أوري أفنيري: صهيوني خفي أم صديق للعرب؟

20114
عدد القراءات

2018-09-01

على الرغم من شهرته الجارفة داخل إسرائيل منذ أواخر الأربعينيات، لم يسمع العالم العربي كثيراً عن أروي أفنيري قبل زيارته للعاصمة اللبنانية بيروت أثناء حصار الجيش الإسرائيلي لها وعقب مذبحة مخيمي صبرا وشاتيلا التي راح ضحيتها 1700 فلسطيني على يد كتائب اليمين الفاشي في لبنان المدعومة من إسرائيل وقتها.

أفنيري التقى في تلك الفترة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، في بيروت الغربية، وأجرى مقابلة صحفية معه، كان لها صدىً عالمي على اعتبار أنها كانت أول مقابلة صحفية لشخصية إسرائيلية معروفة مع "أبو عمار" قائد منظمة التحرير التي لم يكن قد تم الاعتراف الدولي بها حينذاك.

تمادى أفنيري في صدمة المجتمع الإسرائيلي، حين لعب الشطرنج مع عرفات خلال زيارته التي تسببت في تعرضه لتهديدات من الحكومة الإسرائيلية، وطالب وزراء إسرائيليون بمحاكمته بتهمة الخيانة العظمى، لكنّ هذا التهافت على "الاستشهاد السياسي" لم يكن غريباً على شخص رفض في مرحلة مبكرة جداً من حياته إعطاء التحية لأدولف هتلر في المدرسة.

أجرى مقابلة صحفية مع عرفات كان لها صدىً عالمياً

خارج السرب؟

"بِلا خوف، وبِلا تحيّز أو محاباة" لم يكن هذا الشعار يخص مجلة "هعولام هزي" التي ترأس أفنيري تحريرها لمدة 40 عاماً فقط، بل كان شعاره الشخصي أيضاً، فقدرته على تحدي الإجماع السياسي السائد داخل إسرائيل كانت الدافع الحاسم لإجرائه مقابلة بهذه الخطورة، مع رجل تعتبره إسرائيل العدو رقم واحد، وقد هزت المقابلة المجتمع الإسرائيلي بعنف وأثارت جدلاً عاصفاً حينها.

تمادى أوري أفنيري في صدمة المجتمع الإسرائيلي حين التقى ياسر عرفات ولعب  معه الشطرنج في بيروت

أفنيري شارك في حرب 1948 ضد العرب، وكان حريصاً على تسجيل أحداث المعارك التي شارك فيها وانطباعاته عنها لصالح جريدة "هآرتس" ثم صدرت هذه المادة في كتاب بعنوان "في سهول بْلِشت ـ بْلِستيا" (في السهل الساحلي من بلاد كنعان الفلسطينية) باسمها التاريخي القديم باللغة اليونانية القديمة.

القتال البطولي للمصريين في معركة الفالوجة، التي شارك فيها الرئيس لاحقاً جمال عبد الناصر، ترك أثراً غائراً على جسد أفنيري؛ حيث أصيب في البطن والذراع ونقل إلى المستشفى ليمكث هناك فترة طويلة، وجعل الدرس المصري الذي تلقاه جسد أفنيري يعيد النظر في مسألة الحرب، وفي هذه الأثناء كان كتابه قد حظي بانتشار واسع، وقوبل بترحاب شديد على أنه يمجِّد الحرب، فقرر نشر كتاب ثانٍ عام 1950 بعنوان "الوجه الآخر للعملة" يكشف فيه قناعاته عن مساوئ الحرب ومآسيها، وكانت هذه بداية نبذ المجتمع الإسرائيلي له.

لم يفلح هذا الرفض العام لأفنيري في إثنائه عن مواقفه؛ بل تمادى في تبنّيه توجهاً معارضاً للحكم العسكري الذي فُرض على الفلسطينيين في إسرائيل، ولمصادرة الأراضي، والتمييز العنصري الذي مارسته المؤسسات الإسرائيلية والحكومات المتعاقبة ضد الأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل، ومؤيداً إعادة اللاجئين من الفلسطينيين في إسرائيل إلى قراهم.

اقرأ أيضاً: ما الذي يجري بين حماس وإسرائيل في الغرف المغلقة؟

أصدر العدد الأول من مجلته "هعولام هزي" عام 1950، وهي المجلة التي دأبت على نشر العديد من الملفات والتقارير بالغة القوة والتأثير على الرأي العام الإسرائيلي، مثل فضحها مجزرة كفر قاسم عشية العدوان الثلاثي على مصر و"قضية لافون" حول كشف المخابرات المصرية واعتقالها خلية للموساد في مصر مطلع الخمسينيات كانت مكلفة بوضع متفجرات في السفارة الأمريكية في القاهرة بهدف زعزعة الثقة الأمريكية في النظام المصري الذي تشكل حديثاً بعد ثورة 23 يوليو، وعدم منح المصريين أي وزن سياسي في الصراع الدائر حول فلسطين، وترويع اليهود المصريين لدفعهم للذهاب إلى إسرائيل.

التقى ياسر عرفات ولعب  معه الشطرنج في بيروت

خدعة أفنيري وسميح القاسم

السلطات الإسرائيلية التي اعتادت عدم السماح للمثقفين العرب داخل إسرائيل بإصدار صحيفة أو مجلة باللغة العربية، اضطرت أن تبلع حيلة قانونية دبرها أروي أفنيري مع الشاعر الفلسطيني الشهير سميح القاسم مطلع الستينيات، حين أصدرا "هعولام هزي" باللغة العربية تحت اسم "هذا العالم" على أن تنشر "هذا العالم" افتتاحية "هعولام هزي" ومقال أفنيري الرئيسي فيها، ويتولى القاسم وبقية المثقفين العرب نشر الأخبار والمقالات، مما حرم السلطات الإسرائيلية من مبررات إغلاق المجلة أو اعتقال محرريها.

سميح القاسم

أفنيري في مرحلة لاحقة طوّر نقداً ذاتيّاً للحركة الصهيونية في فلسطين، سجله الصحفي البريطاني الشهير روبرت فيسك في حوار معه عقب مذبحة "تل الزعتر" حين سأله كيف للناجين من المحرقة اليهودية وأطفالهم أن يفعلوا هذا بالفلسطينيين؟  فرد أفنيري: "هناك شيء في المعاناة يخلق نوعاً من الأنانية، فالمرضى عندما يكونون في حالة ألم، لا يمكنهم التحدث عن أي شخص سوى أنفسهم، وعندما تحدث مثل هذه الأشياء الوحشية لشعبك، تشعر أنه لا يمكن مقارنة أي شيء به، تحصل على "توكيل" أخلاقي، تصريح للقيام بأي شيء تريده، لأنه لا يوجد شيء يمكن مقارنته بما حدث لنا، هذه حصانة أخلاقية واضحة في إسرائيل، الجميع مقتنعون بأنّ جيش الدفاع الإسرائيلي أكثر إنسانية من أي جيش آخر".

أوري أفنيري والرئيس الفلسطيني محمود عباس

صهيونية مُضمرة ومُخفّفة

المتلهفون على التصدُق بأي تعاطفٍ عليهم من العرب اعتبروا أنّ دعوة أفنيري إلى السلام دليل قاطع على صداقته للفلسطينيين وانحيازه للعرب على حساب إسرائيل، لكن أفينري ينتمي إلى شيء آخر تماماً، غير ما تؤطره فيه الانطباعات المثالية حول الإسرائيلي المسالم والمحب، وهو صهيونية ما قبل نتنياهو.

مركز الدائرة في الرؤية الصهيونية قبل اغتيال إسحاق رابين كان الاعتقاد بإمكانية تحقيق السلام في ظل استقرار سياسي لن يُنجز إلا بإعطاء الفلسطينيين شيئاً من الحقوق التي لا تضر بكيان الدولة الإسرائيلية، وبأنّ انعدام السلام من شأنه أن يضع إسرائيل تحت تهديد أبدي للألغام السياسية والأمنية التي تحاصرها من الداخل والخارج.

من تناقضات أفنيري أنه يرفض سياسة الفصل العنصري التي تتبناها حكومة نتنياهو، وفي المقابل يرفض منح العرب حقوقاً مدنية

جذور تلك الرؤية تكون في التحديق في الخسائر الجسيمة التي تكبدتها إسرائيل جراء صراعها المديد مع العرب، والتأكد بأنّ الاستمرار في احتلال الأراضي العربية المستولى عليها عام 1967 لن يتم إلا بأثمان باهظة؛ فالأراضي التي حصلت عليها من مصر في هذا العام فقدتها بعد حرب مرهقة في 1973، ومعاهدة سلام عقدتها مصر منفردة عام 1979 استعادت بها جزءاً من أراضيها مقابل تحييدها في الصراع، والسيطرة على أراضي الضفة الغربية وغزة كانت المقدمة التي نتجت عنها الانتفاضة الفلسطينية في 1987 التي كلفت إسرائيل خسائر لا تحتمل على مستوى العنصر البشري والكلفة الاقتصادية" وفي النهاية "صورة إسرائيل" أمام المجتمع الدولي.

غير أنّ نتنياهو والليكود نفذوا انقلاباً شاملاً على تلك الرؤية، وهندسوا رؤية عنصرية بالكامل تعتمد على سياسة القوة والأمر الواقع، لكن أفنيري لم يتسامح معها أبداً وظل على حنينه الأول لإسرائيل عاقلة ورشيدة، لذا لم يكف نهائياً عن الهجوم على نتنياهو الذي حطّم فردوسه المفقود.

اقرأ أيضاً: قانون القومية اليهودية: ماذا ظلّ من ديمقراطية إسرائيل المزعومة؟

صهيونية أفنيري، الذي كان خبيراً في الجيش الإسرائيلي في حرب 1948 "النكبة" بالنسبة إلى العرب و"الاستقلال" بالنسبة إلى إسرائيل وهي الحرب التي دفعت 750 ألف فلسطيني خارج وطنهم وأراضيهم، كانت المعين السياسي، المغطى برداء الدعوة إلى إحلال السلام، الذي استقى منه رؤيته حول وضع الفلسطينيين، فهو إذ يرفض سياسة الفصل العنصري التي تتبناها حكومة نتنياهو، يرفض في المقابل منح العرب حقوقاً مدنية لأنها ستسفر عن أغلبية عربية في الكنيست بحكم التفوق الديمغرافي العربي، ومن ثّم سيكون أول شيء يفعلونه هو تغيير اسم إسرائيل وإطلاق اسم فلسطين على الدولة، وبالتالي إلغاء المشروع الصهيوني "الملطف" (العزيز على قلبه) الممتد لـ130 عاماً في التاريخ.

وأفنيري لا يغرد وحيداً؛ فأدبيات اليسار الصهيوني التي يمتح منها تلح على أنّ إسرائيل بارعة تكتيكياً لكنها عمياء إستراتيجيّاً؛ بمعنى أنّ المكاسب الصغيرة المبهرة التي تراكمها تضعها إستراتيجياً على طريق لا يمكن في نهايته أن تظل يهودية وديمقراطية؛ فهي إما أن تكون يهودية فقط بفضل نظام فصل عنصري، أو ديمقراطية مصيرها التحول إلى دولة عربية.

اقرأ أيضاً: هل تخترق إسرائيل العالم العربي من خلال تركيا؟

ومثلما يضع اليسار الصهيوني حرب 48 في حالة تناقض مع حرب 67 على اعتبار أنّ الأولى كانت حرباً للاستقلال، أما الثانية فقد كانت حرباً عدوانية، وليست تتمة عمليّة وسياسيّة لمسيرة الاحتلال والنهب وطرد العرب من أرضهم، يفرق أفنيري بين الحربين أيضاً بتأكيده أنه لم يندم أبداً على انضمامه لمنظمة أرغون الإرهابية، وأنه كان يقاتل من أجل "تحرير البلد" بينما يرفض الآثار الناتجة عن التوسع الإسرائيلي عام 67 ويدعو للتراجع عنها.

اقرأ المزيد...

الوسوم: