أزمة طهران- واشنطن: أين تتجه بوصلة العراق؟

أزمة طهران- واشنطن: أين تتجه بوصلة العراق؟

مشاهدة

15/07/2018

يحسن الكاتب البريطاني الشهير باتريك كوكبيرن قراءة المشهد العراقي، في سلسلة تحقيقات كتبها من بغداد ونشرها على امتداد الأسبوعين الماضيين في صحيفته "الأندبندنت"، حين يرى أنّ "إرث الإرهاب الذي تركه داعش ليس هو العامل الوحيد الذي يزعزع الاستقرار. فلقد كانت الولايات المتحدة وإيران متنافستين، وفي بعض الأحيان متعاونتين، في العراق لعقود من الزمن، لكن الصراع بين الاثنتين يزداد سخونة وهذا يؤدي إلى تفاقم الانقسامات القائمة داخل العراق".

هذا يبدو جوهرياً؛ بل في صلب أزمة هوية النظام العراقي بعد 2003 الذي رعته أمريكا وإيران باتفاق تارةً أم بدونه، فللسيادة الوطنية عنوانٌ في بغداد؟ فهي غاضبة وعدوانية حيال العرب بخاصة والأتراك وحتى الأمريكيين، لكنها ناعمة وموالية حد الانبطاح لإيران.

الميدان الأرحب للنفوذ الإيراني بالعراق هو ميدان المال والأعمال فقد ُوصف العراق أحياناً بأنه "رئتا" إيران

ولاء العراق اليوم لإيران خامنئي وقاسم سليماني، لا يتوقف عند وحدات واسعة النفوذ داخل قوات الأمن العراقية، فليس الحشدُ الشعبي هو من يتبع إيران نهجاً عسكرياً وعقيدةً وحسب؛ بل معظم وحدات الجيش والشرطة، عدا تلك القوات العسكرية التي درّبتها الولايات المتحدة؛ أي "جهاز مكافحة الإرهاب" التي كانت القوة الضاربة في هزيمة داعش، لكنها ظلت متهمةً من قبل المعسكر الإيراني القوي في العراق على أنّها "مؤيدة أمريكا" ومشروع دائم للقيام بانقلاب عسكري، كما صرّح بذلك مؤخراً أكثر من قائدٍ نافذٍ في "الحشد الشعبي".

ويظل الميدان الأرحب للنفوذ الإيراني في العراق، هو ميدان المال والأعمال، فقد ُوصف العراق، في بعض الأحيان بأنه "رئتا" إيران، ويُعد فتحة واسعة للواردات والصادرات من "الجمهورية الإسلامية العزيزة" كما يسميها أقطاب الشيعة الحاكمون.

إيرانُ تبيع للعراق بضائعَ سيئة النوعية، تبدأ من الأسلحة ولا تنتهي بمياه الشرب، بنحو 20 مليار دولار سنوياً

ومع سعي الولايات المتحدة جاهدة لإغلاق تلك الفتحة في أعقاب انسحابها من الاتفاق النووي الإيراني، ومحاولة إدارة ترامب إجبار إيران على الخضوع السياسي من خلال فرض عقوبات صارمة تصل إلى حصار اقتصادي، يبدو الصراع منفتحاً على آفاق غير معروفة المنظور، فلإيران أذرعها التي تمتد ليس إلى العديد من المصارف الخاصة عراقية الاسم، إيرانية الإدارة والتوجهات؛ بل حتى في البنك المركزي العراقي الحكومي الذي ما يزال عبر "مزاد العملة الأجنبية اليومي" يوفر لإيران كل ما تحتاجه من العملة الصعبة.

اقرأ أيضاً: ما هي المهمة التي كلِّف بها نجل خامنئي في العراق؟

إيرانُ تبيع للعراق بضائعَ سيئة النوعية، تبدأ من الأسلحة ولا تنتهي بمياه الشرب، بنحو 20 مليار دولار سنوياً، وهو ما يوفّر لها، ليس مهرباً من العقوبات الأمريكية وحسب؛ بل غطاءً مهماً لعملتها المتهاوية. هنا علينا أن نعرف كيف أصبح الأخطبوط المالي الإيراني في العراق، المدعوم من أحزاب بغداد الحاكمة، هو الذي يتحكم بحياة العراقيين، فبكبسة زر، أوقفت طهران الأسبوع الماضي تزويد العراق بالكهرباء، في اختبار للمدى الذي ستذهب إليه بغداد حيال الصراع الإيراني مع واشنطن، فوقف التيار، وهو الشغل الشاغل لحياة العراقيين، كان بذريعة أنّ العراق لم يسدد ما عليه من أموال لإيران بسبب العقوبات الأمريكية، ما اضطر بغداد إلى الطلب من واشنطن باستثنائها من العقوبات على طهران. وزير الخارجية الأمريكية بومبيو قال "سندرس طلبات استثناء بعض الدول من العقوبات على طهران".

الرجلان؛ المالكي والعبادي، من حزب يعتبر الولاء لإيران "حكماً شرعياً" وهما فخوران بذلك

بوصلةُ العراق، منذ وصول الأحزاب الإسلامية الشيعية إلى السلطة 2005، تتجه ولاءً مطلقاً نحو إيران الإسلامية، وهو توجهٌ عميق في سياسة تلك الأحزاب؛ بل يشكل جوهرها، إن شئت، فما لا تفهمه واشنطن، أنّ حزب الدعوة الإسلامية الحاكم وباقي الأحزاب والمليشيات الشيعية، ترى أنها "مكلّفة شرعاً" بالانتصار للثورة الإسلامية في إيران، وهو ما يحدد توجه تلك البوصلة.

اقرأ أيضاً: مواقع التواصل الاجتماعي: تركيا وإيران تقتل العراقيين عطشاً

في العام 2012 وبعد الانسحاب الأمريكي من العراق الذي اعتبرته إيران انتصاراً لها، باع رئيس الوزراء العراقي حينها، نوري المالكي، إدارة أوباما بدرهم، ولن يكون غريباً أن يبيع خليفته العبادي، إدارة ترامب بدرهم ونصف!

الرجلان؛ المالكي والعبادي، من حزب يعتبر الولاء لإيران "حكماً شرعياً" وهما فخوران بذلك.

الصفحة الرئيسية