أهالي "يعبد" الفلسطينية يتوارثون زراعة التبع جيلاً بعد جيل

فلسطين

أهالي "يعبد" الفلسطينية يتوارثون زراعة التبع جيلاً بعد جيل

مشاهدة

22/08/2019

تكتسي سهول وجبال بلدة "يعبد"، غرب جنين، في الضفة الغربية، بزراعة التبغ، التي تشكّل المهنة الأساسية لسكان البلدة منذ عشرات السنين، وغدت جزءاً من تراثها وهويتها، حتى أصبحت من أكثر المناطق الفلسطينية زراعة له؛ إذ يعتمد 75% من سكانها على زراعته، ويساهم جميع أفراد العائلة الواحدة في جميع مراحل إنتاجه وتسويقه، وذلك لمناسبة أرضها وتربتها لتلك الزراعة، وعدم حاجتها للأراضي الخصبة والمياه الوفيرة.

اقرأ أيضاً: إسرائيل تستغل الأراضي الفلسطينية لزراعة مخدر القنب الهندي
لكن أخذت هذه المهنة اليوم تعاني من مشاكل قانونية في ظل فرض قيود لتنظيم هذا القطاع، ما أدّى إلى تكدّس محصول التبغ لدى المزارعين في البلدة، والتحول إلى صناعة السجائر بالطرق البدائية، وبيعها داخل الأسواق الفلسطينية.
الإنفاق على التبغ
وكشفت دراسة أعدها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني؛ أنّ معدَّل الإنفاق الشهري للأسرة الفلسطينية على التبغ يصل إلى نحو 44 دولاراً، وحوالي 71% من التبغ المُستهلَك هو من التبغ المستورد، وتقدر قيمته بنحو 320 مليون دولار سنوياً، وهي نسبة تفوق الإنفاق على التعليم، في حين وصلت نسبة المدخنين الفلسطينيين، من الرجال والنساء، في الضفة الغربية وقطاع غزة العام 2017، إلى 40%، وتقدَّر نسبة المدخنين تحت سنّ 18 عاماً 15%.
وصادقت الحكومة الفلسطينية، خلال العام 2017، على خطة لتنظيم قطاع التبغ المحلي بهدف تحسين جودته، وإعادة هيكلية أسعاره لحماية المزارعين والشركات المحلية ومكافحة تهريب الدخان والتهرب من الضرائب، وزيادة الإيرادات المالية للحكومة.

يساهم جميع أفراد العائلة الواحدة في جميع مراحل إنتاجه وتسويقه
ووفق بيانات دائرة الجمارك وضريبة القيمة المضافة في الضفة الغربية، تبلغ إيرادات الجمارك السنوية من السجائر والتبغ حوالي 415 مليون دولار، منها 70 مليون دولار إيرادات من الشركات المحلية، والباقي من الاستيراد، بينما تقدر الجمارك الخسائر على الخزينة بحوالي 100 مليون دولار سنوياً، منها 55 مليون دولار تُهرَّب للسوق المحلية.
وبحسب مؤسسة مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية؛ فإنّ نسبة البطالة في البلدة في ازدياد؛ لذا يعتمد كلّ الأهالي على زراعة "الدخان العربي"، سواء في مرحلة الزراعة أو الإعداد أو التسويق، كما تشير المؤسسة إلى أنّ هذه المهنة لا تقتصر على فئة الذكور؛ بل والإناث أيضاً، ويستفيد منها الطلاب وربّات البيوت، وأحياناً كثيرة الأطفال.
مهنة متوارثة وشاقة
يقول المزارع عيد أبو شملة ( 45 عاماً)، صاحب أحد حقول التبغ في يعبد، إنّ "زراعة التبغ هي مهنة متوارثة عن آبائنا وأجدادنا منذ أكثر  من 30 عاماً، وهي مهنة شاقة وتحتاج إلى بذل مجهود كبير للحفاظ على المحصول حتى ينمو وينضج"، مستدركاً خلال حديثه لـ"حفريات": "هذه الزراعة اقتصرت في البداية على مساحات محددة لانشغال سكان البلدة في صناعة الفحم النباتي، الذي كان يعدّ من المهن الأساسية فيها منذ خمسينيات القرن الماضي، إلا أنّ تضييقات الاحتلال المستمرة على هذه الحرفة ومصادرة عربات الحطب والفحم، وتجريف المصانع، وتهديد العاملين فيها، بحجة تأثيرها سلباً على صحّة المستوطنين، كلّ ذلك دفعنا للعودة لزراعة التبغ بمساحات أكبر، كونها مصدر رزقنا الوحيد".

اقرأ أيضاً: انتشار زراعة الماريجوانا سراً في المنازل بالضفة الغربية
ويضيف: "زراعة التبغ، أو ما يعرف بالدخان العربي، تدرّ عائداً مالياً جيداً، وتوفّر فرص عمل لمعظم العائلات في يعبد، لارتفاع الطلب عليه خلال الأعوام الأخيرة بشكل كبير، بعد ارتفاع أسعار السجائر المستوردة، والتي وصل متوسط سعر العلبة الواحدة 21 شيكلاً (6 دولارات أمريكية)، في حين أنّ سعر علبة الدخان المصنوع من التبغ يصل إلى 5 شواكل فقط (1.5 دولار أمريكي)".
زراعة التبغ
وعن كيفية زراعة التبغ، يقول أبو شملة: "تبدأ زراعة التبغ في بداية شهر كانون الثاني (يناير) من كلّ عام، ويتمّ غرس بذور التبغ الفرجيني والنبتة الصفراء، اللتين تعدّان من أفضل أنواع التبغ الذي يزرع في يعبد، بطريقة متباعدة ومنتظمة، وتتميز أوراقهما بسماكتها القوية، وتُؤخذ بذورهما من زهرة النبتة في موسم الحصاد السابق، وبعد أن تصبح البذور أشتالاً يتم نقلها، خلال شهر نيسان (أبريل)، إلى الأراضي المخصصة لها والمجهزة بالأسمدة والاحتياجات اللازمة لزراعتها".

زراعة التبغ أو ما يعرف بالدخان العربي  تدرّ عائداً مالياً جيداً
ولفت إلى أنّه بعد مرور أربعة أشهر من زراعة الأشتال، يتمّ قطف وحصاد ورقات التبغ الناضجة، التي تميل إلى الاصفرار، وذلك عبر ثلاث مراحل؛ الأولى تعرف بالكش، وتتمّ من خلالها إزالة الأوراق السفلية المصفرة للتبغ، والمرحلة الثانية "الفحلة"؛ وهي قصّ الأوراق التي في منتصف النبتة، والمرحلة الثالثة "التخريب"، ويتمّ فيها قطف الأجزاء العلوية من الشتلة، وغالباً ما تقتصر عملية القطف على النساء، مروراً بمراحل إنتاج التبغ النهائية حتى يتم تعبئته، ويصبح جاهزاً للبيع في الأسواق.

كشفت دراسة أنّ معدَّل الإنفاق الشهري للأسرة الفلسطينية على التبغ يصل إلى نحو 44 دولاراً

وتابع أبو شملة: "بعد قطف الأوراق يتمّ شكّها وخياطتها بواسطة إبرة معدنية، وحبل لا يتجاوز طوله المترين، لتشبه العملية شكل القلادة، ويتم وضع الأوراق فوق الأشجار أو تثبيتها على أعمدة خشبية تحت أشعة الشمس لمدة 30 يوماً حتى تصل لمرحلة التجفيف، ومن ثمّ توضع أوراق التبغ في أفران مخصصة لها لتجفيف المياه المتبقية فيها، ومن ثم يتم فرمها بواسطة ماكينات يدوية، لتخرج الأوراق على شكل خيوط رقيقة وتصبح جاهزة لوضعها في ورق يعرف محلياً "بالبفرة" وتدخينها".
تنظيم القطاع
رئيس اتحاد المزارعين في يعبد، سمير عطاطرة، يقول إنّ عدد الأراضي المزروعة بالتبغ في محافظة جنين تقدر بـ10 آلاف دونم، مضيفاً لـ"حفريات" أنّه "يعمل في هذه الأراضي ما يقارب 580 مزارعاً، وينتج الدونم الواحد والمزروع بالتبغ من النوع الفرجيني ما بين 80 إلى 140 كيلوغراماً، في حين تنتج الأنواع الأخرى كالنبتة الصفراء وبيرلي 24، من 40 إلى 50 كليوغراماً في الدونم الواحد؛ لذا نجد أنّ أغلب الأراضي المزروعة بالتبغ في يعبد هي مزروعة بنبتة الفرجيني، ذات الجودة والإنتاجية العالية".

هذه المهنة لا تقتصر على الذكور ويستفيد منها الطلاب وربّات البيوت وأحياناً كثيرة الأطفال

ولفت إلى أنّ "تراجع شركة سجائر القدس عن شراء تبغ يعبد منذ الاتفاق الذي وقعته وزارة الزراعة معها قبل عدة أعوام، أدّى ذلك إلى تكدّس محصول التبغ لدى المزارعين بالبلدة، وباتت المهنة تقتصر على صناعة السجائر بالطرق البدائية، وبيعها داخل الأسواق الفلسطينية بالضفة الغربية بأسعار زهيدة".
وعن دعوة الحكومة الفلسطينية لتنظيم قطاع زراعة التبغ، يقول عطاطرة: إنّ "القرار هو خطوة إيجابية يتطلب تنفيذها على كافة القطاعات الزراعية، وألا تقتصر على زراعة التبغ بعينها، ويتوجب على تلك الخطة التي أعلنت عنها الحكومة مؤخراً حماية حقوق المزارعين والعمال في هذه المزارع، وألا تكون أداة للتضييق على هذه الزراعة والحدّ منها، والتي باتت تشكّل مصدر الدخل الرئيس لدى العديد من العائلات في البلدة".

تجارة التبغ العربي هي تجارة ممنوعة بحسب قانون مكافحة التدخين رقم (25) لعام 2005

تجارة ممنوعة
المحلّل الاقتصادي، نصر معالي، يقول: إنّ "تجارة التبغ العربي هي تجارة ممنوعة بحسب قانون مكافحة التدخين رقم (25) لعام 2005، والذي ينص على حظر استيراد أو تصدير أو إنتاج التبغ أو عرضه للبيع، ما لم يكن مطابقاً للمواصفات والمعايير المعتمدة، كما ويمنع إعداد، أو طبع، أو عرض، أو تعليق، أيّ إعلان لأغراض الدعاية عن التبغ أو الترويج له، ويعاقب المخالفون من هذا القانون بالحبس لمدة لا تزيد على عام، وبغرامة مالية لا تقل عن ألف دينار أردني، ومصادرة التبغ وماكينات بيعه، وإغلاق المتجر الذي ضبطت فيه الجريمة".

تضييقات الاحتلال المستمرة على حرفة الحطب والفحم أدت للعودة لزراعة التبغ بمساحات أكبر

ويضيف معالي لـ "حفريات": "الدراسات والأبحاث تشير إلى أنّ خسائر خزينة السلطة الفلسطينية جراء تهريب السجائر المستوردة وبيع التبغ الفلسطيني بالطرق الالتفافية، تتجاوز 500 مليون شيكل سنوياً، وفي حال قامت الضابطة الجمركية بضبط أيّة كمية من التبغ، أو ما يُعرف محلياً بالدخان العربي، تتمّ مصادرتها وإجبار صاحبها على دفع غرامة مالية عليها، باعتبار العاملين فيها من المهربين والخارجين على القانون".
ويرى معالي؛ أنّ دعوة السلطة الفلسطينية لتنظيم زراعة التبغ يتوجب أن تسبقها عدة خطوات عملية على أرض الواقع؛ "من خلال تحديد وضبط مساحات زراعة التبغ في مناطق الضفة الغربية، ووضع خطط حكومية بالتعاون مع الجهات المختصة لمنح التراخيص اللازمة لمزارعي التبغ، بما يضمن المصالح المشتركة بينها وبين المزارع الفلسطيني، لجعل زراعة التبغ ذات جدوى اقتصادية على مستوى الوطن".

الصفحة الرئيسية