلسلة كتب للمؤلف القادم من خلفية فكرية وتنظيمية إخوانية سابقاً، والتي عمل على نشرها ضمن مشروعه "إعداد قادة النهضة" الذي أطلقه بداية العام 1984 بعد أن شارك في حلّ تنظيم الإخوان المسلمين في قطر الذي كان أحد كوادره، وواحداً من قادته في مرحلة سابقة.

مجمل أفكار الجماعات الإسلامية وضمنها الإخوان المسلمون تشترك بالاستدعاءات التراثية والتصورات الكبرى

ولما كان كل سؤال يستبطن جواباً مضمراً في مقاصده النقدية، يغدو سؤاله "لماذا كانت تجربة تركيا وماليزيا استثناءً" سؤالاً مفهوماً، وتوجّسه منه مبرراً، وإن أعفى نفسه من تسمية النموذج الغربي للدولة الحديثة باسمه الصريح، أو تبنيه علانية بشكل مباشر منذ البدء، فمقولات "الدولة الوطنية" أو "الدولة الديمقراطية" أو "الدولة العلمانية" و"المواطنة" و"فصل الدين عن الدولة" و"حقوق الإنسان" و"حقوق المرأة"... و"المجتمع المدني"، غدت كلها مقولات غربية مكفّرة، أو مرذولة، أو منكرة، أو مرفوضة، أو لا تناسب الحالة الإسلامية وفكر الإسلام في أحسن الأحوال! فكيف إذا كان فكر الإسلام المعني بالسؤال اليوم هو فكر الإخوان والتنظيمات الإسلامية التكفيرية والإسلام الحركي؟

اقرأ أيضاً: هل اختطف الإخوان حركية الجماهير العربية؟

ولما كان ثمة صعوبة في سؤال الآخر ونقده بقدر من الموضوعية وانفتاح العقل وفهم الاختلاف، بعيداً عن روح العداوة الموروثة من الإرث الإمبراطوري وصدمة المرحلة الكولونيالية وتبعاتها الاستعمارية، فأيّ صعوبة وعقبات ستكون في تقبل نقد الذات وسؤال الذات؟ ولما كان الآخر موجوداً دائماً وتأثيره في حركة التاريخ واقعاً قائماً، فلا بد من مواجهة الواقع بسؤال الذات؛ "فالتخلف والتقدم هما ابنا طرق التفكير في المجتمع.. وهما ابنا التصورات العميقة الحاكمة لتصوراتنا عن العالم وفي العالم.. ومن دون معالجة هذه بصدق وصراحة فلا طريق للمستقبل".

جاسم سلطان

قضايا السطح والعمق

لا يخفى على جاسم سلطان أنّ قضايا السطح هي قضايا العمق، وأنّ التحديات أمام الفكر الإسلامي هي نفسها في الحالين، لكنه اقتصر في كتابه هذا على "قضايا السطح" فيما أفرد لقضايا العمق كتاباً آخر تماشياً مع الانفصال النسبي للسياسي والأيديولوجي عن الخلفية النظرية والعمق الفكري، إضافة إلى أن القضايا السياسية والأيديولوجية ظرفية ومرحلية متغيرة حسب واقع الحال ومقتضى المصلحة والانتفاع، بينما القضايا الفكرية أكثر ديمومة وأقل استجابة لتغيرات الظروف والأحوال، فكيف إذا كان العمق الفكري عمقاً دينياً تكتسب فيه الأعراف والعادات والاجتهادات البشرية مع مرور الوقت قداسة لا تقل عن قداسة النص ذاته، بل قد تنوب عنه أو تذوب فيه!

الكتاب واحد من سلسلة للمؤلف القادم من خلفية فكرية وتنظيمية إخوانية سابقاً ضمن مشروعه "إعداد قادة النهضة"

لذلك أطلق سلطان على جملة مساءلاته "الأسئلة المربكة" لأنّه يصعب على العقل الأيديولوجي والمعتقد الإيماني المغلق التعامل معها. هذه الأسئلة من نوع: "هل نحن إسلاميون أم مسلمون؟ كيف نستغل الخلاف ونطور فكرة الخلاف؟ الإسلام نظام شامل أم منظور شامل للحياة؟ هدفنا: التمكن من المجتمع أم تمكين المجتمع؟ مهمة الدين السيطرة أم البلاغ؟ العالم هل هو دار حرب أم دار دعوة؟ هلاك العالم أم هداية العالم؟ سؤال الدولة !!، هويتنا أم هيمنتنا؟!، الخوف من الحرية!، الخلافة بين المخيال والواقع!".

كل تلك الأسئلة التي تستمد مشروعيتها من سؤال النهضة الأول جعلها جاسم سلطان تمهيداً ومدخلاً للاشتباك مع أفكار التنظيمات الإسلامية عبر استعراض تاريخي لنشأة تلك التنظيمات وقناعاتها المعتقدية وأحلامها، عبر رصده وتتبعه لواقع وزمن النشأة المأزوم عالمياً وإسلامياً، والذي سيترك أثراً بيّناً في بنية وهيكلية التنظيمات الإسلامية وغيرها على السواء، بما استلهمته من الفكر النازي والفاشي على الصعيدين: الفكري، والتنظيمي العسكري، مع دغدغة أحلام المرحلة الإمبراطورية وصورة متخيلة عن الذات والتاريخ، تنهل من ذاكرة انتقائية عملت على تطويع الواقع والعالم لمقتضى أفكارها وأحلامها وغاياتها بدل أن تطوّر أفكارها وأهدافها على إيقاع حركة تقدم العلم والعالم والتطور والتاريخ؛ فغرقت في الشمولية والتعصب والانغلاق في الفكر والتطرف في الممارسة، وجعلت من أفكارها معيار الحقيقة، ومن سلوكها معيار القيم، ومن فقهها معيار العلم، ومن إسلامها معيار الدين، ومن الإيمان بها معيار الإيمان.

اقرأ أيضاً: القيادي المنشقّ البشبيشي: أفكار الإخوان خبيثة وفاسدة

ألم يقل حسن البنا "نحن الإسلام أيّها الناس، فمن فهمه على وجهه الصحيح فقد عرفَنا كما يعرف نفسه"؟ وألم يكن في وصفه جماعة الإخوان في رسالة المؤتمر الخامس بقوله: "فهي دعوة سلفية وطريقة سنية وحقيقة صوفية وهيئة سياسية وجماعة رياضية ورابطة علمية ثقافية وشركة اقتصادية وهيئة اجتماعية" تأكيداً للشمولية، وفي وصفه للإسلام على أنّه شامل "دين ودولة" كما يقول في "رسالة التعاليم" تأكيد آخر؟

وتستطيل الجماعات فتدّعي أنها تمتلك النظم الشاملة التي ستطبقها ريثما تصل إلى سدة الحكم ثم تعود الخلافة الراشدة، والحقيقة التي يقرّرها المؤلف: "أنّ هذه الجماعات تملك منظورات شاملة لا نظماً شاملة؛ وغياب الرؤية والإستراتيجية والخطوات المدروسة، كل هذه أمور يعلمها القادة ويخفونها عن الأتباع لاكتساب الجماهير بالشعارات، مما تتيح لها أن تبني نفسها بطريقة تجعلها تتمدد في الفراغ لتحل محل الدولة حينما تتاح لها الظروف، وهذه الطبيعة من التمدد تحولها إلى سلطة مستبدة على المجتمع هدفها التمكن منه كما الدولة وتتحول مع الزمان إلى حزب شمولي بلسان الحال لا المقال شعاره (جئنا لنبقى)، ويبقى الخارج من الجماعة (الأيدولوجيا) من المتساقطين على طريق الدعوة أو غنمة قاصية أكلها الذئب".

أطلق سلطان مشروع "إعداد قادة النهضة" بداية العام 1984

دولة المواطنة أم "الدولة القاتلة"؟

يحتل سؤال الدولة موقع المركز بين مجمل ما يطرحه المؤلف من أسئلة وعناوين فرعية على مدار الكتاب، وهي كلها محاور تنطلق من سؤال الدولة لتعود إليه، وإذ يحتل السؤال موقع الوسط في متن الكتاب يحتل نقطة المركز في فكرة الكاتب والغاية من الكتاب أيضاً، وما الاستطراد الطويل في تتبّعه التاريخي لفكرة الدولة وتطوّر مفهومها وأشكالها في الجانبين الغربي والإسلامي إلا من أجل إبراز أهمية الموضوع ذاته؛ فيذهب بعيداً في استقصاء الموضوع باستعراض تاريخ الغرب، والمحطات المهمة التي صنعت وأنتجت الغرب الحديث والدولة الحديثة فيما سمّاه "رحلة الغرب مع فكرة الدولة"، بدءاً من اليونان و"دولة المدينة" في أثينا وفكرة الديمقراطية، مروراً بالجمهورية الرومانية التي أتاحت المشاركة وحضور العامة على سطح الحياة السياسية مقابل الأشراف، حتى الفكر الأوروبي الحديث بروّاده وعلومه ومناهجه الفلسفية والوضعية، مع أنّها أصبحت مقروءة ومعروفة، ليدلّل من كل ذلك أنّ الفكر الغربي الحديث، وأنواره وفتوحاته العلمية على مختلف الصعد والذي تطعّم بالفكر الشرقي والإسلامي في عصر ريادته، هو منجزٌ إيجابي للعالم كله، وأنّ دولة المواطنة كنموذج غربي، ورغم كل ما يعتريه من قصور، هي ذروة ما أنتجه الفكر الإنساني لتدبير شؤون الحياة حتى الآن، وهي النموذج الممكن لمن أراد الدخول إلى العصر، أحبّ الإسلاميون ذلك أم كرهوا. فيما "توقف العطاء النظري الإسلامي مبكراً ولم يكن مقدراً له النمو حتى لو استمر بسبب مناهج المقاربة المتبعة تقليدياً"، وإن دولة الخلافة الراشدة ليست تاريخ الإسلام، وما هي إلا لحظة مضيئة منه ارتبطت بصلاح الأشخاص وليس بصلاح النموذج، أما التاريخ الطويل فهو تاريخ الفتن والحروب والانكسارات والعواصف والملك العضوض ودولة السلاطين والاستبداد، وإهدار الإمكانات البشرية ودم المسلمين وغيرهم.

دولة الخلافة الراشدة ليست تاريخ الإسلام بل لحظة مضيئة منه ارتبطت بصلاح الأشخاص وليس بصلاح النموذج

يؤكد سلطان أنّ صورة الدولة الإسلامية الزاهية غير موجودة إلا في مخيال الجماعات الإسلامية و"أنّ الإسلام لم يأتِ بنظام محدّد للحكم، وإنّما هناك مبادئ ومقاصد يجب مراعاتها أيّاً كان شكل الحكم، وأنّ السياسة من أمور العادات وليس العبادات؛ وبالتالي فهي تخضع للتجربة البشرية، وأنّ شكل الحكم في زمن الخلافة الراشدة كان اجتهاداً لعصره ولسنا ملزمين به، كذلك فإنّ هذا النموذج المراد استعادته لم يتحقق تاريخياً إلا في عهد أبي بكر وعمر ثم بدأت بعد ذلك في عهد عثمان القلاقل"، وإن تبنيه من قبل المؤسسين لهذه الجماعات ليس أكثر من يوتوبيا خلاصية ولحظة حالمة رفعت إلى درجة العبادات والعقائد. وهو ما أطنب فيه سيد قطب والمودودي وجعلوا مسألة الحكم من الأصول لا الفروع فيما بعد تحت مصطلح (الحاكمية)، فلقد قاد سيد قطب أفكار البنا إلى نهايتها الطبيعية نحو الصدام مع المجتمع والدولة والعالم الذين جعلهم كلهم في الكفر والجاهلية وزرع عقل الشباب المسلم بهذا الخليط من الأفكار وزجهم في مواجهة هذه "الجاهلية" وجعلهم في عزلة وتفاصل تتغذى على مبدأ الولاء والبراء، وفي حرب على أبناء جلدتهم وأوطانهم قبل غيرهم وما زالوا كذلك.

اقرأ أيضاً: القياديّ الإخواني المنشقّ أبو السعد: هكذا يتعامل التنظيم مع من يخرج منه

يختم جاسم سلطان كتابه بدعوة التنظيمات والجماعات الإسلامية إلى مراجعة "عالم الأفكار المأزوم والأفكار المأزومة"، وتقبل النقد، والانفتاح على العالم والمستقبل والانخراط فيه بدلاً من الهروب إلى الماضي والاغتراب فيه، وإلى التفكّر والتفاكر والعقل والتعقل والكف عن إنتاج التجارب الفاشلة وإنتاج الدول الفاشلة؛ "الدول القاتلة" كدولة طالبان أو دولة "الإسلام في العراق والشام" داعش" ومثيلاتها، و"أن يصبح العالم مسرح دعوة إنسانية تسع كل البشر وكل المخلوقات، وأن يجعلوا تحالف المؤمنين يقوم على وقف الإفساد في الأرض ووقف سفك الدماء، والانتقال من مربع الدفاع عن الأشخاص إلى مربع النظر في الأفكار وآثارها في الواقع".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



حركات الإسلام السياسي والسلطة في العالم العربي.. إلى أين؟

2020-03-30

أفضت التحولات الدراماتيكية والأحداث السياسية المتتالية التي شهدتها دول "الربيع العربي" منذ أواخر العام 2010 إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني في معظم دول "التغيير المؤجل"، وفتحت مستقبل تلك الدول على طيف واسع من الاحتمالات يصعب ترجيح أحدها على الآخر، في ظل الغموض وعدم اليقين الذي يلف المشهد السياسي فيها، وصراع القوى والانقسام الداخلي الذي خلّفه الفراغ الناتج عن انهيار منظومات سياسية وأمنية عتيدة استمرت في الحكم أعواماً طويلة بدون منافسة سياسية حقيقية، وظهور قوى سياسية جديدة لا تملك الخبرة الكافية في مجال الإدارة والحكم من جهة، وعدم الارتسام الكامل لمعادلات القوى واستراتيجيات الهيمنة في هيكل النظام الدولي وتوازنات القوى الإقليمية في المنطقة في إطار ظاهرة العولمة من جهة ثانية.

وفق هذه المعطيات، اصطدمت تطلعات الشباب الثائر وآماله في الحرية والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم وتحقيق الانتقال السياسي السلمي نحو النظام الديمقراطي بالصعود السريع لقوى الإسلام السياسي التي قفزت من الهامش إلى  قلب المشهد السياسي، مستغلة تفوقها النوعي في القدرات التنظيمية والمالية، ومهارتها في الحشد والتعبئة اعتماداً على جاذبية الخطاب الديني وسحر تأثيره في قطاعات واسعة من الشعوب العربية، فتصاعدت حالة الاستقطاب الديني مع تنامي أطماع بعض الحركات والتنظيمات الإسلامية بالسلطة ومحاولتها السيطرة الشاملة على جميع مفاصل الدولة، وتفاقمت المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية لدرجة باتت تنذر بتفكك بعض دول "الربيع العربي" وتحولها إلى مصاف الدول الفاشلة وظيفياً.

في بداية "الربيع العربي" لجأ الإخوان إلى براغماتية سياسية مستقاة من تجاربهم السابقة مع أنظمة الحكم

هذا يفتح باب التساؤل حول أسباب وصول الانتفاضات العربية إلى هذا المآل، وحول ظاهرة وصول أحزاب وتنظيمات إسلامية إلى سدة الحكم في عدد من الدول العربية في أعقاب تلك الانتفاضات وما يمكن أن تحدثه من تغيير في نظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتأثير في هوياتها الوطنية وتفاعلها وتكاملها مع العالم المحيط.
فهل ستؤدي ظاهرة صعود الإسلام السياسي إلى حالة من العزلة والانكفاء على الداخل ورفض الخارج؟ أم ستدفعها ظروف الانتقال من هامش المشهد السياسي إلى قلبه ومن دائرة الخطابة والتنظير إلى دائرة الممارسة والعمل إلى الانفتاح والتأقلم مع الممارسات الحديثة التي قامت من أجلها ثورات الشعوب؟

اقرأ أيضاً: هكذا تغلغلت تيارات الإسلام السياسي في موريتانيا.. ما علاقة قطر وتركيا؟
يقدم كتاب "حركات الإسلام السياسي والسلطة في العالم العربي: الصعود والأفول" الصادر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث 2014 بإعداد وتحرير الباحثين جمال سند السويدي وأحمد رشاد الصفتي، قراءة شاملة للواقع السياسي العربي المستجد من خلال مساهمة مجموعة من الأكاديميين المتخصصين الذين سعوا لاستقصاء البعد الغائب في تفسير الصعود السياسي للإسلاميين، ومحاولة رسم ملامح مستقبل أحزاب الإسلام السياسي المنبثقة عن حركة الإخوان المسلمين التي تسيدت المشهد السياسي في أعقاب الثورات الشبابية العربية، وتسليط الضوء على الواقع السياسي والاجتماعي الذي تعيشه تلك الحركات بعد التغيير، ومدى قدرتها على التعامل مع الديناميكيات والتحديات التي أفرزتها مرحلة التغيير.

غلاف الكتاب
ورغم اعتماد كل باحث منهجية مختلفة نسبياً في معالجته للموضوع المطروح، وانطلاقه من فرض أولي مختلف في رصد وتحليل الصعود السريع والأفول السريع لأحزاب وحركات الإسلام السياسي، سواء في الدول التي طالها التغيير مباشرة ونجحت الانتفاضات الشعبية في إطاحة زعاماتها السياسية العتيدة؛ كما في تونس ومصر وليبيا في وقت قصير، أو الدول التي حصل فيها تغيير هادئ نسبياً أو استباقي من قبل السلطة السياسية بحكم اختلاف نظمها السياسية واختلاف شرعية الحاكم السياسية والدينية فيها؛ كما في المغرب والأردن، أو التي تعثرث عملية الانتقال السياسي فيها بحكم طبيعة سلطاتها والتركيبة الاجتماعية فيها وموقعها في المعادلة الجيوبولتيكية الإقليمية والعالمية كالحالة السورية واليمنية، إلا أنّ اللافت أنّ جميع الباحثين المشاركين قد توصلوا في استنتاجاتهم وخلاصات أبحاثهم إلى نتائج عامة مشتركة، ووجهات نظر متقاربة في خطوطها العامة، وإن اختلفت في بعض التفاصيل بين دولة وأخرى. 
هل انقلب "الربيع العربي" إلى "ربيع إسلامي"؟
ما من شك أنّ الإسلاميين قد حصدوا نتائج الانتفاضات العربية في جميع دول "الربيع العربي" واستأثروا بمعظم مفاصل الدولة والحكم، بداية في الدول التي تحققت فيها عملية انتقال سياسي للسلطة بالرغم من التباس دورهم في الاحتجاجات الشعبية في بداية انطلاقتها، وإعراضهم عنها أو ترددهم في المشاركة فيها قبل أن تتضح ملامح نجاحها.

الانخراط في اللعبة الديمقراطية لم يؤمن بها الإخوان يوماً ولم تكن ضمن منطلقاتهم الفكرية

فقد أفتى السلفيون بداية برفض المشاركة في تلك الاحتجاجات انسياقاً مع أيديولوجيتهم الدينية التي تقول بعدم جواز الثورة على الحاكم الجائر، ثم تراجعوا عن مواقفهم لاحقاً، فيما لجأ الإخوان إلى نوع من البراغماتية السياسية المستقاة من تجاربهم السابقة مع أنظمة الحكم، والتي تقوم على عدم المجازفة في إعلان المشاركة الرسمية في الاحتجاجات قبل أن تتكشف آفاقها والموقف الدولي منها، والذي بدأ يميل ومنذ أحداث أيلول (سبتمبر) 2001 إلى التلويح بقبول الحوار مع الإسلاميين المعتدلين واحتوائهم في اللعبة السياسية للاستفادة من دورهم في مكافحة الإرهاب الجهادي المتطرف، وعدم المجازفة بخسارة جمهورهم الشبابي الذي اندفع للمشاركة الفردية في تلك الاحتجاجات، وعدم القطع النهائي مع أطراف السلطة لحفظ خط الرجعة.

وهو ما دفع جماعة الإخوان المسلمين في مصر إلى قبول التفاوض مع نائب الرئيس المصري عمر سليمان مباشرة، خلافاً لغيرهم من الأطياف المشاركة في الانتفاضة الشعبية، الأمر الذي يعبّر عن انتهازية سياسية واضحة، ويشي بطموح الإخوان للاعتراف العلني بشرعية وجودهم السياسي وطمعهم بالسلطة من أي طريق أتت، وهذا الموقف قابل للتعميم مع بعض الاختلافات الجزئية على حركة الإخوان المسلمين في بقية الدول العربية.

أبرزت تجربة الإسلاميين بالحكم ضبابية مشروعهم السياسي وفقر أفكارهم حول مفهوم الدولة وعجزهم أمام تحديات المرحلة

يجمع الباحثون على أنّ وصول الإسلاميين إلى السلطة وانتقالهم السريع من دائرة "الحضر" والهامش إلى قلب المشهد السياسي، والانخراط في اللعبة الديمقراطية التي لم يؤمنوا بها يوماً، ولم تكن ضمن منطلقاتهم الفكرية في الأصل لا ينم عن تغير حقيقي في أيديولوجيتهم السياسية والتوجه نحو قبول المشاركة السياسية والتعددية الديمقراطية، وتقبّل دولة المواطنة والقانون التي تكفل المساواة لجميع مواطنيها على اختلاف معتقداتهم وجنسهم وانتماءاتهم، والتخلي عن مفهوم "المغالبة" وإقصاء الآخر بقدر ما ينمّ عن مناورة سياسية لاستثمار الظرف السياسي المناسب، واقتناص اللحظة التاريخية التي قد لا تعوض في وقت آخر.
وهو ما تبين فيما بعد بعودتهم للمغالبة في انتخابات الرئاسة وإقرار الدستور في مصر، وفي التناقض في الخطاب السياسي لحزب النهضة في تونس بين الموجه للخارج والخطاب الموجه للداخل وللبطانة الداخلية للحزب حول تلك الحيثيات.

اقرأ أيضاً: هل ينهي تصدّع "النهضة" آخر آمال مشروع الإسلام السياسي؟
إنّ حصول الإسلاميين على نتائج عالية في الانتخابات النيابية لم يأت من كثافة مشاركتهم في التظاهرات وفاعليتهم فيها أو من توسع شعبيتهم أو اقتناع الناخبين بمشروعهم السياسي الغائم، إنما يجد تفسيره في ضعف البديل المدني وغياب فاعليته السياسية في ظل أنظمة الحكم السابقة، وتشتت القوى الشبابية الصاعدة ونقص خبرتها السياسية، وصعوبة فهم خطابها السياسي من قبل الكتل الشعبية البسيطة والريفية التي شكل الخطاب الديني المسيس جاذبية خاصة لها.

يضاف إلى ذلك قدرة الإخوان التنظيمية وصرامة انضباطهم الذي يقوم على الطاعة والولاء للمرشد، واستغلال خطبائهم للجوامع والمناسبات الدينية لاستمالة مشاعر الناس بتعويم خطاب المظلومية والاضطهاد الذي تعرضوا له في  ظل الأنظمة السابقة، واستغلال قدراتهم المالية في تقديم الخدمات للناس في المناطق التي لم تحظَ باهتمام كافٍ من قبل الدولة.

اقرأ أيضاً: "ما بعد الإسلام السياسي"... نعم ولكن!
كما يلفت الكتاب النظر إلى التركيبة الاجتماعية للبلدان العربية، وضعف المجتمع المدني والأطر الحديثة فيها أمام الأطر الاجتماعية التقليدية والأولية كالقبيلة والعشيرة خاصة في دول مثل؛ ليبيا والعراق وسوريا واليمن.. وإمكانية توظيفها في العملية السياسية.
هل فشل الإسلاميين يؤشر إلى بداية أفول "المشروع الإسلامي"؟
أبرزت تجربة الإسلاميين في الحكم ضبابية مشروعهم السياسي وفقر أفكارهم السياسية حول مفهوم الدولة، وعجزهم عن الإجابة عن أسئلة وتحديات المرحلة، ولم تختلف السياسات التي انتهجوها لمواجهة تلك التحديات عن سياسات الحكومات السابقة سواء في تونس ومصر أو في المغرب، وسرعان ما اختفى شعارهم الأثير "الإسلام هو الحل"  أمام التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية بشكل عام بعد أن وضع "المشروع الإسلامي" على محك الاختبار العملي، وبات يتعين على هذه الحركات أن تطبّق رؤاها وشعاراتها البلاغية، وتجابه تلك المشكلات من موقع السلطة والقرار؛ فتآكلت مشروعيتهم السياسية وانخفضت شعبيتهم، وبدأت نُذر الانقسام والصراع الجيلي في داخل حركة الإخوان نفسها ونذر الاختلاف بينهم وبين التيارات السياسية القائمة أو المتشكلة حديثاً في خضم عملية التحول السياسي، وخاصة التيارات السلفية التي حملت شعاراتهم من قبل؛ الأمر الذي زاد من حدة الاستقطاب الديني ومن حدة المشكلات الأمنية ودفع عدد من التنظيمات الجهادية الرافضة للديمقراطية والمشاركة السياسية في موجة جديدة من أعمال العنف.

فيما اندفع القسم الآخر الذي قَبِل الدخول في اللعبة الديمقراطية إلى معارضة حكم الإخوان، وتأييد عزل محمد مرسي في مصر، وما حصل في مصر خلال حكم الإخوان قد ترك أثره على باقي الأحزاب الإسلامية في معظم الدول العربية، إذ تبقى حركة الإخوان المسلمين في مصر هي الحركة الأم، والمرجع الأساسي لجميع فروع وتنظيمات الإسلام السياسي التي انبثقت منها أو تفرعت عنها.

مستقبل حركات الإسلام السياسي سيبقى متعلقاً بالنقطة التي ابتدأ منها وهي حسم العلاقة بين السياسة والدين

يخلص محررا الكتاب جمال سند السويدي وأحمد رشاد الصفتي إلى وضع مجموعة من الملاحظات الختامية المهمة، تتضمن الإشارة إلى بعض الجزئيات التي قد يكون أغفلها المشاركون في أبحاثهم رغم التنويه بدقتها وصرامة مناهجها البحثية، وتقديمهم رؤية نقدية رصينة لواقع سياسي لم يرتقِ إلى طموحات من انتفضوا لتحقيق طموحاتهم في الخلاص من الفقر والبطالة والتهميش والاستبداد.
وتلخص حصيلة الاستنتاجات التي توصلوا إليها والتي يمكن من خلالها تصور ملامح مستقبل حركات الإسلام السياسي في المنطقة على ضوء التغيرات الجيوبوليتكية الدولية والإقليمية من جهة، وعلى ضوء التحولات الحاصلة في دول "الربيع العربي" ما يمكن أن تضيفه تجربة الإسلاميين في الدول التي لم تحسم فيها عملية التحول بعد كما في سوريا مثلاً، والتغيرات والانقسامات الحاصلة في تنظيمات الحركات الإسلامية نفسها من جهة ثانية، مع التنويه بأنّ مستقبل حركات الإسلام السياسي سيبقى متعلقاً بالنقطة التي ابتدأ منها وهي حسم العلاقة بين السياسة والدين، وإيجاد المخرج من دوامة تديين السياسة وتسييس الدين.

للمشاركة:

هل خطر الإرهاب البيولوجي مستبعد؟

2020-03-24

على خلفية الاهتمام العالمي بمرض فيروس كورونا المستجد، وبهدف إلقاء المزيد من الضوء على خطر الإرهاب البيولوجي، من المفيد تسليط الضوء بالقراءة والتحليل لاحتماليات خطر الإرهاب البيولوجي، والتوعية المجتمعية منه، وكيف تم تناوله في التأليف والأبحاث والاهتمام الأكاديمي من قبل الباحثين والخبراء، بهدف أن نبيّن للقراء والمهتمين أنّ هذا الموضوع كان محطّ اهتمام كبير في الغرب تحديداً، حيث نشرت حوله الكثير من الكتب والمقالات والأبحاث.

اقرأ أيضاً: لماذا قرر الاتحاد الأفريقي تشكيل قوة لمكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل؟
والإرهاب البيولوجي الذي نقصده، والذي سبق أن أشرنا إليه أكثر من مرة، "هو إرهاب ينطوي على الإطلاق المتعمد للمواد البيولوجية أو نشرها بقصد القتل والإرهاب. هذه العوامل هي البكتيريا أو الفيروسات أو السموم، وقد تكون في شكل طبيعي أو معدّلة من قبل الإنسان".

الملاحظة الرئيسة حول الاهتمام بخطر الإرهاب البيولوجي هي أنّ فورة الاهتمام والإنتاج والتأليف (كتب، مقالات، أبحاث) حوله جرت بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية ضد الولايات المتحدة الأمريكية.

اقرأ أيضاً: هل أضحى جبل الشعانبي ومغاراته وكراً لعتاة الإرهابيين؟
ودليل ذلك أنّنا لو قمنا بالبحث باللغة الإنجليزية عن مصطلح "الإرهاب البيولوجي" (Bioterrorism) على منصة البحث الأمريكية الأكاديمية المتخصصة "كويستيا" (Questia) (وهي مصدر أبحاث وكتابة على الإنترنت، تم تأسيسها في شيكاغو العام 1998، لمساعدة الطلاب في العثور على أبحاث علمية عالية الجودة والاستشهاد بها، مع التركيز على المواد المتعلقة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية) سنجد عدداً من الإحصائيات المثيرة حول الموضوع؛ على رأسها أنّ هناك ما مجموعه 2398 عنواناً أو نتيجة بحث حول الإرهاب البيولوجي وجميعها باللغة الإنجليزية، وهي موزعة على النحو التالي: 448 كتاباً، و264 بحثاً محكّماً في مجلات أكاديمية، و604 عنواناً في المجلات، و1075 مقالاً في الصحف، و7 موسوعات.

يحذر المؤلف من إمكانية حيازة الجماعات الإرهابية مثل القاعدة وداعش للمواد البيولوجية واستخدامها

بالطبع دون أن ننسى روايات الخيال العلمي وهي كثيرة جداً، ولعل من أشهرها وأحدثها رواية الجحيم للكاتب الأمريكي الشهير (دان بروان) التي ظهرت العام 2013 وتدور أحداثها حول (برتراند زوبريست) وهو عالم فذ في حركة فكرية ودولية تُدعى "ما بعد الإنسانية" Transhumanism تدعم استخدام العلوم والتكنولوجيا الجدية لتعزيز القدرة الإنسانية العقلية والفيزيائية، وقدرة تحمله وحتى إلغاء ما يعتبر غير مرغوب في معظم الأحيان مثل؛ الغباء، المعاناة، المرض، الشيخوخة وأخيراً التخلص من الموت، أراد هذا العالم وضع حل لمشكلة التعداد السكاني عن طريق نشر فيروس عبر ما يسمى تقنية "الناقل الفيروسي" في أنحاء العالم يسبب تفشي مرض العقم.
جميع هذه المواد ظهرت بعد العام 2001، ولا أظن أنّ الأسباب وراء هذا الاهتمام خافية على أحد، نظراً للاهتمام الذي حظيت به هجمات 11 أيلول الإرهابية التي تُعد نقطة تحول في تاريخ العلاقات بين الدول والجماعات الإرهابية، وبالتالي إمكانية نجاح هذه الجماعات التي استخدمت الطائرات التجارية كأسلوب للإرهاب في أن تستخدم الأسلحة البيولوجية والجرثومية.

اقرأ أيضاً: من المسؤول عن ارتفاع جرائم الإرهاب في ألمانيا؟
في هذا السياق، أثارت هجمات الإنثراكس (Anthrax) في 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2001، التي تُعتبر حسب الخبراء من المواد البيولوجية الإرهابية (bioterrorism agent)، المزيد من الهلع، وفتحت عيون الأجهزة الاستخبارية والأمنية في العالم تجاه احتمالية هذا الخطر. حيث توفي خمسة أشخاص وأُصيب 22 بالعدوى في كافة أنحاء الولايات المتحدة.
وبالمناسبة؛ فقد دفعت هذه الهجمات السلطات الأمريكية إلى تطبيق الحجر الصحي، وقام الكثير من الموظفين في البيت الأبيض والساسة والمُشرّعين بالعمل من البيوت، وهذا يحيلنا اليوم إلى ما يحدث في العالم أجمع تجاه التعامل مع فيروس كورونا.
ومن جملة الكتب (448) التي أشرنا إليها اخترنا أحدث هذه الكتب في أول عرض له باللغة العربية، وهو بعنوان "الأمن البيولوجي والإرهاب البيولوجي ( Biosecurity and Bioterrorism) لمؤلفه جيفري رايان (Jeffrey Ryan) الصادر العام 2016/ الطبعة الثانية.

غلاف الكتاب
مؤلف الكتاب، الذي يتكون من 392 صفحة، هو ضابط متقاعد في الجيش الأمريكي وحالياً بروفيسور في قسم إدارة الطوارئ في جامعة جاكسونفيل في ولاية الاباما في معهد التأهب لحالات الطوارئ، وهو متخصص في بحوث الكشف عن مسببات الأمراض والأخطار البيولوجية والإرهاب الزراعي، ودور القوات العسكرية في الاستجابة للكوارث والمساعدة الإنسانية. وهو ما يعني أنّ المؤلف يملك الخبرة العملية كعسكري والخبرة البحثية كأكاديمي متخصص، ويقدم الاستشارات لكافة القطاعات العسكرية والمدنية.

من المفيد تسليط الضوء بالقراءة والتحليل لاحتماليات خطر الإرهاب البيولوجي والتوعية المجتمعية منه

في مقدمة الكتاب يؤكد المؤلف ما سبق أن ذكرناه أنّ هجمات 11 أيلول 2001، وما تلاها من هجمات الإنثراكس، نبّهت السلطات الأمريكية الى مخاطر الإرهاب البيولوجي، ودعت إلى تحديث الإجراءات الوقائية والقوانين والأنظمة لمواجهة مخاطر الإرهاب، ونحن نتحول من عصر المعلومات إلى عصر الإرهاب في القرن الواحد والعشرين، وأنّ هدف الكتاب هو لتوعية الجمهور بهذا الخطر على المجتمعات.
في وصف الكتاب، نلاحظ أنّه يأخذ نهجاً شاملاً للأمن البيولوجي، مع تغطية مسببات الأمراض، والوقاية، ومنهجية الاستجابة، وهو يعالج هذه المخاطر في سياق تقييمات الضعف واستراتيجيات التخطيط التي يمكن للحكومة والصناعة استخدامها للتحضير لمثل هذه الأحداث والتصدي لها.
والكتاب منظّم في أربعة أقسام حسب الموضوع: الجزء الأول يقدم شرحاً مفاهيمياً للحرب البيولوجية والإرهاب البيولوجي والقوانين التي يتعين علينا التصدي لها.
ويعرف الإرهاب البيولوجي بأنّه "الاستخدام المتعمد للميكروبات، أو السموم المستخرجة من الجزئيات الحية بهدف التسبب بالموت أو المرض للإنسان، والحيوانات، والمزروعات التي يعتمد عليها الإنسان" (ص5).

اقرأ أيضاً: مع التدخل التركي في ليبيا.. معركة تونس ضد الإرهاب تزداد صعوبة

ويتحدث عن تاريخ الإرهاب البيولوجي فيقول إنّه قديم في التاريخ، وإن كان في حاجة إلى المزيد من دراسة الحوادث والوثائق التي تؤكد ذلك، خاصة أنّه ليس هناك معلومات مؤكدة عن استخدام واسع ومتعمد للسموم والميكروبات حتى القرن الثامن عشر وظهور الأعمال الفردية للعلماء: باستور، وكوخ، وليستر، واكتشاف الميكروبات، لكن الإشارات الأولى تشير إلى قيام الجيوش في العصور الوسطى بتسميم مصادر المياه كنوع من الحرب ضد الأعداء.

لكنه لا ينسى أن يشير الى بعض الحوادث التاريخية على استخدام الجراثيم والسموم في الحرب؛ مثال على ذلك استخدام الآشوريين في القرن السادس قبل الميلاد لفطر الشوفان السام لتسميم آبار المياه لأعدائهم في الحروب. (ص8)
ويشير المؤلف الى أنّ أول حالة معروفة ومسجلة في الولايات المتحدة لدى الأجهزة الأمنية حول النية في استخدام الإرهاب البيولوجي تعود الى العام 1970 من قبل جماعة يسارية نشطت في الستينيات والسبعينيات تُدعى "منظمة الطقس تحت الأرض (WUO)"، وكانت جماعة إرهابية محلية يسارية متطرفة تأسست في حرم آن أربور بجامعة ميشيغان، تُسمى في الأصل الأرصاد الجوية، وأصبحت المجموعة معروفة بالعامية باسم الأرصاد الجوية. تم تنظيمها في العام 1969 كفصيل من الطلاب من أجل مجتمع ديمقراطي مؤلف في معظمه لقيادة المكتب الوطني لـ"خطة القرار الاجتماعي SDS" وأنصارهم.

أثارت هجمات الإنثراكس العام 2001 التي تُعتبر حسب الخبراء من المواد البيولوجية الإرهابية المزيد من الهلع

كان هدفهم السياسي، بعد العام 1974، هو إنشاء حزب ثوري للإطاحة بالإمبريالية الأمريكية. حاولت هذه الجماعة الإرهابية ابتزاز أحد الضباط الأمريكان الذين يعملون في أحد المختبرات للحصول على مواد بيولوجية بهدف تسميم مصادر المياه في الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك قائمة بعدد من هذه الحوادث مرتبة حسب التاريخ. (ص14)
ويبحث الجزء الثاني من الكتاب في العوامل البيولوجية المعروفة والتهديد الناجم عن الأمراض الناشئة؛ ويركز الجزء الثالث على الإرهاب الزراعي والأمن الغذائي؛ ويعرض الجزء الرابع المبادرات الدولية والأمريكية والمحلية للدفاع البيولوجي والأمن البيولوجي، وهناك "دراسات حالة" توضح كيفية الدفاع البيولوجي ضد الإرهاب المتعمد، والانتشار وتفشي الأمراض الطبيعي على حد سواء.

أما السمات الرئيسية لمواد الكتاب فهي تغطي التهديدات الناشئة من الأنفلونزا الجائحة، وسلالات مقاومة للمضادات الحيوية من مسببات الأمراض البكتيرية، وأمراض الجهاز التنفسي الحادة الناجمة عن الفيروسات الجديدة، عروض التغطية الدولية المتزايدة، بما في ذلك مبادرات لمكافحة البيولوجية الأسلحة والتهديدات، والأمن الغذائي وتحديث البروتوكولات الطبية للتعامل مع التهديدات البيولوجية ودراسات حالة جديدة.

اقرأ أيضاً: الإرهاب: النظرية والتاريخ والتحديات المعاصرة
ويشتمل الكتاب كذلك على مواد تعليمية للطلاب المدربين على الإنترنت، وعرض الشرائح PowerPoint، وأسئلة الاختبار، ودليل للمدربين لزيادة فعالية قراءة وتحليل مواد الكتاب للمهتمين خاصة مديري أمن الرعاية الصحية؛ لما فيه من فائدة في كيفية إدارة الخوف والذعر إذا كان أحد مسببات الأمراض غير معروف ويمكن أن يسبب الموت، كذلك هو مفيد لأمن المختبرات الطبية التي تبحث في مجال الأمراض البيولوجية.

هذا ويحذر المؤلف من إمكانية حيازة الجماعات الإرهابية مثل؛ القاعدة وداعش للمواد البيولوجية واستخدامها إذا توافرت لها القدرة والإمكانيات المناسبة، خاصة في ظل حديث الكثير من الأبحاث والمصادر عن ضعف وانكشاف وهشاشة الكثير من المجتمعات في مواجهة خطر الإرهاب البيولوجي في ظل تزايد إمكانية الحصول عليها بسبب التطور التكنولوجي المتاح للبشرية اليوم، ونجاح الجماعات الإرهابية في تبنّي واستخدام الكثير من منتجات العولمة التكنولوجية.

عدم قدرة البعض تخيل أن يستطيع إرهابي استخدام المواد البيولوجية للإرهاب لا يعني أنّه لن يحدث مستقبلاً

ومثلما كانت هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 نقطة تحوّل في تاريخ العلاقات الدولية، والمجتمع الدولي، والعالم وفتحت الباب لكثير من حركة التأليف والنشر والجدل التاريخي والفلسفي، فإنّ فيروس كورونا المستجد شكل نقطة تحّول أكثر عمقاً واتساعاً من هذه الهجمات، وهذه التحولات ستضرب عميقاً في أسطوغرافية الأحداث التاريخية التي سيشهدها عصرنا الحالي وتؤثر في الأجيال القادمة.
ونقتبس من رواية الجحيم لدان بروان قوله "إنّ مجرد كون العقل البشري لا يستطيع تخيل حدوث شيء.. لا يعني أن ذلك لن يحدث"؛ ولذلك، فإنّ عدم قدرة البعض منّا على تخيل أن يستطيع إرهابي مجنون أو عبقري أن يستخدم المواد البيولوجية للإرهاب، لا يعني أنّه لن يحدث مستقبلاً.

للمشاركة:

"سيد قطب والأصولية الإسلامية": هل تجاوز الإخوان هذا الفكر؟

2020-03-17

يرى الكثير من الباحثين والمتتبعين لمسيرة الأصولية الإسلامية أنّ سيد قطب قد شكّل مرحلة انعطاف راديكالي في تاريخ الفكر الأصولي الإسلامي بشكل عام، والفكر الحركي والسياسي الإخواني في مصر بشكل خاص، وذلك بتكريس القطيعة النهائية مع الفكر السلفي الإصلاحي النهضوي، وتبنّي خطاب التكفير والجهاد والعنف الحاقد في مواجهة الدولة والمجتمع تحت شعارات "الحاكمية" و"الجاهلية" و"التكفير"... التي تبنّاها قطب في مواجهة النظام الناصري والدولة القومية الناشئة آنذاك، بعد أن طور تلك الأفكار عن المودودي رغم تباين السياقين؛ الهندي والمصري.

يرى كثيرون أنّ سيد قطب شكّل مرحلة انعطاف راديكالي في تاريخ الفكر الإسلامي الأصولي والحركي

وقد عملت تلك الأفكار على التمهيد النظري والحركي لميلاد جيل جديد من التنظيمات والجماعات الإسلامية الجهادية التي اتخذت العنف منهجاً وطريق الاغتيالات مسلكاً وأسلمة الدولة والمجتمع وبناء الدولة الإسلامية أو الخلافة الإسلامية غاية وهدفاً، "كحركة الجهاد" و"حركة التكفير والهجرة" وغيرها فيما بعد.
لكن يبقى السؤال الذي يحتاج إلى التفسير: ما طبيعة التحول الذي أدى بسيد قطب الشاعر والناقد الأدبي الرومانسي الذي كان تلميذاً ومريداً وثيق الصلة بالأديب المصري عباس العقاد، متنوراً على طريقة طه حسين، وفدياً من أنصار الوطنية المصرية، ومصلحاً اجتماعياً ذا نزعة يسارية واضحة، وواحداً من رجال الانتليجنسيا القومية شبه العلمانية في ذلك العصر، ليختار الانضمام إلى صفوف الإسلام السياسي ويحمل لواء حركة الإخوان المسلمين التي طالما انتقدها من قبل؟ هل هو الفشل في تحقيق الأحلام الطوباوية لذات الشاعر الرومانتيكية الحالمة؟ أم هي صدمة الحداثة الغربية التي تركت أثرها البين على فكر الكثيرين من رجالات النخبة المصرية آنذاك وقطب واحد منهم؟

عملت أفكار قطب على التمهيد النظري والحركي لميلاد جيل جديد من التنظيمات والجماعات الإسلامية الجهادية
وهل يعود الأثر الذي تركه في فكر وتوجهات جماعة الإخوان المسلمين وتفرعاتها اللاحقة إلى صفات خاصة في شخصية وفكر سيد قطب؟ أم إلى ملابسات المرحلة التاريخية التي عاش فيها سيد قطب والنسق الفكري الأيديولوجي السائد الذي يعلي من دور الفرد في التاريخ؟

من هذا السؤال ينطلق الباحث والمؤرخ المصري شريف يونس في كتابه "سيد قطب والأصولية الإسلامية" الصادر عن دار طيبة للدراسات والنشر في مصر في طبعة أولى وعن مكتبة الأسرة في مصر بطبعته الثانية 2012 لدراسة الأصولية الإسلامية من خلال حياة وتحولات أفكار واحد من أهم أعلامها في مجال الفكر الأصولي، ومحاولة تقديم رؤية موضوعية لحياة سيد قطب في مختلف مراحلها، ورؤية جامعة لأفكاره السياسية في إطار الأفكار السياسية التي عاصرها، من خلال تتبع سيرة حياته وتحولاته العاصفة ودراسة تطوره الروحي والفكري وبنية أفكاره الأخيرة التي تركت أثرها الواضح على الفكر السياسي لمختلف الجماعات والتيارات الإسلامية.

ما طبيعة التحول الذي أدى بسيد قطب ليختار الانضمام إلى صفوف الإسلام السياسي؟

يستعرض الكتاب على مدار خمسة فصول متداخلة طفولة ونشأة سيد قطب، وخلفيته الاجتماعية والفكرية في أسرة ريفية من صغار الملّاكين الميسورين في قرية موشا القريبة من أسيوط في الصعيد المصري، ودور الأم ذات الشخصية القوية والمنحدرة من عائلة عريقة النسب في تربيته وعلو ذاتيته وطموحه، ثم انتقاله إلى المدينة لاستكمال تعليمه، وترافق ذلك مع تدهور حال الأسرة المادي واضطراره ليكون السند والمعيل لها في مرحلة مبكرة من شبابه، والتي شكلت أول صدمة اختبار لتلك الذاتية المشبعة بأحلام العظمة الرومانتيكية لإثبات ذاتها في مدينة كبيرة بدون السند الاجتماعي الذي كان يعضدها ويغذي تميزها في الريف الصغير. وهو ما "جعله يهرب من كل مظاهر الطفولة واكتساب شخصيته نوعاً من التصلب والتقوقع النفسي".

ويلجأ الباحث للاستعانة بمنهج الديالكتيك الهيغلي لدراسة تحولات سيد قطب الفكرية وتطوره الروحي، والانطلاق من فرض أولي يقول بالطبيعة النخبوية للإنتليجنسيا المصرية وأفكارها الاجتماعية، ورؤيتها المتمركزة حول الذات للإصلاح الاجتماعي والسياسي والفكري، والتي تستند إلى إدراك صريح أو ضمني لوضعها كفئة اجتماعية متميزة ذات مصالح خاصة، بالإضافة لكونها معبرة عن مصالح طبقات اجتماعية أخرى، وأنّ هذه الإنتلجنسيا قد تعرضت لمفاعيل تهميش اجتماعي ضاغطة دفعت بقطاعات واسعة منها إلى تبني أيديولوجيا نخبوية انعزالية رافضة لقيم المجتمع الحديث في غمار الأزمة المزمنة لمسيرة التحديث في العالم العربي.
فرغم اتصال سيد قطب في مرحلة مبكرة من شبابه بالعقاد وانفتاحه من خلاله على عالم ثقافي جديد وثيق الصلة بالثقافة الأوروبية، سواء بالنسبة لمدارس الأدب أو الثقافة الأوربية عامة، سرعان ما اعتزل أستاذه الذي طالما كال له المديح وخاض لأجله الكثير من المعارك الأدبية، بل وهاجم العقاد نفسه بشكل غير مباشر في كتاباته الصحفية لأنّه لم يحظ منه بالاعتراف الذي يطمح إليه، علماً أنّ العقاد كان قد فتح السبيل أمامه لتأكيد ذاته وانتشال أسرته من ظروفها المادية الصعبة عن طريق العمل في الصحف، إضافة لوظيفته في وزارة المعارف.

اقرأ أيضاً: سيد قطب وفلسطين ... محاولة للفهم
وما زاد من التمزق النفسي والشعور بالاغتراب في ذات الشاعر الوافد من ثقافة ريفية أمام ثقافة وعادات وأخلاق النخبة المدينية هو عدم تحقيقه للمكانة التي يصبو إليها ويعتقد أنّه يستحقها سواء في عالم الأدب أو في المركز الوظيفي المتميز الذي كان يطمح إليه ويرى نفسه فيه، رغم كل ما قدمه من إسهامات واقتراحات لمحاولة إصلاح التعليم.

يستعرض الكتاب على مدار خمسة فصول متداخلة طفولة ونشأة سيد قطب وخلفيته الاجتماعية والفكرية وتحوّلاته

ولعلّ الفشل الأكبر في حياة سيد قطب بالتأقلم مع حياة المدينة والتي لفت إليها الكاتب وإن لم تأخذ الكثير من الاهتمام هو فشله في أعمق تجاربه الإنسانية بعلاقته العاطفية الوحيدة مع واحدة من بنات المدينة أكثر تشرباً لقيمها المتحررة نسبياً قياساً بالريف الصعيدي؛ "فازداد تمزقه الداخلي ما بين الميل إلى التأقلم مع مفاهيم الحضارة الحديثة-في إطار محافظ-وبين النزعة الصعيدية التقليدية في رؤيتها للمرأة ومعايير الحكم على أخلاقها".
تلك العلاقة ستترك أثرها البيّن فيما بعد في موقف قطب الأصولي من المرأة ومن القيم الحديثة والحضارة الغربية كلها، وستدفعه نحو عزلة داخلية صوفية، خاصة بعد تجربة سفره إلى الولايات المتحدة موفداً من وزارة المعارف لتطوير مناهج التعليم في بعثة أُثير حولها الكثير من الشكوك والتساؤلات؛ فمهمة "إصلاح التعلم" كانت وما زالت حتى اليوم هدفاً لحركة الإخوان للسيطرة على مناهج التعليم والثقافة في جميع البلدان العربية.

وهنا كما يشير الكاتب إلى أنّه "يبدأ تاريخ الداعية الإسلامي سيد قطب الذي حاول أن يجمع حوله الوطنيين (الحزب الوطني الجديد) والاشتراكيين (مصر الفتاة) والإخوان"، وأن يهلل للضباط الأحرار وانقلاب يوليو منتظراً تولي وزارة المعارف التي طالما كانت هدفاً له لتنفيذ برنامجه الإصلاحي الإسلامي، ويتحول بعد تردد إلى الانضمام إلى الإخوان المسلمين بعد أن خذله الضباط الأحرار، فيختار الطريق الأقرب إلى أفكاره ليهاجم السلطة الجديدة، ويتلقى حكماً بالسجن خمسة عشر عاماً في السجن الحربي ونصيباً فائضاً من التعذيب الجسدي الذي دفعه إلى الحقد حتى على الشعوب "التي تحطم من يريدون لها الخير وتصفق للمهرجين"، حسبما وصفها.

اقرأ أيضاً: سيد قطب وقصته مع يوسف شحاتة
ويقدم قطب خياره الوقوف في صف الإخوان كخيار استشهادي، ويصور نفسه مشروع شهيد، ويعمل من خلال تقويمه لتجربة الإخوان على بناء حزب انقلابي إسلامي من صفوةٍ مقاتلةٍ عقائديةٍ (العصبة المؤمنة)، ويتبنى ويطور أفكار المودودي، ويطعّمها بالنزعة الحنبلية-الوهابية المتشددة ليعلن كفر النظام والمجتمع، وشمول الجاهلية العالم كله، ويعلن مهمة بناء الإسلام من جديد التي تقوم على مبدأ الحاكمية والدمج التام بين الإسلام والسياسة، ويحتفي في داخل سجنه بنشر كتابه "معالم في الطريق" الذي سيصبح دليل عمل الحركة الإسلامية الراديكالية، ليستقيل سيد قطب الداعية وينبعث المقاتل، وتصبح العصبة المؤمنة أو الصفوة أو الفئة المختارة هي ذاتها الأمة الإسلامية المنوط بها إقامة النظام الإسلامي، أو دار الإسلام التي من حقها أن تغزو العالم كله. ويخلص من التوحيد بين الإسلام والحاكمية ورصد شمول الجاهلية للعالم كله إلى تعين مهمة الإخوان "بإعادة إنشاء الإسلام في الأرض" والفصل الحاسم بين الإخوان والعالم باعتبارهم "كينونة جديدة" تنشأ منفصلة عن جميع التشكيلات الوطنية أو القومية أو العالمية، وهو ما أطلق عليه سيد قطب "المفاصلة الشعورية".

يقدم قطب خياره الوقوف في صف الإخوان كخيار استشهادي ويصور نفسه مشروع شهيد

وهذه ليست المرة الأولى التي يهاجم فيها سيد قطب الأحزاب والقوى الوطنية والحضارة الغربية، لكنها الأكثر حقداً وعنفاً، إذ سبق له أن اعتزل العمل الحزبي في حزب الوفد وغيره، واتهم النخبة المصرية بالتغرب ومداهنة الاستعمار وخيانة القضايا الوطنية والتآمر على الهوية القومية والإسلامية.
يخلص المؤرخ شريف يونس بعد العرض المسهب والتحليل التفصيلي لأحداث حياة سيد قطب العاصفة وتاريخ الحركة الأصولية وأحداث التاريخ المصري التي عاصرها، وتأثر وأثر بها، إلى القول إنّ اهتمامه بدراسة حياة سيد قطب ينبع من إيمانه بأنّ "للعلوم الإنسانية، خصوصاً في بلادنا، رسالة أيديولوجية تتمثل في تحرير الإنسان من دوغما العقائد المغلقة وإخضاعها للمناقشة الفكرية وأنسنتها، فضلاً عن تحرير الإنسان من أفعال الإيمان غير العقلانية، ومن الاندفاع نحو هاوية التعصب الأعمى النابع من الرغبة في الفناء في مبدأ أو شخص أو اتجاه يفرض نفسه باعتباره اختزالاً كاملاً للحقيقة". وأنّ مواجهة سيد قطب وتحليل أفكاره علمياً لا يقلل من احترام تجربته الشخصية التي أدت به إلى تشييد هذه البنية اللاعقلانية المغلقة ودفع حياته ثمن ذلك، وفهم مجريات تطوره الروحي والفكري باعتبارها ظواهر موضوعية لها أساسها في العصر وتياراته وظروفه الاجتماعية والسياسية، وأنّه لابد من الكشف عن قوة تأثير هذا البنية الفكرية وميزاتها التي مكنتها من منافسة عقل التنوير المجرد الذي فقد إلى حد كبير حدس الواقع.

إنّ رفض الخطاب الأصولي الراديكالي لمنطق العقل والقيم والأخلاق الحديثة لا يجد تفسيره في الطبيعة الطوباوية والأخلاقية لمشروع الإسلام السياسي فحسب، بل في استخدام هذه القيم ومنطلقات العقل المجرد في تبرير وضع الدولة القومية واستبداد سلطاتها السياسية، وفشل سياساتها التنموية التي أدت إلى تهميش قطاعات واسعة من السكان ومن الانتليجنسيا خصوصاً، وسدت الأفق أمام الحراك الاجتماعي للطبقة الوسطى ذات الأصول الريفية؛ فهذه الفئة الاجتماعية التي مثلت الحامل الاجتماعي لأفكار الأصولية الإسلامية الراديكالية اللاعقلانية "تعبر عن لاعقلانية وضعها الاجتماعي في إطار مفاعيل التهميش الجارية، وعن "لاعقلانية" عقل التنوير المجرد وفشله في إدراك أزمتها".

للمشاركة:



ما قصة استيلاء تركيا على طائرة معدات طبية إسبانية لمواجهة كورونا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-04

رغم تفاخر تركيا بإرسال معدات طبية إلى إسبانيا لمواجهة فيروس كورونا، إلا أنّ وزارة الخارجية الإسبانية اتهمتها بالاستيلاء على طائرة مُحمّلة بأجهزة تنفس كانت فى طريقها من الصين إلى إسبانيا قبل ذلك.

وقالت وزيرة الخارجية الإسبانية جونزاليس لايا، اليوم؛ إنّ الحكومة التركية تحتجز فى أنقرة شحنة من الإمدادات الطبية التي اشترتها إسبانيا من الصين منذ السبت الماضي، مشيرة إلى أنّ تركيا شدّدت مؤخراً إجراءاتها حول بيع وتصدير الأجهزة الطبية، لضمان الاكتفاء الذاتي.

وزيرة الخارجية الإسبانية: الحكومة التركية تحتجز شحنة من الإمدادات الطبية التي اشترتها إسبانيا من الصين منذ السبت الماضي

وأضافت لايا؛ أنّ الأجهزة تمّ شراؤها لإقليمي كاستيا دي لامنشا ونبارا، ومع ذلك استولت عليها تركيا منذ السبت الماضي، مؤكدة أنّ مفاوضاتها مع نظيرها التركي للإفراج عن الطائرة، لم تحقق أي نتائج.

وكانت تركيا قد أعلنت في وقت سابق عن إرسال طائرة مساعدات إلى إسبانيا وإيطاليا حملت مستلزمات طبية كالأقنعة والملابس الواقية ومواد تعقيم سائلة مضادة للجراثيم، "تمّ إنتاجها بإمكانات وطنية في مصانع وزارة الدفاع ومؤسسة تصنيع الآلات والمواد الكيمياوية".

وقالت وزارة الدفاع التركية، في بيان، إنّها تلقّت شكراً من نظيرتها؛ "المدير العام لسياسات الدفاع في وزارة الدفاع الإسبانية الجنرال فيغيروا، قال إنّ الشعب التركي أظهر تضامناً مع الشعب الإسباني".

من جهة أخرى، استنكر الرأي العام في تركيا إرسال مساعدات باسم الرئاسة فيما يوحي بأنها مقدمة من الرئيس وليس الجمهورية التركية، إذ تمّ رصد عبارة "رئاسة الجمهورية التركية" عوضاً عن "تركيا" على صناديق المساعدات التي أرسلتها أنقرة إلى كل من إيطاليا وإسبانيا بتعليمات من الرئيس رجب أردوغان، في إطار حملة مكافحة فيروس كورونا المستجد.

من الجدير بالذكر أنّ السلطات الإسبانية أعلنت أمس، عن تسجيل أكثر من 900 وفاة لليوم الثاني على التوالي، ليصل إجمالى الوفيات إلى أكثر من 10 آلاف و935 حالة، بعد تسجيل 935 وفاة خلال 24 ساعة، وبلغت الإصابات 117 ألفاً و710 حالات، لتصبح الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة الأمريكية.

للمشاركة:

الحكومة النيجيرية تعلن مقتل 63 إرهابياً في معارك على حدودها الجنوبية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-04

أعلنت الحكومة النيجرية، في بيان صحفي بثه التلفزيون الرسمي، عن مقتل 4 عسكريين نيجيريين، و63 إرهابياً في معارك بين الجيش ورجال مدججين بالسلاح، أول من أمس، في منطقة تيلابيري القريبة من مالي غرب البلاد.

وقالت وزارة الدفاع النيجيرية في البيان؛ إنّ عناصر من القوات المسلحة النيجيرية قد اشتبكوا مع مجموعة من الإرهابيين المدججين بالسلاح على متن آليات عديدة ونحو 50 دراجة نارية، مشيرة إلى أنّ "الحصيلة المؤقتة هي 4 قتلى و19 جريحاً في الجانب الصديق و63 إرهابياً تمّ شل حركتهم في جانب العدو".

وزارة الدفاع النيجيرية: الاشتباك في منطقة تيلابيري أسفر عن 4 قتلى من القوات المسلحة النيجيرية و63 إرهابياً

وأضاف البيان أنّ هذه المعارك الطاحنة التي وقعت في "تاما لاولاو في منطقة أبالا بمقاطعة تيلابيري"، تأتي في إطار عملية "ألماهاو" لمكافحة الإرهاب، حيث أُجبر المهاجمون على الفرار، وتمكّن الجيش من مصادرة عشرات الدراجات النارية والأسلحة والمعدات المتنوعة التي تعود للمهاجمين.

وتقع مقاطعة تيلابيري في منطقة الحدود الثلاثية بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو، وقد منعت التنقلات فيها على دراجات نارية منذ كانون الثاني (يناير)، بهدف الحدّ من عمليات الجهاديين الذين يستخدمون الدراجات النارية.

وتفيد حصيلة رسمية أنّ 174 جندياً قتلوا في 3 هجمات بالمنطقة في كانون الأول (ديسمبر) وكانون الثاني (يناير)؛ بينها هجومي "شينيغودار"، الذي سقط فيه 89 قتيلاً في الثامن من كانون الثاني (يناير)، و"غيناتيس" الذي سقط فيه 71 قتيلاً في 10 كانون الأول (ديسمبر).

للمشاركة:

قرقاش يحذر من "معرقلين" اتفاق الرياض في اليمن.. هذا ما قاله

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-04

شدّد وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية؛ الدكتور أنور قرقاش، على ضرورة التنفيذ الفوري لاتفاق الرياض، الذي أصبح ضرورياً مع التطورات الحالية التي يشهدها اليمن، لمواجهة الانقلاب الحوثي، ودعم جهود احتواء وباء كورونا، مُحذراً ممّن وصفهم بـ "أحصنة طروادة" المراوغين في تنفيذ الاتفاق.

قرقاش: اتفاق الرياض يوحد الصف لمواجهة الحوثي ويُمهد للحل السياسي ويُعزّز جهود مواجهة فيروس كورونا

ونشر قرقاش تغريدة على حسابه في موقع "تويتر"، أكّد فيها أنّ اتفاق الرياض يوحد الصف لمواجهة الحوثي ويُمهد للحل السياسي ويُعزّز جهود مواجهة فيروس كورونا؛ "التنفيذ الفوري لاتفاق الرياض ضروري على ضوء التطورات الحالية في اليمن، الاتفاق يوحد الصف لمواجهة الحوثي ويمهد للحل السياسي ويعزز جهود مواجهة فيروس الكورونا، أما الرهان والمراوغة ضد السعودية الشقيقة من قبل (أحصنة طروادة) فما هو إلا رهان حزبي انتهازي خائب وسيفشل"، وفق ما أورد موقع "العين" الإخباري.

وكانت الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي قد وقعا على "اتفاق الرياض" برعاية الملك سلمان بن عبد العزيز وبحضور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي وولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد ورئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، بهدف وقف التصعيد في الجنوب بين المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات التابعة للحكومة اليمنية.

وقد دشّن اتفاق الرياض مرحلة جديدة من وحدة الصف في مواجهة الانقلاب الحوثي المدعوم من إيران، كما وجّه ضربة موجعة للمخططات الإخوانية التي عملت على تغذية شق الصف اليمني؛ ما صبّ في مصلحة الانقلاب الحوثي.

يُذكر أنّ السلطات اليمنية والمنظمات الدولية، لم تُعلن حتّى الآن عن أي إصابة بفيروس كورونا في اليمن، لكنّ خطر تفشي الفيروس ما زال قائماً بعد وصوله إلى دول الجوار، وقد قدّمت منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والمساعدات الإماراتية، 81 سيارة إسعاف و6 عيادات متنقلة، لـ 13 محافظة في المناطق الجنوبية والشرقية من اليمن، استعداداً لاحتمال تفشي الفيروس، بحسب موقع العربية.

للمشاركة:



إيران وتركيا.. ذرائع أقبح من ذنب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-04

علي قاسم

قاربت أرقام الإصابات بفايروس كورونا المليون إصابة، أما الوفيات فهي على مشارف الخمسين ألف. رغم ذلك هناك حيرة وعدم وضوح في التعامل مع الجائحة.

الحكومات ليست واثقة في اتخاذ قراراتها، وإلى أي مدى يمكن أن تذهب لمنع انتشار الفايروس؛ الحجر الصحي الذي أعلنته حكومات الدول تختلف مقاييسه من دولة إلى أخرى، هناك من اكتفى بإلغاء المناسبات والأنشطة التي يحضرها عدد كبير من الناس، ونصح بالابتعاد عن المطاعم والبارات والمناسبات الاجتماعية.

وعلى العكس من الإجراءات الخفيفة التي اتخذتها بعض الدول، اتخذت دول أخرى إجراءات صارمة وصلت إلى حد فرض حجر تام ومنع تجوال، واستعانت على إكراه الرافضين للإجراءات بقوى الأمن والجيش.

هذا التفاوت في الإجراءات المتخذة لمواجهة فايروس كورونا له ما يبرره في معظم الحالات. ومبرره الأول الوضع الاقتصادي للبلد. أن يكون البلد غنيا، فهذا يعني بالضرورة أنه قادر على توفير العناية الصحية بالحالات الصعبة، وقادر على تركيز العناية على الفئات الأكثر عرضة للخطر، ممن يعانون من أمراض مزمنة وكبار السن.

الوضع الاجتماعي مرتبط أيضا بالوضع الاقتصادي، وأشد ما تخشاه الحكومات هو التبعات الاجتماعية لأي قرار تتخذه. إذا التزم الناس في بيوتهم؛ فمن يطعمهم ومن يسقيهم؟ المعادلة بسيطة، إما أن نطعم الناس ونؤمن لهم العلاج والرعاية الصحية اللازمة، أو نتركهم طلقاء يسعون في الأرض وراء خبزهم كفاف يومهم.

“الزموا منازلكم” شعار ينفع مع ميسوري الحال، أو في دولة تستطيع أن تؤمن احتياجات مواطنيها. أما الفقراء فشعارهم، “أطعمونا أو اتركونا في سبيلنا نبحث عن طعم لنا ولأطفالنا”.

في إيطاليا أكثر الدول الأوروبية تضررا من الفايروس، ظهر شكل جديد من الفقر، بعد مضي أكثر من ثلاثة أسابيع من الحجر الصحي وعزل شبه كامل في البلاد. وهذا ما دفع صحيفة، كورييري ديلا سيرا، الإيطالية للتحذير من “قنبلة اجتماعية” محتملة، ومخاوف من أن تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة أمنية.

لا يغيب عن الحكومات وهي تأخذ قراراتها أن “الفقر يدفع إلى الجرائم والقتل وارتكاب السرقات”. في 26 مارس الماضي، اندلعت حوادث في محل تجاري في مدينة باليرمو بايطاليا، عندما حاول نحو عشرين شخصا مغادرته دون أن يسددوا ثمن مشترياتهم، وقالوا “نحن لا نملك نقودا لندفعها ويجب أن نأكل”. هذا هو الحال في دول تتمتع بقدر من الديمقراطية، هناك دول أخرى تتخذ قراراتها وفق مصالح سياسية، غير عابئة بمصالح مواطنيها، تركيا وإيران، مثلا على ذلك.

في إيران، فضل المسؤولون أن يتعاملوا مع الوباء ليس ببعده الصحي والاجتماعي، بل وفق منظور سياسي، وكما جرت العادة، اختار آيات الله مشجبا جاهزا يستخدم في كل أزمة، فالمسؤول عن تدهور الحال هم “أعداء إيران، والعقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة، والدول الغربية ومن والاها”.

آيات الله، المتورطين في سوريا ولبنان والعراق واليمن، لا تتفق مصالحهم مع اتخاذ إجراءات حجر صحي تفضي إلى إغلاق حدود البلاد وتوقف عبور البشر، الإيرانيون يعرفون ذلك، ويعرفون أن السلطات تسيّس الأزمة عندما تزعم أن السبب في الأزمة هو العقوبات المفروضة على البلاد.

أحد أهم الأسباب التي جعلت إيران مهزومة أمام كورونا، هو تكتمها على الإصابات وإخفائها، وكذلك التحرك المتأخر في اتخاذ التدابير اللازمة للمواجهة. وهناك معلومات تؤكد أن وزير الصحة الإيراني، أبلغ المسؤولين بوجود الفايروس قبل شهرين من الإعلان الرسمي عنه.

لا يختلف الحال مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وهو المتورط في سوريا وفي ليبيا؛ كلا النظامين يضع طموحاته السياسية قبل مصالح شعبه، وقبل مصالح شعوب المنطقة.

هناك نموذج ثالث برز في التعامل مع هذه الجائحة، استغل انتشار الوباء ليشدد قبضته على الحكم. وأصبحت ذريعة الخوف على الشعب وسيلته للاستبداد، وقد أثار هذا الموضوع الكثير من الجدل والمخاوف من أن تؤدي الحملات التي تشن بهدف مواجهة الفايروس، إلى حملات تنتهي بقمع الحريات الشخصية.

ومن هنا يمكن فهم المخاوف التي أبدتها دول الاتحاد الأوروبي من أن تهدد بعض تدابير الأزمة التي تم تطبيقها بالتزامن مع تفشي الفايروس، الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وبحسب بيان مشترك صدر الأربعاء، عبرت 13 دولة أوروبية عن مخاوفها من أن تفضي إجراءات طارئة إلى انتهاكات لمبادئ الديمقراطية، وطالبوا في بيانهم بضرورة أن تكون إجراءات الطوارئ قاصرة على ما هو ضروري بشدة.

حكومات كثيرة وجدت في انتشار الوباء فرصة لمهاجمة وسائل الإعلام، مما دفع الدول الموقعة على البيان إلى التشديد على أهمية حرية الصحافة.

ورغم عدم ذكر دولة محددة، هناك من ربط صدور البيان مع تصويت البرلمان المجري للسماح لرئيس الوزراء، فيكتور أوربان، بالحكم بموجب مرسوم دون حد زمني معين.

الميل نحو الديكتاتورية وصل أقصاه مع رئيس الفلبين، رودريغو دوتيرتي، الذي وجد في القتل بالرصاص، حلا يمكن اللجوء إليه إذا اقتضت الضرورة، مهددا كل من ينتهك الإجراءات المتبعة لاحتواء انتشار الفايروس، بأنهم قد يتعرضون لإطلاق النار عليهم إذا أثاروا المتاعب. “أوامري للشرطة والجيش هي أنه إذا كانت هناك اضطرابات، ورأيتم أن حياتكم في خطر، اقتلوهم رميا بالرصاص. هل هذا مفهوم؟ القتل.. سأدفنكم بدلا من أن تتسببوا في إثارة المتاعب”.

رغم أن الوباء الذي يواجهه العالم واحد، إلا أن الإجراءات المتبعة في مواجهته تتنوع وتختلف، وهي في النهاية تعكس طبيعة الأنظمة ونواياها.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

دراما رمضان بمصر... خبرة الكبار في مواجهة "أكشن الشباب"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-04

أحمد فاروق
يشهد موسم دراما رمضان 2020 في مصر، والذي سوف ينطلق بعد أسابيع، مواجهة ساخنة بين جيل الكبار بالوسط الفني، الذي يراهن في السباق على عامل الخبرة، وبين جيل الشباب الذي استطاع حجز موقع بارز في ماراثون رمضان عبر مسلسلات الأكشن والغموض.

مسلسلات «جيل الكبار» يقودها الموسم المقبل «الزعيم» عادل إمام، بمسلسل «فلانتينو»، والفنانة يسرا بمسلسل «دهب عيرة»، وذلك بعد غيابهما العام الماضي عن المنافسة الرمضانية، بجانب مسلسل «سكر زيادة» الذي تلتقي فيه الفنانتان نادية الجندي، ونبيلة عبيد، لأول مرة في تاريخهما الفني، فيما تعتمد أعمال جيل الشباب على الأكشن، على غرار مسلسل «النهاية» الذي يعود به الفنان يوسف الشريف لسباق رمضان بعد غياب عامين، و«الاختيار» الذي يقدم فيه أمير كرارة شخصية ضابط الصاعقة المصري الراحل أحمد المنسي، وكذلك «الفتوة» الذي يؤكد به الفنان ياسر جلال أنه أصبح من نجوم رمضان، بالإضافة إلى «البرنس» لمحمد رمضان، والمسلسل البوليسي «القاهرة كابول» للفنانين طارق لطفي وخالد الصاوي وفتحي عبد الوهاب.

ويرى نقاد مصريون أن كل الأعمال في رمضان تأخذ نصيبها من «تورتة المشاهدة»، حسب تنوع الفئات العمرية للمشاهدين وتوزيعهم الجغرافي، فمسلسلات جيل النجوم الكبار على سبيل المثال تستحوذ على نسب مشاهدة أكبر في الريف، وكذلك كبار السن الذين تناسبهم طبيعة هذه المسلسلات التي تهتم بالجانب الاجتماعي أكثر، عكس جيل الشباب وسكان المناطق الحضرية التي تهتم أكثر بمسلسلات الأكشن التي يتميز بتقديمها جيل الفنانين الشباب، وفق الناقد الفني خالد محمود.

ورغم أن فرص النوعين تبدو متوازنة في المنافسة على نسب المشاهدة، فإن محمود يضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «مسلسلات جيل الكبار سوف تكسب الرهان في نسب المشاهدة على أرض الواقع، فيما ستستحوذ أعمال جيل الشباب على الأضواء بحكم نشاطهم الحالي على مواقع التواصل الاجتماعي وقدرتهم على استغلالها لصالحهم».

ويتنافس نحو 20 مسلسلاً في ماراثون دراما رمضان المقبل بمصر، وتواجه بعض الأعمال مشكلات تتعلق بضغط الوقت بسبب تأجيل التصوير بسبب الإجراءات الوقائية بسبب فيروس كورونا.

ويتوقع محمود استحواذ مسلسل النجم الكبير عادل إمام على نسبة المشاهدة الأعلى بين مسلسلات الكبار، ليس فقط لأنه من النجوم القلائل الذين تحبهم الحياة ويحالفهم الحظ دائماً، ولكن لأنه أيضا يفاجئ الجمهور في كل مرة بتقديم موضوع مختلف، يستطيع من خلاله الحفاظ على شغف الجمهور بمتابعته، وهذا يتحقق منذ التزامه بتقديم مسلسل تلفزيوني رمضاني، قبل 8 سنوات تقريبا، بداية من «فرقة ناجي عطا الله»، مرورا بـ«العراف»، و«صاحب السعادة»، و«أستاذ ورئيس قسم» عام 2015. و«مأمون وشركاه»، و«عفاريت عدلي علام»، وحتى «عوالم خفية» العام قبل الماضي.

في المقابل، من المتوقع أن يحافظ الفنان أمير كرارة على بريقه ونسب المشاهدة المرتفعة التي حققها على مدار المواسم الثلاثة الماضية، وفق محمود.

ويغيب عن السباق الرمضاني المقبل عدد من النجوم الذين ارتبطوا برمضان، أبرزهم الفنان يحيى الفخراني وليلى علوي، وإلهام شاهين من جيل الكبار، بينما يغيب من جيل الشباب مصطفى شعبان لأول مرة منذ 8 سنوات، وعمرو يوسف، الذي خرج من السباق الرمضاني للعام الثاني على التوالي، وكذلك حمادة هلال، وأحمد السقا، ومحمد إمام.

«لا يمكن الرهان على جيل أو نوع دراما معين في موسم رمضان المقبل، فالجودة هي المقياس الحقيقي للنجاح أو الفشل»، وفق الناقد طارق الشناوي، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الجمهور لا يرحم، وأحكامه تكون قاسية جدا، لدرجة أنه قد يتخلى عن نجمه المفضل إذا لم يقدم له عمل يستحق المتابعة».

ومع ذلك، فإن الشناوي يرى أن غياب بعض الفنانين الكبار عن الموسم العام الماضي، والذين سمحت لهم الفرصة بالمشاركة هذا العام، ربما يحقق لهم ميزة إضافية، لأن عدم الوجود المستمر يخلق حالة من الترقب لدى الجمهور، وهي ورقة ستكون في صالحهم، لكنها لا تعني أنهم سيربحون السباق، باستثناء عادل إمام الذي يعد حالة خاصة، فالجمهور يحبه ويحرص على متابعته حتى إذا لم يقدم عملاً جيداً.

وعن جيل الشباب، يقول الشناوي إن «تقديم الأكشن في الدراما ليس طريقا مضمون النجاح كما قد يعتقد البعض، فهناك أعمالا ضعيفة وأخرى تفشل ولا يسمع عنها أحد»، مشيراً إلى أن «محمد رمضان لم يتوهج في أي مسلسل قدمه بعد (الأسطورة)، لكنه لم يفقد جماهيريته بشكل كامل حتى الآن، أما أمير كرارة وياسر جلال فلا شك أنهما استطاعا الحفاظ على سقف من النجاح لسنوات، وهو ما يؤكد أن قدرتهما على الجذب حقيقية وليست زائفة».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

خبراء: فشل سياسات السراج الاقتصادية تقود ليبيا نحو الهاوية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-04

براك الشاطئ

بينما يواجه العالم تفشي وباء كورونا المستجد، يعاني الشعب الليبي من وباء المليشيات المسلحة الذي أنهك البلاد سنوات طويلة.

وخلف هذا الوباء أثراً واضحاً في اقتصادها وأمنها، خصوصا في العاصمة طرابلس التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة، ويخوض الجيش الليبي من أجل تحريرها معركة "تطهير" شاملة منذ عام كامل.

وأجمع خبراء على أن فشل سياسات فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق، تقود ليبيا نحو الهاوية، خصوصا عقب الاتفاقية الأخيرة مع تركيا التي منح فيها - السراج - أنقرة حق التنقيب في المياة الإقليمية الليبية، مؤكدين أن السراج والصديق الكبير، محافظ مصرف ليبيا المركزي، هما من أشعلا وقود الحرب باستجلاب المرتزقة بأموال الليبيين لإطالة عمر الأزمة.

وأكد د. محمد صالح سويلم، الخبير الاقتصادي الليبي والمحاضر بجامعة سرت، أن التضخم الاقتصادي الذي تشهده البلاد جاء نتيجة الاستراتيجية الخاطئة في معالجة الأزمة والتراخي، ما أدى إلى تفاقمها.

وأضاف سويلم في حديث خاص لـ"العين الاخبارية"، أن "الكبير" و"السراج" متحكمان بشكل رئيسى في السوق السوداء وتجارة العملة، ووصفهما سويلم بزعيمي مافيا لا يهمهما سوى الاستحواذ على ثروات ليبيا وجني الأموال.

وأوضح أن السراج نجح في إطالة أمد صراعه مع الجيش الليبي بالمدخرات الليبية في المصرف المركزي، حيث جلب بها مقاتلين وعتاداً حربياً من تركيا، بالإضافة لمنحه النظام التركي مبالغ ضخمة تقدر بالمليارات لمواقفه المساندة له.

ورجح "سويلم" أن تقود السياسة الاقتصادية غير المدروسة مصرف ليبيا المركزي نحو الإفلاس، الأمر الذي ينذر بتصاعد التضخم الاقتصادي. 

ونوه الخبير الليبي إلى أن اتفاقية التعاون البحري بين السراج وأردوغان ستكون لها تبعات مستقبلية، إن لم تلغ، موضحاً أنها تمنح تركيا نسبة في الثروات الليبية في مياهها الإقليمية، ما يعد انتهاكا للسيادة الليبية.

ويتفق معه، الدكتور سالم القمودي الخبير الاقتصادي والمحاضر بجامعة سبها، حيث يرى أن السراج بارع في صناعة الأزمات وتعقيدها وإدخال ليبيا في متاهات.

وأضاف في تصريح خاص لـ"العين الإخبارية" أنه طوال الـ4 سنوات الماضية، صنع السراج أزمات اقتصادية وسياسية كبيرة، ما يؤكد أنها حكومة غير وطنية لها هدف معين؛ وهو أن تتعقد الأزمة في ليبيا.

وتابع القمودي أن المجلس الرئاسي تسلم 4 مليارات دينار لمواجهة الجيش الليبي، بينما لم يوفر لليبيين نصف القيمة في المصارف للقضاء على أزمة السيولة في البلاد، ولم ينفق على تحسين الخدمات للمواطنين.

وأشار إلى أن السراج يدفع لكل مرتزق 2000 دولار من أجل الدفاع عنه وعن بقاء تنظيم الإخوان في المشهد السياسي، بينما لم يوفر لأبناء الليبيين فرص عمل، فأصبحوا يعانون من سوء الأحوال الأقتصادية، لا سيما عقب اجتياح فيروس كورونا البلاد، موضحاً أن السراج لديه مهمة إدارة حرب وليس حل أزمات، فلا يشغل باله سوى "كيف يجلب مرتزقة ويحصل على أسلحة".

ومنذ انطلاق عملية "طوفان الكرامة"، سعى السراج لتوفير الدعم المالي الكامل واللازم للمليشيات وللجماعات الإرهابية، وفي 9 أبريل/نيسان الماضي، أصدر أوامر لديوان المحاسبة والمصرف المركزي بطرابلس ووزارة مالية الوفاق باستصدار القرارين رقم 497 لسنة 2019 و498 لسنة 2019.

وينص القراران على تخصيص ملياري دينار ليبي (1.4 مليار دولار) لمعالجة ما وصفه بـ"الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد"، وتخصيص 400 مليون دينار (286 مليون دولار) لصالح مليشيات وزارة دفاع الوفاق التي يرأسها السراج لتغطية احتياجاتها في محاولة لمواجهة تقدم الجيش الليبي باتجاه طرابلس.

كما أصدر السراج القرار رقم 499 لسنة 2019 بتخصيص 84 مليون دينار (60 مليون دولار) لصالح وزارة الدفاع من ميزانية الطوارئ.

وفى 8 مايو/أيار الماضي، أسقطت دفاعات الجيش الوطني الليبي طائرة من طراز "F1" كانت تغير على وحدات تابعة لـ"الجيش الوطني الليبي" بمحور الهيرة في طرابلس، وألقت القبض على الطيار، الذي أعترف في التحقيقات الأولية بأنه يعمل في قاعدة مصراتة الجوية ويتقاضى شهرياً 100 ألف دولار، وأن القاعدة التي يعمل بها تشمل 3 طيارين من جنسيات أخرى، و9 أشخاص (فنيي طائرات وطيارين) برواتب تتراوح من 10 إلى 20 ألف دولار في الشهر.

ولم يقتصر الأمر على المرتزقة في سلاح الجو، بل استأجرت "الوفاق" مرتزقة تشاديين بمقابل مالي 3 آلاف دينار يومياً (ألفي دولار) لكل فرد تم تخفيضها لاحقاً إلى 1200 دينار يدفعها زعيم المليشيات أسامة الجويلي.

ومن أبرز هذه الصفقات إرسال حكومة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان سفينة "أمازون" التركية من ميناء سامسون التركي إلى طرابلس في 18 مايو/أيار الماضي، محملة بـ40 مدرعة تركية من نوع كيربي لصالح المليشيات.

كما أرسلت حكومة أردوغان في 16 مايو/أيار، طائرة تركية من طراز أنتينوف قادمة من أنقرة وعلى متنها عدة طائرات بدون طيار.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية