أسباب التخبّط الفرنسي في مواجهة الإسلام السياسي

صورة عمار المأمون
صحفي سوري مقيم في باريس
5692
عدد القراءات

2019-07-21

تتخبّط فرنسا منذ هجمات الباتاكلان، عام 2015، في موقفها من الأعمال الإرهابيّة، سواء عبر إقرار قانون الطوارئ لأكثر من شهر، في مخالفة دستوريّة صارخة، أو افتتاح مراكز "ضدّ الراديكاليّة"، أو قوانين مكافحة الإرهاب، كما تحوّل الموقف من حركات الإسلام السياسي إلى حرب سياسيّة في الانتخابات، وأخرى على الأرض عبر المراكز المختصّة والمحاضرات المختلفة.

اقرأ أيضاً: موجة البديل الإسلامي في جماعات الإسلام السياسي
هذا الموقف المرتبك لا يقتصر فقط على الكلام العمومي، والعنصري أحياناً، الموجَّه للمسلمين، بل يبلغ أشدّه في الموقف من الأحزاب المنظمة التي تحاول أن تمارس نشاطاً سياسياً، يرى فيه الكثيرون تهديداً لعلمانية الدولة ولادينيّتها.
 الكثير من الأحزاب والمساجد والجمعيات التي تروّج للإسلام السياسي مدعومة من الخارج

الإسلام السياسي يتسلل إلى البلديات
فوجئ الفرنسيون، سياسيين وناخبين، بنتائج انتخابات البلديات في فرنسا؛ إذ حلّت في المرتبة الرابعة، وبنسبة 7،43%، لوائح تجمّع "أوروبا بخدمة الشعب"، والذي يقف وراءه "تجمّع الديمقراطيين المسلمين في فرنسا"، وترأّس القائمة نجيب أزرغوي، بوصفه على رأس قائمة منطقة سين ومارين، المرشَّحة للانتخابات الأوروبيّة، ليكون التجمّع السابق، الحزب الإسلامي الأول الذي يصل إلى هكذا مكان سياسي في فرنسا، رافعاً شعار "العيش سوية"، ورافضاً "التحييد المنظم للمسلمين في أوروبا".

التخبط الواضح في التعامل مع الإسلام السياسي بفرنسا سببه الرؤية التعميميّة التي ترى في كلّ المسلمين احتمالات جهاديين

هذه النتائج، والنشاط السياسي الإسلامي في عدد من المناطق الإدارية في فرنسا، حرّكت الرأي العام والسياسيّين، ويرى بعضهم أنّه يجب منع ترشيح من يقدم برنامجاً يتناقض مع قوانين "الجمهوريّة"؛ كعدم المساواة بين المرأة والرجل، والفصل في المرافق العامة، كالمسابح، ويطالب بأوقات مختلفة للوجبات الرئيسة، فيما يتناسب مع أوقات الصلاة.
من جهته، أعلن وزير العمل العام، جيرالد دارمانين؛ أنّ "المعركة سياسيّة حكماً، ولا يمكن منع المرشحين من ترشيح أنفسهم للانتخابات"، ولا بدّ من تحذير ما أو إشارة إلى هذا الأمر، كما فعل وزير الداخلية كريستوف كاستانير؛ الذي أكّد أنّه يريد "فحص الأدوات القانونية والسياسيّة للوقوف بوجه هذه الظاهرة، رغم صعوبة الأمر"، فتدخّل كهذا يعدّ مشكلة دستوريّة؛ كون أيّة محاولة ستكون مخالفة لقوانين حرية الترشح، والأمر ينسحب على مراقبة محتويات البرنامج الانتخابي، وللعلم؛ لفرنسا تاريخ سابق في أن يكون رجل دين عمدة، أو حتى عضواً في البرلمان.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي في تشكلاته وتحولاته.. هل هو سياق تاريخي أم أزمة؟
الرعب الذي تواجهه فرنسا يتجاوز ذلك، كون الكثير من الأحزاب والمساجد والجمعيات التي تروّج للإسلام السياسي مدعومة من الخارج، وتعمل على تطبيق أجنداتها في الترويج لشكل سياسي من الحكم الإسلامي، الذي يهدّد قيم الجمهوريّة، هذا الرعب نراه في الأعمال المتخيلة؛ كرواية ميشيل هولونيك "خضوع"، التي يتخيل فيها انتصار مرشّح مسلم متشدّد في الانتخابات الرئاسيّة، والخوف ذاته نراه في النقاشات الفكريّة، كما في لقاء مع مارسيل غوشيت: "الذي يرى أنّ ما يهدّد العلمانية هو الجماعات التي ترفض الديمقراطية، ومبادئها، ونزعتها نحو تكوين جماعات قد تدخل ضمن الجسد السياسيّ وتهدده من الداخل، وخصوصاً في المساحات الريفية والضواحي"، أما أشكال التحزب الجديدة التي أشار إليها الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، فتشكّل "محاولة انفصال عن الجمهورية".
البلديات الأكثر تصويتاً لتجمع الديمقراطيين المسلمين في فرنسا

هيئة مختصة لمكافحة الإرهاب
تأسست بأمر رئاسيّ، أول الشهر الماضي، الهيئة الوطنية لمكافحة الإرهاب، ويرأسها جان فرانسوا ريكارد، ذو الخبرة في العمل القضائي في شؤون الجماعات الإرهابيّة، ومهمة هذه الهيئة القضائية ستكون النظر في شؤون الإرهابيين الذين ألقت فرنسا القبض عليهم، ممن مارسوا أعمالاً إرهابية سواء داخل البلاد أو خارجها، إلى جانب التحقيق في قضايا الجرائم ضدّ الإنسانيّة، التي ارتكبها مقيمون ولاجئون في فرنسا، سواء كانوا من سوريا أو من راوندا، أو غيرها من الدول التي شهدت حروباً أهلية.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي كأزمة في تاريخ الأفكار
أهمّ الأسئلة التي تواجه ريكارد، خصوصاً بعد تلاشي تنظيم داعش، هي الجهاديون؛ إذ يرى أنّ التنظيم خسر معركة، لكنّه لم يخسر الحرب، فما تزال شبكاته المالية قائمة، ومقاتلوه موزّعين في أنحاء العالم، كما يرى أنّ الإرهاب الجهاديّ ليس فقط مشكلة فرنسيّة، بل عالميّة، فهناك أجيال من الأطفال الذين تربّوا على عداوة فرنسا، وهذا ما يجب أخذه بعين الاعتبار.
هذه الهيئة أيضاً تنظر في أمر المقاتلين الذين عادوا من سوريا والعراق إلى فرنسا، إلى جانب الحركات التي تسعى لنشر الفكر الراديكالي في فرنسا، والتي توظّف الإسلام كأيديولوجيا عدوانيّة صالحة لشنّ الحروب، ليس فقط على "الدول"، بل أيضاً "المواطنين".

اقرأ أيضاً: ما تأثير الإسلام السياسي على المجتمع الجزائري؟

وفي حديث لـ "حفريات" مع المكتب الصحفي لمحكمة البداية في باريس، أكّد المتحدّث؛ أنّ "فرنسا ملتزمة بالقوانين الدستورية والدولية، وتسعى لمحاكمة مجرمي الحرب، ومرتكبي الأعمال الإرهابية، كمواطنين، وفي ظلّ القانون، أما تهمة الإرهاب فهي لا تقتصر على الجماعات الإسلاميّة؛ بل كلّ من يساهم في زعزعة أمن فرنسا وتهديد مواطنيها، أما المقيمون في فرنسا من مرتكبي جرائم الحرب فالمحكمة ستلتزم بالقانون، وكما هو معروف في الإجراءات التي تتخذ بخصوصهم".
إعادة النظر في العلمانيّة
النائب في البرلمان، جيرارد لارشير، يرى أنّ الحلّ يكمن في إعادة النظر في العلمانيّة نفسها، ومبادئ الجمهورية في سبيل إعادة قراءتها، وخصوصاً أسلوب تطبيق قانون عام 1905، الذي يحدّد بدقة أشكال فصل الدين عن الدولة وكيفية ممارسة الأنشطة الدينية، في حين يرى المؤرخ مارسيل غوشيت؛ أنّ "المشكلة الحقيقة تكمن في أنّ الإسلام لم يدخل في الديمقراطيّة، بالمعنى المؤسساتي، بل الفلسفي والميتافيزيقي؛ بمعنى حرية الأفراد بتنظيم أنفسهم دون أيّة أوامر علويّة أو ربانيّة".

اقرأ أيضاً: جماعات الإسلام السياسي.. هل تشوه القيم الإنسانية للأفراد والمجتمعات؟
ويضيف لاشير: "من الضروري تنفيذ أحكام قانون عام 1905 ضدّ دعاة الجماعات الإسلامية "المقاتلة"، الذين يدّعون أنّهم يبقون على هامش الجمهورية، في الوقت ذاته، لا يمكن إهمال أهمية العمل الثقافي والتعليمي لخلق اتجاه فكري يحترم الديمقراطية".
إجراءات متخبطة
التخبط الواضح في التعامل مع "الإسلام السياسي" في فرنسا سببه الرؤية التعميميّة، التي ترى في كلّ المسلمين احتمالات جهاديين، أو ناشطين سياسيين، ليتحوّل الموضوع إلى نوع من الاستفزاز، وخصوصاً بعد التجارب الفاشلة التي قامت بها فرنسا، والتي تلخّص في "مراكز محاربة الراديكاليّة" التي ثبتت عنصريتها، وتحولّها إلى محطّ السخرية، وأحياناً الانتقام، والأمر ذاته في أنظمة الرقابة في المدارس، وتحديد الطلاب الذين تظهر عليهم "علامات الراديكاليّة"، ووصل الأمر إلى إنشاء رقم هاتف يتصل به من يظنّ أنّ هناك "سلفياً" أو "راديكالياً" يعرفه، كي يخبر عنه السلطات المختصة، وهذا ما تحوّل إلى محطّ سخرية لكثيرين.

ثمة خشية من تحوّل ستراتسبورغ، عاصمة الاتحاد الأوروبيّ، إلى عاصمة للإسلام السياسيّ التركيّ لتأثّر الجالية التركية هناك بالبروباغندا الأردوغانيّة

آخر هذه الجهود كانت استضافة ماركوس كيربير في عدد من المؤتمرات لتقديم النصح للحكومة الفرنسيّة، والسبب أنّ كيربير، المسؤول في وزارة الداخليّة الألمانية، ينسق مؤتمرات وجلسات حوار مع ألمان ومسلمين، من أجل الحديث بشأن انتشار الفكر الإسلاميّ في ألمانيا، خصوصاً بعد موجات اللجوء التي بلغت أشدّها عام 2015. ويرى ماركوس؛ أنّ "على فرنسا الاستفادة من تجربة ألمانيا التي فتحت حواراً بين مسلمي ألمانيا أنفسهم، لمناقشة طوائفهم المتعددة ومشكلاتهم، لا السياسيّة فقط؛ بل أيضاً الدينيّة، ويترافق ذلك مع دروس دينية في المدارس العامة واختصاصات في اللاهوت الإسلامي في الجامعات، والأهم العمل على أن يكون خطباء الجوامع مولودين ودارسين للدين الإسلامي في ألمانيا.

زار أردوغان مدينة ستراتسبورغ سابقاً وقوبل بالاحتفال الهائل

الخوف من ستراتسبورغ

العامل الآخر الذي يحرّك الخوف الفرنسي من الإسلام السياسي؛ هو ستراتسبورغ، عاصمة الاتحاد الأوروبيّ، والتي يُظنّ أنّها تتحوّل إلى عاصمة للإسلام السياسيّ التركيّ؛ بسبب تأثّر الجالية التركية هناك بالبروباغندا الأردوغانيّة، والأهم أنّها تحتضن مسجد "أيوب سلطان"، الذي سيفتح أبوابه عام 2023 بقيمة تبلغ 32 مليون يورو، ليكون واحداً من أكبر المساجد في أوروبا.

صورة متخيلة لمسجد سلطان أيوب في ستراتسبورغ

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي ومستقبل الديمقراطية في العالم الإسلامي
صحيح أنّ المسجد سيكون كباقي مساجد فرنسا، يضمّ مقاهي ومساحات للطعام وغيرها من الأنشطة، لكنّ التخوف أساسه طبيعة الدعاية التي سيضخّها، والمنظمة الداعمة له، التي تحمل اسم "رؤية المجتمع"؛ والتي تتحدث باسم مجموعة من المنظمات التركية المحافظة، التي ظهر تأثيرها عندما زار أردوغان المدينة سابقاً، وقوبل بالاحتفال الهائل.
الأهمّ؛ أنّ كثيراً من المدارس الخاصة هناك ترفض إعطاء مواعيد للصحفيين، بوصفهم يشوّهون الحقيقة؛ فالمدارس هناك تدّعي أنّها مطابقة للمناهج الوطنيّة، مضافاً إليها دروس التربية الدينيّة المُتهمة بأنّها تبثّ قيماً تعادي العلمانيّة، كما أنّ مدير العلاقات العامة لمكتب العلاقات الفرنسية التركيّة، المبعَد بسبب آرائه المناهضة لقيم العلمانية الفرنسيّة، يعمل في المنظمة، ويرفض أيّ لقاء صحفيّ، خوفاً من تشويه صورته.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل ستكون "هيئة التصنيع الحربي" بوابة لسيطرة إيران الأمنية على العراق؟

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
2019-10-22

في ظل انفجار الاحتجاجات العراقية التي عكست توترات قائمة، بين كتل اجتماعية متفاوتة، خاصة، فئة الشباب، الذين يتحملون الأثر المباشر لكلفة التداعيات السياسية والإقليمية والعسكرية، التي شهدتها بغداد، منذ العام 2003؛ فإنّ الواقع المأزوم يعري تفشياً في الفساد السياسي والحكومي، مع العجز عن توفير الوظائف والخدمات، فضلاً عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي ينوء بأعبائها المواطنون، والبطالة التي تلتهم أحلام قطاع كبير من العراقيين، وسيطرة الطائفية والميلشياوية، الحاكمة بالوكالة على مجمل الأوضاع، والتي تقبض بنفوذها على الحالة الأمنية والسياسية، وقد تسببت في سقوط أكثر من 105 قتلى، وأكثر من 4000 جريح، حصيلة الاحتجاجات العفوية.
أفول الواقع العراقي
المشهد الاحتجاجي، وتفاصيله، ونتائجه، يبدو مدخلاً مفتاحياً، على قرار شديد الأهمية والحساسية، في العراق، اُتخذ في نهاية الشهر الماضي، حين صوت مجلس النواب، على قانون بتدشين هيئة التصنيع الحربي، بهدف سد احتياجات القوات المسلحة والأمنية من الأسلحة والعتاد والذخائر، وهو ما يبعث ببعض المخاوف، بحسب مراقبين، بأن يتحول هذا القانون في ظل انضواء ميلشيا الحشد الشعبي، التابعة لإيران، ضمن هذه الهيئة، إلى ما يمكن توصيفه باستكمال مأسسة العسكرة الإيرانية في العراق، وفرض خياراتها الأمنية والسياسية والإقليمية عليها، ومن ثم استمرار لعناصر الأزمة، التي تغدو مرشحة للصعود.

الميليشيات المدعومة من إيران ستسعى إلى تنفيذ سياسة خارجية مستقلة عن العراق، تضع في أولوياتها مصالحها الفئوية

الباحث الأمريكي، مايكل نايتس، يشير إلى أنّ العراق تحت سيطرة الميليشيات الطائفية، يبدو غير قادر على توفير الحكم الرشيد؛ حيث قامت النخبة السياسية، في الفترة التي تلت سقوط صدام حسين، بوضع مكانة متميزة للتمثيل؛ العرقي والطائفي، وترك مؤسسات الدولة تتدهور، وبالتالي، أصبحت الحكومة كياناً متصدّعاً، يضم ما يصل إلى 263 حزباً سياسيّاً مسجلاً، وتملأ الانتهاكات نظام تقاسم الإيرادات، القائم على المحسوبية.
ويضاف إلى ذلك، بحسب نايتس، في دراسته المنشورة، عبر (منصة): "ديفينس بوست"، بأنّ الميليشيات المدعومة من إيران، ستسعى إلى تنفيذ سياسة خارجية مستقلة عن العراق، تضع في أولوياتها مصالحها الفئوية؛ حيث تسخر من حكومة البلاد ودستورها، وسيصبح العراقيون هم الضحايا الرئيسيون لأنشطتها؛ الأمر الذي سيؤدي إلى رفع وتيرة المخاطر الأمنية بالنسبة للعراقيين، خاصة مع تحكم الميليشيات بالأسلحة الثقيلة، ووجودها بين سكان المدن، ما يعرضهم للمخاطر بصورة مباشرة، فيتم تخبئة صواريخ إيرانية كبيرة في بلدات صغيرة مثل آمرلي.

بغداد في العقل السياسي الإيراني
ويلفت الدكتور محمد الزغلول، رئيس وحدة الدراسات الإيرانية، في مركز الإمارات للسياسات، في أبو ظبي، إلى أنّ أحد أهم الدروس الإستراتيجية التي خلصت إليها القيادة الإيرانية من الحرب مع العراق، والتي امتدت طوال ثماني سنوات، هو أنّ العراق بما يمتلكه من إمكانات، وموارد ضخمة، يعد المعادل الموضوعي الرئيس لإيران في المنطقة.

اقرأ أيضاً: كيف نقرأ اعترافات الحلبوسي وصالح حول قمع الاحتجاجات في العراق؟
كما أنّ وجود دولة عراقية قوية (مهما كان شكل الحكم الذي تتبناه) "يعني ضمناً نهاية المشروع التوسعي الإيراني، وانكفاء إيران إلى داخل حدودها، وبالتبعية، انتهاء نفوذها الإقليمي، ووقف خطوط إمداد، وتسليح حلفائها ووكلائها في الأقاليم الجغرافية الأبعد؛ مثل: سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة، ولذلك ظلت إيران حريصة على إبقاء العراق ضعيفاً ومفككاً ومنقسماً على نفسه، وإبقاء سيطرة الدولة العراقية ضعيفة، على الرغم من أنّ الطبقة السياسية التي وصلت إلى الحكم في العراق بعد عام 2003 كانت مقربة جداً من طهران، وتجمعها معها روابط وعلاقات متميزة".

اقرأ أيضاً: الغموض يلف المشهد في العراق.. تهديدات تطال ناشطين وإغلاق عدة فضائيات
وبرأي الزغلول، فإنّ هذه النقطة المحورية كانت بمثابة حجر الزاوية، في إصرار إيران على حل الجيش العراقي، وتفكيك الدولة العراقية، بشكل عام، بعد سقوط النظام العراقي السابق، والإصرار على إنشاء ذلك العدد الهائل من الميليشيات، تحت عناوين ورايات متعددة ومتناقضة ومتناحرة؛ "إذ أبقى النظام الإيراني على الجيش الإيراني، وهياكل الدولة الإيرانية بالكامل بعد انتصار الثورة الإيرانية، وسقوط الشاه، خشية إضعاف إيران الدولة، لكنه حرص كل الحرص على التأكد من تفكيك الجيش العراقي، وكل هياكل الدولة العراقية، وأجهزتها الأمنية بعد سقوط صدام حسين، وهو ما يظهر بجلاء سوء النوايا الذي كان مضمراً للعراق في المخيلة الإيرانية".
لا حقوق للعراقيين تحت مظلة الطائفية
ويعتقد الزغلول أنّ مصلحة العراقيين، بكل أطيافهم اليوم "تكمن في دولة مدنية مستقلة وقوية، لكن بناء مثل هذه الدولة بات أمراً متعذراً أو على الأقل في غاية الصعوبة، في ظل فوضى انتشار السلاح، والميليشيات، التي تعيق عمل الجيش العراقي، وتفرض قيوداً على سيطرته على أمن البلاد واستقرارها. بل تزاحمه في أبرز وأهم صلاحياته الحصرية، مثل عمليات إنتاج وتصنيع السلاح، وتصديره واستيراده، وعمليات السيطرة، والانتشار، والمراقبة. ولعل من أشد ابتلاءات العراق في هذا العصر العسير، هو أنّه تعين عليه أن يفاضل، ويختار بين الاستبداد، والإسلام السياسي فقط، ودون خيارات أخرى تفتح الباب أمام بناء دولة مستقرة ومتصالحة مع مختلف مكونات شعبها، ومحيطها الإقليمي".

اقرأ أيضاً: أكراد العراق.. لماذا كانوا الأقرب إلى تحقيق الاستقلال؟
وبحسب مخرجات التصويت الذي أقر به مجلس النواب العراقي، فإنّ لجنة التنسيق الحربي، ستتشكل من عدة كيانات عسكرية، ومؤسسات وطنية، مؤلفة من رئيس الهيئة الحربية، وممثلين عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء، ووزارتي الدفاع والداخلية، وهيئة الحشد الشعبي، وجهازي الأمن الوطني والاستخبارات، بالإضافة إلى جهاز مكافحة الإرهاب، حيث تهدف جميعها إلى رسم إستراتيجية لبناء وتطوير الصناعات الحربية في العراق، ووضع أولويات احتياجات القوات المسلحة، والقوات الأمنية، من الصناعات الحربية، ومتابعة تنفيذها.
العراق تحت سيطرة الميليشيات الطائفية، يبدو غير قادر على توفير الحكم الرشيد

ماذا ستستفيد طهران؟
وعليه، اعتبر رئيس مستشاري رئيس مجلس النواب العراقي، كامل كريم الدليمي، أنّ قانون هيئة التصنيع العسكري، الذي تم إقراره في المجلس، بمثابة انعطافة كبيرة لدعم الأمن الاقتصادي الوطني، ودعم سيادة البلد، وتوفير الدعم اللوجستي للقطاعات العسكرية في الظروف الاعتيادية والطارئة.

باحث لـ"حفريات": مصلحة العراقيين، بكل أطيافهم، تكمن في دولة مدنية مستقلة وقوية، لكن ذلك بات أمراً متعذراً الآن

وفي بيان رسمي أصدره، قال: "لقد نجح مجلس النواب العراقي في تحقيق منجز كبير، على مستوى دعم الأمن السيادي للعراق، وذلك من خلال التصويت على هذا القانون والذي يعد خطوة استباقية للبرلمان، بغية تدعيم الأمن العسكري، والحفاظ على ديمومة الإمدادات العسكرية، تحسباً لأي طارئ، كما يعد التصويت خطوة استباقية لمواجهة أي عدوان قد يهدد العراق".
من جهته، يرى الصحفي والباحث العراقي، منتظر القبيسي، أنه باستثناء تمثيل ميلشيا الحشد الشعبي في هيئة التصنيع الحربي، لا يرى ثمة مميزات لحلفاء إيران، تحديداً في التشكيل الجديد، "لكن هذا لا يمنع أن يتحول إلى إحدى قنوات التأثير الإيراني على قرارت الدولة، فيما يتعلق بمصادر التسلح، وإعطاء إيران دور رئيسي في الدعم والتدريب، وإعادة تأهيل منشآت التصنيع العسكري التي لم يبق منها شيء يذكر، منذ سنوات بعدما طالها الإهمال، بالإضافة إلى الاستيلاء على محتوياتها وتهريبها إلى إيران".
وفي نظر القبيسي، يعد استخدام هيئة التصنيع الحربي المستحدثة، كوسيلة لاستنزاف الخزينة العامة مقابل عقود مضخمة أو حتى وهمية، "بمثابة استغلال، وواجهة لتمويل مصانع الأسلحة التابعة للفصائل الولائية، والتي تملك بالأساس ورشاً كبيرة أقرب ما تكون للمصانع، التي تصنع فيها مجموعة كبيرة من الأسلحة، وأهمها العبوات الارتجالية الطائرة (صواريخ بدائية)، ويمكن بسهولة تطويرها على أيدي الخبراء الإيرانيين، ناهيك عن الطائرات الهجومية المسيرة".

للمشاركة:

لماذا تخطط كينيا لإغلاق ثالث أكبر مخيم لجوء في العالم؟

2019-10-22

في الأعوام الأخيرة؛ أعربت الحكومة الكينية، أكثر من مرة، عن نيّتها إغلاق مخيم "داداب" للاجئين؛ حيث يوجد أكثر من 300،000 لاجئ، وطالب لجوء، معظمهم ممن فروا من الصومال عقب اندلاع الحرب الأهلية، عام 1991.
وكانت الحكومة الكينية قد أبلغت، في شباط (فبراير) من هذا العام، وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، عزمها إغلاق المخيم قبل نهاية هذا العام؛ بسبب ما وصفته بـ "مخاوف تتعلق بالأمن القومي"، وطالبت الحكومة الكينية من الوكالة "الإسراع بنقل اللاجئين وطالبي اللجوء المقيمين فيه".

اقرأ أيضاً: هل يسعى أردوغان لتوطين 3 ملايين لاجئ سوري في المنطقة الآمنة؟
كما سبق أن أعلنت السلطات الكينية، عام 2016، عزمها إغلاق "داداب"، معلّلة بأنّ المخيم يصبح مركزاً لحركة الشباب المتمركزين في الصومال، للتخطيط لشنّ هجمات جديدة في الداخل الكيني، لكنّ المحكمة العليا الكينية منعت هذه الخطوة، عام 2017، قائلة إنّها غير دستورية وتنتهك التزامات كينيا الدولية.
ويقع مخيم "داداب" في شرق كينيا، وقد تأسس قبل 30 عاماً تقريباً، وهو ثالث أكبر مخيم لجوءٍ في العالم، وكان في السابق أكبر مخيم للاجئين في العالم؛ حيث آوى في ذروته نحو نصف مليون لاجئ من الصومال وجنوب السودان.
أوضاع مأساوية للاجئين
يضمّ المخيم، الذي يمتدّ على مساحة تزيد عن 30 كيلومتراً مربعاً من الأراضي الصحراوية شبه القاحلة، عدة مدراس ومستشفيات وأسواق ومراكز للشرطة ومحطة للحافلات.
وتفرض السلطات الكينية قيوداً صارمة على سكان المخيم؛ حيث لا يمكن للاجئين مغادرة المخيم للبحث عن عملٍ في الخارج، بالتالي؛ فإنّ سكانه يمتلكون خيارات محدودة لكسب لقمة العيش؛ كتربية المواشي والأعمال اليدوية، في حين يعتمد أغلبهم على الحصص الغذائية التي يرسلها المانحون الأجانب، إضافة إلى التحويلات المالية من الذين يملكون أقارب لهم في الخارج.

أعلنت كينيا عزمها إغلاق "داداب" في عام 2016، لكنّ المحكمة العليا الكينية منعت ذلك قائلة إنّها غير دستورية

ورعم أنّ كينيا تواجه، بلا شكّ، تحديات كبيرة في استضافة اللاجئين في "داداب"؛ إلا أنّ منظمة "هيومن رايتس ووتش" الدولية، وثّقت في تقريرها المعنون "من الرعب إلى اليأس"، الأوضاع المزرية التي أدّى إليها الازدحام الشديد في المخيم، مشيرة إلى تدهور البنية التحتية الخاصة بالمخيم، وعدم كفاية المآوي، وشحّ المياه، وتواضع الرعاية الصحية، ودعت المنظمة الأمم المتحدة وكينيا إلى توفير أراضٍ أوسع لإنشاء مخيمات جديدة.
ومن جهتها، تعمل الحكومة الكينية على إنشاء منطقة عازلة على الحدود مع الصومال، "لوقف تدفق اللاجئين والأسلحة غير القانونية إلى داخل كينيا"، ونشرت كينيا ميليشيات مسلّحة بين آذار (مارس)، وأيار (مايو)، قامت بتدريبها على القتال إلى صف الحكومة الاتحادية الانتقالية الصومالية لإبعاد حركة الشباب الجهادية عن مناطق الصومال المتاخمة لكينيا، لا سيما حول بلدة دوبلي.

يمتدّ مخيم "داداب" على 30 كيلومتراً مربعاً من الأراضي الصحراوية

الترحيل القسري
وفي تقرير آخر، بعنوان "مرحباً بك في كينيا: انتهاكات الشرطة بحقّ اللاجئين الصوماليين"، تبيّن "هيومن رايتس ووتش"؛ أنّه منذ عام 2010، تمّت إعادة الآلاف من اللاجئين إلى الصومال بشكل قسري، وأوضحت المنظمة الدولية؛ أنّ الإعادات الجبرية تخرق القانونَين، الكيني والدولي، الذي يمنع الإعادة القسرية للاجئين إلى حيث يواجهون الاضطهاد أو التعذيب أو العنف بشكل عام. وشكّلت الحكومة فريق تحقيق خاصاً للنظر في انتهاكات الشرطة، التي شملت الاغتصاب، وإخفاق الشرطة في منع المجرمين من مهاجمة ملتمسي اللجوء القادمين من الحدود إلى المخيمات، لكن لم يتمّ نشر نتائج التحقيق، وفق تقرير المنظمة.

ممثلة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في كينيا، فتحية عبد الله: هناك أجيال كاملة ولدت في (داداب)

وبناءً على مقابلات مع أكثر من 100 لاجئ؛ يوثق تقرير المنظمة، الذي جاء في 99 صفحة، انتشار ابتزاز الشرطة لملتمسي اللجوء ممن يحاولون الوصول إلى ثلاثة مخيمات قريبة من بلدة داداب الكينية، في ظلّ أوضاع لاإنسانية ومهينة، وتهديدات بالترحيل، والمقاضاة على "التواجد غير القانوني في البلاد" من أجل ابتزاز من يصلون حديثاً من الرجال والنساء والأطفال، على حدّ سواء، للحصول منهم على مبالغ مالية، وفي بعض الحالات؛ قامت عناصر من الشرطة باغتصاب النساء، حسبما يوثقه التقرير.
وقال جيري سيمسون، الباحث في شؤون اللاجئين في "هيومن رايتس ووتش"، وكاتب التقرير الأساسي: "الناس تفرّ من الفوضى والدمار في الصومال، والغالبية العظمى منهم نساء وأطفال، ويُستقبلون في كينيا بالاغتصاب والجلد والضرب والاحتجاز والابتزاز والترحيل بإجراءات تعسفية".
وتابع: "ما إن يصلوا المخيمات حتى يواجهوا العنف من الشرطة، وتدير الشرطة أعينها بعيداً عن العنف الجنسي الذي تركتبه عصابات كينية".

منذ عام 2010 تمّت إعادة الآلاف من اللاجئين إلى الصومال بشكل قسري

العودة الطوعية
وفي ظلّ التحسن الجزئي للأوضاع الأمنية في أجزاء من الصومال؛ بدأ بعض اللاجئين يختار العودة إلى بلادهم بشكل طوعي، وقد أشارت مفوضية الأمم المتحدة للاجئين إلى أنّ أكثر من 82،000 لاجئ من "داداب"، قد عادوا منذ عام 2014، ولكن انخفض عدد العائدين في العام الماضي إلى حوالي 7500 مقارنة، بنحو 35500 عام 2017، و34000 عام 2016.

اقرأ أيضاً: ألمانيا: كيف تتم حماية النساء في مراكز استقبال اللاجئين؟
وقال هيوز أندرسن، المتحدث باسم لسان مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، خلال حديث له مع وسائل الإعلام: "تحرز الصومال بعض التقدم في التنمية على مدى الأعوام القليلة الماضية، إلا أنّها ما تزال دولة خارجة من عقودٍ من الحرب، وهو ما يعني غياب البنية التحتية، ومقومات الحياة الأساسية، وبالطبع؛ فإنّ أيّة عودة للاجئين بأعداد كبيرة لن تساعد في الاستقرار الذي يحاول الصومال بناءه".
وفي السياق ذاته؛ تقول ممثلة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في كينيا، فتحية عبد الله، في تصريح خاص بـ"حفريات": "هناك أجيال كاملة ولدت في (داداب)، والعدد الذي يعيش في المخيم كبير، يتفق الجميع على إيجاد حلّ، ونعتقد أنّ الحلّ يكمن في إستراتيجيات مختلفة، منها العودة الطوعية إلى الصومال. أنت تعرف أنّ غالبية اللاجئين في (داداب) هم من الصومال، وبرنامج العودة الطوعية مستمر منذ أعوام."
وتتابع فتحية عبد الله بأنّهم يدرسون نقل بعض اللاجئين إلى أجزاء أخرى من كينيا، معربة عن أملها في "نقل بعض اللاجئين في داداب إلى كاكوما، ومرة أخرى هذا شيء لن نفرضه بالإجبار"، وأردفت: "سنتحدث إليهم ونرى من الذي يرغب في الانتقال إلى كاكوما؛ لأنّ لدينا مكتباً هناك، ولدينا برامج مشتركة مع الحكومة بهذا الخصوص".

تصاعدت حدّة التهديد الكيني بإغلاق المخيم في بداية العام 2019

الخلاف البحري الصومالي الكيني يؤثر على اللاجئين
منذ الهجوم الإرهابي على مجمع فندق "Dusit D2" في نيروبي، في كانون الثاني (يناير) هذا العام، تصاعدت حدّة التهديد الكيني بإغلاق المخيم، وتمّ القبض على 12 من المشتبه على أنّ لهم صلة بالهجوم من داخل المخيم.
وبالمجمل؛ تنظر الحكومة الكينية إلى "داداب" كخطر أمني، وترى أنّ حركة الشباب خطّطت من داخل المخيم لشنّ الهجمات المتكررة على مركز التسوق "ويست جيت" في نيروبي، عام 2013، وهجوم جامعة جاريسا، عام 2015، رغم أنّها لم تقدّم أدلة.
ويرجّح بعض المراقبين أنّ الحكومة الكينية تستخدم ورقة اللاجئين للضغط على الحكومة الصومالية، في خلافها المتعلق بالحدود البحرية، والتي تنظر بشأنه محكمة العدل الدولية؛ حيث من المنتظر أن تعلن القرار النهائي في الخامس من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.

للمشاركة:

الحركة السياسية الكردية في سوريا.. ما هي أبرز مراحلها وتحوّلاتها؟

2019-10-21

بالمقارنة مع الدول الثلاث: العراق، وإيران، وتركيا، فإنّ الوجود الكردي في سوريا يعدّ حديثاً جداً، وباستثناء الوجود التاريخي المندمج في المدن؛ ومعظمه يعود إلى حركة النزوح الكردي من مناطق الأناضول بتركيا، التي حدثت في العشرينيات من القرن الماضي، إثر قمع السلطات التركية للأكراد، وبالتحديد بعد ثورة الشيخ سعيد بيران، عام 1925.

اقرأ أيضاً: أكراد العراق.. لماذا كانوا الأقرب إلى تحقيق الاستقلال؟
تركّز التواجد الكردي بسوريا في ثلاث مناطق متباعدة، هي: القامشلي في الشرق، ثم عين العرب (كوباني) في الوسط، وعفرين في الغرب، وبسبب حداثة الوجود، والتباعد الجغرافي، وقلة الكثافة السكانيّة، وتدني النسبة من إجمالي تعداد سكان البلاد، أدّت هذه العوامل مجتمعة إلى تراجع وإضعاف قوة حضور القضية الكردية في سوريا، إلّا أنّ ذلك لم يمنع من انخراط سياسي واسع للأكراد، مرّ عبر مراحل وأطوار مختلفة.
في صفوف الحزب الشيوعي
مع جلاء فرنسا من سوريا، عام 1946، كانت النخب السياسة والاقتصادية الكردية قد اندمجت في إطار الكُلّ السوري، وانخرطت في إطار الأحزاب الوطنيّة الناشطة آنذاك.
وجاءت بداية التحوّل في الحراك السياسي الكردي مع تأسيس الحزب الشيوعي السوري، عام 1944، والذي كان مؤسسه وقائده الأول، الكردي خالد بكداش، وسرعان ما انتشر الحزب في أوساط الأكراد، ويعود إقبالهم الواسع عليه لما وجدوه فيه من سبيل للتعبير عن مطالبهم الطبقية، باعتبار أنّ غالبيتهم كانت من الطبقات الفقيرة، استمرّ نفوذ الحزب الشيوعي الواسع بين الأكراد حتى فترة متأخرة من الستينيات، قبل أن يبدأ الحزب ذاته بالتراجع، إثر الصدام مع حزب البعث منذ وصول الأخير للسلطة، عام 1963.

مثلت قيادة خالد بكداش للحزب الشيوعي السوري حالة اندماج النخبة الكردية في الوطن السوري

الخطوة الأولى
رغم انتشاره الواسع، إلا أنّ الحزب الشيوعي ظلّ، بحكم طابعه الأممي وتركيزه على الصراع الطبقي، بعيداً عن أيّة مطالب قومية خاصّة بالأكراد، ونتيجة لذلك اتجهت فئة من الناشطين الأكراد إلى إيجاد بديل وتشكيل حزب سياسي قومي كردي، وهو ما كان في حزيران (يونيو) عام 1957، مع تأسيس الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا، المعروف اختصاراً بـ "البارتي"، وتمكّن هذا الحزب في وقت قياسي من تحقيق انتشار بين قطاعات واسعة من الأكراد في سوريا.

اقرأ أيضاً: أكراد إيران.. قصة مئة عام من البحث عن استقلال
وشهدت تلك المرحلة حدثاً مهمّاً، سيتحول إلى مطلب دائم للأحزاب الكرديّة، وذلك حين قامت السلطات السورية قُبيل وصول حزب البعث إلى الحكم، خلال عهد الرئيس ناظم القدسي، بإحصاء العام 1962 للسكان، الذي تمّ فيه استبعاد الأكراد من الإحصاء، ما أدّى إلى تركهم من دون جنسيّة، وحرمانهم بالتالي الحقّ في الحصول على وظائف حكومية والتملّك، وباتوا يحملون بطاقات خاصّة.
الانشقاق الأول
عام 1966؛ حدث أول انشقاق في الحزب الديمقراطي الكردي، وذلك مع انشقاق الجناح اليساري المتبني للماركسية، الذي أراد التركيز بالدرجة الأولى على حقوق الطبقات بدلاً من المطالب القوميّة، وتأسس إثر ذلك الحزب اليساري الكردي.
وكان هذا الخلاف والانشقاق متأثراً بالخلاف المناظر في الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي، الذي شهد تمايزاً ما بين التيار الليبرالي المحافظ، بقيادة الملا مصطفى البارزاني، وبين التيار اليساري، بقيادة جلال طالباني، وهو ما تأثر به الحزب السوري الذي كان على اتصال وتفاعل مستمر مع نظيره العراقي.
ثلاثة أحزاب
سعى الملا مصطفى البارزاني، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي، إلى حلّ الخلاف بين شقيّ الحزب السوري، وفي فترة التهدئة مع الحكومة العراقية، استضاف قيادة الحزبين عام 1971، وتقرر تشكيل مجلس قيادة موحد، ولكن سرعان ما فشلت الجهود وعاد الحزب إلى الانقسام، ولم يقف الأمر عند ذلك؛ بل حدث انشقاق آخر مع بروز تيار "يمين الوسط" بقيادة عبد الحميد حاج درويش، وأنشأ هذا التيار الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي، في حين بقي الحزب الأصل يمثّل القوى العشائريّة الكرديّة التقليديّة المحافظة، وبقي الأكثر قرباً والتصاقاً من عائلة البارزاني في كردستان العراق، وبقي محتفظاً بالاسم "الحزب الديمقراطي الكردي"، وبذلك باتت هناك ثلاثة أحزاب كرديّة، حمل كلّ منها اتجاهاً مختلفاً.

عبد الحميد حاج درويش لقّب بثعلب السياسة الكردية

المزيد من أحزاب اليسار
وشهدت فترة مطلع الثمانينيات ولادة أحزاب يسارية كرديّة جديدة؛ حيث شهد الحزب اليساري الكردي انشقاقاً نتج عنه تأسيس "حزب الشغيلة الكرديّة"، وفي تشرين الأول (أكتوبر) عام 1981، إثر حدوث خلاف داخل الحزب الديمقراطي الكردي (البارتي)، حول المشاركة في الانتخابات، انشقّ التيار المعارض، بقيادة محيي الدين شيخ آلي، وعام 1983؛ عقد الحزب المنشق مؤتمراً واختار فيه التسمي باسم حزب العمل الديمقراطي الكردي، وأعلن تبني الماركسيّة اللينينيّة.
حزب العمال في الساحة السوريّة
جاء التحوّل البارز على صعيد الحراك السياسي الكردي في أواسط الثمانينيات، وذلك بعدما تأسس حزب العمال الكردستاني في تركيا، عام 1978، وأطلق عملياته العسكرية ضد الدولة التركية، عام 1984، وكانت السلطات السورية قد عمدت حينها إلى احتضان عبد الله أوجلان، قائد الحزب، وسمحت له بالتحرّك بحريّة داخل أراضيها، وتدريب المقاتلين في قواعد خاصّة بالبقاع اللبناني، وذلك في إطار السعي للإمساك بورقة قوّة في مواجهة غريمتها تركيا.

تركّز التواجد الكردي بسوريا في 3 مناطق متباعدة: القامشلي في الشرق وعين العرب (كوباني) في الوسط وعفرين في الغرب

كُلّ ذلك سمح للحزب بالانتشار واكتساب القاعدة والتأييد بين أوساط الأكراد في سوريا، ولكن التحوّل المهمّ جاء على مستوى التوجّه والمضامين السياسية الجديدة التي حملها هذا الحزب وبثّها بين شريحة من الأكراد السوريين؛ فهو مختلف عن الأحزاب الكرديّة السوريّة الأخرى من جهة كونه لا يتحرك ضمن الكُلّ الوطني السوري، وإنما يحمل مطالبات ويعبّر عن حراك قومي بطموح انفصاليّ.
وبعد خروج الحزب من سوريا، نهاية التسعينيات، استمر نشاط قاعدته بأشكال أخرى، إلى أن أسس عام 2003 حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الذي يعدّ بمثابة الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني، وقد "جذب هذا الحزب الطبقات الكرديّة الأكثر فقراً وتهميشاً من المجتمع الكردي السوري، عبر خطاب وتوجه سياسي قومي رومانسي ممزوج برؤية يسارية وبالعنف الثوري"، وفق ما يشير له الباحث رستم محمود في دراسة له بعنوان: "القواعد الاجتماعية للأحزاب الكرديّة السوريّة".
وعام 2004؛ شكّل هذا الحزب تنظيماً عسكرياً، باسم "وحدات حماية الشعب" (YPG)، ليكون بمثابة الجناح المسلّح له، والذي سيكون له الدور العسكري الأبرز بعد اندلاع الحرب الأهلية السورية، عام 2011.

يعود تاريخ تأسيس وحدات حماية الشعب الكردية إلى عام 2004

مطالبات جديدة
وفي مطلع التسعينيات تنظّم عدد من أفراد الجيل الكردي الناشط الشابّ، من المنشقين عن أحزاب مختلفة، وأسسوا، عام 1993، حزب الوحدة الديمقراطي الكردي.

اقرأ أيضاً: أكراد في تركيا.. كيف حدث الانتقال من السلاح إلى صناديق الانتخاب؟
قام الحزب الجديد بتنظيم حملات جديدة من نوعها في ذكرى إحصاء العام 1962، للمطالبة بحقوق المجرّدين من الجنسيّة السوريّة، وذلك خلال الأعوام (1994 - 1996)، قبل أن يتعرض الحزب لحملة اعتقالات واسعة في صفوف أعضائه، وعلى إثرها شهد الحزب خلافاً حول الاستمرار في الحملة، ما أدّى إلى انقسام الحزب، عام 1998، إلى تيارين متباينين: الأول بقي محافظاً على اسم "حزب الوحدة"، والآخر كان بقيادة الجيل الأكثر شباباً والأكثر ميلاً لمطالب القومية وعدم المساومة، واختار اسماً كردياً له هو "يكيتي"، وهي الترجمة لكلمة "الوحدة"، اسم الحزب الأم، وتأسس هذا الحزب علنياً عام 2000.
وفي حين كانت عموم الأحزاب الكرديّة السوريّة تقف بمطالبها عند إلغاء نتائج إحصاء العام 1962، والاعتراف الثقافي، وإقرار التعليم باللغة الكرديّة، تعدّى حزب "يكيتي" تلك المطالب، واتجه للمطالبة بدمقرطة البلاد، وبأشكال من اللامركزيّة السياسية؛ حيث يتحقق للكرد إمكان تحقيق خصوصيّة قوميّة، على غرار أشقائهم الأكراد في العراق. وفي مؤتمر الحزب العام، عام 2010، طالب الحزب بشكل رسميّ بالفيدراليّة كحلّ لمسألة الكرديّة في سوريا.
ما بعد 2011
بعد اندلاع الاحتجاجات في سوريا، عام 2011، أصدر بشار الأسد، في نيسان (أبريل) 2011، مرسوماً رئاسياً قضى بمنح الجنسيّة السوريّة للمسجلين كأجانب في سجّلات محافظة الحسكة، وعليه تمّت تسوية أوضاع عشرات الآلاف من الأكراد السوريين.
في حين كان عدد من الأحزاب الكردية قد انخرط، في تشرين الأول (أكتوبر) 2011، بتشكيل ما عُرف بـ "المجلس الوطني الكردي" الذي تأسس في أربيل بالعراق، برعاية مسعود بارزاني، رئيس حكومة إقليم كردستان العراق آنذاك. وتركّزت مطالبات المجلس حول المطالبة بالاعتراف الدستوريّ بالهويّة القوميّة الكرديّة، وإلغاء السياسات والقوانين التي تحرمهم من حقوقهم القوميّة، بما في ذلك حظر استخدام اللغة الكرديّة، والتعليم باللغة الكرديّة، والمطالبة بتحقيق اللامركزيّة السياسية في الحكم مع البقاء ضمن سياق وحدة الأراضي السورية.

شهد مطلع الثمانينيات ولادة أحزاب يسارية كرديّة جديدة حيث نتج عن انشقاق الحزب اليساري الكردي تأسيس "حزب الشغيلة الكرديّة"

على مستوى آخر؛ شنّت عناصر كرديّة مسلحّة، بقيادة وحدات حماية الشعب، عام 2012، حملة عسكريّة واسعة في شمال البلاد، مستغلةً حالة انشغال القوات الحكوميّة في الجبهات المتعددة، وفي نهاية عام 2014؛ دخلت وحدات حماية الشعب في مواجهة مع تنظيم داعش، الذي حاصر مدينة "عين العرب" (كوباني) الكرديّة، ومنذ تلك اللحظة بدأ الأكراد بتلقي الدعم من الولايات المتحدة، وغيرها من دول التحالف، قبل أن تتمكّن من الانتصار والتغلّب على حصار التنظيم، في كانون الثاني (يناير) 2015، ومنذ ذلك الحين حارب الأكراد بالدرجة الأولى ضدّ داعش.
وفي أواخر عام 2015، وبمشورة وتخطيط من الولايات المتحدة الأمريكية، تم تأسيس قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ودُمجت فيها مجموعات مقاتلة من العشائر العربية وأقليات أخرى، وفي أواخر عام 2016؛ انطلقت حملة الرقّة بقيادة قوات سورية الديمقراطية للسيطرة على مدينة الرقة، عاصمة تنظيم داعش، وهو ما تمّ في العام التالي، مع الدعم الذي وفّرته قوات التحالف.

من شوارع مدينة كوباني أثناء حصار داعش للمدينة

واليوم تبسط هذه القوّات سيطرتها على الأراضي الواقعة شرق الفرات. وبالإضافة إلى رفض الحكومة السوريّة الاعتراف بهذه السيطرة، يبرز موقف تركيا، التي تعتبر وحدات حماية الشعب منظمة إرهابيّة مرتبطة بحزب العمال، وفي كانون الثاني (يناير) 2018 بدأت بحملة عسكريّة ضد مناطق تواجدهم بعفرين والمناطق الواقعة غرب الفرات، حملت اسم "غصن الزيتون"، ولا زالت الحملة مستمرة حتى هذا التاريخ. وبعد تعثر التفاهمات مع واشنطن بخصوص إيجاد "منطقة آمنة" في شمال سوريا، وفي يوم التاسع من تشرين الأول (أكتوبر) 2019  أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إطلاق القوّات التركيّة عملية عسكرية باسم "نبع السلام" داخل الأراضي السورية، ضد المسلحين الأكراد، موضحاً أنّ العملية تستهدف "إرهابيي وحدات حماية الشعب وداعش" وتهدف إلى إقامة "منطقة آمنة" في شمال شرق سوريا.

للمشاركة:



الحوثيون يرتكبون 20 خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار في يوم واحد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

تواصل ميليشيا الحوثي الإرهابية انتهاكاتها لوقف إطلاق النار في الحديدة؛ حيث ارتكبت، أمس، أكثر من 20 خرقاً، من ضمنها استهداف نقطة مراقبة وقف إطلاق النار الأممية التي جرى تثبيتها بمدينة الحديدة، غرب اليمن، ما أدّى إلى مقتل جندي وإصابة ضابط وجندي آخر، من القوات الحكومية.

ورأى الإعلام العسكري للقوات المشتركة، في بيان؛ أنّ الخروقات الحوثية لقرار وقف إطلاق النار في الحديدة "تحدٍّ صارخ لجهود فريق المراقبين الأممين وضباط الارتباط، المبذولة لوقف إطلاق النار في الحديدة"، وفق ما أوردت "العربية".

الحوثيون يستهدفون نقطة مراقبة وقف إطلاق النار الأممية التي جرى تثبيتها بمدينة الحديدة

وأكّد أنّ ميليشيات الحوثي تقابل جهود الفريق الأممي بشأن نشر نقاط ضباط الارتباط لمراقبة وقف إطلاق النار، بالتصعيد الميداني واستهداف المواطنين وممتلكاتهم في محاولة لنسف هذه الجهود.

وذكر الإعلام العسكري؛ أنّ ميليشيات الحوثي ارتكبت خلال الـ 24 ساعة 20 خرقاً في الحديدة، نتج عنها مقتل وجرح ثلاثة من منتسبي القوات المشتركة، وإلحاق أضرار في ممتلكات المواطنين، مشيراً إلى أنّ الميليشيات استخدمت في هذه الاعتداءات المدفعية الثقيلة وقذائف "آر بي جي"، وعيارات "14.5" و"12.7"، ومعدلات "البيكا"، وأسلحة القناصة.

كما شملت الخروقات مدينة الحديدة، بما في ذلك المناطق التي تمّ فيها تثبيت نقاط مراقبة وقف إطلاق النار.

وأوضح البيان؛ أنّ تثبيت نقطة المراقبة الثالثة اليوم في منطقة كيلو 16، تزامن مع استهداف الميليشيات الحوثية لمواقع القوات المشتركة القريبة من ذات المكان، وقد أسفر ذلك الاعتداء الإجرامي عن مقتل وجرح ثلاثة من المقاومة برصاص قناصة الميليشيات.

 

للمشاركة:

مصر: القبض على 22 إخوانياً.. هذا ما ارتكبوه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

ألقت قوات الأمن المصرية القبض على 22 شخصاً، من عناصر جماعة الإخوان، المصنَّفة في كثير من الدول، من ضمنها مصر، على أنّها تنظيم إرهابي، بتهمة إثارة الرأي العام.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية، في بيان لها اليوم؛ أنّها "عثرت بحوزة المتهمين على ملصقات إثارية وأسلحة بيضاء، ومسدسَي صوت، لاستغلالها في قطع الطريق أمام إحدى المحاكم"، وفق ما نقلت "سبوتنيك".

22 إخوانياً يحاولون استغلال قضية محمود البنا لإثارة الرأي العام والتحريض ضدّ الدولة

وذكر البيان؛ أنّ جماعة الإخوان تحاول استغلال الأحداث المختلفة لإثارة الرأي العام، وتأجيج المشاعر لدى المواطنين، والتحريض ضدّ الدولة، من خلال نشر العديد من الأخبار المغلوطة والشائعات الكاذبة، ومن بينها حادث الاعتداء على الطالب محمود البنا، بمحافظة المنوفية، الذي أدّى إلى وفاته".

وكانت محكمة شبين الكوم قد أجّلت أولى جلسات محاكمة المتهم محمد راجح و3 آخرين، بعد اتهامهم بقتل الطالب محمود البنا، نتيجة دفاعه عن فتاة في الشارع، كان المتهمون يتحرّشون بها، لجلسة الـ 27 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري.

وانشغلت مواقع التواصل الاجتماعي، خلال الأيام السابقة، بجريمة قتل الشاب محمود البنا، على يد محمد راجح، طالب الثانوية العامة، واثنين من أصدقائه، بطريقة تحاكي الحبكات السينمائية التي يقدمها عادة الفنان محمد رمضان؛ باستخدام الأسلحة البيضاء والبلطجة والخروج على القانون.

 

للمشاركة:

اعتقالات جديدة في الجيش التركي.. بهذه التهمة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

أصدرت السلطات التركية، اليوم، قراراً باعتقال 60 شخصاً، بتهمة الانتماء إلى الداعية فتح الله غولن، الذي تتهمه أنقرة بتدبير المحاولة الانقلابية المزعومة، في صيف 2016.

وذكر موقع صحيفة "سي إن إن ترك"؛ أنّ المعتقلين موظفون يشغلون مناصب إدارية في أفرع قوات الجيش التركي المختلفة، في 27 ولاية.

وزعمت النيابة التركية؛ أنّ العناصر المطلوبة تواصلت مع قيادات "الخدمة" من خلال نظام الاتصال الدوري والمتسلسل عبر الهواتف العمومية التي تستخدمها الحركة بين الجنود، وما يُسمى "الأئمة السريين" الموجودين داخل الجيش.

السلطات التركية تصدر قراراً باعتقال 60 شخصاً من الجيش بتهمة الانتماء إلى جماعة غولن

وفور صدور قرار التوقيف بدأت قوات الأمن شنّ عمليات أمنية متزامنة في الولايات؛ لضبط المتهمين المطلوبين.

ويزعم نظام الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وحزبه "العدالة والتنمية"؛ أنّ غولن متهم بتدبير المحاولة الانقلابية، وهو ما ينفيه الأخير بشدة، فيما تردّ المعارضة التركية بأنّ "أحداث ليلة 15 تموز (يوليو) كانت انقلاباً مدبراً لتصفية المعارضين من الجنود وأفراد منظمات المجتمع المدني".

وتشنّ السلطات التركية بشكل منتظم حملات اعتقال طالت الآلاف منذ المحاولة الانقلابية، تحت ذريعة الاتصال بجماعة غولن.

ويوم 10 آذار (مارس) الماضي، كشف وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، توقيف 511 ألف شخص، اعتقل منهم 30 ألفاً و821، في إطار العمليات التي استهدفت جماعة غولن، وحزب العمال الكردستاني، منذ المحاولة الانقلابية المزعومة.

وبأرقام جديدة، خرج صويلو، في كانون الثاني (يناير) الماضي، معلناً أنّ عدد المعتقلين في عام 2018، بلغ 750 ألفاً و239 شخصاً، بينهم أكثر من 52 ألفاً فقط بشبهة الانتماء إلى غولن.

وتستمر المحاكمات منذ 4 أعوام تقريباً، في حقّ مئات الآلاف من المواطنين، بتهمة الانتماء لـ "غولن"؛ حيث تمّ اعتقال ما يقرب من 50 ألف شخص دون إثبات جريمتهم، فضلاً عن استمرار محاكمة الآلاف دون اعتقال.

يذكر أنّ المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، إلى جانب المنظمات المحلية المعنية بحقوق الإنسان في تركيا، كشفت عبر تقارير موثقة انتهاكات حكومة أردوغان في مجال حقوق الإنسان.

وفي وقت سابق؛ أكّد فريق "الاحتجاز التعسفي التابع لمنظمة الأمم المتحدة"، عدم قانونية الاعتقالات التي يقوم بها نظام أردوغان، لآلاف الأشخاص، لمجرد استخدامهم تطبيق التراسل الفوري "بايلوك" للهاتف المحمول.

وحظرت تركيا التطبيق المذكور بعد مسرحية الانقلاب، مبررة ذلك بقولها: إنّ "أنصار غولن استخدموه، مساء يوم 15 تموز (يوليو) 2016 (يوم الانقلاب)، للتواصل فيما بينهم عندما حاولت مجموعة من الجنود الإطاحة بالحكومة، وقتلوا نحو 250 شخصاً".

 

للمشاركة:



لماذا اختصم محمد الطاهر بن عاشور مع الرئيس بورقيبة؟

2019-10-22

يوصف بأنّه "عَلَم من الأعلام الذين يعدّهم التاريخ الحاضر من ذخائره، فهو إمام متبحِّر في العلوم الإسلامية، مستقلّ في الاستدلال، واسع الثراء من كنوزها، فسيح الذرع بتحمّلها، نافذ البصيرة في معقولها، وافر الاطلاع على المنقول منها، أقْرَأ، وأفادَ، وتخرَّجت عليه طبقات ممتازة في التحقيق العلمي".

اتبع بن عاشور الآلية المقصدية في تحليل الخطاب القرآني وبيّن أهمية أسباب النزول ودلالاتها وحضّ على القراءة التفاعلية لآيات القرآن

ولم يكن محمد الطاهر بن عاشور ليستحق هذا الذي أسبغه عليه العلاّمة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، لو لم يكن جديراً بما قاله عنه وبحقه وزاد عليه صديقه الأثير الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر، فقد امتدحه وأطرى عليه، فله "فصاحةُ منطقٍ، وبراعةُ بيانٍ، ويضيف، إلى غزارة العلم وقوّة النظر، صفاءَ الذوق، وسعة الاطلاع في آداب اللغة. كنت أرى فيه لساناً لهجته الصدق، وهمَّةً طمَّاحة إلى المعالي، وجِداً في العمل لا يَمَسه كلل، ومحافظة على واجبات الدين وآدابه. وبالإجمال ليس إعجابي بوضاءة أخلاقه وسماحة آدابه بأقل من إعجابي بعبقريته في العلم".
ولد بن عاشور، بتونس في العام 1879م في أسرة علمية عريقة تمتد أصولها إلى بلاد الأندلس. وقد استقرت هذه الأسرة في تونس بعد حملات التنصير ومحاكم التفتيش التي تعرض لها مسلمو الأندلس.

اقرأ أيضاً: لماذا يُعد "أمير كبير" رجل الإصلاح والتحديث في إيران؟
حفظ الطاهر بن عاشور القرآن الكريم، على ما تورده المصادر التاريخية، وتعلّم اللغة الفرنسية، والتحق بجامع الزيتونة، وهو في الرابعة عشرة من عمره، فدرس علوم الزيتونة ونبغ فيها، وأظهر همة عالية في التحصيل، وساعده على ذلك ذكاؤه النادر والبيئة العلمية الدينية التي نشأ فيها، وشيوخه العظام في الزيتونة الذين كان لهم باع كبير في النهضة العلمية والفكرية في تونس، وملك هاجسُ الإصلاح نفوسَهم وعقولهم، فبثوا هذه الروح الخلاقة التجديدية في نفس الطاهر، وكان منهجهم أنّ الإسلام دين فكر وحضارة وعلم ومدنية.

 محمد البشير الإبراهيمي
وبوحي من هذه التنشئة والظروف المحيطة بابن عاشور، وبدافع من إحساسه بأنّ تقدّم المسلمين لا يكون إلا من طريق إصلاح عقولهم، وتوفير البيئة الفكرية لكي يتفهموا أمور دينهم، راح الفقيه التونسي يبحث عن سبل للنظر في جوانب إصلاح المنهجية التي عُرض فيها الدين، وللطريقة التي يُفهم فيها الدين، رابطاً على نحو خلّاق بين الفكر والعمل، فلا يمكن إصلاح جانب وترك الآخر؛ "لأنهما كجناحي الطائر لا يمكن تجديد ما رثّ في أحدهما وترك الجانب الآخر".
وكان ابن عاشور، وهو يسعى إلى إصلاح الفكر، يرنو إلى إصلاح التفكير بربط ذلك بإصلاح العلوم التي يُراد إدخالها في مخزن الأفكار (العقل البشري)، فإصلاح عقل الإنسان هو إصلاح جميع خصاله، ويجيء بعده الاشتغالُ بإصلاح أعماله، وعلى هذين الإصلاحين مدار قوانين المجتمع الإسلامي"، كما جاء في كتابه "أصول النظام الاجتماعي".

مرّ بن عاشور باختبار صعب في عهد الحبيب بورقيبة، حين دعا الرئيسُ العمالَ إلى الفطر في رمضان بدعوى زيادة الإنتاج

وانطوى التوجه المقاصدي لدى ابن عاشور على وعي نقدي للأسس التي انبنى عليها العقل الفقهي القديم، وعلى هاجس تطوير البناء الفكري للمنظومة التشريعية الإسلامية على النحو الذي يجعل من التشريع عامل تنشيط للحركة الحضارية، وعنصر تغذية لتقدم المجتمع الإنساني، لتجنيب المسلم عوارض الصدام بين النص والواقع، سعياً نحو تحقيق التوازن المطلوب بين موجبات الولاء لتعاليم الدين من ناحية، والاستجابة لمقتضيات التواصل الواعي مع متغيرات الزمان والمكان من ناحية ثانية، بما يتيح تحرير العقل الفقهي من أسر الأطر المغلقة للثقافة التقليدية، والرفع من قيمة أدائه بمدّه بالآلات المنهجية والمعرفية التي تمكّنه من امتلاك القدرة على مسايرة التحولات المتسارعة والانخراط القويم في مسار الحركة الحضارية التي لا تعرف التوقف ولا تعترف بالجمود والقعود، حسبما ورد في دراسة للمعهد العالمي للفكر الإسلامي.

اقرأ أيضاً: كيف تحوّل روبرت موغابي من بطل إلى دكتاتور؟
وتنوّه الدراسة إلى جهود ابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير"، حيث اتبع العلامة التونسي منهجاً يعتمد على تكوين علاقة مركبة من القارئ والنص؛ لأنّ النص القرآني في كثير من التفاسير وإن بدا حاضراً، فإنّ حضوره شكلي يتضاءل أمام حضور القارئ وأهدافه، وقد لوحظ إلمام ابن عاشور بمراتب الدلالة اللغوية، وتحليله قضاياها وفق المنهج التداولي، كما لوحظ اتباعه للآلية المقصدية، وتنسيبها في تحليل الخطاب القرآني وعنايته بها، وقد بيّن ابن عاشور أهمية أسباب النزول ودلالاتها، وحضّ على القراءة التفاعلية لآيات القرآن الكريم.

الحبيب بورقيبة
وفيما اتصل بلباس المرأة، كان لابن عاشور موقفه في هذه القضية الجدلية التي ما تزال تشغل اهتمامات المسلمين، حيث ذكر شيخ علماء جامع الزيتونة أنّ "الذي يجب ستره من المرأة الحرة هو ما بين السرّة والركبة عن عين الزوج، وماعدا الوجه والأطراف عن المحارم، والمراد بالأطراف الذراع والشعر وما فوق النحر أي أعلى الصدر، ويجوز لها أن تظهر لأبيها ما لا تظهره لغيره ماعدا العورة المغلظة، وكذلك لابنها، ولا يجب عليها ستر وجهها ولا كفيها عن أحد من الناس".
وتعرّض ابن عاشور لمحن سياسية كثيرة سواء من الاستعمار الفرنسي لبلاده، أو من السلطة التي جاءت في أعقاب إزاحة الاستعمار. وقد مرّ في عهد الرئيس التونسيّ الحبيب بورقيبة، وبالتحديد في عام 1961م  بفتنة كبيرة واختبارٍ صعب، حيث إنّ الرئيس التونسي دعا العمالَ إلى الفطر في رمضان بدعوى زيادة الإنتاج، وطلب من ابن عاشور أن يفتي في الإذاعة بما يوافق ذلك، حيث ترقّب النّاس ظهوره من خلال البثّ الإذاعيّ، ليرَوا ماذا يقول، فصرّح بما يوافق شرع الله في هذه القضية، وذكر أنّ كلّ مفطرٍ بدون عذرٍ شرعيّ، كالمرض والسفر وما إلى ذلك من الأعذار التي حددها الشرع، يجب عليه فيها القضاء، وذكر شهود أنّه قرأ آية الصيام: "يا أيها الذين آمنوا كُتِب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" ثمّ قال بعدها: "صدق الله، وكذب بورقيبة"!

للمشاركة:

لماذا لم ينزل نصر الله إلى الشارع؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

أمل عبد العزيز الهزاني

خرج مهدداً ومتوعداً من مكانه المجهول، وقتما كان اللبنانيون في الشوارع والميادين يهتفون بمعاناتهم، ويشكون أنهم بلا كهرباء، وبعضهم لم يستطع الاستحمام لأيام لانعدام الماء، وبطالة قضت على ما تبقَّى لهم من أمل. لم يخرج مطمئناً وداعماً للثورة السلمية التي حافظ فيها اللبنانيون على حمل علم واحد وهو العلم اللبناني، بعيداً عن تلونات أعلام الأحزاب والطوائف، في مشهد لم يكن له مثيل.
كان خوف أمين عام حزب الله أن تستقيل الحكومة ويخسر المعادلة التي مكَّنته من تحويل لبنان إلى بلد مشلول، وجسر للعبور إلى دمشق.
لأول مرة في التاريخ الحديث، يتجرَّد اللبنانيون من انتماءاتهم السياسية، ويشكِّلون وحدة واحدة بالمطالبات نفسها والصوت نفسه. فرقتهم السياسة وجمعهم الفقر.
ولأن الفساد هو المتهم الأول، كما هو حال احتجاجات العراق، فإن من الفاسدين من لا يستطيع أحد أن يحاسبهم أو يقاضيهم أو يفضح أسماءهم لأنهم تحت حماية نظام الولي الفقيه.
نصر الله لم يستطع أن يعيد سيناريو 8 مايو (أيار) 2007 وينزل لاحتلال بيروت وإخماد المعارضين، لأنه سمع بأذنيه أنه حتى من يحبونه ويناصرونه كزعيم شيعي مقاوم للاحتلال الإسرائيلي، على حد قوله، اتهموه علناً وعلى شاشات التلفزة بالفساد، وأن وزراءه ونوابه من الحزب وأتباعهم سرقوا قوت الناس، وأثروا على حسابهم.
وحتى لا يكون لحكومة سعد الحريري تأثير في حل جزء من أزمات لبنان، تلكأ جماعة نصر الله في الحكومة في الالتزام والإقرار بالإصلاحات التي تعهد بها رئيس الحكومة دولياً، ليتمكن من الحصول على دعم الصندوق الدولي.
المواطن اللبناني الذي اكتشف أن قوته تنبع من ذاته وليس من انتمائه، أجبر كل أعضاء الحكومة على الموافقة على ورقة الإصلاحات الاقتصادية بالأمس، ولا يزال السياسيون أصحاب النفوذ والتأثير قلقين من أن هذه الخطوة قد لا ترضي الشارع.
وإن رضي اللبنانيون بورقة الحريري الاقتصادية، وهدأ الشارع، وفتحت الطرقات، وسكن الغضب، فإن ما تغير في لبنان أكبر من الإصلاح الاقتصادي.
وأنا هنا لا أعني الثقة بالسياسيين، لأن حتى بعض أتباع نصر الله لم يكونوا راضين باحتلاله بيروت وإرعاب الناس، ويعرف الجميع أن سبب إشهاره سلاحه في وجه المواطن اللبناني كان بسبب نفوذه الطاغي الذي وصل حد التجسس على المطار الدولي والتحكم في حمولة الطائرات. أتباعه أيضاً لم يكونوا فخورين عندما خرج يناشد حلفاء أميركا بالتوسط لوقف القصف الإسرائيلي على لبنان في صيف 2006، وهم اليوم يرونه يطلب معونات من الناس بعد الحصار الاقتصادي الأميركي على إيران. الثقة أيضاً تأرجحت في الرئيس اللبناني ميشال عون الذي وقف عاجزاً أمام كل مشكلات لبنان منذ صار رئيساً، وسلم واجهة الرئاسة وهيبتها إلى جبران باسيل وزير الخارجية بكل ما تتميز شخصيته من استعلاء. إذن هي ليست فقط الثقة التي فقدت في الفريق «المقاوم» لاستقرار لبنان، بل التحول العميق في موقف الناس وجرأتهم على التحرر والصراخ في وجه زعمائهم الذين تركوهم للعوز، واتهام من كانوا أصناماً يُعبدون بأنهم سبب كل بلاء.
ليعلم اللبنانيون أنهم سطروا مشهداً حضارياً غير مسبوق، ببسالتهم، وإصرارهم، ورفع صوتهم ضد أصحاب السلطة الظالمة، حتى إنهم بدأوا الاحتجاجات مقنعين بأقنعة لإخفاء هويتهم ثم ألقوا بها وتوجهوا للقنوات التلفزيونية لتنفيس غضبهم، وقول الحقيقة التي كانوا يعلمونها منذ عقود؛ وهي أن زعامات لبنانية انتفعت من مراكزهم لأنفسهم وأسرهم، غير عابئين بلبنان واحد يضم الجميع.
بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري استمرت سلسلة من الاغتيالات، التي وجهت أصابع الاتهام فيها لحزب الله ضد خصومه، رغم أنهم خصوم نافذون، فكيف بالمواطن العادي الذي وجد نفسه أسيراً لحكم ديكتاتوري بغطاء ديمقراطي مرقع.
من كان يستطيع أن يحمل مكبراً للصوت ليقول: «إننا كنا معك يا حسن نصر الله، لكن نوابك ووزراءك سرقونا».
منذ 2005، كنا نسمع مظاهرات الناس واجتهادهم للدعاية لأحزابهم بكل ألوانها، وتصريحات قياداتها تهتف بالعزة والكرامة، لكن الحقيقة أن العزة والكرامة ليستا في الرايات الصفراء أو البرتقالية أو الزرقاء، بل في علم لبنان وحده. العزة والكرامة هما ما قدمه اللبنانيون خلال الأيام الماضية.
حاجز الخوف من سلاح نصر الله قفز فوقه المتظاهرون، هم لم يبدلوا مواقفهم السياسية بل اكتشفوا أخيراً أن السياسة الحزبية لا تؤكل عيشاً إلا للطبقة العليا، وأن أتباعهم والمؤمنين بهم عقدياً وسياسياً هم أرقام تنزل للشارع حينما تؤمر بذلك، أداة من أدوات التنافس ضد الخصوم.
أجزم بأن اللبنانيين يعرفون من هم الفاسدون الذين نهبوا مقدرات البلاد، رغم أن لبنان من أكثر الدول التي تتلقى دعماً خليجياً ودولياً مستمراً. هذه تجربة خاضها اللبنانيون بإرادتهم، لم يملِ عليهم أحد النزول للشارع. إن لم يكتمل عندهم الوعي بأن لهم حق المواطنة على الزعيم السياسي الذي يتبعونه فإن خسائرهم ستتضاعف، وسيكون مستقبلهم مخيفاً. المواطن اللبناني قوي رغم ما تلقنه منذ سنوات بأنه مجرد بوق ورجع صدى، لكن اليوم هو صاحب القرار. هذه لحظات لا تنسى، فليحافظ عليها اللبنانيون مهما كانت انتماءاتهم، وحتى لو عادوا لبيوتهم من الشارع ووجدوا كهرباء وماء.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

"التأسيس الثالث" للإخوان.. محاولات بائسة لإحياء التنظيم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

رشا عمار

فشل تنظيم الإخوان في الإفلات من أزمته التي يمر بها منذ أكثر من  6 سنوات، بعد أن لفظه الشعب المصري، حتى باتت الخيارات التاريخية التي كان يلجأ إليها للبقاء وإحياء التنظيم مستحيلة.

تلك الخيارات التي كان آخرها ما يسمى بـ"التأسيس الثالث" أو التأسيس الجديد، الذي كان بمثابة ممر آمن للجماعة في أوقات الأزمات وسنوات المحنة الكبرى، كما يسمونها، لكن هذه المرة فشل هذا الخيار بسبب حالة التناحر والانقسام داخل أبناء التنظيم، مع فشل الجناح المسلح في إعادة التنظيم للمشهد.

ومفهوم التأسيس لدى الجماعة - كما يعرفه بعض الباحثين - هو بلورة كاملة للمشروع الفكري والسياسي والفقهي والشرعي للتنظيم خلال الفترة المقبلة لضمان استمراره في العمل السياسي بتغيير جذري في الأيدولوجيا والأهداف.

وظل التأسيس الجديد مخرجاً مثالياً للأزمات الطاحنة التي مرت بها جماعة الإخوان على مدار عقود، كان أبرزها أزمة اغتيال المؤسس الأول حسن البنا، وحل التنظيم للمرة الأولى عام 1954.

وبحسب مراقبين، فإنه كلما اشتدت الأزمة واحتدم الصراع داخل الإخوان خرج جيل من التنظيم معلناً خريطة جديدة تتضمن تغيرات أيدويولوجية تتوافق وطبيعة المرحلة، وتسمح ببقاء التنظيم.

عملية مستحيلة
وتأسيس الإخوان يتم وفق عاملين محوريين، كلاهما يمثل أزمة داخلية بالتنظيم في الوقت الحالي؛ حيث يتعلق الأول بشرعية القيادة، والثاني هو الاتفاق حول الفكر والأيدولوجيا، وكذلك الأهداف، وفي ظل غيابهما أصبحت إمكانية التأسيس الجديد أمراً أقرب إلى المستحيل.

وتلخصت جهود الإخوان في مجملها خلال السنوات الست الماضية في حسم الصراع المعقد بين شطري التنظيم، وهما: الكماليون من الشباب الراغبين في تحويل المسار كلياً إلى العمل المسلح، والشيوخ الراغبون في الإبقاء على مركزية القرار داخل التنظيم وحفظ سلطتهم حتى إن كانت لا تحظى بتأييد قواعدهم.

ويرى الدكتور محمد حبيب، نائب المرشد المنشق عن تنظيم الإخوان، استحالة تحقيق التأسيس الثالث للجماعة لعدة أسباب؛ أبرزها عدم توافر رغبة حقيقية في تغيير الأيدولوجيا بما يتوافق مع المشروع الوطني وتقبل الآخر، مؤكداً أن الجماعة أحرقت طريق العودة بممارسة التطرف وحمل السلاح بوجه المصريين.

وقال "حبيب" لـ"العين الإخبارية" إن الصراع الذي يبدو في ظاهره خلافاً حول الأيدولوجيا، لكنه في حقيقته تناحر على السلطة والتمويل، فمن يملك السلطة الشرعية داخل الجماعة سيحظى بمليارات التمويلات، التي تقدمها دول وحكومات بهدف تحقيق مخططات محددة، لن ينجح في تحقيقها إلا من سيتمكن من حسم زمام الأمور لصالحه.

وتبنت الجماعة منذ التأسيس الثاني خطاباً إصلاحياً تلاشى تماماً إبان ثورة 30 يونيو/حزيران 2013 في مصر، التي أسقطت عباءة الإصلاح المزيفة للتنظيم، ليظهر وجهاً آخر للعبة السياسية، وهو العمل المسلح.

وشهدت مصر خلال السنوات الخمس الماضية موجة من أشرس موجات التطرف الإخواني، وجهت ضد الأشخاص والمؤسسات، وطالت يد الغدر المدنيين ورجال الأمن والقضاء، وحتى الأطفال ومرضى السرطان الذين لم يسلموا من نيران التنظيم.

وقد يعتقد البعض على خلاف الحقيقة أن هناك انشقاقاً داخل الصف الإخواني، وهذا غير صحيح - بحسب حبيب- فنحن أمام تنظيم له جناحان، أحدهما عسكري تمثله جبهة محمد كمال "حركة حسم" وآخر تنظيمي سياسي دعوي يمثله الهارب محمود عزت (القائم بأعمال المرشد) الذي يمتلك أدوات التحكم في حركة التنظيم من حيث التمويل والاتصالات الخارجية بالدول وأجهزة المخابرات.

شرعنة القتل
في 2014 أعلن القيادي الإخواني محمد كمال، مؤسس اللجان النوعية في تنظيم الإخوان، تأسيس وشرعنة العمل المسلح داخل التنظيم، ما أثار حالة كبيرة من الجدل داخل وخارج الجماعة، التي لم تعترف فقط بممارسة العنف، بل اضطرت أحياناً للتبرؤ من قيادتها ظاهرياً لإبعاد اتهامات العمل المسلح عنها.

فتأسيس "جبهة الكماليون" كان بمثابة زلزال مدمر داخل التنظيم، حيث اعتبره الباحثون والمراقبون بل أعضاء بالتنظيم بمثابة "التأسيس الثالث للإخوان"، خاصة بعد انضمام عشرات من شباب الجماعة للجبهة، وإعلان وثيقة العنف أو ما عرف باسم "فقه المقاومة الشعبية".

وهذة الوثيقة وضعها محمد كمال لإيجاد إطار شرعي لقتل المعارضين للتنظيم وتنفيذ عمليات ضد الدولة المصرية، بهدف إعادة الإخوان للحكم مجدداً، ما جعل الأمر يبدو أن "تأسيساً جديداً" مكتمل الأركان حدث داخل الإخوان.

وثيقة كمال اعتبرت أيضاً أن معارضي التنظيم كفار، وحرضت على استهداف الكنائس، بزعم أنها قامت بالحشد الطائفي لإسقاط الرئيس المعزول محمد مرسي، وحاولت التأكيد على أن مفهوم المقاومة بالقتل واجب شرعي.

وكالنار في الهشيم انتشرت فكرة التأسيس المسلح بين شباب الجماعة في ذلك الوقت، وأعلنوا تأسيس عدد من الحركات المسلحة، أبرزها: "حسم، ولواء الثورة، والمقاومة الشعبية" وغيرها.

وفي أكتوبر/تشرين الأول عام 2016 نجح الأمن المصري في قتل محمد كمال، بعد اشتباكات وتبادل إطلاق النار، لكن موته لم يكن السبب الوحيد في فشل ما سمى بـ"التأسيس الثالث". إلا أن أزمة شرعية القيادة والاختلاف الأيدولوجي ظلا حاضرين بقوة، لكن مع نجاح الضربات الأمنية المصرية ضد عناصر التنظيم المسلحين، تهاوت جبهة محمد كمال وخفت نجمها وتلاشى تأثيرها، حتى إن الحركات المسلحة التي ظهرت في 2014 لم يعد لها وجود يُذكر.

محاولات فاشلة
وبعد فشل مشروع محمد كمال حاول عدد من شباب التنظيم تقديم مقترحات لم تخرج للنور، بسبب تعنت القيادة التاريخية للإخوان حول فكرة التأسيس الثالث.

وكان أبرز تلك المقترحات ما تقدم به مجموعة من شباب الإخوان في محافظتي الفيوم والمنيا بصعيد مصر، تتناول البدء فيما يسمى بـ"التأسيس الثالث" للإخوان، على غرار التأسيس الثاني في السبعينيات.

واعتمد مشروع التأسيس على ثلاثة محاور أساسية، هي: المشروع السياسي للتنظيم، والقائم على مقومات جديدة، على رأسها ضرورة دعم وصول المرأة والقبطي إلى سدة الحكم وشتى المناصب في البلاد، والاستعانة بفتاوى "راشد الغنوشي، ويوسف القرضاوي، وسليم العوا، ومحمد عمارة، وفهمي هويدي"، في هذا الصدد، الذين أقروا بعدم وجود أي موانع فقهية لوصول الأقباط إلى الحكم.

أما المحور الثاني فشمل ملامح المشروع الفقهي للتنظيم، بنسف جميع الفتاوى التي اعتمد عليها الإخوان في التأصيل لممارستهم السياسية، بداية من الاستدلالات القرآنية وإسقاطها على الواقع السياسي، واتهام المعارضة بالفسوق والكفر والإلحاد، بمجرد توجيه النقد إلى الحاكم أو الوزير أو العضو الإخواني.

كما تضمن المحور الثالث المشروع الفكري للتنظيم من خلال تغيير الهيكل الإداري للتنظيم بالكامل، واعتبار الجماعة مجرد مدرسة فكرية جامعة شاملة أكثر من كونها مجرد تنظيم يقيد حرية الانضمام إليه بشروط "بالية" لا سند شرعياً أو فقهياً لها.

المحور الثالث تضمن أيضاً الإجابة عن تساؤلات شائكة راجت منذ فترة عن معنى الأمة والدولة والقطرية والأممية والخلافة الإسلامية، مع التأكيد على أن مصطلح ما يسمى بـ"الخلافة الإسلامية" أصبح غير صالح للاستخدام حالياً، وأنه كان اجتهاداً سياسياً وليس نصاً دينياً يجب على المسلمين تنفيذه من باب الفرضية والإلزام.

انهيار التنظيم الحديدي
حافظ تنظيم الإخوان على تماسكه رغم الأزمات الطاحنة التي مر بها قبل 2014، لأنه نجح في الحفاظ على فكرة التنظيم الهرمي المتماسك جداً، شديد المركزية والإحكام، بحسب المحللين، لكن هذا التنظيم الذي سماه الباحثين "التنظيم الحديدي" انهار بشكل تدريجي بعد ثورة 30 يونيو/حزيران 2013 في مصر.

ويرجع المفكر الإسلامي ثروت الخرباوي أسباب ذلك إلى انهيار الثقة بين عناصر التنظيم وقياداته، وهو ما ظهر جلياً في أزمة التمويل التي مر بها التنظيم على مدار سنوات.

وأوضح الخرباوي أن أزمة التمويل كشفت للمرة الأولى عن حجم سرقات واختلاسات أبطالها قيادات كانت تسمى "روحانية" ولها قدر كبير من التقديس والثقة، حيث أبرزهم محمود حسين، الأمين العام للتنظيم، الذي تم اتهامه بسرقة ملايين من صندوق الجماعة وتهريبها لأولاده واختلاس أموال كانت تجمع لأسر المحبوسين في مصر.

ويرى الخرباوي أن تفكك التنظيم الهرمي المحكم هو أخطر ما يواجه جماعة الإخوان، لافتاً إلى أنه: "عائق محوري أمام إمكانية التأسيس الثالث للتنظيم، بل يمثل عائقاً أمام استمرارية الجماعة أصلًا".

ويقول الخرباوي لـ"العين الإخبارية": "جماعة الإخوان فقدت صمام أمانها بعد انهيار مؤسسية التنظيم وفقد الثقة في قياداته".

وأضاف: "حاول القائمون على الأمور من إخوان مصر وأقرانهم بالتنظيم الدولي استعادة السيطرة على الأمور بكل الطرق لكنهم فشلوا، وبالتالي أصبحت الجماعة مختنقة بين قيادات غير معترف بشرعيتها وشباب لا يملكون سلطة أو شرعية، والطرفان منبوذان من المجتمع المصري".

واستطرد أن: "التنظيم الدولي رغم محاولات قطر وتركيا المستميتة لتقويته يعاني حالة انهيار غير مسبوقة، لذلك أرى أن الجماعة لن تصمد أمام أزمتها وعاجلاً ستعلن حل نفسها في مصر وربما تتبعها عدة دول، وليس أمامها خيار بديل".

تاريخ التأسيسين الأول والثاني
في عام 1928 أسس حسن البنا جمعية الإخوان المسلمين، وزعم أنها فكرة تستمد استراتيجيتها وأهدافها وبلورتها من مجموعة أفكار متشابهة يضعها المشاركون في التأسيس.

وبعد اغتيال المرشد الأول للجماعة (البنا) عام 1949 تجلت أزمة الفكرة داخل التنظيم بشكل كبير وسقطت فكرة التماسك، إلا أن المرشد الثاني للجماعة المستشار حسن الهضيبي نجح وقتها في تدارك الأزمة واستمرت الجمعية دعوية من الظاهر، ولكنها تعمل بكل قوة على الوصول للحكم.

وبعد عدة تغييرات سياسية جذرية حدثت في مصر عقب قيام ثورة يوليو 1952، وتوجه الجماعة للعمل المسلح علناً بمجموعة عمليات واغتيالات طالت شخصيات عامة ومسؤولين مصريين، سقطت أسهم الجماعة شعبياً، وحاول الأمن السيطرة على جرائمها.

ووفقاً للكاتب والباحث المصري بشؤون الجماعات الإسلامية طارق أبوالسعد، ظهر التأسيس الثاني للإخوان في مطلع السبعينيات، وكان بطل هذه المرحلة هو عمر التلمساني، مرشد الجماعة الثالث.

وقال أبوالسعد إن التلمساني اعتمد في ذلك على مجموعة ركائز أبرزها الخطاب الجماهيري الشعبي العاطفي، الذي يعبر عن الحلم الإسلامي، فضلاً عن التركيز على شخصية محورية يلتف حولها أبناء التنظيم والحركة الإسلامية ككل، مع إيجاد وعاء تنظيمي ومرتب يضمن تمويلاً جيداً ذا طبيعة رسمية.

ويضيف "أبوالسعد" أن التلمساني عمد إلى إعادة ترتيب وتنظيم الجماعة؛ فكان بحاجة إلى هيكل إداري محكم وواضح، واختار له أن يكون هرمياً يعتمد على القاعدة الإخوانية ويتدرج بها إلى القمة.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية