أكثر 3 نظريات إثارة حول أصل الحياة

7970
عدد القراءات

2019-06-27

لطالما تساءل الإنسان عن أصل الحياة، ومن أين جاء، وأسباب وجوده على الأرض، وعبر التاريخ، نشأت نظرياتٌ عديدة ومثيرة للجدل تسعى للإجابة عن مثل هذه التساؤلات؛ ومعظمها، حتى اللحظة، غير قابل للنفي أو التأكيد، والتي كلّما تقدم العلم أزاح وجود بعضها وأبقى على أخرى باحتمالات مفتوحة، فما هي أكثر هذه النظريات إثارة؟

أولاً: لسنا أرضيين أصلاً!

الأساطير عديدة، ترتبط بالحضارات القديمة قبل الميلاد، وتتشابه معظمها سواء كانت حول حضارات بابل أو الفراعنة أو أمريكا الجنوبية، في القول إنّ قوى خارجية خارقة علّمت البشر علوماً متقدمة في الهندسة والطبيعة، وتتحدث عن دقة لم تكن معهودةً في العمران واستغلال المواد الأساسية في الطبيعة، وربما أشهرها القطع الأثرية التي عثر عليها في كولومبيا، وهي عبارة عن نماذج صغيرة لطائرات نفاثة مصنوعة من الذهب وعمرها يعود لأكثر من ألف عام.

اقرأ أيضاً: هل بات على البشر البحث عن كوكب آخر للعيش؟
كذلك يتكرر الحديث عن حجارة الأهرامات الضخمة والمصقولة التي تفوق عملية هندستها وتقطيعها التكنولوجيا التي تواجدت في ذلك الحين، إضافةً إلى بحيرة تيتيكاكا المرتفعة جداً في جبال البيرو، وتشبه تضاريسها شكل نمر، واسمها معناه النمر، لكن الكثيرين يصرون أنّه لم يكن قديماً من الممكن رؤية حدودها كاملةً سوى من السماء، ولأنه لم تكن هنالك طائرات قبل ألفي عام؛ إذن لا بد أن الفضائيين هم من سمّوها بهذا الاسم!

من أكثر النظريات غرابة أنّ الحياة بدأت من المريخ والفضاء ثم انتقلت إلى الأرض عن طريق النيازك

هذه الأفكار كلها، أنّ فضائيين تعهدوا بداية الحياة والحضارات على الأرض ثم اختفوا وغادروا دون أثر! تتسيدها فكرة أنّ الحياة ليست أرضيةً في الأصل، ولكن ومع ضعف وجود الأدلة على كائنات فضائية وأماكن تواجدها رغم خرافات الأطباق الطائرة المتكررة مثلاً، فإنّ النظرية الأكثر قوةً هي أنّ الحياة كانت على المريخ أصلاً، ثم انتقلت إلى كوكب الأرض؛ إذ "تدعم إحدى الدراسات الحديثة فكرة تقول إنّ الكوكب الأحمر كان بمثابة موطن أفضل لبدء الحياة منذ مليارات السنين قبل نشوء كوكب الأرض، وتوجد احتمالية أن تكون الحياة قد قدمت إلى الأرض على ظهر نيزك من المريخ؛ حيث حمل النيزك عناصر أساسية لتشكل جزيئاتٍ أساسية من معادن كالبورون والموليبيدينوم التي أسهمت بظهور أشكالٍ أولى للبكتيريا ومن ثم للحياة". وفقاً لتحقيق عن "بي بي سي" في 2013. وبعد ذلك، تتكفل نظرية التطور بالحديث عن سيرة الحياة إلى أن وجد الإنسان على الأرض.

المريخ الميت اليوم هو من منح الأرض الحياة!

وبصورةٍ عامة فإنّ الإنسان خصوصاً دينياً، لا يقبل قصة وجوده على الأرض إلا فجأةً وبهيئة كاملة وعقل متين، مثلما تخبرنا قصة آدم وحواء في الكتب السماوية، التي تصر أنّهما جاءا إلى الأرض فجأةً، لكنهما كانا كاملين ويحملان معرفة كافية مسبقة، منحت إليهما من الله تعالى حتى يعمرا هذا الكوكب.

طائرات قبل ألف  عام:

ثانياً: في البدء كان البرق!
يعرف الكثيرون رواية ماري شيللي "فرانكنشتاين" عن إنسان مصنَّع تقريباً، حاول صانعه أن يبث الحياة فيه عبثاً، إلى أن صدمه البرق، فدبّت فيه الحياة، ولرواية شيللي الخرافية أصلٌ علمي، في نظرية مفادها أنّه يمكن أن "تولد الشرارات الكهربائية الأحماض الأمينية والسكريات من غلاف محمل بالماء والميثان والأمونيا والهيدروجين"، كما هو موضح في تجربة "ميلر-أوري" الشهيرة التي تمت العام 1953، وتقترح أنّ البرق ربما ساعد في إنشاء اللبنات الأساسية للحياة على الأرض في أيامها الأولى"، وفقاً لموقع "live scince" في دراسةٍ علمية بعنوان "theories on the origin of life".
وتقترح هذه النظرية أنّه على مدى ملايين السنين، تمكنت جزيئات أكبر وأكثر تعقيداً من التكون، على الرغم من أنّ الأبحاث منذ ذلك الحين  كشفت أنّ الغلاف الجوي المبكر للأرض كان في الواقع يفتقر إلى الهيدروجين، ولذلك اقترح العلماء أنّ السحب البركانية في الغلاف الجوي المبكر ربما كانت تحمل الميثان والأمونيا والهيدروجين وممتلئة بالبرق كذلك.

الماء والجليد كأصل محتمل لبدء الحياة

ثالثاً: الحياة اختبأت في الماء وتحت الثلج
يقول العلماء إنّ الجليد ربما يكون غطى المحيطات قبل ثلاثة مليارات عام، وحيث إنّ الشمس أقل إشراقاً بثلاث مرات مما هي عليه الآن. فقد يكون الجليد، الذي ربما يصل سمكه إلى مئات الأقدام، حمى المركبات العضوية الهشة الأساسية في الماء من الأشعة فوق البنفسجية، والدمار الناتج عن التأثيرات الكونية وتغيرات الأرض الجغرافية والجيولوجية الشديدة في ذلك الحين، وثمة احتمال أيضا أنّ البرد ساعد هذه الجزيئات على البقاء لفترة أطول، مما سمح بحدوث ردود فعل رئيسية وهي تكون أشكالٍ حياتية أكثر تعقيداً، كالطحالب الأولية وبعض أنواع البكتيريا.

نظرية ترى أنّ البرق مثل شرارة شكلت الأحماض الأمينية والسكريات والتفاعلات التي ولدت أول شكل للحياة

ووفقاً لدراسة ترجمها موقع "الباحثون السوريون" في 2017، حول أشكال الحياة وأصولها، فإنّ "الماء وتشكله على سطح الأرض، يعد شريكاً أساسياً للجليد في تشكل الحياة، وربما يكون أسبق وأدق، فهو غني بالهيدروجين، ويملك درجات حرارة مختلفة لكنها مناسبة لبدء حياةٍ بأشكالٍ بسيطة تبدأ من البكتيريا كالعادة، وتسمح لاحقاً بتشكل الخلايا، ومن ثم البروتينات الضرورية لتشكل الحمض النووي". وبعد ذلك الانطلاق نحو حياةٍ منظمةٍ أساسها الخلايا، التي تبدلت وتطورت وانقسمت ومن ثم اتحدت عبر التاريخ، لتصبح أعقد، وتصل إلى صورٍ من الحياة، منها الإنسان.

اقرأ أيضاً: إذا كان الإنسان شريراً بطبعه فهل الحروب أمرٌ لا مفر منه؟
آخر الدراسات التي تم نشرها حول أصل الحياة من خلال جامعة "هاواي" الأمريكية أثبتت، بحسب العلماء، أنّ "حبيبات جليدية تتواجد بين النجوم،  وتكون مغلفة بغاز ثاني أكسيد الكربون والماء، تشكل ظروفاً فضائية، يمكنها إنتاج كتلة بناء أساسية للحياة، وقال العلماء إنّ بحثهم يقدم دليلاً جديداً مقنعاً على أنّ المكون الأساسي للحياة، أتى من الفضاء الخارجي إلى الأرض، في أول مليار عام من حياة الكوكب، عبر النيازك أو المذنبات"، بحسب الدراسة التي نشرت أجزاء منها "روسيا اليوم" نهاية العام 2018.

لا يزال العلماء يرون في الفضاء والنيازك أصلاً أساسياً للحياة على الأرض

ما يزال السؤال معلقاً؛ فالإنسان لم يكتف بنظرية الانفجار العظيم ولا بنظرية التطور، وآخرون ينشدون تفسيراً علمياً للقصة الدينية عن بدء الحياة والخلق على الأرض، والبعض الآخر لا يرى في الحياة سوى مرض أصاب الكوكب صدفةً من خلال بكتيريا حملتها النيازك من الكون إلى كوكب الأرض، وغيرهم، لا يزالون يقرأون أو يبحثون؛ حيث تتداخل العلوم الجينية والفيزيائية والتاريخية وغيرها، لكن السؤال يبقى مفتوحاً دون إجابة، وتستمر الإثارة طالما بقي الإنسان يسأل.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف خرج الإسلام السياسي على موقف أهل السنّة من الدولة؟

2019-08-22

في معرض نقده لكتاب أبو الأعلى المودودي "الحكومة الإسلامية"، الذي يسوّق فيه لنظريته في "الحاكمية الإلهية"، حاجج محمد عمارة بأنّ الدولة ليست ركناً من أركان الدين وأصوله؛ فهذه الأركان والأصول قد حددها الرسول ﷺ، في حديثه القائل: "بُني الإسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحجّ البيت لمن استطاع إليه سبيلاً"، كما اقتبس عمارة من ابن تيمية قوله: إنّ الحكم ليس من أصول الإيمان الستّ، وهي: الإيمان بالله، والملائكة، والكتب، والرسل واليوم الآخر والقدر؛ وبالتالي لا تتعلق الدولة في نظره بالعقيدة وترتبط ارتباطاً عضوياً بالفقه.

تأرجح البنا بين مربعي الدولة الدينية العقائدية والدولة المدنيّة أما القرضاوي فقد تعمّد خداعنا ومرّت خدعته دون أن ننتبه

كان عمارة ينتقد حسن البنا بطريق غير مباشر؛ عبر نقد من قال بمقالته؛ إذ كان البنا أول سنّي يذهب إلى أنّ الحكم أصل من أصول الإسلام، وذلك في قوله: إنّ "الحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقيهات والفروع"، وكلّ مَن جاء بعده من مفكري الإسلام السياسي السنّي عالة عليه؛ ففوّت عمارة علينا إبراز التناقض الصارخ في مقولة البنا؛ إذ جمع في سطر واحد الشيء وعكسه: "في كتبنا الفقيهة الدولة ليست من الفقهيات"، ونسي أنّ علم الكلام منذ بشائره في القرن الأول الهجري وحتى تجمده في القرن الخامس لم يُشَرْ بين ثناياه وقضاياه موضوعة الدولة، ولو على التعريض.

لم ينتقد محمد عمارة حسن البنا بشكل مباشر بل انتقد من ردّد كلامه أو تأثر به

التمويه بالخلافة
من الشائع أنّ جماعة الإخوان المسلمين، التي تأسست عام 1928، كانت بمثابة ردّ فعل على سقوط الخلافة، وأنّ مشروعها الرئيس هو إعادة الخلافة، ويجد من يتبنى هذا الرأي بعض الوجاهة في مقولة حسن البنا اليتيمة حول الخلافة: "إنّ الإخوان يعتقدون أنّ الخلافة رمز الوحدة الإسلامية، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير في أمرها والاهتمام بها، والأحاديث التي وردت في وجوب تنصيب الإمام وبيان أحكام الإمامة وتفصيل ما يتعلق بها لا تدع مجالاً للشكّ في أنّ واجب المسلمين أن يهتموا بالتفكير في أمر خلافتهم، والإخوان المسلمون لهذا يجعلون من فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس مناهجهم" (مجموعة رسائل البنا، نقلاً عن رفعت سيد أحمد الحركات الإسلامية في مصر وإيران 1989).

أراد عمارة وضع حدود بين النظرة الشيعية ونظيرتها السنّية تجاه السلطة فنفى بشكل قاطع أنّ الدولة من أركان الإسلام

لم يكن بإمكان البنا إلا أن يبرز، على المستوى الدعائي، تمسّكه بالخلافة؛ كيلا يظهر بمظهر من تجاوز الشكل المتوارث للسلطة في الإسلام، إلا أنّ صلب مشروعه السياسي (في النظرية والممارسة) لم يكن يعطي كبير اهتمام بالخلافة، بل كانت نصوصه تتجاهلها بشكل لافت، وحين تتطرق إليها تقاربها كمسألة "مؤجلة"؛ إذ لا سبيل لإسقاط التكليف الشرعي بها وليست إعادتها في ظل التغييرات الضخمة التي شهدها العالم الإسلامي في المتناول ولا بالمستطاع.
تكملة نصّه السابق تشير إلى أنّ الخلافة "تحتاج إلى كثير من التمهيدات التي لا بدّ منها، وأنّ الخطوة المباشرة لإعادتها لا بدّ من أن تسبقها خطوات: لا بدّ من تعاون عام ثقافي واجتماعي واقتصادي بين الشعوب الإسلامية كلها، يلي ذلك تكوين الأحلاف والمعاهدات وعقد المجامع والمؤتمرات بين هذه البلاد، ثم إذا تمّ ذلك نتج عنه الاجتماع على الإمام الذي هو واسطة العقد، وظلّ الله على الأرض".

اقرأ أيضاً: كيف يمكن فهم علاقة الإسلام السياسي بالحداثة؟
في طرحه هذا يستخدم البنا تعبيرات كـ "أمم الإسلام"، وليس "أمة الإسلام"، الذي يفضله أتباعه، و"الشعوب الإسلامية"، وليس "الشعب المسلم"، كنتيجة لوعيه بالتحولات التي مسّت المجتمعات الإسلامية بعمق وخلقت قوميات وشعوباً ودولاً، وهي تحولات لا يمكن القفز عليها بسهولة، وكلّ ما يرجوه أن تُقام معاهدات صداقة وتعاون بين تلك الشعوب بما يُقرب من أمر وحدتها، ولو قليلاً، وأن تقام في المستقبل البعيد أنظمة حكم إسلامية تتفق على إمام.

أطاح البنا بموضوعة الخلافة وبفقهها السياسي

نهاية الخلافة... بداية الدولة
هنا يشبه البنا مناضلاً يسارياً لا يستطيع أن يتخلى عن موضوع "مجتمع بلا طبقات" وإلا أصبح مرتداً عن اليسار، لكنه مضطر أن يعمل ضمن شروط المجتمع الرأسمالي، وفقط يحاول تحسين وضع العمال وظروف معيشتهم عبر فرض الحد الأدنى للأجور والضرائب التصاعدية، أما سؤال المساواة الشاملة فيأتي لاحقاً.
لم يعارض البنا الأسس الدينية للخلافة (كما فعل علي عبد الرازق، وما كان له ذلك وإلا أصبح علمانياً، بل تجاهل واقعياً تلك الأسس، ويتجلى ذلك في مخططه السياسي الطامح لتأسيس "حكومة إسلامية" (هيكل حكومة حديثة بمضمون إسلامي) مع أمل غامض بأن تصبح تلك الحكومة نواة للخلافة المرتجاة والمستحيلة.

اقرأ أيضاً: ما بعد الإسلام السياسي: الطموحات الأيديولوجية الكبيرة إذ تنكمش
أطاح البنا، كما هو ظاهر، موضوعة الخلافة (قضية القضايا عند أستاذه رشيد رضا) وبفقهها السياسي "الأحكام الشرعية" لصالح "الدولة الإسلامية" التي اختلق لها لاهوتاً سياسياً خاصاً؛ وأراد لدولته المزمع إقامتها أن تكون وريثة واقعية وممكنة للخلافة، وخطوة عملية في الطريق الطويل إليها.
والعلاقة بين الدولة الإسلامية، كما نظّر لها، والخلافة (كنظام حكم متوارث) هي علاقة رمزية بالأساس؛ أو تتعلق بالدلالات الرمزية للحكم في مجتمع مسلم، كما أنّ الدولة الجديدة ترث بعض وظائف الخلافة في تطبيق الشريعة وخلافه، إلا أنّ هناك تعارضاً عملياً وسياسياً لا سبيل إلى تجاوزه بينهما؛ بل وقطيعة حادّة على صعيد الجغرافيا السياسية، كما يرى عبد الإله بلقزيز في كتابه (الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر 2015)؛ إذ على عكس الخلافة التي تمتدّ ولايتها لتشمل كلّ البقاع المسلمة، وكلّ المسلمين دون تمييز، ترتبط الدولة الإسلامية بجغرافيا سياسية محددة المعالم وشعب متجانس وقومية راسخة وفعّالة، هي بالنسبة إلى البنا: مصر.

ذهب البنا مذهب الشيعة في اعتبار السلطة من أصول الدين

من السياسة إلى العقيدة
في نصّه السابق، الذي أكد فيه وجوب تنصيب الإمام، لم يأت البنا بجديد؛ فكّل مَن كتب في السياسة الشرعية من القدماء والمحدثين ذهب إلى ضرورة تعيين حاكم، إلا أنّ جديده هو أنّه يؤسس على هذا الاقتضاء الشرعي قولاً جديداً في المسألة السياسية يتمحور حول العلاقة الوثيقة بين الإسلام والسياسة؛ إذ استنتج البنا من مسألة "ضرورة تنصيب الحاكم" أنّ الإسلام ليس عقيدة دينية فحسب؛ بل هو نظام اجتماعي وسياسي لا يقبل الوجود إلا بدولة تعبّر عنه وتفرض أحكامه.

اقرأ أيضاً: كيف زيّفت جماعات الإسلام السياسي المعاني الدينية؟
وقد سبق للإمام محمد عبده أن نظّر لضرورة الدولة في الإسلام إلا أنّ ما لم يقله عبده ولا رشيد رضا ولا الأفغاني من قبلهما، ولا أيّ عالم مسلم (سنّي المذهب)؛ هو أنّ إقامة الدولة أصل من أصول الإسلام، بل انفرد بهذا حسن البنا وحده من بين كافة أهل السنّة في زمنه؛ إذ ذهب مذهب الشيعة في الموضوع واعتبر الحكم من أصول الدين؛ ليحدث أكبر وأعنف انعطافة في الفكر السياسي السنّي.
نقل البنا بمقولته هذه المسألة السياسية من ضروب التدبير الفقهي إلى ضروب العقيدة، وفتح الباب لمن جاء بعده من مفكري الإسلام السياسي إلى تأسيس نظرية في الدولة، لم تفعل سوى أنّها، على حدّ قول عبد الإله بلقزيز، جَسَرت الفجوة مع النظرية الشيعية في الإمامة، لتعيد إنتاجها [النظرية الشيعية] بمفردات سياسية جديدة، ستظهر التداعيات المخيفة لذلك في طرح سيد قطب ودولته الإلهية.

ساوى القرضاوي بين الدولة والصلاة

عقدة البنا المحكمة
ميزة نصوص البنا أنّها من شدة بساطتها تخفي تناقضاتها الكارثية، وهو ما سهّل انتشارها وتبنيها من قبل تيار سياسي واسع، ومن قبل بعض الكتّاب والسياسيين؛ كسيد قطب، وتقي الدين النبهاني، ومحمد إبراهيم مبروك، وغيرهم ممن سار على خطى البنا دون كثر حرج؛ إذ كان ذلك الحرج (النسبي) من نصيب تلاميذه الأكثر دربة واجتهاداً، والذين حاولوا حلّ عقدته اللاهوتية (والتي تبدو بلا حلّ فعلياً).
فأبرز تلاميذه، الشيخ يوسف القرضاوي، حاول في كتابه "السياسة الشرعية"، حلّ معضلة البنا بأن أقرّ بالفروق الجوهرية بين نظرة السنّة تجاه الدولة ونظرة الشيعة، وقال إنّ السلطة عند أهل السنّة من الفروع؛ لأنّها تتعلق بالعمل لا بالاعتقاد أساساً.

ترتبط الدولة الإسلامية بجغرافيا سياسية محددة المعالم وشعب متجانس وقومية راسخة وفعّالة هي بالنسبة إلى البنا: مصر

أراد القرضاوي أن ينفي شبهة ذهاب حسن البنا مذهب الشيعة في موضوعة الدولة، إلا أنّه أدرك بسهولة أنّ قول إنّ الدولة من الفروع، وليس من الأصول؛ هو ببساطة بمثابة نسف الأسس النظرية للدولة الإسلامية، فعاد ليقول: إنّ "الإسلام ليس عقائد فحسب؛ بل هو عقيدة وعمل، والإيمان ما وقر في القلب وصدّقه العمل" كتمهيد لإيجاد مخرج فقهي لانعطافة البنا.
تمثّل هذا المخرج في مساواة القرضاوي بين الدولة والصلاة، في قياس فريد من نوعه؛ فالصلاة ليست من الأصول بل من الفروع؛ لأنّها عمل وليست عقيدة، لكنّها مع ذلك ركن من أركان الإسلام، على أنّ وجوبها والإيمان بركنيتها في الدين هو من الأصول لا من الفروع؛ ولهذا عُدَّ من أنكر فرضيتها أو استخف بها كافراً مارقاً من الدين، خارجاً على الملة، وكذلك يقال عن الإمامة والحكم بما أنزل الله؛ فهو من الفروع ولكن اعتقاد وجوبه ولزومه هو من الأصول يقيناً، وبهذا المعنى يدخل الحكم بما أنزل الله دائرة الإيمان ويعد من الأصول بلا نزاع.

اقرأ أيضاً: كيف يكون الإسلام السياسي مشروعاً مضاداً للاجتماع الإنساني؟
وما كان حسن البنا يطمح، ولو في خياله، لأن يجد مثل هذا التسويغ الشرعي لمقولته التي ظلت بلا سند أو أساس؛ فقد استعمل القرضاوي مهاراته كفقيه في تسويغ ما لا يقبل التسويغ بهدف نقل المسألة السياسية من مجال الفقه إلى أفق علم الكلام (ولما كان لفقيهٍ أن يفعل) ليرسخ القول بالطبيعة العقدية والأصولية لمسألة السلطة في الإسلام، ولتكتسب السلطة طابعاً قدسياً في موقف يتقاطع، رغم استنكاف القرضاوي، مع الموقف الشيعي منها.
على عكس القرضاوي، الذي وصل به هوس الدفاع عن مقولة أستاذه إلى درجة "تقديس الدولة"، بقياسها على الصلاة، كان محمد عمارة أكثر حساسية وحذراً تجاه المسألة؛ إذ أراد أن يضع حدوداً فاصلة بين النظرة الشيعية ونظيرتها السنّية تجاه السلطة؛ فنفى بشكل قاطع أنّ الدولة ركن من أركان الإسلام، إلا أنّه وصل إلى النتيجة نفسها التي سبقه إليها القرضاوي، وإن بطرائق أكثر معقولية؛ إذ استند إلى القاعدة الأصول/ فقهية التي تقول: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

اقرأ أيضاً: إلى أي مدى طوعت جماعات الإسلام السياسي اللغة لصالح مشروعها؟
ففي حال غياب الدولة، كما يقول، لا سبيل إلى الوفاء بكل الفرائض القرآنية الاجتماعية وكل الواجبات الإسلامية السياسية والتشريعية التي استقر عليها الفقه الإسلامي؛ وبالتالي تصبح الدولة "ضرورة" إسلامية.
ورغم أنّ ما أعطاه عمارة باليمين أخذه بالشمال، إلا أنّ طرحه يتميز عن طرح القرضاوي بأنّه طرح منزوع التكفير؛ إذ يمكن الجدل في ضرورة الدولة، طالما أنّ هذه الضرورة عقلية، أما طرح القرضاوي فمسكون بطاقة تكفيرية متحفزة للتفجير في وجه كلّ التيارات غير الإسلامية، والتي ترى في الدولة كياناً سياسياً يستمد شرعيته من الحاجة الاجتماعية إليها؛ لذا قرّر عمارة أنّ المنوط بإقامة الدولة هي الجماعة المسلمة ككلّ، وليس الفرد؛ نظراً لخطورة تعيين إقامة الدولة كفرض عين على المسلم؛ إذ يصبح كلّ متقاعس عن الانضمام للعصبة المؤمنة (كما خطّط لها سيد قطب) كافراً بلا نقاش.

حاول القرضاوي تأسيس نظرية سياسية في الدولة توحي بالتجديد

شبح المدنيّة المراوغ
من جملة نتائج القول: إنّ الدولة أصل من أصول الدين تلبس الدولة في الفكر الإسلامي الحديث بشبهة الثيوقراطية، رغم حرص مفكري الإسلام السياسي البالغ على التمييز بين الدولتين: الإسلامية والدينية.
فحسن البنا يختصر الفرق بين الدولتين في حضور/غياب رجال الدين؛ إذ إنّ الدولة الإسلامية لا يمكن أن تكون دينية؛ لأنّه لا رهبنة في الإسلام، وهو ما يقول به القرضاوي الذي ينفي أيضاً وجود رجال الدين في الإسلام.

اقرأ أيضاً: موجة البديل الإسلامي في جماعات الإسلام السياسي
إلا أنّ القرضاوي لم يكتفِ بذلك؛ إذ حاول التصدي لمهمة تأسيس نظرية سياسية في الدولة توحي بالتجديد عبر تعلقها بالمفاهيم الحديثة كالمدنيّة والدستور، فيقول في "السياسة الشرعية": "الدولة الإسلامية كما جاء بها الإسلام، وكما عرّفها تاريخ المسلمين: دولة مدنيّة تقوم السلطة فيها على البيعة والاختيار والشورى، والحاكم فيها وكيل عند الأمة أو أجير لها، ومن حق الأمة، ممثلةً في أهل الحلّ والعقد، أن تحاسبه وتراقبه وتأمره وتنهاه وتقوّمه إن اعوج وإلا عزلته".
يوهم القرضاوي متلقيه بأنّه غادر المنطقة المفاهيمية التي يعسكر فيها منظرو الإسلام السياسي، وأنه بطرحه هذا يشارف الفكر الدستوري الحديث، وكان من ثمار إيهامه هذا أن حصل الإخوان، عقب ثورة 25 يناير في مصر، بترويجهم لطرحه حول مدنية الدولة، على ثقة قطاعات شعبية واسعة ما كانت لتثق في خطابهم لو كان عارياً بلا زينة.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي في تشكلاته وتحولاته.. هل هو سياق تاريخي أم أزمة؟
تمكّن خطاب المدنيّة ذات المرجعية الإسلامية، الذي دشّنه القرضاوي، من طمأنة التيار الليبرالي العريض تجاه موقف الإخوان من الدولة (على عكس السلفيين الذي هاجموا مفهوم الدولة المدنية) وهو ما أنتج اتفاق "فيرمونت" الذي عقدته القوى السياسية مع الإخوان والقاضي بدعم القوى العلمانية لمرشح الإخوان (محمد مرسي) في انتخابات الرئاسة في حزيران (يونيو) 2012، بشرط تمسُّك الإخوان بـ "مدنية الدولة"! بل واستدرج هذا الخطاب خصوم الإخوان نحو فرضيات الدولة الإسلامية ومنطقها، حتى صار أشد أعداء الإخوان يتبنى خطابهم.
ما كان يخفيه القرضاوي خلف مدنيّته الجذابة، هو أنه يحصر معنى المدنية في غياب "رجال الدين" (بالمعنى المسيحيّ للكلمة فحسب) أما حضور علماء الدين (وهم في عرف القرضاوي غير رجال الدين) في العملية السياسية والتشريعية؛ فهو لا يقدح في مدنية الدولة؛ بل إنّ القرضاوي جعله جزءاً عضوياً من "أهل الحلّ والعقد".

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي كأزمة في تاريخ الأفكار
أما الدستور الذي يلحّ عليه القرضاوي فليس سوى "حكم الشريعة" فـ "الدولة الإسلامية دولة دستورية، ودستورها يتمثل في المبادئ والأحكام الشرعية، والدولة ليست مخيرة في الالتزام بهذا الدستور أو القانون، فهذا مقتضى إسلامها ودليل إيمانها، والتزامها بقانون الشريعة هو الذي يعطيها الشرعية، فإذا حادت عن هذا المنهج؛ فهذا يسلبها حقّ الشرعية، ويُسقط عن الناس واجب الالتزام بطاعتها"، ولعلّ مليونية "الشرعية والشريعة" الشهيرة في ميدان التحرير التي سماها العلمانيون "جمعة قندهار"، تطبيق لفهم القرضاوي لمعنى الشرعية السياسية التي لا تنبع عنده من أيّ اتفاق سياسي ولا عقد اجتماعي بل هي دينية حصراً.
تأرجح حسن البنا بين مربعي الدولة الدينية العقائدية والدولة المدنيّة الحديثة، أما القرضاوي فقد تعمّد خداعنا، ومرّت خدعته دون أن ننتبه في الوقت المناسب.

للمشاركة:

أهالي "يعبد" الفلسطينية يتوارثون زراعة التبع جيلاً بعد جيل

2019-08-22

تكتسي سهول وجبال بلدة "يعبد"، غرب جنين، في الضفة الغربية، بزراعة التبغ، التي تشكّل المهنة الأساسية لسكان البلدة منذ عشرات السنين، وغدت جزءاً من تراثها وهويتها، حتى أصبحت من أكثر المناطق الفلسطينية زراعة له؛ إذ يعتمد 75% من سكانها على زراعته، ويساهم جميع أفراد العائلة الواحدة في جميع مراحل إنتاجه وتسويقه، وذلك لمناسبة أرضها وتربتها لتلك الزراعة، وعدم حاجتها للأراضي الخصبة والمياه الوفيرة.

اقرأ أيضاً: إسرائيل تستغل الأراضي الفلسطينية لزراعة مخدر القنب الهندي
لكن أخذت هذه المهنة اليوم تعاني من مشاكل قانونية في ظل فرض قيود لتنظيم هذا القطاع، ما أدّى إلى تكدّس محصول التبغ لدى المزارعين في البلدة، والتحول إلى صناعة السجائر بالطرق البدائية، وبيعها داخل الأسواق الفلسطينية.
الإنفاق على التبغ
وكشفت دراسة أعدها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني؛ أنّ معدَّل الإنفاق الشهري للأسرة الفلسطينية على التبغ يصل إلى نحو 44 دولاراً، وحوالي 71% من التبغ المُستهلَك هو من التبغ المستورد، وتقدر قيمته بنحو 320 مليون دولار سنوياً، وهي نسبة تفوق الإنفاق على التعليم، في حين وصلت نسبة المدخنين الفلسطينيين، من الرجال والنساء، في الضفة الغربية وقطاع غزة العام 2017، إلى 40%، وتقدَّر نسبة المدخنين تحت سنّ 18 عاماً 15%.
وصادقت الحكومة الفلسطينية، خلال العام 2017، على خطة لتنظيم قطاع التبغ المحلي بهدف تحسين جودته، وإعادة هيكلية أسعاره لحماية المزارعين والشركات المحلية ومكافحة تهريب الدخان والتهرب من الضرائب، وزيادة الإيرادات المالية للحكومة.

يساهم جميع أفراد العائلة الواحدة في جميع مراحل إنتاجه وتسويقه
ووفق بيانات دائرة الجمارك وضريبة القيمة المضافة في الضفة الغربية، تبلغ إيرادات الجمارك السنوية من السجائر والتبغ حوالي 415 مليون دولار، منها 70 مليون دولار إيرادات من الشركات المحلية، والباقي من الاستيراد، بينما تقدر الجمارك الخسائر على الخزينة بحوالي 100 مليون دولار سنوياً، منها 55 مليون دولار تُهرَّب للسوق المحلية.
وبحسب مؤسسة مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية؛ فإنّ نسبة البطالة في البلدة في ازدياد؛ لذا يعتمد كلّ الأهالي على زراعة "الدخان العربي"، سواء في مرحلة الزراعة أو الإعداد أو التسويق، كما تشير المؤسسة إلى أنّ هذه المهنة لا تقتصر على فئة الذكور؛ بل والإناث أيضاً، ويستفيد منها الطلاب وربّات البيوت، وأحياناً كثيرة الأطفال.
مهنة متوارثة وشاقة
يقول المزارع عيد أبو شملة ( 45 عاماً)، صاحب أحد حقول التبغ في يعبد، إنّ "زراعة التبغ هي مهنة متوارثة عن آبائنا وأجدادنا منذ أكثر  من 30 عاماً، وهي مهنة شاقة وتحتاج إلى بذل مجهود كبير للحفاظ على المحصول حتى ينمو وينضج"، مستدركاً خلال حديثه لـ"حفريات": "هذه الزراعة اقتصرت في البداية على مساحات محددة لانشغال سكان البلدة في صناعة الفحم النباتي، الذي كان يعدّ من المهن الأساسية فيها منذ خمسينيات القرن الماضي، إلا أنّ تضييقات الاحتلال المستمرة على هذه الحرفة ومصادرة عربات الحطب والفحم، وتجريف المصانع، وتهديد العاملين فيها، بحجة تأثيرها سلباً على صحّة المستوطنين، كلّ ذلك دفعنا للعودة لزراعة التبغ بمساحات أكبر، كونها مصدر رزقنا الوحيد".

اقرأ أيضاً: انتشار زراعة الماريجوانا سراً في المنازل بالضفة الغربية
ويضيف: "زراعة التبغ، أو ما يعرف بالدخان العربي، تدرّ عائداً مالياً جيداً، وتوفّر فرص عمل لمعظم العائلات في يعبد، لارتفاع الطلب عليه خلال الأعوام الأخيرة بشكل كبير، بعد ارتفاع أسعار السجائر المستوردة، والتي وصل متوسط سعر العلبة الواحدة 21 شيكلاً (6 دولارات أمريكية)، في حين أنّ سعر علبة الدخان المصنوع من التبغ يصل إلى 5 شواكل فقط (1.5 دولار أمريكي)".
زراعة التبغ
وعن كيفية زراعة التبغ، يقول أبو شملة: "تبدأ زراعة التبغ في بداية شهر كانون الثاني (يناير) من كلّ عام، ويتمّ غرس بذور التبغ الفرجيني والنبتة الصفراء، اللتين تعدّان من أفضل أنواع التبغ الذي يزرع في يعبد، بطريقة متباعدة ومنتظمة، وتتميز أوراقهما بسماكتها القوية، وتُؤخذ بذورهما من زهرة النبتة في موسم الحصاد السابق، وبعد أن تصبح البذور أشتالاً يتم نقلها، خلال شهر نيسان (أبريل)، إلى الأراضي المخصصة لها والمجهزة بالأسمدة والاحتياجات اللازمة لزراعتها".

زراعة التبغ أو ما يعرف بالدخان العربي  تدرّ عائداً مالياً جيداً
ولفت إلى أنّه بعد مرور أربعة أشهر من زراعة الأشتال، يتمّ قطف وحصاد ورقات التبغ الناضجة، التي تميل إلى الاصفرار، وذلك عبر ثلاث مراحل؛ الأولى تعرف بالكش، وتتمّ من خلالها إزالة الأوراق السفلية المصفرة للتبغ، والمرحلة الثانية "الفحلة"؛ وهي قصّ الأوراق التي في منتصف النبتة، والمرحلة الثالثة "التخريب"، ويتمّ فيها قطف الأجزاء العلوية من الشتلة، وغالباً ما تقتصر عملية القطف على النساء، مروراً بمراحل إنتاج التبغ النهائية حتى يتم تعبئته، ويصبح جاهزاً للبيع في الأسواق.

كشفت دراسة أنّ معدَّل الإنفاق الشهري للأسرة الفلسطينية على التبغ يصل إلى نحو 44 دولاراً

وتابع أبو شملة: "بعد قطف الأوراق يتمّ شكّها وخياطتها بواسطة إبرة معدنية، وحبل لا يتجاوز طوله المترين، لتشبه العملية شكل القلادة، ويتم وضع الأوراق فوق الأشجار أو تثبيتها على أعمدة خشبية تحت أشعة الشمس لمدة 30 يوماً حتى تصل لمرحلة التجفيف، ومن ثمّ توضع أوراق التبغ في أفران مخصصة لها لتجفيف المياه المتبقية فيها، ومن ثم يتم فرمها بواسطة ماكينات يدوية، لتخرج الأوراق على شكل خيوط رقيقة وتصبح جاهزة لوضعها في ورق يعرف محلياً "بالبفرة" وتدخينها".
تنظيم القطاع
رئيس اتحاد المزارعين في يعبد، سمير عطاطرة، يقول إنّ عدد الأراضي المزروعة بالتبغ في محافظة جنين تقدر بـ10 آلاف دونم، مضيفاً لـ"حفريات" أنّه "يعمل في هذه الأراضي ما يقارب 580 مزارعاً، وينتج الدونم الواحد والمزروع بالتبغ من النوع الفرجيني ما بين 80 إلى 140 كيلوغراماً، في حين تنتج الأنواع الأخرى كالنبتة الصفراء وبيرلي 24، من 40 إلى 50 كليوغراماً في الدونم الواحد؛ لذا نجد أنّ أغلب الأراضي المزروعة بالتبغ في يعبد هي مزروعة بنبتة الفرجيني، ذات الجودة والإنتاجية العالية".

هذه المهنة لا تقتصر على الذكور ويستفيد منها الطلاب وربّات البيوت وأحياناً كثيرة الأطفال

ولفت إلى أنّ "تراجع شركة سجائر القدس عن شراء تبغ يعبد منذ الاتفاق الذي وقعته وزارة الزراعة معها قبل عدة أعوام، أدّى ذلك إلى تكدّس محصول التبغ لدى المزارعين بالبلدة، وباتت المهنة تقتصر على صناعة السجائر بالطرق البدائية، وبيعها داخل الأسواق الفلسطينية بالضفة الغربية بأسعار زهيدة".
وعن دعوة الحكومة الفلسطينية لتنظيم قطاع زراعة التبغ، يقول عطاطرة: إنّ "القرار هو خطوة إيجابية يتطلب تنفيذها على كافة القطاعات الزراعية، وألا تقتصر على زراعة التبغ بعينها، ويتوجب على تلك الخطة التي أعلنت عنها الحكومة مؤخراً حماية حقوق المزارعين والعمال في هذه المزارع، وألا تكون أداة للتضييق على هذه الزراعة والحدّ منها، والتي باتت تشكّل مصدر الدخل الرئيس لدى العديد من العائلات في البلدة".

تجارة التبغ العربي هي تجارة ممنوعة بحسب قانون مكافحة التدخين رقم (25) لعام 2005

تجارة ممنوعة
المحلّل الاقتصادي، نصر معالي، يقول: إنّ "تجارة التبغ العربي هي تجارة ممنوعة بحسب قانون مكافحة التدخين رقم (25) لعام 2005، والذي ينص على حظر استيراد أو تصدير أو إنتاج التبغ أو عرضه للبيع، ما لم يكن مطابقاً للمواصفات والمعايير المعتمدة، كما ويمنع إعداد، أو طبع، أو عرض، أو تعليق، أيّ إعلان لأغراض الدعاية عن التبغ أو الترويج له، ويعاقب المخالفون من هذا القانون بالحبس لمدة لا تزيد على عام، وبغرامة مالية لا تقل عن ألف دينار أردني، ومصادرة التبغ وماكينات بيعه، وإغلاق المتجر الذي ضبطت فيه الجريمة".

تضييقات الاحتلال المستمرة على حرفة الحطب والفحم أدت للعودة لزراعة التبغ بمساحات أكبر

ويضيف معالي لـ "حفريات": "الدراسات والأبحاث تشير إلى أنّ خسائر خزينة السلطة الفلسطينية جراء تهريب السجائر المستوردة وبيع التبغ الفلسطيني بالطرق الالتفافية، تتجاوز 500 مليون شيكل سنوياً، وفي حال قامت الضابطة الجمركية بضبط أيّة كمية من التبغ، أو ما يُعرف محلياً بالدخان العربي، تتمّ مصادرتها وإجبار صاحبها على دفع غرامة مالية عليها، باعتبار العاملين فيها من المهربين والخارجين على القانون".
ويرى معالي؛ أنّ دعوة السلطة الفلسطينية لتنظيم زراعة التبغ يتوجب أن تسبقها عدة خطوات عملية على أرض الواقع؛ "من خلال تحديد وضبط مساحات زراعة التبغ في مناطق الضفة الغربية، ووضع خطط حكومية بالتعاون مع الجهات المختصة لمنح التراخيص اللازمة لمزارعي التبغ، بما يضمن المصالح المشتركة بينها وبين المزارع الفلسطيني، لجعل زراعة التبغ ذات جدوى اقتصادية على مستوى الوطن".

للمشاركة:

مسلسل "لاكاسا دي بابل".. هل يمكن أن تختلط قيم الحق والباطل؟

2019-08-21

إذا كان من حقّ الدول أن تطبع مليارات الأوراق، من ذوات العلامة المائية، لتصبح بعد ذلك أموالاً متداولة، لها قوة شرائية، ودون أن يكون لها مستند من الذهب يساويها، كلّ ذلك بحجّة الدفع بسيولة، لا يستفيد منها سوى أصحاب رأس المال، ورجالات الأعمال، فلِمَ لا يكون من حقّ حفنة من الفقراء طبع أوراق مالية رسمية، بعد السيطرة على مقرّ سكّ العملة، ليستمتعوا بعد ذلك بالأموال، ولا يعودوا للعمل المضني مرة أخرى.

اقرأ أيضاً: كيف أصبح "تشيرنوبل" أنجح مسلسل في التاريخ؟
يرتكز المسلسل الإسباني "لاكاسا دي بابل"، أو "بيت من ورق"، على هذه الفكرة المناهضة للقانون، ويراهن عليها في كسب التعاطف، إلا أنّ اللافت أنّها لم تلقَ رواجاً داخل المجتمع الإسباني، كما يرى مراقبون، ولكنّها لاقت انتشاراً واسعاً في المجتمعات العربية، الذي حاز هذا المسلسل على مشاهدة مئات الملايين منهم.
تدور أحداث المسلسل حول شاب يبلغ من العمر 40 عاماً لقَّب نفسه بالبروفيسور

دراما متمردة
تمرّدت الدراما الغربية، منذ مدة طويلة، على كثير من القيم المفترض أنّها ثابتة لدى العرب، منها: قيم الخير والشرّ، كما تمرّدت على مبادئ قانونية، باعتبار أنّ إنشاء القانون وتمريره من قبل نيابة الشعب، ليس دليلاً على أنّه الحقّ المطلق، كما أنّ أحكام القضاء ليست بالضرورة عنواناً للحقيقة!
يتمرّد "لا كاسا دي بابل" حتى على قيمة العمل، فهؤلاء الأشخاص يسرقون بضربة واحدة، ما يقترب من المليارين ونصف المليار يورو، حتى لا يُجبروا على العمل من أجل الحياة؛ إذ إنّهم يطرحون سؤالاً: هل العمل يجلب السعادة؟ أو بمعنى آخر؛ هل عدم العمل مع وجود الكثير من الأموال يجلب التعاسة؟ الإجابة هي: إنّ الذين يملكون المال ولا يعملون يستمتعون بحياتهم أكثر من هؤلاء التعساء الذين يتقاضون حفنة من الدولارات شهرياً مقابل العبودية لصاحب ربّ المال.

يرتكزمسلسل "لاكاسا دي بابل" الإسباني على فكرة مناهِضة للقانون ويراهن عليها في كسب التعاطف

تدور أحداث المسلسل حول شاب يبلغ من العمر 40 عاماً، لقَّب نفسه بالبروفيسور، تبدو من ملامحه الطيبة والهدوء، وضع خطّة للسيطرة على دار سكّ العملة في مدريد، ثم بدأ في تجنيد 8 أشخاص أطلق عليهم أسماء مدن عالمية، وحذرهم من الارتباطات العاطفية، أو أن يكشف أحدهم للآخر مسمّاه الحقيقي.
كانت لهؤلاء سوابق إجرامية، وكانوا مطلوبين أمنياً، ولم يعد لديهم ما يخسرونه، ما عدا البروفيسور، الذي لم يكن يشتبه به أحد؛ بل تعمّد عدم تجديد بطاقة هويته منذ أن كان عمره 19 عاماً، ولم تكن له بصمات لدى السلطات.
سارق وعالم نفس
يهدف البروفيسور إلى السيطرة على دار سكّ العملة، أحد عشر يوماً، حتى يتمكن من طبع 2.4 مليار يورو، بعد احتجاز 67 رهينة، والتعامل مع عشرات من قوات النخبة، فضلاً عن لجنة تضمّ عدداً من أبرز العناصر في الشرطة الإسبانية وأجهزة التحقيق.

اقرأ أيضاً: مسلسل "دقيقة صمت" وقفة على روح الوطن
كان الأهم لدى البروفيسور، أن يكسب الرأي العام لصالحه، ويجعل الناس يحبّون ما يفعل، فحرص على ألا تسيل نقطة دم واحدة في صفوف قوات الشرطة، أو من جانب الرهائن، واستطاع أن ينجح في ذلك لحدٍّ بعيد.
يقول البروفيسور لعصابته: "تذكّروا، لو سُفكت نقطة دماء واحدة فلن نبقى روبن هود؛ بل سنكون مجرد أوغاد"، وهو ما استطاع البروفيسور تحقيقه، فقد قُتل شخصان من مجموعته، أحدهما على يد الشرطة، والآخر على يد الرهائن أنفسهم.

استطاعت المجموعة دخول دار السكّ المحصنة بالأسلاك الشائكة، وبذخيرة تصل إلى 3 أطنان من المتفجرات، باستخدام نظرية تقول: إنّ "الشجاعة ستتغلب على رجل يرتدي زياً ويتقاضى راتب 1600 دولار شهرياً"، أو "مَن يريد الحصول على ما يزيد على الملياري يورو، سيتغلب على من يتقاضى فوق الألف دولار شهرياً".

اقرأ أيضاً: "جن": مسلسل متواضع المستوى أثار زوبعة في فنجان
إنّ حبكة المسلسل وإقناعه في كافة التفاصيل بالمنطق والحسابات المادية والاعتبارات المعنوية يجعلنا نرفع القبعة لصنّاعه، الذين يضعوننا في مواجهة صنّاع الدراما العربية، لنسألهم: هل عجزت مخيلاتكم عن صنع مثل هذا؟ لا شكّ في أنّهم يمكنهم الردّ بأنّ هذا هو الفارق بين العقل الغربي، والعقل العربي الآن، ليس في صناعة الدراما فحسب؛ بل وفي كلّ ما عداه.
عسكر وحرامية
ليس بالضرورة أن تنجح الشرطة في النهاية في القبض على اللصوص، أو تتفوق في البحث والتحري على زعيم العصابة المجرمة، كما هو السائد في الدراما العربية؛ بل في "لاكاسا دي بابل" كان البروفيسور الأكثر مهارة، حتى استطاع في النهاية الخروج من دار سكّ العملة، ومعه المليارات، ليتنعّم بها في جزر الكاريبي.

يسعى بطل العمل للسيطرة على دار سكّ العملة 11 يوماً حتى يتمكن من طبع 2.4 مليار يورو

يحسب البروفيسور كلّ خطوة من خطواته، ويتوقّع ردود فعل الأجهزة الأمنية؛ بل واستطاع أن يوصل لهم ما يريد، بينما هو يخطط لفعل أشياء أخرى تماماً.
أوهم الشرطة بعد السيطرة على دار السكّ، بأنّهم مجرد مجموعة من الطائشين الذين يريدون أن يسرقوا 8 ملايين من اليوروهات، ويفرّوا باتجاه الخارج، فأمر بضرب أجهزة الإنذار، قبل أن يخرج 4 من عناصره للخارج، وعندما تيقن من وصول قوات النخبة، قاموا بالضرب عليهم من بعيد، ونثروا مئات الأوراق المالية، فاضطرت الشرطة للردّ عليهم، فعادوا أدراجهم، لقد كانت مناورة لا أكثر.

اقرأ أيضاً: "دفعة القاهرة": مسلسل ممتع لكنه مخيّب للآمال
كلّ ما كان يهدف إليه البروفيسور، هو كسب الوقت؛ ففي حين كانت أجهزة التحقيق تظنّ أنّه يريد أن يسطو على قدر من المال ثم يهرب، كان هو يخطط لطبع المزيد من الأموال، وكلّ ساعة زيادة كانت تعطيه قدراً أكبر من المال، كان الوقت فعلاً من ذهب! فكلّ ساعة كانوا يطبعون فيها 8 ملايين يورو.
لقد فشلت محاولة الاقتحام الأولى؛ لأنّ المقتحمين اكتشفوا أنّهم لن يستطيعوا التفرقة بين الخاطفين والمخطوفين، لقد ارتدوا جميعاً زياً وقناعاً موحَّداً، ومَن أخبر بذلك وسائل الإعلام على الهواء مباشرة كانت ابنة السفير الإنجليزي، الذي فوجئ فريق العمل الأمني بأنّ البروفيسور يعرف هويتها.

معايير الحلال والحرام

يقول البروفيسور: "ما الذي يمكن أن يحدث لو طبعنا تلك الأموال، إنّ البنك المركزي الأوروبي طبع مليارات الدولارات دون أيّ سند لذلك، بدعوى ضخّ السيولة، وكان في الواقع من أجل رجال الأعمال، فهل لو فعلنا ذلك نحن يكون جريمة؟".
بصرف النظر عن فلسفة البروفيسور، فإنّ قناعته بالسرقة لم تكن بذاك المنطق السابق، بل الأمر إلى ما حدث له منذ أن كان طفلاً صغيراً.

اقرأ أيضاً: هل تجتمع الإنسانية مع العنف في الثقافة العامة؟.. مسلسل الهيبة نموذجاً
تبدأ القصة بالطفل سيرجيو، المريض في الولايات المتحدة، والذي يحتاج والده للمال كي يعالجه، ولا يتم إخراجه من المستشفى، ولهذا السبب يحاول سرقة بنك في أمريكا، وعندها يتم إطلاق النار عليه، فيموت صريعاً، وبعد ذلك يشفى سيرجيو ويبدأ التخطيط لكلّ شيء، مع رفيقه "برلين"، الذي كان معه منذ البداية.
يخطط سيرجيو لكلّ التفاصيل، اعتماداً على قصص والده عن السرقة التي كان يرويها له، والتي عرف بعد ذلك أنها كانت قصصاً حقيقية، وكان والده ينفذها، إلّا أنّ والده هذا كان مناضلاً في السابق ضدّ الاحتلال، لكنّ ما لاقاه من فقر وتعاسة اضطره لفعل ذلك.

بدأ سيرجيو بالتخطيط للسرقة، وأوّل ما نفذه هو حفر نفق من مقره الخارجي، قبل خمسة أعوام من يوم التنفيذ، كما درس سلوك الشرطة المحتمَل والمتوقَّع، والقوانين والأنظمة القضائية والثغرات، ووضع العديد من الخطط مثل: خطة حصان طروادة، وخطة فالنسيا، وخطة الكاميرون، وخطة الفشل الأخيرة، التي لم يتم استخدامها، وخطة الإعلام، وخطة إطالة أمد التفاوض.

كان الأهم لدى "البروفيسور" أن يكسب الرأي العام لصالحه ويجعل الناس يحبّون ما يفعل

رأى سيرجيو نفسه مناضلاً، حتّى أنّه استخدم أغنية (bella ciao)، وهي أغنية من الفلكلور الإيطالي، تعبّر عن النضال والحرية، وقد استخدمت في القضاء على موسوليني، ولكنّ مخرج المسلسل يستخدمها عند اجتماع البروفيسور مع برلين، قائد العملية، داخل بيت المال، وهم يجلسون على مائدة الطعام، قبل بدء العملية، ويبدأ برلين بالغناء، بعد أن يخبره البروفيسور بأنّ العملية كفاح وطني، من أجل الحصول على المال من أجل حريتهم، كما أنها حلم والده قبل أن يموت.
استخدم البروفيسور أغنية النضال الوطني، مع صديقه الذي أبى أن يموت موتة عادية؛ بل أن يموت في النفق، حتى يحمي مجموعته، تقول كلماتها: "هذا الصباح.. صحوت من النوم.. وداعاً أيتها الجميلة.. وداعاً وداعاً.. هذا الصباح صحوت من نومي فوجدت المحتل في بلدي.. أيها المناضل خذني معك.. وداعاً أيتها الجميلة.. أيّها المناضل خذني معك فأنا أشعر بالموت كلّ حين.. لماذا لا أموت إذاً وأنا أناضل؟ وداعا أيتها الجميلة.. وصيتي لكِ هي أن تدفنيني.. ادفنيني هناك عند الجبل.. تحت ظلال زهرة جميلة.. وسيمر الناس من أمامها ويقولون لكِ ما أجمل هذه الزهرة.. قولي لهم إنّها زهرة المناضل الشهيد.. مات من أجل الحرية".

للمشاركة:



ميليشيات الحوثي تواصل إرهابها داخلياً وخارجياً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

اعترض تحالف دعم الشرعية في اليمن، اليوم، طائرتين بدون طيار أطلقتهما ميليشيا الحوثي الإرهابية من محافظة عمران باتجاه السعودية.

تحالف دعم الشرعية في اليمن يعترض طائرتين بدون طيار أطلقتهما ميليشيا الحوثي الإرهابية باتجاه السعودية

وصرّح المتحدث الرسمي باسم التحالف، العقيد الركن تركي المالكي؛ بأنّ قوات التحالف تمكّنت، صباح اليوم الخميس، من اعتراض وإسقاط طائرتين بدون طيار (مسيّرتين)، أطلقتهما الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران، من محافظة عمران باتجاه خميس مشيط، بحسب ما جاء في وكالة الأنباء السعودية "واس".

وأوضح العقيد المالكي؛ أنّ "جميع محاولات الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران بإطلاق الطائرات بدون طيار مصيرها الفشل".

وشدّد على أنّ التحالف يتخذ "كافة الإجراءات العملياتية وأفضل ممارسات قواعد الاشتباك للتعامل مع هذه الطائرات لحماية المدنيين".

وبيّن أنّ "المحاولات الإرهابية المتكررة تعبّر عن حالة اليأس لدى هذه الميليشيا الإرهابية، وتؤكّد إجرام وكلاء إيران بالمنطقة، ومن يقف وراءَها، كما أنّها تؤكد حجم الخسائر بعناصرها الإرهابية الذين تزجّ بهم كلّ يوم في معركة خاسرة، مما سبب لها حالة من السخط الاجتماعي والشعبي".

وأكّد استمرار قيادة القوات المشتركة للتحالف بتنفيذ الإجراءات الرادعة ضدّ هذه الميليشيا الإرهابية، لتحييد وتدمير هذه القدرات، وبكلّ صرامة، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية.

 وفي سياق متصل بجرائم الحوثيين؛ نفّذت الميليشيات الإرهابية المدعومة من إيران، أمس، حملة مسلحة على قرية "خربة الصباري" في منطقة العود بمديرية النادرة (محافظة إب، وسط اليمن).

ميليشيات الحوثي تشنّ حملة في منطقة العود وتنهب تحت تهديد السلاح ممتلكات خاصة بالمواطنين

وأفادت مصادر محلية؛ بأنّ ميليشيات الحوثي أطبقت حصاراً على القرية، وتقوم تحت تهديد السلاح بنهب ممتلكات خاصة بالمواطنين، خصوصاً في المناطق المجاورة لمنطقة العود، في محافظتي إب والضالع.

يذكر أنّ العود تُعدّ من مناطق التماس، وهي على مقربة من المواجهات الدائرة بين القوات الحكومية الشرعية وميليشيا الحوثي في محافظتي إب والضالع.

وذكرت المصادر؛ أنّ الحملة المسلحة يقف وراءها مشرف الحوثيين في "عزلة حدة" في مديرية النادرة، عبد الله محمد حمود ضوس.

وطبقاً للشهادات والإفادات المحلية؛ يعمد ضوس في الآونة الأخيرة إلى انتهاك حرمات سكان المنطقة وابتزازهم مادياً.

وحمّل أهالي وسكان في القرية ضوس وميليشياته مسؤولية ما حدث، ويحدث، وما تتعرض له المنطقة والسكان من "جرائم وانتهاكات وحشية لا إنسانية".

 

للمشاركة:

حمدوك يؤدي اليمين الدستورية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

أدّى عبد الله حمدوك، أمس، اليمين الدستورية، ليصبح رئيساً لوزراء الحكومة الانتقالية الجديدة في السودان.

وقال حمدوك، في مؤتمر صحفي: "الشعب السوداني قاد أعظم ثورة في التاريخ المعاصر"، مضيفاً: "الشعب يختار من سيحكم السودان".

وأوضح أنّ "الأولوية الأولى هي إيقاف الحرب وتحقيق السلام"، مشيراً أيضاً إلى أنّ "بناء اقتصاد وطني يقوم على الإنتاج أبرز أولويات الحكومة التي سيشكلها"، وأضاف أنّ "مكافحة الفساد وتحقيق الإصلاح من أولويات الحكومة السودانية" المقبلة أيضاً، وفق ما نقلت وكالة الأنباء السودانية الرسمية.

حمدوك يقول إنّ أولوياته هي إيقاف الحرب وتحقيق السلام وبناء اقتصاد وطني يقوم على الإنتاج

وأوضح حمدوك: "سنعالج أزمة السودان الاقتصادية بتوفير رؤية وسياسات صحيحة"، محذّراً من أنّ "القطاع المصرفي في السودان على وشك الانهيار، ونحتاج إلى خطة محكمة لإنقاذه".

في الشقّ السياسي، قال حمدوك: "سنعمل على بناء نظام ديمقراطي سوداني نحترم فيه الاختلافات"، معتبراً أنّ "التركة ثقيلة، ومع إجماع الشعب السوداني نستطيع العبور إلى برّ الأمان، هناك مناخ ملائم للعبور بالسودان إلى برّ الأمان".

ورأى حمدوك؛ أنّ "هناك قضايا في السودان لا يمكن المساومة بشأنها"، مضيفاً: "أنا رئيس وزراء لجميع السودانيين".

واختار قادة الاحتجاج حمدوك ليصبح رئيس الوزراء قيادة الحكومة الجديدة بعد أشهر من الاحتجاجات، التي أدت إلى سقوط الرئيس السابق عمر البشير، بعد 30 عاماً من حكمه.

وكان في استقباله في المطار، لحظة قدومه من أديس أبابا، عضوان مدنيان في المجلس السيادي الجديد، الذي سيشرف على عملية الانتقال لفترة 39 شهراً، ويحلّ محلّ المجلس العسكري الانتقالي، وأدى أعضاء مجلس السيادة الجديد العشرة اليمين في وقت سابق أمس.

ولدى حمدوك 30 عاماً من الخبرة في مجالات إصلاح القطاع العام والحوكمة.

وعمل أميناً لـ "اللجنة الاقتصادية لإفريقيا" التابعة للأمم المتحدة، وترأس خلال عمله فيها حقائب مختلفة كبيرة، وعمل على التصدي للتحديات الإنمائية المتنوعة في السياسة الإفريقية، كما عمل كخبير في مجال إصلاح القطاع العام والحوكمة والاندماج الإقليمي وإدارة الموارد وإدارة الأنظمة الديمقراطية.

قبل ذلك، كان الدكتور حمدوك يعمل في وزارة المالية في السودان، حتى عام 1987، وبعدها عمل في شركة مستشارين خاصة في زيمبابوي، حتى عام 1995، وفي مقرّ "منظمة العمل الدولية" في زيمبابوي، حتى عام 1997، وفي "بنك التنمية الإفريقي" في ساحل العاج، حتى عام 2001.

وفي الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) 2016، أصبح الأمين التنفيذي لـ "اللجنة الاقتصادية لإفريقيا" التابعة للأمم المتحدة.

حمدوك حاصل على بكالوريوس (مع مرتبة الشرف) من جامعة الخرطوم، وعلى ماجستير ودكتوراه في الاقتصاد من كلية الدراسات الاقتصادية في جامعة مانشستر بالمملكة المتحدة.

 

 

للمشاركة:

روحاني يربط أمن الملاحة بالخليج بصادرات بلاده النفطية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

حذّر الرئيس الإيراني حسن روحاني، أمس، من أنّ الممرات المائية الدولية لن تكون آمنة إذا انخفضت صادرات النفط الإيرانية إلى الصفر، وذلك في إشارة إلى الملاحة في الخليج.

وقال روحاني، في اجتماع مع القائد الأعلى للبلاد علي خامنئي: "تدرك القوى العالمية أنّه في حالة المصادقة الكاملة على مبيعات النفط الإيراني، وتخفيض صادراتها  إلى الصفر، فإنّ الممرات المائية الدولية لا يمكن أن تتمتع بالأمان كما كان من قبل"، وفق ما نقلت شبكة "سي إن إن" عن قناة "برس تي في" الإيرانية الحكومية.

حسن روحاني الممرات المائية الدولية لن تكون آمنة إذا انخفضت صادرات النفط الإيرانية إلى الصفر

وأضاف روحاني: "لذلك فرض الضغط الأحادي ضدّ إيران لا يمكن أن يكون في مصلحتها، ولن يضمن أمنهم في العالم والمنطقة".

وفيما يتعلق بالاتفاق النووي، قال الرئيس الإيراني: إنّ بلاده "اختارت المسار الصحيح في تقليص التزاماتها في الاتفاق النووي ردّاً على تلكؤ الدول الأوروبية، وعدم تنفيذ تعهداتها تجاه إيران"، على حدّ وصفه.

ورأى حسن روحاني؛ أنّ فشل المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي حول اتفاقية التبادل التجاري مع إيران، سيؤدي لمزيد من تقليص الالتزامات النووية لإيران.

وأشار روحاني، حسبما نقلت وكالة أنباء "فارس" الإيرانية، شبه الرسمية، إلى أنّ إيران تغلبت على العقوبات الاقتصادية الأمريكية لمنع التصدير واستيراد السلع، و"تمكنت من تحقيق التوازن والاستقرار في السوق"، على حدّ وصفه.

ووصف روحاني العقوبات الأمريكية الاقتصادية على إيران بـ "العمل الإرهابي"، مضيفاً: "أمريكا تمارس الإرهاب الاقتصادي ضدّ كلّ الشعب الإيراني بما فيهم الأطفال والنساء والرجال".

وتفرض الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على إيران، منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، كما تسعى الولايات المتحدة إلى تدشين عملية بحرية دولية في منطقة الخليج لتأمين حركة الملاحة في الخليج، على خلفية استهداف إيران لناقلات النفط والاستيلاء على ناقلة النفط البريطانية "ستينا إمبيرو".

 

للمشاركة:



ابن سينا.. ظاهرة فكرية في رجل

2019-08-22

في الثاني والعشرين من آب (أغسطس) يحتفي العالم بذكرى ميلاد الفيلسوف والطبيب والعالم الإسلامي الموسوعي ابن سينا، الذي يعد واحداً من أبرز أعلام الحضارة العربية الإسلامية، ومن أكثرها إثارة للجدل خاصة في ميدان الفلسفة الإسلامية التي كان له فيها إسهامات لا يمكن تجاوزها، وإن جرّت عليه اتهامات التكفير التي ما تزال تلاحقه حتى اليوم.
نبوغ مبكر
وُلد  أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي الشهير بابن سينا عام 980م في قرية أفنشة قرب مدينة بخارى التي تقع حالياً في أوزباكستان، والده أحد دعاة الطائفة الإسماعيلية من أصول فارسيّة من مدينة بلخ بأفغانستان.
ظهرت علامات النبوغ عليه منذ صغره؛ إذ حفظ القرآن الكريم كاملاً وهو لم يجاوز العاشرة من عمره، وتمكّن  من التفوُّق على أقرانه وحتى مُعلّميه وهو لم يجاوز الرابعة عشرة، فخلال سنوات قليلة تمكّن من استيعاب الفقه الإسلامي والفلسفة والعلوم الطبيعية والمنطق، وعلوم إقليدس، وكتاب المجسطي لبطليموس.

اقرأ أيضاً: ابن سينا.. أفكار كبيرة رغم التكفير والإقصاء!
لم يطل مقامه في مسقط رأسه طويلاً، فما لبث أن ارتحل إلى مدينة بخارى؛ حيث تلقى العلم في مدرستها، فدرس أشهر العلوم في زمانه، أما علاقته بالفلسفة فبدأت على يد العالم البخاري أبو عبد الله الناتلي الذي تفرّغ لتدريسه كتاب (المدخل إلى علم المنطق)، المعروف باسم إيساغوجي الذي وضعه فرفوريوس الصوري ليكون مدخلاً للمقولات أو المنطق، وكان التحق ببلاط السلطان نوح بن منصور أحد أمراء سلالة بني سامان ،التي كانت تحكم ما وراء النهر، وأسند إليه متابعة أعماله المالية، وبعدها بدأ برحلته العلمية.

وصفه ابن القيم في كتابه الصواعق المرسلة بأنّه "الملحد  بل رأس ملاحدة الملّة"
ركّز في مراهقته جلّ جهوده على تعلُّم الطب، حتى أتقنه، فبعدما أنهى جميع العلوم التي درسها على يد شيخه الناتلي طلب من أبيه أنْ يُرسله لِدراسةِ الطب عند بعض الأطباءِ المعروفين مثل؛ الحسين بن نوح القمريْ وأبي سهل المسيب طبيبي السلطان نوح بن منصور، فأرسله إليهما وأمضى 3 أعوام بصحبتهما، ليضع كُلَّ معرفته لمعالجة الفقراء دونَ أن يأخذ أجراً منهم، وعندما أصبح في السادسة عشرة توصل إلى كثير من العلاجات الجديدة لأمراض كانت مستعصية قبله؛ إذ تمكن هذا الطبيب الشاب من علاج سُلطان بخارى، من مرض فقد فيه الأمل جميع الأطباء المشهورين آنذاك، ولم يطلب ابن سينا مكافأة إلا موافقة السلطان على السماح له باستخدام مكتبته، فكان له ذلك.
مع الفلسفة والطب
عُرف ابن سينا بولعه بأعمال أرسطو خاصة في مجال الميتافيزيقيا، التي عانى في البداية من فهمها حتى اطلع على شرح الفارابي لكتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو، الذي تأثر به بنظرية الفيض وصدور الموجودات عن الخالق؛ حيث قسّم الموجودات إلى ممكن وواجب؛ فالإله واجب بذاته أما الموجودات ممكنة بذاتها وواجبة بالإله، ومن مبادئه قوله إنّه لا يصدر عن الواحد إلا الواحد وهو القائل في كتابه النجاة "إن الواحد من حيث هو واحد، إنما يوجد عنه واحد" وقال أيضاً في كتاب الإشارات "الأول ليس فيه حيثيات الواحد لواحدانيته، فيلزم كما علمت أن لا يكون مبدأ إلا لواحد بسيط".‏‏‏ والمبدأ الثالث الذي أخذ به ابن سينا هو مبدأ الإبداع أو التعقل، وقال إن تعقل الإله هو "علة للوجود على ما يعقله"..‏‏‏

يعد ابن سينا واحداً من أبرز أعلام الحضارة العربية الإسلامية ومن أكثرها إثارة للجدل خاصة في الفلسفة

غادر ابن سينا بخارى عندما بلغ 22 عاماً إثر وفاة والده، وانتقل إلى مدينة جرجان بالقرب من بحر قزوين، وأخذ يلقي مُحاضرات في المنطق وعلم الفلك، وهناك التقى أبا ريحان البيروني الذي ربطته به علاقة علمية مميزة، وكان بينهما مساجلات علمية لطيفة يمكن الاطلاع عليها في كتاب "رسائل ابن سينا".
وبعد ذلك سافر إلى مدينة الري ثم إلى همدان، التي ألفّ فيها كتابه الأشهر القانون في الطب، وهناك اشتهر صيته أيضاً بعدما قام بعلاج شمس الدولة، ملك همدان، من المغص الشديد الذي أصابه.
تُرجم كتابه القانون في الطب إلى اللاتينية في منتصف القرن الثاني عشر تحت اسم Canon medicinae ثم إلى العبرية العام 1279، وظل هذا الكتاب المرجع الرئيسي في العلوم الطبية في أوروبا حتى أواخر القرن السابع عشر؛ حيث كان مقرّراً تدريسياً في كثير من جامعاتها، ويكفي لمعرفة، أهمية هذا المرجع العلمي الذي يحتوي أكثر من مليون كلمة، أنّ يوهان جوتنبرج مخترع الطباعة طبع ثلاث أجزاء منه العام 1472 بواسطة مطبعته التي اخترعها قبل سنوات قليلة من هذا التاريخ، ليعود ويطبع الترجمة اللاتينية كاملة في العام 1473.
ظل كتابه "القانون" المرجع الرئيسي في العلوم الطبية في أوروبا حتى أواخر القرن السابع عشر

إسهامات جديدة
بعد همدان، انتقل إلى مدينة أصفهان؛ حيث أتم العديد من كتاباته في شتى المجالات، فكانت له مساهماته في الرياضيات والموسيقى والجيولوجيا وحتى علم الأصوات والفلك إذ قدَّم العديد من الملاحظات الفلكية؛ حيث ابتكر وسيلة لتحسين دقة القراءات الفلكية، وفي الفيزياء درس الأشكال المختلفة للطاقة والحرارة والضوء والميكانيكا، ومفاهيم القوة، والفراغ، واللانهاية. ويعد كتابه "الشفاء" موسوعة كبرى في العلوم الطبيعية وما بعد الطبيعة،  ولا يقل أهمية عن نظيره القانون، وتطرّق فيه إلى نظريات الفلسفة وعلوم المنطق والطبيعة ونقد فيه كثيراً من مقالات للفلسفة اليونانية.

اقرأ أيضاً: 10 محطات في حياة ابن سينا الذي كفّره الغزالي
كان ابن سينا يرى أنّه حسبنا ما كُتِب من شروح لمذاهب القدماء، وأنه آن لنا أن نضع فلسفة خاصة بنا؛ لكن هذا لا يعني أنّه ابتكر مذهبا فلسفياً جديداً بقدر ما أضفى على الفلسفة القديمة حلة جديدة، لا سيما في مؤلفاته "الاشارات والتنبيهات" و"الحكمة المشرقية"، وكان يقول "إن العلوم كثيرة و الشهوات لها مختلفة، ولكنها تنقسم – أول ما تنقسم – إلى قسمين: علوم لا يصلح أن تجري أحكامها الدهر كله، بل في طائفة من الزمان ثم تسقط بعدها، وعلوم متساوية النسب الى جميع أجزاء الدهر، وهذه العلوم أولى العلوم بأن تسمى حكمة".
تابع سفره في آخر حياته برفقة أبي جعفر الخازن كطبيب ومستشار أدبي وعلمي، إلى أن توفي في شهر حزيران (يونيو) من عام 1037 ميلادياً ودُفن في همدان بإيران، وقيل إن أحد مساعديه هو من سمّمه.

رحل ابن سينا بعد أن ترك نحو 450 كتاباً وصلنا منها نحو 240 فقط
وكحال كثيرين ممن اشتغلوا بالفلسفة اتهمه كثيرون بأنّه من القرامطة الباطنية، فوصفه ابن القيم في كتابه "الصواعق المرسلة" بأنّه: "الملحد، بل رأس ملاحدة الملة"، وممن كفّره أبو حامد الغزالي في كتابه "المنقذ من الضلال"، ونسب إليه مقولاته الثلاث بقدم العالم، ونفي المعاد الجسماني، وأنّ الله لا يعلم الجزئيات بعلم جزئي، بل بعلم كلّي، وكان رد عليه في " تهافت الفلاسفة " في عشرين مسألة، وكفّره في هذه المسائل.

ركّز في مراهقته جلّ جهوده على تعلُّم الطب حتى أتقنه قبل أن ينتقل إلى مختلف العلوم

أما ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان فذكر أنّه في آخر أيامه أعلن توبته من هذه الأقوال، حيث قال: "وقد ضعف جداً وأشرفت قوته على السقوط، فأهمل المداواة وقال: المدبر الذي في بدني قد عجز عن تدبيره فلا تنفعني المعالجة، ثم اغتسل وتاب وتصدّق بما معه على الفقراء، وردّ المظالم على من عرفه، وأعتق مماليكه، وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة، ثم مات".
كان يقول "الوهم نصف الداء، والاطمئنان نصف الدواء، والصبر أول خطوات الشفاء"، فلم يكن يقتصر العلاج عنده على عقاقير صماء، بل كان يؤمن أن بداية الشفاء أمر نفسي بالدرجة الأولى، وفي هذا السياق تروى عنه قصص عجيبة عن استخدامه قوة العقل الباطن، كما فعل في علاج شاب مريض بالعِشق وآخر كان يتوهم أنه بقرة!
رحل ابن سينا بعد أن ترك نحو 450 كتاباً، وصلنا منها نحو 240 فقط، ولُقب بالمعلم الثالث بعد أرسطو والفارابي، كما عُرف بأمير الأطباء وأرسطو الإسلام، فلم يكن مستغرباً أن يثير حسد بعض معاصريه وغيرتهم منه، وهو القائل "بُلينا بقوم يظنون أن الله لم يهد سواهم".
يقول عنه المستشرق الألماني ت. ج. دي بور: "كان تأثير ابن سينا في الفلسفة المسيحية في العصور الوسطى عظيم الشأن، واعتبر في المقام كأرسطو"، أما مؤرخ العلم الشهير جورج ساتون فيصفه بأنّه "ظاهرة فكرية عظيمة ربما لا نجد من يساويه في ذكائه أو نشاطه الإنتاجي.. إن فكر ابن سينا يمثل المثل الأعلى للفلسفة في القرون الوسطى"، فليس مستغرباً أن تزيّن صورة ابن سينا كبرى قاعات كلية الطب بجامعة "باريس" حتى الآن.

للمشاركة:

خَصم الصحوة الأول!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

تركي الدخيل

لم يتركِ الأديب السعودي، والوزير، والشاعر، والكاتب، والمثقف، الدكتور غازي القصيبي، الحروب التي واجهتها بلاده، من دون أن يسل سيفه في كل الاتجاهات، مشاركاً في كل الجبهات، دون أن يكون قسم من هذه الحروب، الهدف فيه القصيبي، لذاته، بل كان الهدف رأس الحكومة، القدح في اختيارات الحاكم، قدح فيه، وكثيراً ما يلجأ الخصوم لهذه الطريقة، فهي تجنبهم المواجهة المباشرة، مع الرجل القوي، ولا تحرمهم متعة نقده، بشكل غير مباشر.
في أول فبراير (شباط) 1979. عاد الخميني (ت: 1989)، على متن طائرة فرنسية، من باريس إلى إيران، ثائراً، مرشداً للثورة، التي انقلبت على الشاه، حينها علم القصيبي، بوعيه وقراءته للأحداث وحدسه، أن ما بعد الخميني، لن يكون كما قبله، فالحدث آذن بفتح أبواب التطرف الإسلامي الشيعي، ثم تبعه التطرف السني.
بعد الثورة الإيرانية، اقتحم جهيمان العتيبي (ت: يناير «كانون الثاني» 1980) وأتباعه، الحرم المكي الشريف، بمكة المكرمة، في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، في عمل إرهابي، هزَّ العالم.
كان القصيبي، شاهداً على تفاصيل الحرب العراقية الإيرانية، في الثمانينات، وله شهادات متلفزة حول الوقائع، وكتاب أيضاً وكان يعلم أن الحالة الخمينية، ستجر ويلاتها إلى بقية المجتمعات الإسلامية.
ومع غزو الرئيس العراقي، صدام حسين للكويت، (أغسطس 1990)، صعد صوت متطرف، ظاهره معاداة دخول القوات الأجنبية، وباطنه العداء للأنظمة السياسية الخليجية، التي تحاول التصدي لطغيان صدام، وجنون عظمته.
ظاهرة رفض الاستعانة بالقوات الأجنبية، والأميركية تحديداً حينها، كانت طور التشكل بالمعنى الآيديولوجي، ووصفها الدكتور رضوان السيد، بـ«الإحيائية»، نسبة لنظيراتها من الفورات المسيحية.
وكان القصيبي، من أوائل من وصف، تلك الظاهرة بـ«الصحوة»، وهذا وارد جداً، فله تسجيل تلفزيوني يعود للثمانينات، يستخدم المصطلح، وإن لم يكن في سياق النقد، بطبيعة الحال.
المدرسة الدينية التقليدية، الممثلة بهيئة كبار العلماء في السعودية، وقيادتي الشيخ عبد العزيز بن باز، (ت: 1999)، وكان المفتي العام للسعودية، ويقيم بالرياض، والشيخ محمد بن عثيمين، (ت: 2011)، وكان يقيم في عنيزة بالقصيم، رحمهما الله، شكَلت موقفاً شرعياً يجيز دفع المعتدي، عبر الاستعانة بالقوات الأجنبية.
في مقابل، مجموعة من الدعاة الشباب، الذين كانوا يقودون المنابر في تلك الفترة، وبدا لهم امتلاك وعي سياسي، يجعلهم يتفوقون على كبار العلماء، ويوجب عليهم التصدي لهذا الأمر. كان بعضهم يعرض تارة ويصرح تارة، بأن مما يعيب كبار العلماء، تبعيتهم للسياسي، ولا يتورع بعضهم في القول بأنهم لا يرفضون له طلباً.
يمكن اعتبار هذه الحادثة هي أول تباين ومفاصلة للتيارات الإسلامية، مع الدولة، أمام عامة الناس، بشكل جلي وواضح.
تيار الدعاة الشباب، كان أبرزه: سلمان العودة، المقيم في القصيم، وسفر الحوالي، المقيم بين مكة وجدة، وناصر العمر، المقيم في الرياض، وعايض القرني، المقيم في جنوب السعودية؛ ويرون أن الاستعانة بالقوات الأجنبية، محرم، وأنه باب الشرور، والممهد لغزو بلاد التوحيد، وإقامة القوات الأجنبية، مسنوداً برأي جماعة الإخوان المسلمين، التي صدمت القيادة السعودية، بموقفها، إذ لم تعارض غزو صدام حسين، بل أيدته، بعد أن فتحت المملكة أبوابها للجماعة منذ عقود، ومنحتهم البيوت، والجنسيات، والوظائف، واستوعبتهم، سياسياً واجتماعياً وثقافياً، بعد خلافهم المصيري، مع الرئيس المصري الأسبق، جمال عبد الناصر.
في الوقت ذاته، أصدر فريق المشايخ الكبار، بياناً من هيئة كبار العلماء، يجيز لولي الأمر الاستعانة بغير المسلم، لدفع ضرر الغزو.
المشايخ الشباب، يملكون سطوة المنبر، والتنقل محاضرين، في مساجد كبرى في السعودية كلها، في جوامع تستوعب آلاف الحضور، ثم تنسخ الأشرطة، فيما سمي بمعركة الكاسيت، مئات آلاف النسخ، توزع في السعودية، والخليج، والعالم العربي كله، في تأثير ربما يفوق تأثير الإعلام التقليدي.
هذه الأشرطة تحمل سحر الحديث الديني من جهة، ومعارضة الدولة من جهة ثانية، بالإضافة إلى كونها تستبطن موقفاً سلبياً من قطب العالم الأوحد، الولايات المتحدة، والمهزوم حضارياً، عادة ما يكون ميالاً لتبني المواقف ضد الأقوياء، ولو لم يشكلوا له ضرراً حقيقياً!
خطاب الدعاة الشباب، لم يكن يقتصر في رفضه لموقف الحكومة السعودية من الاستعانة بالقوات الأجنبية، بل كان استمراراً لمواقف رافضة، لما اعتبره هذا التيار، تياراً للمنكرات، تشمل في تصنيفهم آنذاك: الاختلاط، مشاركة المرأة في الحياة العامة، وأي مظهر من مظاهر عدم ارتداء المرأة عباءة سوداء، تغطي وجهها وجسدها من الرأس للقدم، وهو ما يطلق عليه تبرجاً، وأي مظاهر للموسيقى والفنون... وغيرها الكثير الكثير.
أحس غازي القصيبي، بأن الحالة ليست طبيعية، وأن نوع الخطاب المستخدم في حرب الكاسيت، يحمل في طياته نقضاً للدولة، أكثر من كونه مجرد تحفظ على ارتكاب معاصٍ دينية، بالمعنى الفقهي، أو تجاوزات شرعية عامة.
انبرى القصيبي، بقلمه يدافع عن مصالح بلاده، بوجه فتوى أيَّدها كبار علماء البلاد، فقام التيار الآخر بالتشغيب عليه وكيل التهم له ولكل تيار لا يتوافق معهم.
ألف حينها غازي، كتابه الشهير: «حتى لا تكون فتنة»، وتضمن خمسة فصول، جعلها رسائل موجهة لرموز التيار الذي أشرنا إليه.
ردَّ القصيبي في الكتاب، على التهم الموجهة له بالعلمنة، والتكفير، وإغلاق باب الاجتهاد، ومسؤولية علماء المسلمين في ترسيخ التعددية، فالاجتهاد هو التجديد.
لم يدّعِ القصيبي يوماً أنه من الفقهاء، وإنما لظرف قلة المحاججين، لذلك التيار ذي الصوت العالي، وجد القصيبي أن البحث الفقهي بات ضرورة لمواجهة خطاب الجمود، واهتم بذلك في عدد من كتبه، ومقالاته، وسجالاته، فصنف: «ثورة في السنة النبوية»، و«الإلمام بغزل الفقهاء الأعلام».
في حوارٍ له مع الأستاذ محمد رضا نصر الله، بعيد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، وقبيل غزو إسقاط صدام 2003. كان القصيبي يعتصر ألماً من مستوى انفلات الخطاب المعادي والمتطرف، وركز في الحوار على ضرورة محاربة التطرف من المنابع، مما دفعه، ضمن فهمه العميق للموضوع، ليترجم كتاب: «المؤمن الصادق»، لإريك هوفر، وهو يبحث في الدوافع السيكولوجية للإنسان المتطرف. يقول غازي في حوار نصر الله: «إن ثمة فهماً مغلوطاً نحو الغرب، إذ ننسب أي جريمة تحدث لهم، من دون الفصل بين الآيديولوجيات العنصرية التي لديهم وبين الغرب، بمعناه الحضاري العام المفيد، الذي يجب أن نفهمه ونحاوره ونعاصر منجزه».
رحم الله غازي القصيبي، إذ كان سبَّاقاً في نقد ظاهرة، كانت جماهيريتها، واستخدامها سلاح التكفير، والتفسيق، والتبديع، ضد مخالفيها، يجعل الخصومة معها باهظة الثمن، اجتماعياً، وعملياً، وإدارياً.
عندما يستعديك ذلك التيار، ستجد فجأة جموعاً من الناس، جمهوراً لا يفكر فيما يُقال له، يناصبك العداوة والخصومة، ويتقرب إلى الله بالدعاء عليك، وكيل الضرر لك.
أي عدل في الخصومة هذا؟!
أخذت، هذه التيارات، على عاتقها وعد الانتقام من القصيبي، فصارعته طوال حياته، ولما أصر القصيبي، وكان وزير العمل حينها، على تأنيث بائعات محلات الملابس النسائية الخاصة، غضب الخصوم، دون مبرر منطقي، من قرار يحافظ على خصوصية المرأة، حتى اجتمع معه مجموعة ممن يسمون المحتسبين، ودعا عليه أحدهم الله، أن يصيبه بالأمراض الخبيثة، علناً أمام العشرات، في تسجيل منتشر!
لم تهدأ المعركة ضد غازي، مذ شبابه حتى شاخ، لكنه، رحمه الله، استطاع أن يسير بثباتٍ على رأيه، لم يجامل أبداً، حين يتعلق الأمر بمصير المجتمع، ومصلحة البلد.
بدأ القصيبي حياته، بكتيب صغير بعنوان: «معركة بلا راية»، ومضى كل حياته بمعركة، راياتها: حب الوطن، ونشر التنوير، ومحاربة التخلف.
كان الشاعر غازي، يصف خصومات الإنسان غازي، حين قال:
أما تعبتَ من الأعداء ما برحوا
يحاورونَك بالكبريت والنارِ؟!

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

اغتيال محمود درويش

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-22

يوسف أبو لوز

مرّت الذكرى الحادية عشرة على رحيل محمود درويش الأسبوع الماضي في أقل من الاستعادة العادية، لا بل، إن بعض الصحف العربية لم تأت على ذكر المناسبة برمّتها، وسيكون القارئ حسن النّية إذا اعتبر أن من تقاليد بعض الصحف توقفّها عن الصدور في إجازات الأعياد، وصادف 9/8/2019 اليوم الذي رحل فيه درويش قبل العيد بيومين، لكن كل هذا الكلام هو نوع من تغطية الشمس بغربال، ولنعترف أن صاحب «أوراق الزيتون» و«مديح الظل العالي» و«لماذا تركت الحصان وحيداً» يجري اغتياله حتى وهو غائب، وكلمة «اغتياله» هذه ثقيلة، ولكن كان لا بدّ منها على رغم ثقلها ونحن نرى واحداً من كبار الشعراء العرب على مرّ كل تاريخ الشعر يتم تجاهله على هذا النحو غير البريء.
في قصيدة لمحمود درويش بعنوان «يحبونني ميّتاً» يقول:- «.. يحبونني ميّتاً ليقولوا: لقد كان منّا، وكان لنا»، وفي القصيدة ذاتها يقول: «.. متى تطلقون الرصاص عليَّ؟ سألتُ. أجابوا تمّهل وصفّوا الكؤوس وراحوا يغنّون للشعب، قلت: متى تبدأون اغتيالي؟، فقالوا ابتدأنا».. إلى أن يقول أخيراً في هذه القصيدة الصغيرة ولكن النبوئية.. «.. سأسألكم أن تكونوا بطيئين، أن تقتلوني رويداً رويداً لأكتب شعراً أخيراً لزوجة قلبي..».
ليس لدي تاريخ نشر أو تاريخ كتابة لهذه القصيدة، ولكن، لماذا هي قصيدة نبوئية أو توقعية؟؟.. لنبحث عن الإجابة في القصيدة نفسها..
يقول درويش «يحبونني ميّتاً».. وبالفعل، كان الكثير من الشعراء الفلسطينيين والعرب يعتبرون درويش الشجرة التي تخفي الغابة، وأن نجومّيته أطفأت تلك الأنوار البعيدة المبثوثة من بعض الشعراء، وأن قصيدة واحدة من درويش تعادل مجموعات ومجموعات لمثل هؤلاء الشعراء النكرات، أما عندما كان درويش يقرأ شعره في عمان وتونس والقاهرة وبيروت والرباط والجزائر، فيقيم في الأمسية ما يشبه دولة درويش أو شعب درويش بسبب الآلاف من الجمهور الذي يصغي من رأسه إلى قدميه أمام الكاريزما المذهلة لهذا الشاعر وهو يلقي بأناقة وكبرياء.. أقول عندما كان يجري كل ذلك على مرأى ممّن يحبّونه ميّتاً كان هؤلاء يصابون بالإحباط، ويعودون إلى بيوتهم وزوجاتهم مكسوري الخاطر «بإحرام».
يقول درويش: ..«متى تطلقون الرصاص عليّ؟»، وفي حقيقة الرصاص المادّي لا أحد أطلق الرصاص على درويش، وهو أيضاً لم يطلق الرصاص على أحد، وعندما أعطاه ياسر عرفات مسدساً في أثناء حصار بيروت ليدافع عن نفسه ألقى بالمسدس ولم يستعمله.
.. ثم أخيراً يقول درويش.. «..متى تبدأون اغتيالي»،.. وكما جاء في رأس هذه المقالة، فالاغتيال لدرويش جرى في حياته، ويجري في موته، وعندما صدرت مجموعته «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي» بعد موته.. ظهر طابور طويل ممّن اغتالوا درويش.. وكان هو يسألهم أن يكونوا بطيئين في القتل.. رويداً، رويداً.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية