أزمة مساعدات إدلب بين السياسي والإنساني

أزمة مساعدات إدلب بين السياسي والإنساني

مشاهدة

27/06/2021

على مدى الأزمة السورية، خلال الأعوام الـ10 الماضية، بقيت ثنائية "الإنساني والسياسي" أحد مرتكزات إدارة الصراع في سوريا، التي يتم استثمارها من قبل الأطراف المتصارعة، لا سيّما بعد فتح أبواب سوريا لتدخلات إقليمية ودولية تجاوزت حدود السياسي ووصلت إلى مستويات التدخل العسكري، دولياً من قبل روسيا وأمريكا، وإقليمياً من قبل تركيا وإيران، وما بينهما "القاعدة" و"داعش"، وهو ما ترتب عليه نشوء شكوك عميقة حول استقلالية القرار السوري، وظهور تعقيدات ما تزال تحول دون تحقيق إنجاز على صعيد التسوية السياسية في سوريا، لتضارب مصالح الفاعلين الدوليين والإقليميين، والتعاطي مع الأزمة السورية بوصفها ورقة تفاوض بين الأطراف الفاعلة.

يبدو أنّ ثنائية "السياسي والإنساني" أزمة حادة تلوح في الأفق مجدداً مع اقتراب انتهاء صلاحية تفويض أممي لإيصال المساعدات إلى سوريا عبر الحدود

وقد برزت أهمية محافظة إدلب بحكم موقعها الجغرافي الواقع في أقصى شمال غرب سوريا على الحدود مع تركيا، والتوافقات التي أنجزت عبر "الهدن" بين الحكومة السورية وحلفائها "روسيا وإيران وحزب الله اللبناني"، والفصائل المسلحة "الإسلامية وغير الإسلامية"، المدعومة من تركيا وقوى عربية وأجنبية، وكانت نتيجة كل هدنة "نقل المقاتلين المعارضين للحكومة" إلى محافظة إدلب، وهو ما جعل إدلب "ثكنة" عسكرية خارجة عن سيطرة الدولة السورية، إلى الدرجة التي أعلنت فيها أمريكا عن تصفية "زعيم داعش أبو بكر البغدادي فيها"، وبالتزامن تعرّضت لهجمات متكررة من قبل الجيش السوري وحلفائه، رغم الاتفاقات التي تمّت برعاية تركية، عبر محطتي أستانا وسوتشي.

اقرأ أيضاً: روسيا في سوريا: باقية وتتمدّد

 ثنائية "السسياسي والإنساني" يبدو أنّها أزمة حادة تلوح في الأفق مجدداً، مع اقتراب انتهاء صلاحية تفويض أممي لإيصال المساعدات إلى سوريا عبر الحدود؛ حيث ترفض موسكو وبشدة تمديد إدخال المساعدات الإنسانية إلى إدلب من تركيا، دون مرورها عبر دمشق، فيما تحذر منظمات دولية ودول غربية، من بينها الولايات المتحدة، من "عواقب وخيمة" في حال عدم تمديد التفويض، وهو ما نتج عنه بروز خلافات جديدة في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بما فيها خلافات بين أمريكا ودول أوروبية اقترحت تخفيض عدد بوابات دخول المساعدات من تركيا إلى باب واحد بدلاً من 3.

اقرأ أيضاً: أطماع أردوغان تحول أذربيجان وسوريا وليبيا إلى ملعب للنفوذ ووسيلة للتوسع

استمرار تدفق المساعدات إلى إدلب عبر البوابة التركية أحد عناوين الصراع الأمريكي ـ الروسي على سوريا، وتعكس معطياته الحالية أحد عناوين التوافق بين تركيا وأمريكا، مقابل مواقف روسية حاسمة وحازمة ترى ضرورة عودة إدلب إلى سيطرة الحكومة السورية، والقضاء على فصائل "إرهابية"، من بينها القاعدة، ترى موسكو أنّ أنقرة تقدّم لها غطاءً سياسياً ودعماً لوجستياً، وأنها محطة من محطات الصراع بعد أن قدّمت غطاءً لانتخابات الرئاسة السورية التي جرت قبل أسابيع، في تحدٍّ للقوى الدولية وفرض الرئيس بشار الأسد رئيسا لـ7 أعوام قادمة، وهو ما يعني ضربة للجنة الدستورية التي تعمل بغطاء أممي على إنجاز تسوية سوريا.

اقرأ أيضاً: انقسام داخل الائتلاف السوري المعارض... لماذا؟

مؤكد أنّ إدلب ورقة جديدة بيد موسكو في مفاوضاتها مع واشنطن، في ظل إصرار أمريكي على استمرار تفويض مرور المساعدات، بالتزامن مع قدرة موسكو على تنفيذ تهديداتها بمنع دخول المساعدات إلا وفقاً لمقاربتها، ووفقاً لتسريبات أمريكية فإنّ موسكو تمارس ضغوطاً بهذه الورقة لانتزاع موافقة أمريكية على السماح لموسكو بالتنقيب والاستثمار في النفط السوري، في مناطق شرق الفرات التي تسيطر عليها أمريكا، وهو الأمر الذي قد توافق عليه واشنطن في النهاية.

 

برزت أهمية محافظة إدلب بحكم موقعها الجغرافي الواقع في أقصى شمال غرب سوريا على الحدود مع تركيا، والتوافقات التي أنجزت عبر "الهدن" بين الحكومة السورية وحلفائها

 

ويشار هنا إلى أنّ الخلافات بين واشنطن وموسكو حول الملف السوري تبدو محدودة مقارنة مع ملفات أخرى في أوكرانيا والبحر الأسود، والعقوبات المفروضة على موسكو، وملفات حقوق الإنسان، وعلاقة موسكو مع بكين، بالإضافة إلى اتهامات الديمقراطيين لموسكو بالتدخل في الانتخابات الأمريكية لصالح ترامب، وغيرها من القضايا.

اقرأ أيضاً: قمّة بايدن – بوتين والورقة السوريّة

وإذا كانت المصالح الإسرائيلية في سوريا أحد المحددات في الموقف الأمريكي، فإنّ واشنطن ضالعة بالاتفاق الإسرائيلي ـ الروسي حول الضربات المتكررة التي توجهها إسرائيل للوجود الإيراني في سوريا، ولم يكن الإعلان الأمريكي بإمكانية التراجع عن اعتراف واشنطن بضم الجولان السوري المحتل إلى إسرائيل بعيداً عن سياقات المفاوضات المشفرة بين موسكو وواشنطن، وهو ما يعني أنّ رهانات حول تمسك واشنطن بموقفها حتى النهاية لا تبدو موضوعية، وأنّ احتمالات تقديمها تنازلات لموسكو واردة وبقوة، لا سيّما أنّ قدرتها على فرض مواقف على أنقرة تبدو أكثر من السابق.

الصفحة الرئيسية