أزمة تركيا أعمق من قيمة الليرة

3640
عدد القراءات

2018-09-13

د. وحيد عبد المجيد

لا تقتصر الأزمة التي تمر بها تركيا الآن على انخفاض قيمة الليرة، هذا الانخفاض أحد أعراض أزمة كبيرة مزدوجة اقتصادية سياسية. لذلك لا يساعد الانغماس في متابعة التغير في قيمة الليرة، من يوم إلى آخر، على فهم طبيعة الأزمة وأبعادها.

انخفاض قيمة العملة ليس مؤشراً سلبياً في كل الأحوال. كما أن أضراره، حين يكون دالاً على أزمة اقتصادية وليست مالية نقدية فقط، تتفاوت من حالة إلى أخرى. قد يكون انخفاض قيمة العملة مؤشراً إيجابياً في بعض الحالات، كما يحدث في الاقتصادات القائمة على التصدير، أي التي تملك قدرات وطاقات إنتاجية هائلة، وتتجه منتجاتها إلى الخارج بمعدلات غير عادية. حالة الصين هي الأبرز في هذا المجال، إذ يمنح انخفاض قيمة اليوان صادراتها ميزة تنافسية أكبر في السوق العالمية، ويُزعج الدول التي تستورد الجزء الأكبر منها. وكم عانت الولايات المتحدة من تفوق واردات صينية في السوق الأمريكية بسبب فروق الأسعار المترتبة على انخفاض قيمة اليوان.

كما يوجد فرق بين انخفاض قيمة العملة رغماً عن إرادة صانعي السياسة النقدية والاقتصادية عموماً، وخفضها بموجب قرارات سياسية في إطار جهود لتحقيق إصلاحات مالية أو اقتصادية على نطاق واسع. لذلك تبدو في غير محلها المقارنة بين انخفاض قيمة الليرة، وتعويم الجنيه المصري جزئياً في تشرين ثاني (نوفمبر) 2016.

كان قرار التعويم في مصر ضرورياً ضمن خطة متعددة الجوانب لتحقيق إصلاح مالي ونقدي، في إطار مشروع لتطوير الاقتصاد في مجمله. وفي مثل هذه الحالة، يتحمل المستهلكون أعباء إضافية لفترة من الزمن. غير أنها تقل تدريجياً كلما حدث تقدم في عملية الإصلاح. لكن الأمر ليس كذلك عندما تنخفض قيمة العملة نتيجة أزمة اقتصادية سياسية. وأهم ما ينبغي الانتباه إليه، هنا، أن أي ارتفاع في قيمة العملة، التي تنخفض بسبب أزمة عميقة، لا يعني بالضرورة التعافي من الأزمة، لأن هذا الانخفاض ليس إلا مؤشراً واحداً عليها، لكنه يبدو الأكثر وضوحاً.

وفي بعض الحالات، تتخذ سلطات البلاد التي تنخفض قيمة عملتها نتيجة مثل هذه الأزمة إجراءات لوقف التدهور، كأن تضخ البنوك المركزية المزيد من العملات الأجنبية (الدولار أساساً) سعياً إلى سد الطلب عليها، من دون أن يحدث ارتفاع جديد في قيمتها، أو لإعطاء انطباع للجمهور بأن صانع القرار قادر على حل الأزمة. وقد يصاحب هذا الإجراء تقييد عمليات بيع العملة المحلية أو زيادة فوائدها المصرفية، وشراء عملات أجنبية أو تصفير فوائدها المصرفية. لكن بعض هذه الإجراءات تسبب استنزافاً للاحتياطي النقدي، وتترك أثراً سلبياً على حالة السوق والثقة في التعاملات، ما لم تكن مصحوبة برؤية واضحة تتيح إدراك عوامل الأزمة، والإقرار بأخطاء حدثت، وبلورة سياسات محددة لحلها.

وهذا هو جوهر معضلة تركيا اليوم. فرغم وضوح عوامل الأزمة، فإن الإجراءات التي تم اتخاذها منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز (يوليو) 2016، دفعت البلد في اتجاه ينطوي على أخطار كبيرة. فقد غيرت هذه الإجراءات الظروف التي حققت تركيا في ظلها مقداراً معتبراً من النجاح الاقتصادي خلال العقد الماضي. حرمت حركة «التطهير» المهولة تركيا من أعداد ضخمة من الكوادر التي أسهم عملها في تحقيق هذا النجاح، وخلقت حالة عدم ثقة أثرت في سوق الاستثمار.

وفي مثل هذه الظروف، تزداد الأخطاء السياسية التي تنعكس على الاقتصاد، وتقل الثقة تدريجياً في مستقبله، مما يؤدي إلى خسارة مستثمرين محتملين، وآخرين يستثمرون فيه بالفعل. ويكون المستثمرون في الأسهم والسندات المحلية أول الهاربين عادة، كما حدث في تركيا خلال الأشهر الأخيرة، ويتبعهم آخرون يستثمرون في قطاعات متنوعة.

وربما يكون اتجاه وكالات دولية موثوقة إلى خفض التصنيف الائتماني لتركيا أخطر على مدى أبعد من انخفاض قيمة العملة.

كما أسهمت قرارات غير مدروسة في تصعيد الخلافات مع الولايات المتحدة، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الأزمة، مثل قرار محاكمة القس أندرو برونسوني، وقرار تحدي العقوبات على إيران، وربما أيضاً قرار شراء منظومة صواريخ روسية على نحو غير مألوف في دولة أطلسية.
الأزمة التركية، إذن، أعمق من انخفاض قيمة الليرة. لذلك فحتى إذا استعادت قيمتها، لن يعني هذا حل الأزمة التي قد تزداد بسبب التداعيات السلبية لبعض الإجراءات التي تهدف إلى إنقاذ الليرة، لأن التركيز على علاج الأعراض يؤدي غالباً إلى تفاقم المرض.

عن "الاتحاد"

اقرأ المزيد...

الوسوم: