أطفال السوشيال ميديا.. نجومية أم عمالة من نوع جديد؟

جاء في اتفاقية حقوق الطفل، الموقّعة عام 1989: "ضرورة السعي لحماية الطفل من الاستغلال الاقتصادي، ومن أداء أيّ عملٍ يُرجّح أن يكون خطراً أو يمثّل إعاقة لتعليمه، أو ضرراً بصحته، أو بنموّه البدني أو العقلي أو الروحي أو المعنوي أو الاجتماعي"، قد ترجع أهمية هذا البند إلى شموليّته في إدانة أيّ عمل قد يُعدّ انتهاكاً للطفولة مهما كان نوعه، لكن ماذا لو كنّا اليوم نشهد نوعاً جديداً من العمالة فيما يسمّى بالعالم الافتراضي؟ وماذا لو كان هذا النوع يلقى رواجاً حتى في الدول التي وقّعت على هذه الاتفاقيّة، وتُعدّ حقوق الطفل فيها مقدّسة؟

اقرأ أيضاً: الطفولة المقيّدة أمام عدسة المثاليات
ما نراه من قنواتٍ يتصدّرها الأطفال على منصات التواصل الاجتماعي، خاصةً اليوتيوب، هي عمالة من نوعٍ جديد، بزيٍّ أنيق وحذاءٍ لامع، عمالة تعتمد على الشهرة لتحقيق الربح؛ حيث تصبح شهرة الطفل الذي يحظى بمشاهدات عالية أداة لترويج المنتجات، مهما كان نوعها ومصدرها، وهذا بالضبط ما يربط الطفل بالعمل، لكن بطريقة ملتفة؛ إذ إنّ هناك الكثير من العائدات الإعلانية ستعود على أسرته بالمرابح، ومن اللافت للانتباه أنّ أغلب الأسر التي تقوم بتغذية عمالة الأطفال في العالم الافتراضي ليست من الأسر الفقيرة، بخلاف عمالة الأطفال في العالم الواقعي.

ما نراه من قنوات يتصدّرها الأطفال على منصات التواصل، خاصة اليوتيوب، عمالة من نوع جديد بزيّ أنيق وحذاء لامع

قد تكون هذه العمالة  دليلاً على التناقض بين حقوق الطفل والجشع العام، الذي جعل من الشهرة والربح غايتَين في الواقع الاجتماعي، ورغم أنّ فكرة الكسب المادي من خلال السوشيال ميديا في مجتمعاتنا ما تزال تقتصر على فئاتٍ معينةٍ، ولم تحقق بعد انتشاراً واسعاً، ولكن هناك ما نقوم به ربما هو أخطر من ذلك بكثير وأوسع انتشاراً، فكثيرٌ من الفيديوهات التي يقوم الوالدان بمشاركتها، ليس لها هدف سوى التسلية، وقد لا تبالي في كثيرٍ من الأحيان بجعلِ الطفل أضحوكةً ومثارَ تندّر، غير مكترثةٍ لمشاعره وأحاسيسه، وفي فيديوهاتٍ أخرى يستخدم الوالدان أطفالهما ليمرّرا من خلالهم مواقفهما ووجهات نظرهما، خاصةً السياسية منها والدينيّة. 

اقرأ أيضاً: هذا ما تنبئنا به فيديوهات ضرب الأطفال!
ربما ليس مفاجئاً أن نجعل أطفالنا أضحوكة للآخرين عبر العالم الافتراضي، أو نستخدمهم كأداةٍ للكسب المادي، أو للشهرة، أو لتمرير أيديولوجياتنا، أو لتعويض عقد نقصنا، فما ذلك سوى انعكاس لعالمنا الواقعي، الذي نتعامل فيه مع الطفل كدمية نحرّكها كما نشاء، ونقوّلها ما نريد، ونختبئ وراء تبريرات تزيد من الطين بلّة، كتبرير الكسب المادي عبر السوشيال ميديا،  بحجة أنّه من المهم أن يعرفَ الطفل مبكراً قيمة المال الذي يجنيه بجهده، أو من يدّعي أنّ هذه الفيديوهات لمشاركة أفراحه مع الآخرين، وليس وراءها أيّ كسب مادي، أو أنّ هذه المواهب يجب أن ترى النور عبر منابر أصبحت أساسية في حياتنا، أو بحجة التوثيق والأرشفة. 
ومهما قُدِّم من تبريرات، ستبقى موسومة باختراقها لثلاثة بنودٍ في اتفاقية حقوق الطفل؛ من ناحية عمالة الطفل، وعدم احترام خصوصيته، واستغلاله، وخاصةً البند الأخير، فأيّ مبررٍ لن يكون خارج دائرة الاستغلال، وإن كان بغير قصدٍ؛ فالطفل لم يمتلك بعد الإدراك الكافي ليقرر إيجابية هذا الأمر أو سوءه، والأهلية التي يتحصّن بها الوالدان تفقد شرعيتها طالما لا يستطيعان النظر إلى الطفل كما هو، وباستمرارهما في التعامل مع الموهبة على أنّها أهم من الطفل، سينتهي بهما الأمر إلى فقدان الطفل وموهبته.   

اقرأ أيضاً: لماذا لا يرتدي الإمبراطور ثياباً؟
وإذا كان هذا النوع من العمالة يحظى بمقبولية اجتماعية؛ كونه لا يتطلب جهداً كما في العمالة التقليدية؛ فهذه المقبولية لا تبيح لنا، بأيّ شكلٍ من الأشكال، أن نجعل الأطفال يسدّدون  فواتيرنا المعيشيّة، ففي النهاية مهما كان نوع العمل الذي يقومون به، ومهما بدا غير مُذلّ؛ فهم يعملون من أجلنا بدل أن نعمل من أجلهم، وبهذا يتحطّم المبدأ الأقوى في أيّة تربية؛ مبدأ حماية الطفل، كما أنّ تحويل الطفل إلى مهرجٍ أو ممثلٍ أو أداة ترويج لمنتجٍ ما، أو تعريضه للشهرة والنجومية، سيجعل أطفالنا يعيشون خارج طفولتهم، في عالمٍ يكون الإنسان فيه مهماً فقط كلّما ازدادت أعداد المعجبين به، هكذا نربي الآخرين داخل أطفالنا، ليصبح الآخرون، منذ اللحظة، من يقررون وجودهم.  

اقرأ أيضاً: لماذا نورث أطفالنا ما كان وبالاً علينا؟
فالفيديوهات التي تروّج لهؤلاء الأطفال على أنّهم خارقون أو غير طبيعيين، ويتم تناول هذا التوصيف على أنّه إيجابيٌّ، تدفعنا للتساؤل: هل نحن في حاجة إلى أطفال غير طبيعيين؟ إنّ فكرة التفوّق التي تدغدغ المخيلة البشرية، جعلت من العالم حلبة صراع، ومن التنافس الذي يتغذى على الإقصاء، الطريقة الوحيدة للوجود؛ على هذا الطريق بالضبط نحن نضع أطفالنا، وبينما نحن نمنعهم من أن يكونوا أطفالاً طبيعيين يحظون بطفولتهم، نجعل منهم ما نريد، وما نريده هو ما سينتج عنه العنف والتطرّف؛ لذلك نجد أنّ الفيديوهات التي ينشرها المتطرفون لأطفالهم، والتي تتضمن عقائدهم، لا تختلف عن الفيديوهات التي ننشرها لأطفالنا، سوى أنّ الأولى مباشرة وواضحة، تضعك أمام العنف وجهاً لوجه، بينما ما ننشره نحن عن أطفالنا، ولأطفالنا، وإن كان يبدو في الاتجاه المعاكس المشرق والمضيء، لكنّه يحمل في طياته منتجات العنف نفسه.

الاستخدام الخاطئ وغير العقلاني للتقنية عزّز القلق والخوف وساهم مساهمة حاسمة في تسطيح الوعي الإنساني

فما خلّفته وتخلّفه الحروب والنزاعات، من تشريدٍ للأطفال وآلام الفقد لذويهم، والتردي الاقتصادي الذي يجبر قسماً كبيراً منهم على العمل، بالإضافة لموجات اللجوء والنزوح، والأمراض المنتشرة بفعل عوامل كثيرة، وما يتعرضون له من بردٍ وجوع، له وقعُ كارثيّ، وربما لا يمكن مقارنة واقع طفل الحروب، بطفل السوشيال ميديا الجالس بين أفراد أسرته ولم يتعرض لكلّ هذا الجحيم، ولكن إذا أمعنّا النظر بالنتائج، سنجدها واحدة بأدواتٍ مختلفة، فطفلٌ تشرّده وتستنزفه الحرب، وآخر يشرّده ويستنزفه الجهل، جهلنا.
من المفترض على القفزات التي تقفزها البشرية في أيّ مجال أن تساهم في استقرار الإنسان وسعادته، لكنّ ما يحدث واقعياً هو العكس تماماً؛ فالاستخدام الخاطئ، وغير العقلاني، للتقنية، عزّز القلق والخوف، وساهم مساهمةً حاسمة في تسطيح الوعي الإنساني، بالتأكيد ما لم نعترف بأخطائنا، أو طالما نصرّ على تبريرها، وسيشكّل هذا التجاهل المتعمّد التهديد الأهم في الوجود؛ إذ سينتهي بنا الأمر لأن نبتلع بعضنا، بينما تستمر التقنية في استهلاكنا؛ حيث تتردّد صرخة نيتشه في نهاية المطاف كنبوءة: "احذروا عصر العدمية القادم لا محالة".

الأقسام: