أزمة ناقلة النفط الإيرانية: هل تدرك إيران حدود خياراتها؟

إيران

أزمة ناقلة النفط الإيرانية: هل تدرك إيران حدود خياراتها؟

مشاهدة

09/07/2019

فجّرت الأزمة الحاصلة بين بريطانيا وإيران، بعد احتجاز ناقلة نفطٍ إيرانية عند مضيق جبل طارق الأسبوع الماضي، تساؤلات عديدة حول قانونية عملية الاحتجاز، وفيما إذا لعبت أمريكا دوراً في هذه العملية بسبب التوتر المتصاعد مع إيران، إضافة إلى ردود الفعل الإيرانية على ما اعتبرته إيران "قرصنة بحرية" بحق ناقلتها، وهددت باحتجاز سفينة بريطانية في المقابل.

اقرأ أيضاً: معرض الصناعات العسكرية الحوثية يكشف إيران.. كيف؟!
من ناحيةٍ أخرى، رأى مراقبون، في هذه الحادثة فرصة حتى تتذوق إيران طعم (قرصنتها) وأعمالها غير المشروعة طوال عقود في مضيق هرمز والخليج العربي وتهديدها الأمن البحري والنفطي لدولٍ عديدة، خاصةً بعد اتهامها غير المباشر بمهاجمة ناقلات نفطٍ عربية وآسيوية في خليج عُمان مؤخراً. فإلى أي مستقبل تقود هذه الحادثة؟

مهاجمة ناقلات نفطٍ عربية وآسيوية في خليج عُمان مؤخراً

في مواجهة الواقع

خلال الأسبوع الماضي، وقبالة شواطئ جبل طارق، قامت حكومة جبل طارق الخاضعة للإدارة البريطانية باستدعاء جنود من مشاة البحرية البريطانية قاموا على الفور باحتجاز ناقلة نفط تملكها إيران "تم تحميلها بالنفط الخام الإيراني في 17 نيسان (إبريل) الماضي لتقوم برحلة (غريبة) حول رأس الرجاء الصالح عابرةً من مضيق جبل طارق في الأخير، لتتجه إلى ميناء بانياس السوري وفق التنبؤات"، بحسب تقريرٍ نشرته "سي إن إن" في 5 تموز (يوليو) الجاري.

السفينة الإيرانية لم تمر بمسارها المتوقع وهو قناة السويس بل اختارت مساراً مثيراً للجدل طافت فيه حول إفريقيا

ويضيف التقرير ذاته، أنّ السفينة لم تمر بصورة طبيعية في مسارها المتوقع وهو قناة السويس المصرية بل "اختارت مساراً مثيراً للجدل طافت فيه حول إفريقيا أولاً" فيما يشتبه أنّه نوعٌ من التمويه. وكانت السلطات البريطانية لوحت بورقة العقوبات الأوروبية على النظام السوري منذ 2011 كتبرير لاحتجاز الناقلة التي يشتبه أنّها تحمل 300 ألف طن نفط في طريقها إلى سوريا، خارقة القوانين الدولية.
من جهتها، وبعد تعرضها للمفاجأة، حاولت إيران التعالي على الواقع، وذلك من خلال سلسلة تصريحاتٍ رسمية متضاربة ومثيرة للجدل، كان أهمها تهديد المسؤول الإيراني البارز محسن رضائي "باحتجاز سفينة بريطانية في الحال إذا لم يفرج عن الناقلة المحتجزة فوراً"، وفق تقرير نشره موقع  "بي بي سي" في 5 تموز (يوليو) الجاري.

اقرأ أيضاً: إيران وفشل التحايل على العقوبات
وبينما رأى أعضاءٌ في البرلمان الإيراني "أنّ بريطانيا قليلة الاحترام وتتلقى أوامر الاحتجاز من أمريكا" عاد مسؤولون إيرانيون مؤخراً للتراجع عن لغة التهديد والقول إنّ "الناقلة النفطية كانت متجهةً إلى إيران نفسها" رغم أنّه لا أحد يفهم ببساطة؛ كيفية وجود نفطٍ إيراني على متن ناقلة تابعة لإيران، خرجت في نزهة بحرية طويلة جداً من بلادها دون سببٍ واضح!

بريطانيا دولةٌ أخرى ربما تتخذ سياسات واضحة ضد إيران مؤخراً

لكن سيل الردود الإيرانية، عززه قليلاً الموقف الإسباني الرافض لاحتجاز السفينة؛ حيث قالت الحكومة الإسبانية "التي تعاني نزاعاً مع بريطانيا على حكم منطقة جبل طارق إنّها تحقق في قانونية احتجاز الناقلة"، بحسب تقرير "بي بي سي". إلا أنّ هذا لا ينفي مدى المفاجأة التي تلقتها إيران؛ حيث بدت أنّها نوعٌ من الرد بالمثل على التصرفات الإيرانية في مضيق هرمز والخليج العربي، مع اختلافٍ أساسي يكمن في ادعاء بريطانيا أنّ عملية الإيقاف شرعية، بينما تتحايل إيران على العقوبات الدولية بحقها، وتُتهم بتهريب النفط والسلاح وأشياء أخرى بصورة غير مشروعة، كما أنّها متهمة بأعمال تخريبية بحق ناقلات النفط في الخليج العربي.

اقرأ أيضاً: قرار إيراني يتخطى حدود الإنسانية
وفي هذا السياق، قال أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة بور سعيد المصرية، وعضو مجلس المصري الأعلى للشؤون الخارجية الدكتور أشرف سنجر "أنّ إيران المعتادة على توزيع ضرباتٍ غير مشروعة لكنها غير مميتة للغير، ومن ثم الإفلات، تتلقى الآن ضربةً مماثلة تفاجئها".
وأضاف سنجر، في حديثه لـ "حفريات"، أنّ إيران "تتبع سياسةً فاشلة تعتمد على القوة و(البلطجة) في علاقاتها السياسية الدولية وغالباً ما ستنتهي أو تقود هذه السياسة إلى الصراع والمزيد من الحروب". وهو ما يجعلها ترى فيما قامت بريطانيا به ضدها عملاً عدائياً، رغم ممارستها لهذه العدائية كسياسةٍ ثابتة ضمن علاقاتها الدولية.

أين ترسو السفن مستقبلاً؟

بسؤاله عن مستقبل إيران في العالم وفق سياساتها العدائية الحالية، قال سنجر إنّ "إيران تشكل مع الوقت قلقاً على المستويين؛ العربي والعالمي، خصوصاً أنّها تلعب دور (بلطجي البحار) وتحاول بناء علاقاتها مع العالم من خلال قراءتها للأزمات السياسية الأمريكية مع الصين وروسيا مثلاً، ومآلاتِ الصراع في سوريا، وكذلك الوضع المتأزم في أوروبا بسبب احتمالات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وصعود اليمين المتطرف هناك".

اقرأ أيضاً: ضربة جديدة للاتفاق النووي الإيراني
وأوضح سنجر أنّ ما يراه البعض في إيران، وما تراه هي في نفسها على أنّها قوةٌ ذات سيادة، هي مسألةٌ غير موضوعية قياساً بالقوى الإقليمية المحيطة، بينما "يشكل اعتمادها على الأزمات الأوروبية والأمريكية والعربية وتهديدها لأمن دول الخليج مسألةً مؤقتة؛ لأن سياساتها في استغلال الأزمات سوف تكون مفتاح الوقوف في وجهها مستقبلاً والحد من أسلوبها المعتمد على إذكاء الصراعات".

يرى سنجر أنه لا مستقبل لسياسات إيران العدائية

إيران، التي قامت مؤخراً برفع نسبة تخصيب اليورانيوم، كرد على العقوبات الاقتصادية الأمريكية بحقها، وكذلك كنوعٍ من التهديد، إضافةً إلى التصريحات المتوالية من مسؤوليها، عن أنّها تستطيع ردع أمريكا في أي مواجهة عسكرية مشروعة، بل ويمكنها إشعال المنطقة، على حد تعبيرها، رأى محللون فيما سبق كلاماً سياسياً يعتمد على الدعم الروسي والصيني غير المعلن لإيران ضد أمريكا، فيما يمكن النظر إليه، على أنّه إضعافٌ لأمريكا. وهو ما أكد عليه سنجر مجدداً، لكنه حذر من أنّ إيران قد تقلب الجميع ضدها بسبب تخصيب اليورانيوم.

سنجر: سياسة إيران القائمة على استغلال أزمات العالم واستخدام العنف لحسم الصراع ستنقلب ضدها مستقبلاً

ورأى سنجر أنّ "إيران ليست دولة عظمى، وأيضاً، لا تعد دولةً راضية على الصُعد الاقتصادية والمستقبلية بسبب ما تقوده من صراعات، لذا فإنّ احتمال استخدامها للسلاح النووي أكبر بكثيرٍ جداً من أي دولةٍ راضية ومستقرة؛ حيث تدفع مفاهيم العنف والقوة العسكرية للحسم والسيطرة السفينة الإيرانية والعالمية إلى دوامة لا يعرف مستقرها".
وبطبيعة الحال، وحول المستقبل القريب، نفى سنجر أن تكون هنالك عمليات ردعٍ عسكرية بحق إيران؛ فالأمور في المنطقة وفي أوروبا غير مستقرة، حتى لو أنّ إيران تزيد من أعدائها، فربما تكفي العقوبات مبدئياً للردع.
وبصورةٍ عامة، يبدو أنّ مسألة احتجاز الناقلة سوف تنتهي إلى نفق دبلوماسي ربما يقود إلى إنهاء الأزمة بطريقةٍ أو بأخرى، أما التهديدات الإيرانية، فليست سوى اتقاء لتعابير المفاجأة والقلق الباديين على وجه السياسة الإيرانية مؤخراً، التي تزداد تورطاً في تدمير مستقبلها على الصعيد العالمي.

الصفحة الرئيسية