أطفال مدارس قرآنيّة في تونس يحلمون بأنّ يكونوا أئمة مساجد

تونس

أطفال مدارس قرآنيّة في تونس يحلمون بأنّ يكونوا أئمة مساجد

مشاهدة

30/08/2018

بعد الثورة ضد نظام زين العابدين، ارتفع عدد المدارس القرآنية في تونس، وتأسّست عدة جمعيّات سلفيّة تهتم في الظاهر بتحفيظ القرآن في مدارس خاصّة يرتادها الأطفال، لكنّها في الواقع لا تخضع لمراقبة أي من وزارة التربية، ووزارة المرأة، أو وزارة الشؤون الدينية، ما جعل الملاحظين يرتابون حول الأفكار التي يتم بثّها ضمن هذه المناهج والأجيال التي ستتخرج من هذه المدارس الخارجة عن السيطرة، حيث يجري غرس أفكار في عقولهم الغضة تجعلهم يحلمون بأن يصبحوا أئمة مساجد.
وعلى الرغم من أنّ السّلطات التونسية أعلنت "الحرب" ضدّ هذه الجمعيات، وأغلقت عدداً كبيراً من المدارس القرآنيّة، إلا أنّها لم تستطع القضاء عليها جميعاً، وهو ما تؤكّده أشرطة الفيديو التي رُوّجت في السنوات الأخيرة، وتضمنّت مقاطع مفزعة لأطفال يردّدون أناشيد تثمن الجهاد، وتمدح بن لادن، إلى جانب شهادات تتحدث عن فرض لباس الحجاب على الفتيات الصغيرات، وحديث عن عذاب القبر، فضلاً عن المخاوف من الخوض في مسائل خطيرة على غرار الجهاد وغرس أفكار بعيدة عن الدين في عقول الأبرياء من الأطفال، خدمة لأجندات خارجية تقوم بتمويل بعض هذه المدارس عبر الجمعيّات المشبوهة.

ارتفع عدد المدارس القرآنية في تونس
وتؤكّد رئيسة الغرفة الوطنية لرياض ومحاضن الأطفال نبيهة كمّون في تصريحها لـ"حفريات"، أنّ السلطات لم تُوفّق في إغلاق كلّ المدارس القرآنية، وأنّ بعضها مايزال يستغلّ الأطفال إلى اليوم، والبعض الآخر الذي أغلق تمت إعادة فتحه بأسماء أخرى، لكنه حافظ على البرامج المتشدّدة نفسها".
المدارس القرآنيّة "تلقّن الأطفال أفكاراً غريبة على المجتمع التّونسي"، بحسب كمون، وتركز بالأساس على "الأفكار الجهاديّة، ووجوب ارتداء الحجاب، وعذاب القبر، وما يُعرف في ثقافتهم بالطواغيت"، مشيرة إلى أنّها تلقّت تهديداً من أحد المشرفين على جمعيّة قرآنية عند دفاعها عن المناهج التعليميّة المتقدّمة، حيث قال لها حرفيّاً "يجب أن تخافي على نفسك يا امرأة".
برلمانيّون يحذرون من تمرير مناهج متشدّدة
وحذّر برلمانيون تونسيون، خلال جلسة استماع إلى وزير الشؤون الدينيّة أحمد عظّوم في 22 حزيران (يونيو) الماضي، من تفشي تدخّل جمعيّات مشبوهة وغير مرخّص لها في تعليم الأطفال في تلك السنّ الدقيقة، بعيداً عن رقابة الوزارة ومتابعتها بما يمثل خطراً على تمرير خطابات ومناهج متشدّدة، ومخالفة لتعاليم الدين الإسلامي، والمذهب الوسطي المعتدل الذي تتبنّاه تونس.
وشدّد البرلمانيون، خلال الجلسة، على ضرورة مراعاة مصلحة الطّفل، ومراقبة البرامج، والمناهج الموجهة لفائدته، عبر التنسيق المحكم بين مختلف الوزارات المتداخلة، وبالخصوص وزارة شؤون المرأة والطفولة والأسرة.

الجمعيّات التي موّلت المدارس القرآنية تتلقى أموالاً طائلة من دول أجنبيّة لتكوين فكر متشدّد لدى الأطفال

بدوره، أكّد وزير الشؤون الدينيّة أنّ الوزارة تعمل على إعداد دليل جديد للكتاتيب العصريّة، التي تتماشى مع التطوّر التكنولوجي، وذلك في إطار المشروع الذي أعدّته الوزارة، مشيراً إلى "ضرورة طرح مبادرة تشريعية، وأهمية إشراك البرلمان في إعدادها"، والاستماع إلى تصوّر البرلمانيين في هذا المجال.
عظّوم دعا إلى إعادة فتح المدارس القرآنية (الدواوين)، لمواجهة الفكر المتطرف، الذي اجتاح تونس، أخيراً حسب تعبيره. وقال إنّه من الضروري، إعادة فتح الدواوين في تونس، باعتبارها "تمثّل خط الدفاع الأول بعد الأسرة، للإرهاب والأفكار المتطرّفة"، مضيفاً أنّ "هذه المدارس بإمكانها تفسير القرآن الكريم بشكل صحيح للأطفال".

اقرأ أيضاً: المساواة في الميراث: هل تؤرق تونس الأزهر؟
وتسعى الوزارة، بحسب عظوم، لإنهاء الكُتّاب في شكله القديم، مؤكّداً أنّ "الكتاتيب العصرية ستقوم بتعليم الأطفال القرآن، والتفسير الحقيقي للتعاليم الدينيّة، وتأهيلهم للدخول للمدرسة، مع توفير فضاءات للّعب."
كما أوضح أنّ "اللّجان الجهوية لتحييد المساجد بصدد النظر في الرّوضات القرآنية التابعة للجمعيات، وستأذن بإغلاق الجمعيات التي تخالف التوجّه الذي ضبطته الوزارة".
المسؤولة الإعلامية لوزارة الشؤون الدينية يسرى بكّار، أوضحت في اتصال هاتفي مع "حفريات" أنّ إحجام الوزارة عن التدخّل في معالجة ملف المدارس القرآنية يعود لكونها تأسّست ضمن أنشطة الجمعيات، وأنّ "رئاسة الحكومة هي من تملك صلاحيات التدخل باعتبارها المانح للتراخيص"، مشيرة إلى أنّ الوزارة من صلاحياتها النظر في مسألة الكتاتيب فقط.
ورفض أغلب المشرفين على هذه المدارس التواصل مع "حفريات" باستثناء جمعة بن عمار، إمام خطيب وعضو في الجمعية الشرعية للعلوم (من مهامها تحفيظ القرآن)، الذي اعتبر أنّ "المدارس القرآنية جاءت للحد من الفكر الوهابي الذي انتشر بعد الثورة، واختلف معه الزيتونيون (نسبة لجامع الزيتونة) المعتدلون في تونس".

اقرأ أيضاً: "الفنادق الحلال" في تونس: تجارة للربح أم مخطط لأسلمة المجتمع؟
وأكد في تصريحه لـ"حفريات": "نحن لا ننتمي إلى أي حزب سياسي، وهدفنا الوحيد تلقين الناس العلوم الدينية الشرعية التي جاء بها الإسلام، بعيداً عن التحريض وتكفير الآخر".
وأشار إلى أنّ المساجد كانت بعد الثورة مفتوحة أمام الفكر الوهابي المتشدد لنشر الفتنة بين الناس، محذراً ممن أعمتهم العصبية الدينية.
ويرى بن عمار أنّ "المدارس القرآنية ساهمت في تخرّج آلاف الأئمة، فضلاً عن تأهيل تلاميذها الذين تلقوا فيها تعليماً جيداً مكّنهم من مواصلة حياتهم الدراسية الرسمية بنجاح كبير، وأنّ طلبتها عادة ما يحتلون المراتب الأولى في المدارس الرسمية، ويتفوقون على أقرانهم الذين تلقوا تعليماً تحضيرياً".
لا يتفق الباحث والمحلّل السياسي جمعي القاسمي، مع ما قاله بن عمار، ويعتقد في تصريحه لـ"حفريات" بأنّ هذا النّوع من المدارس، "ما انفكّ يثير جدلاً في البلد منذ ثورة يناير 2011، لعدّة اعتبارات، أولّها النمط المجتمعي التونسي، ونوعيّة البرامج التعليميّة المتقدّمة التي سعت الدولة إلى إرسائها منذ الاستقلال".
المدارس القرآنية ساهمت في تخرّج آلاف الأئمة

ضرب النسيج المجتمعي
وقال القاسمي إنّ ظهور مثل هذه المدارس، وعجز الدولة عن القضاء عليها بشكل كامل، يثير مخاوف وهواجس لدى التونسيين لانحرافها عن الغايات التي رسمتها تونس لمستقبل الناشئة التعليمي منذ العام 1956، محذّراً من "سعي بعض الأطراف إلى إعادة إحياء المدارس التي اُغلقت وغاياتهم في ذلك ضرب النسيج المجتمعي".
ويضيف القاسمي أنّ ما يزيد من مخاوف وجود مثل هذه المدارس "التمويلات الكبيرة التي تتلقّاها من جمعيات مشبوهة، تمتنع عن تقديم بياناتها للجهات المختصّة، وتخفي مصادر تمويلها، التي بدون أدنى شكّ تقف وراءها قوى إقليمية استغلّت حالة الانفلات التي عاشها البلد بعد الثورة لتمرير غاياتها الدفينة".

بعض الروضات القرآنية في تونس تعتمد على المنهج الباكستاني والأفغاني في تدريس الأطفال الذين يطمحون أن يكونوا خطباء

وكانت وزيرة المرأة والأسرة والطفولة السابقة سميرة مرعي أكّدت وجود بعض الروضات القرآنية في تونس التي تعتمد على المنهج الباكستاني والأفغاني، في تدريس الأطفال، مشيرة إلى "وجود أكثر من 800 فضاء عشوائي لاحتضان الأطفال، على غرار الروضات والمحاضن".
وكشفت الوزيرة، في تصريحات متلاحقة، عن وجود مدارس قرآنية على شكل مبيتات داخلية، متمركزة في كلّ المحافظات تتكفّل بالأطفال منذ 10 سنوات إلى غاية 18 سنة.. وعلى امتداد شهر لا يرون خلاله أولياءهم، هؤلاء الأطفال يتركون المدرسة، وقراهم ويتوجهون إلى مدارس خاصة لا تعلم إلا مناهج دينية، عندما سألهم المتفقّدون عن حلمهم أجابوا بأنهم يريدون أن يصبحوا أئمة في أوروبا.
وأعلنت السلطات التونسية أواخر 2016، تصنيف (157)، جمعية تنشط تحت غطاء "العمل الخيري"، تشرف عليها جماعات متشدّدة، وتنظيمات إرهابيّة، وتعليق نشاط (77) جمعية أخرى، في خطوة اعتبرها المراقبون "بداية حرب" على الجمعيّات التي لها علاقات بالخلايا الجهادية، وذات النشاط والتمويل المشبوهين.
وكشفت الأجهزة الأمنية خلال السّنوات الخمس الماضية، أنّ العشرات من الجمعيات الخيرية، تحوّلت إلى نقاب تتخفى وراءه الخلايا الجهاديّة، مستفيدة ليس فقط من التمويلات، وإنما أيضاً من دعم تنظيمي ولوجستي خطير ساعدها على التمويه، وتجنيد الشباب، والفتيات، وترحيلهم إلى معاقل التطرف والإرهاب.

اقرأ أيضاً: تونس: من أزمة الدولة إلى أزمة الحزب الحاكم
ويبدي مختصّون في هذا الشأن تفهّماً لتدخّل الدولة، في غلق الكثير من الجمعيّات، والمدارس القرآنية، بعد أن تداخل فيها الشأن السياسي مع الشأن الديني، وتورّط بعضها في نشر الخطاب التكفيري، فيما يوجّهون انتقادات للدولة، بسبب غياب خطط فعّالة، من المؤسسة الدينية الرسميّة، لمحاربة أيّ انحراف عن الاعتدال والهويّة الإسلاميّة التونسية.
وبخصوص ذلك، أكد رياض الصيداوي مدير المركز العربي للدراسات الاجتماعية والسياسية في جنيف، في تصريحات صحفيّة سابقة، أنّ تدفّق المال الأجنبي الخليجي على نطاق واسع إلى الجمعيات المسيرة لهذه المدارس القرآنية، عزّز من نفوذها، وانتشارها، لكن ذلك لم يكن بمعزل عن مهمتها الرئيسية، المتمثلة في تغيير الطبيعة المذهبية المالكية، والنزعة الصوفية للمجتمع التونسي.

اقرأ أيضاً: هكذا يتحوّل الشباب العاطل عن العمل في تونس إلى "قنبلة موقوتة"
وبحسب الصيداوي، فإنّ مثل هذه الإستراتيجيات، كانت في السابق سبباً في التحولات التي شهدتها باكستان، وأفغانستان، مع صعود الحركات الإسلامية الراديكالية في البلدين، ما أدى في النهاية، إلى إفراز ما يعرف بحركة طالبان المتشددة الآن.
ولا تختلف المخاوف في تونس اليوم عن تلك السيناريوهات، مع توفر أرضية خصبة، لتمدد الحركات الراديكالية؛ إذ تضم السجون التونسية نحو ألف معتقل متورطين في قضايا إرهابية، كما أنّ هناك كتيبة متحصنة في الجبال، تحارب تنظيم "الدولة"، إلى جانب انتشار الخلايا النائمة في المدن، والجماعات التكفيرية، في المساجد، وتنشط جمعيات حقوقية للدفاع عن متشددين.

السلطات التونسيّة وجّهت تنبيهاً لـ 84 جمعية

جمعيات مشبوهة وأموال طائلة

ورغم أنّ السلطات التونسيّة قد وجّهت تنبيهاً لـ 84 جمعية، وتمت المطالبة بحلّ 74 جمعية قضائياً، وتم حل ثلاث جمعيات، كما تم الإذن قضائياً بحل جمعيتين، بسبب التمويل الأجنبي، وهما "جمعية مرحمة للمشاريع الخيرية"، وجمعية "تونس الخيرية"، المحسوبتين على حركة النهضة الإسلامية، ورغم قرار حلّها فإنّ المعطيات المتوفّرة لدى "حفريات"، تؤكّد أنّ الفروع الجهوية لبعضها مايزال ينشط إلى اليوم.
وتقول تقارير أمنية إنّ أكثر من 150 جمعيّة خيريّة، ترتبط بمعاملات ماليّة مع خلايا جهاديّة، متحالفة مع شبكات التهريب التي تستحوذ سنوياً على نحو 600 مليون دولار، وفق بيانات رئاسة الحكومة، فيما تشير آخر الإحصاءات التي نشرها المرصد الوطني "إيلاف"، إلى أنّ عدد الجمعيّات في تونس، بلغ أكثر من 12100 جمعيّة، 19 بالمائة منها خيريّة، أي أنّ عددها يبلغ أكثر من 2500، دون أن يكون لها أثر في الواقع.

اقرأ أيضاً: شيخة تونس سعاد عبد الرحيم لـ"حفريات": الحجاب حرية شخصية
ورغم كثافتها، فإنّ الواقع يؤكد أنّ أغلب هذه الجمعيّات لا ينحصر عملها في النشاطات الخيريّة، وإنما تداخلت انتماءات المنخرطين فيها بأهداف جمعياتهم، وأجندات أحزابهم، بما طرح جدالاً واسعاً حولها، وتساؤلات حول نشاطاتها.
وبلغت تمويلات هذه الجمعيّات، حسب تحقيق نشرته صحيفة "الصباح" الحكومية في تونس، مئات المليارات دون احتساب التمويل العمومي لها، كما بقيّة نسيج الجمعيات المتمتعة بالتمويل العمومي، ولم يلاحظ أيّ أثر يذكر لها في مساعدة المعوزين، أو إحداث نقلة نوعية لمنطقة أو غير ذلك.
ويؤكد الأكاديمي الخبير في الجماعات الإسلامية، عليّة العلاّني، في تصريح لـ"حفريات"، أنّ المشهد الدينيّ في تونس، "اهتزّ خلال الفترة الممتدّة بين 2011 و2014، وهو ما سمح للمدارس القرآنيّة، والجمعيّات المشبوهة، التي سعت إلى ترسيخ ثقافة راديكالية، أقرب إلى العنف لدى الناشئة، لولا تدخّل الحكومة التي أغلقت وحلّت عدداً منها".
ويضيف العلاّني، أنّ هذه الجمعيّات التي موّلت إلى فترة ما المدارس القرآنية، "تتلقى أموالاً طائلة من دول أجنبيّة، لتكوين فكر متشدّد لدى الأطفال، الذين سيكونون يوماً ما خطراً على السلم الاجتماعي"، لافتاً إلى أنّ "كتاب القرآن مقدّس، ويجب تعليمه وتفسيره تفسيراً صحيحاً لمختلف الأجيال، لكن لا يجب السماح لبعض الأطراف باستغلاله لغايات خطيرة على المجتمع".

الصفحة الرئيسية