أهالي وادي رم.. تمسُّك بالمكان

صورة رشا سلامة
كاتبة وصحافية أردنية
2224
عدد القراءات

2019-01-09

لعلّ أول ما يتبادر لذهن من يمضي في وادي رم، مقولة "الأموات هم من يصنعون الواقع، أكثر من الأحياء"؛ إذ لم يعلم مجموعة رجال استقروا في المنطقة، قادمين من المملكة العربية السعودية أنهم سيتحكمون في مسار أحفادهم، حتى الجيل السابع منهم.

بمجرد أن يحلّ الزائر على مشارف محمية وادي رم، ستعاجله رسالة ترحاب قصيرة من شركة الاتصالات السعودية. ليس هذا فحسب؛ إذ ستكون أغنيات محمد عبده من نافلة القول، كذلك هي لوحات السيارات السعودية التي ستطالع الزائر في أرجاء عدة من الوادي الممتد على مساحة 720 كم.

لا يرتضي الزلابية غير الصحراء مكاناً إذ يقول إنها ارتبطت بـ "الرزق والاعتياد"

محمد الزلابية، واحد ممّن يؤمنون بمقولة "المَربَى غلب الأصل"، موضحاً "أتى جدودنا هنا منذ زمن طويل. كانت الحدود الجغرافية مفتوحة، لكننا الآن لا نعرف سوى وادي رم. نحن أهل هذه المنطقة. بل حتى حين يضيع سائح ما، فإنّ الأجهزة المختصة تستعين بنا نحن؛ إذ نعرف المكان شبراً شبراً".

لا يرتضي الزلابية غير الصحراء مكاناً؛ إذ يقول إنها ارتبطت بـ "الرزق والاعتياد"، وهو ما يذهب إليه خالد الزلابية أيضاً، الذي يقول إنه خدم في جيش البحرين سابقاً، وعرف بلاداً أخرى، بيد أنه لم يرضَ بغير وادي رم مستقراً.

يبرّر ذلك بأنّ الصحراء تمنح المرء "حرية ومساحة خاصة" لا تمنحه إياها أماكن ثانية، بحسبه، كما أنّ "العيش في الأردن يعطي حتى ساكن الصحراء نوعاً من الأمان والانفتاح على الآخر"، ما قد لا يتأتى في بلاد أخرى.

 العوض: "نحن سكان الصحراء ولا نريد المدن" - (تصوير: رشا سلامة)

ليست عائلة الزلابية، التي تعود أصولها لقبائل العنزيين، وحدها التي آثرت البقاء في الأردن، رغم إمكانية استصدار جوازات سفر سعودية قبل العام 1985 على وجه التحديد، بحسب عبد الرحمن البلوي؛ إذ يقول "حتى أقاربنا الذين أخذوا الجنسية السعودية وسكنوا منطقة تبوك، لا يبقون هناك أكثر من أسابيع ليعودوا بيننا مجدداً، وهكذا".

العوض: يأتي إلينا أهلنا من السعودية يسألون عنا ونستقبلهم ونذهب لهم في زيارات ويستقبلوننا

"الأرض كلها واحدة. لم تكن هناك حدود"، يقول راكان العوض، مردفاً "يحمل جدّي الجنسية السعودية، كذلك هم أبناء عمي، لكني لا أفكر حتى بطلبها؛ لأن لا فرق. نحن سكان الصحراء ولا نريد المدن".

يقول العوض "يأتي إلينا أهلنا من السعودية، يسألون عنا ونستقبلهم، ونذهب لهم في زيارات ويستقبلوننا. بيننا صلات نسب كثيرة. لكن كل منا أسّس حياته في مكان ما".

ثمة من ارتحل من شبه الجزيرة العربية بسبب "الجلوة" التي تعقب مشكلة ما حدثت في القديم، وثمة من وجد نفسه في البلاد المجاورة كنتيجة طبيعية لحياة البداوة والرعي، على حد قول العوض.

الزلابية: "أتى جدودنا هنا منذ زمن طويل". (تصوير: رشا سلامة)

يمضي راشد وضّاح بسيارته التي تحمل رقماً سعودياً، فيما هو يستمع للمطرب السعودي خالد عبد الرحمن. يقول "مزاجنا سعودي بامتياز. نطرب على غنائهم، ونقدم للضيف الأكلات نفسها الموجودة هناك مثل الكبسة. لهجتنا وعاداتنا واحدة".

ما سبق، لا يجعل وضّاح يفكر بالاستقرار في السعودية، التي يملك الإقامة فيها؛ لأن العيش في المدن لا يستهويه، كما يقول، مكملاً "وُلِدنا هنا وعشنا في هذه الصحراء. وكلما ذهبنا لمدينة قلنا: أعيدونا لحياة الهدوء التي اعتدناها".

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: