"أزمة التنظيمات الإسلامية": لماذا تصل الحالة الإسلامية إلى طريق مسدود كل مرة؟

9158
عدد القراءات

2018-09-05

قراءة في كتاب "أزمة التنظيمات الإسلامية/الإخوان نموذجاً" لجاسم سلطان


انطلاقاً من فكر النهضة وبعد مضيّ أكثر من قرن على سؤال روّادها الأوائل "لماذا تخلّف المسلمون وتقدم الغرب؟" يستلهم جاسم سلطان صاحب "مشروع النهضة" من ذات السؤال مادة كتابه "أزمة التنظيمات الإسلامية- الإخوان نموذجاً"، لكن بعد أن ينقله من فضاء الفكر العام إلى فضاء الفكر الخاص بالتنظيمات الإسلامية ليسأل: لماذا هذا المسار؟ وما الذي يجعل الحالة الإسلامية تصل إلى الطريق المسدود المرة بعد الأخرى؟ ويصطدم الأمل بإقامة دولة الإسلام بإنتاج دولة فاشلة: في مصر كما في باكستان كما في السودان.. والصومال والجزائر، "فيما شكلت تجربة ماليزيا وتركيا استثناءً في صناعة نجاحات مقدّرة، فكلتا التجربتين بنت نموذجها على الأسس الغربية المعروفة".

اقرأ أيضاً: ملامح سقوط المشروع الإخواني

هذا السؤال المحوري، وما تفرّع منه من أسئلة تتناسل من بعضها، هي مكنون جعبة سلطان الفكرية، وهو إذ يفتح جعبة أسئلته تلك يفتحها بتردد حذر كمن يفتح جرحاً دقيقاً، وهو الطبيب المتخصص في المهنة قبل أن ينحو باتجاه التفرغ لعلوم النظر والعمل الفكري، ما يعكس توجّسه منذ البدء من ردود فعل قد يثيرها الكتاب في توقيته وحساسية مواضيعه.

صدر الكتاب عن الشبكة العربية للدراسات والنشر- بيروت / 2015

تقبل نقد الذات

مادة الكتاب، الصادر عن الشبكة العربية للدراسات والنشر- بيروت- 2015 "تتناول حركة الإخوان المسلمين وإن كان مجمل الأفكار هو قاسم مشترك عند الجميع بسبب الاستدعاءات التراثية والتصورات الكبرى التي يحملها مجمل التيار الإسلامي"، وهو واحد من سلسلة كتب للمؤلف القادم من خلفية فكرية وتنظيمية إخوانية سابقاً، والتي عمل على نشرها ضمن مشروعه "إعداد قادة النهضة" الذي أطلقه بداية العام 1984 بعد أن شارك في حلّ تنظيم الإخوان المسلمين في قطر الذي كان أحد كوادره، وواحداً من قادته في مرحلة سابقة.

مجمل أفكار الجماعات الإسلامية وضمنها الإخوان المسلمون تشترك بالاستدعاءات التراثية والتصورات الكبرى

ولما كان كل سؤال يستبطن جواباً مضمراً في مقاصده النقدية، يغدو سؤاله "لماذا كانت تجربة تركيا وماليزيا استثناءً" سؤالاً مفهوماً، وتوجّسه منه مبرراً، وإن أعفى نفسه من تسمية النموذج الغربي للدولة الحديثة باسمه الصريح، أو تبنيه علانية بشكل مباشر منذ البدء، فمقولات "الدولة الوطنية" أو "الدولة الديمقراطية" أو "الدولة العلمانية" و"المواطنة" و"فصل الدين عن الدولة" و"حقوق الإنسان" و"حقوق المرأة"... و"المجتمع المدني"، غدت كلها مقولات غربية مكفّرة، أو مرذولة، أو منكرة، أو مرفوضة، أو لا تناسب الحالة الإسلامية وفكر الإسلام في أحسن الأحوال! فكيف إذا كان فكر الإسلام المعني بالسؤال اليوم هو فكر الإخوان والتنظيمات الإسلامية التكفيرية والإسلام الحركي؟

اقرأ أيضاً: هل اختطف الإخوان حركية الجماهير العربية؟

ولما كان ثمة صعوبة في سؤال الآخر ونقده بقدر من الموضوعية وانفتاح العقل وفهم الاختلاف، بعيداً عن روح العداوة الموروثة من الإرث الإمبراطوري وصدمة المرحلة الكولونيالية وتبعاتها الاستعمارية، فأيّ صعوبة وعقبات ستكون في تقبل نقد الذات وسؤال الذات؟ ولما كان الآخر موجوداً دائماً وتأثيره في حركة التاريخ واقعاً قائماً، فلا بد من مواجهة الواقع بسؤال الذات؛ "فالتخلف والتقدم هما ابنا طرق التفكير في المجتمع.. وهما ابنا التصورات العميقة الحاكمة لتصوراتنا عن العالم وفي العالم.. ومن دون معالجة هذه بصدق وصراحة فلا طريق للمستقبل".

جاسم سلطان

قضايا السطح والعمق

لا يخفى على جاسم سلطان أنّ قضايا السطح هي قضايا العمق، وأنّ التحديات أمام الفكر الإسلامي هي نفسها في الحالين، لكنه اقتصر في كتابه هذا على "قضايا السطح" فيما أفرد لقضايا العمق كتاباً آخر تماشياً مع الانفصال النسبي للسياسي والأيديولوجي عن الخلفية النظرية والعمق الفكري، إضافة إلى أن القضايا السياسية والأيديولوجية ظرفية ومرحلية متغيرة حسب واقع الحال ومقتضى المصلحة والانتفاع، بينما القضايا الفكرية أكثر ديمومة وأقل استجابة لتغيرات الظروف والأحوال، فكيف إذا كان العمق الفكري عمقاً دينياً تكتسب فيه الأعراف والعادات والاجتهادات البشرية مع مرور الوقت قداسة لا تقل عن قداسة النص ذاته، بل قد تنوب عنه أو تذوب فيه!

الكتاب واحد من سلسلة للمؤلف القادم من خلفية فكرية وتنظيمية إخوانية سابقاً ضمن مشروعه "إعداد قادة النهضة"

لذلك أطلق سلطان على جملة مساءلاته "الأسئلة المربكة" لأنّه يصعب على العقل الأيديولوجي والمعتقد الإيماني المغلق التعامل معها. هذه الأسئلة من نوع: "هل نحن إسلاميون أم مسلمون؟ كيف نستغل الخلاف ونطور فكرة الخلاف؟ الإسلام نظام شامل أم منظور شامل للحياة؟ هدفنا: التمكن من المجتمع أم تمكين المجتمع؟ مهمة الدين السيطرة أم البلاغ؟ العالم هل هو دار حرب أم دار دعوة؟ هلاك العالم أم هداية العالم؟ سؤال الدولة !!، هويتنا أم هيمنتنا؟!، الخوف من الحرية!، الخلافة بين المخيال والواقع!".

كل تلك الأسئلة التي تستمد مشروعيتها من سؤال النهضة الأول جعلها جاسم سلطان تمهيداً ومدخلاً للاشتباك مع أفكار التنظيمات الإسلامية عبر استعراض تاريخي لنشأة تلك التنظيمات وقناعاتها المعتقدية وأحلامها، عبر رصده وتتبعه لواقع وزمن النشأة المأزوم عالمياً وإسلامياً، والذي سيترك أثراً بيّناً في بنية وهيكلية التنظيمات الإسلامية وغيرها على السواء، بما استلهمته من الفكر النازي والفاشي على الصعيدين: الفكري، والتنظيمي العسكري، مع دغدغة أحلام المرحلة الإمبراطورية وصورة متخيلة عن الذات والتاريخ، تنهل من ذاكرة انتقائية عملت على تطويع الواقع والعالم لمقتضى أفكارها وأحلامها وغاياتها بدل أن تطوّر أفكارها وأهدافها على إيقاع حركة تقدم العلم والعالم والتطور والتاريخ؛ فغرقت في الشمولية والتعصب والانغلاق في الفكر والتطرف في الممارسة، وجعلت من أفكارها معيار الحقيقة، ومن سلوكها معيار القيم، ومن فقهها معيار العلم، ومن إسلامها معيار الدين، ومن الإيمان بها معيار الإيمان.

اقرأ أيضاً: القيادي المنشقّ البشبيشي: أفكار الإخوان خبيثة وفاسدة

ألم يقل حسن البنا "نحن الإسلام أيّها الناس، فمن فهمه على وجهه الصحيح فقد عرفَنا كما يعرف نفسه"؟ وألم يكن في وصفه جماعة الإخوان في رسالة المؤتمر الخامس بقوله: "فهي دعوة سلفية وطريقة سنية وحقيقة صوفية وهيئة سياسية وجماعة رياضية ورابطة علمية ثقافية وشركة اقتصادية وهيئة اجتماعية" تأكيداً للشمولية، وفي وصفه للإسلام على أنّه شامل "دين ودولة" كما يقول في "رسالة التعاليم" تأكيد آخر؟

وتستطيل الجماعات فتدّعي أنها تمتلك النظم الشاملة التي ستطبقها ريثما تصل إلى سدة الحكم ثم تعود الخلافة الراشدة، والحقيقة التي يقرّرها المؤلف: "أنّ هذه الجماعات تملك منظورات شاملة لا نظماً شاملة؛ وغياب الرؤية والإستراتيجية والخطوات المدروسة، كل هذه أمور يعلمها القادة ويخفونها عن الأتباع لاكتساب الجماهير بالشعارات، مما تتيح لها أن تبني نفسها بطريقة تجعلها تتمدد في الفراغ لتحل محل الدولة حينما تتاح لها الظروف، وهذه الطبيعة من التمدد تحولها إلى سلطة مستبدة على المجتمع هدفها التمكن منه كما الدولة وتتحول مع الزمان إلى حزب شمولي بلسان الحال لا المقال شعاره (جئنا لنبقى)، ويبقى الخارج من الجماعة (الأيدولوجيا) من المتساقطين على طريق الدعوة أو غنمة قاصية أكلها الذئب".

أطلق سلطان مشروع "إعداد قادة النهضة" بداية العام 1984

دولة المواطنة أم "الدولة القاتلة"؟

يحتل سؤال الدولة موقع المركز بين مجمل ما يطرحه المؤلف من أسئلة وعناوين فرعية على مدار الكتاب، وهي كلها محاور تنطلق من سؤال الدولة لتعود إليه، وإذ يحتل السؤال موقع الوسط في متن الكتاب يحتل نقطة المركز في فكرة الكاتب والغاية من الكتاب أيضاً، وما الاستطراد الطويل في تتبّعه التاريخي لفكرة الدولة وتطوّر مفهومها وأشكالها في الجانبين الغربي والإسلامي إلا من أجل إبراز أهمية الموضوع ذاته؛ فيذهب بعيداً في استقصاء الموضوع باستعراض تاريخ الغرب، والمحطات المهمة التي صنعت وأنتجت الغرب الحديث والدولة الحديثة فيما سمّاه "رحلة الغرب مع فكرة الدولة"، بدءاً من اليونان و"دولة المدينة" في أثينا وفكرة الديمقراطية، مروراً بالجمهورية الرومانية التي أتاحت المشاركة وحضور العامة على سطح الحياة السياسية مقابل الأشراف، حتى الفكر الأوروبي الحديث بروّاده وعلومه ومناهجه الفلسفية والوضعية، مع أنّها أصبحت مقروءة ومعروفة، ليدلّل من كل ذلك أنّ الفكر الغربي الحديث، وأنواره وفتوحاته العلمية على مختلف الصعد والذي تطعّم بالفكر الشرقي والإسلامي في عصر ريادته، هو منجزٌ إيجابي للعالم كله، وأنّ دولة المواطنة كنموذج غربي، ورغم كل ما يعتريه من قصور، هي ذروة ما أنتجه الفكر الإنساني لتدبير شؤون الحياة حتى الآن، وهي النموذج الممكن لمن أراد الدخول إلى العصر، أحبّ الإسلاميون ذلك أم كرهوا. فيما "توقف العطاء النظري الإسلامي مبكراً ولم يكن مقدراً له النمو حتى لو استمر بسبب مناهج المقاربة المتبعة تقليدياً"، وإن دولة الخلافة الراشدة ليست تاريخ الإسلام، وما هي إلا لحظة مضيئة منه ارتبطت بصلاح الأشخاص وليس بصلاح النموذج، أما التاريخ الطويل فهو تاريخ الفتن والحروب والانكسارات والعواصف والملك العضوض ودولة السلاطين والاستبداد، وإهدار الإمكانات البشرية ودم المسلمين وغيرهم.

دولة الخلافة الراشدة ليست تاريخ الإسلام بل لحظة مضيئة منه ارتبطت بصلاح الأشخاص وليس بصلاح النموذج

يؤكد سلطان أنّ صورة الدولة الإسلامية الزاهية غير موجودة إلا في مخيال الجماعات الإسلامية و"أنّ الإسلام لم يأتِ بنظام محدّد للحكم، وإنّما هناك مبادئ ومقاصد يجب مراعاتها أيّاً كان شكل الحكم، وأنّ السياسة من أمور العادات وليس العبادات؛ وبالتالي فهي تخضع للتجربة البشرية، وأنّ شكل الحكم في زمن الخلافة الراشدة كان اجتهاداً لعصره ولسنا ملزمين به، كذلك فإنّ هذا النموذج المراد استعادته لم يتحقق تاريخياً إلا في عهد أبي بكر وعمر ثم بدأت بعد ذلك في عهد عثمان القلاقل"، وإن تبنيه من قبل المؤسسين لهذه الجماعات ليس أكثر من يوتوبيا خلاصية ولحظة حالمة رفعت إلى درجة العبادات والعقائد. وهو ما أطنب فيه سيد قطب والمودودي وجعلوا مسألة الحكم من الأصول لا الفروع فيما بعد تحت مصطلح (الحاكمية)، فلقد قاد سيد قطب أفكار البنا إلى نهايتها الطبيعية نحو الصدام مع المجتمع والدولة والعالم الذين جعلهم كلهم في الكفر والجاهلية وزرع عقل الشباب المسلم بهذا الخليط من الأفكار وزجهم في مواجهة هذه "الجاهلية" وجعلهم في عزلة وتفاصل تتغذى على مبدأ الولاء والبراء، وفي حرب على أبناء جلدتهم وأوطانهم قبل غيرهم وما زالوا كذلك.

اقرأ أيضاً: القياديّ الإخواني المنشقّ أبو السعد: هكذا يتعامل التنظيم مع من يخرج منه

يختم جاسم سلطان كتابه بدعوة التنظيمات والجماعات الإسلامية إلى مراجعة "عالم الأفكار المأزوم والأفكار المأزومة"، وتقبل النقد، والانفتاح على العالم والمستقبل والانخراط فيه بدلاً من الهروب إلى الماضي والاغتراب فيه، وإلى التفكّر والتفاكر والعقل والتعقل والكف عن إنتاج التجارب الفاشلة وإنتاج الدول الفاشلة؛ "الدول القاتلة" كدولة طالبان أو دولة "الإسلام في العراق والشام" داعش" ومثيلاتها، و"أن يصبح العالم مسرح دعوة إنسانية تسع كل البشر وكل المخلوقات، وأن يجعلوا تحالف المؤمنين يقوم على وقف الإفساد في الأرض ووقف سفك الدماء، والانتقال من مربع الدفاع عن الأشخاص إلى مربع النظر في الأفكار وآثارها في الواقع".

اقرأ المزيد...

الوسوم: