أوكتافيو باث: "كنتُ شجرة وتكلمتُ بستانَ حروف"

2218
عدد القراءات

2019-04-24

ظل الأديب المكسيكي أوكتاڤيو باث، حتى آخر نبض في عروقه، يحدّق في ظلال الأشياء والكلمات، ويخلع عليها من رؤاه، فتكتسي برمزية عالية، وإيحاءات عميقة تحفر في ذاكرة اللغة، ما جعله يُنشد ذات قصيدة: "كنتُ شجرة وتكلمتُ بستانَ حروف".

اقرأ أيضاً: كيف تكون سعيداً؟.. هذه نصائح الخبراء وآراء الأدباء والمفكرين
ينحدر باث المولود في مدينة مكسيكو، سنة 1914، من أم إسبانية ذات جذور أندلسية، وأب مكسيكي، وقضى نشأته كما طفولته كمغترب في أمريكا الشمالية، وساهم بدوره في الحركات العمالية اليسارية. وفي سنة 1931 أسس مجلة "براندال" و"دفاتر وادي مكسيكو" سنة 1933. وفي هذه الفترة بالذات بدأ بنشر أول أعماله الشعرية "لونا سيلڤستر" و"جذور الإنسان"، وكان يجمع سحر القلم إلى فعل المقاومة، بحيث أنه شارك في الحرب الأهلية الإسبانية، حيث تواجد مع كل من "رفائيل ألبيرتي" و"بابلو نيرودا" و"ميغيل هيرنانديز" و"لوي صرنودا" الذي ستربطه به صداقة حميمة، لن تنتهي إلا بموت الكاتب.
كتاب أطفال الطين لأوكتافيو باث

لن يظل مقيداً بكتاباته النضالية
وبعودته إلى المكسيك، سينخرط في السلك السياسي وسيساهم في المجلة العمالية "الشعبية"، وكما سيشغل مناصب دبلوماسية لبلده في الخارج. كذلك لن يظل مقيداً بكتاباته النضالية، بل عرف تأثراً بمدارس أخرى، كما لاقى وجوهاً أدبية عدة، من بينهم "أندريه بروتون" و"جورج شحاده" و"هنري ميشو" وجيل "سوبرڤيل".

كلمات الشاعر هي كلمات جماعية أيضاً. وإلاّ لما كانت كلمات. كل كلمة تستلزم شريكين: الذي يتكلم والذي يستمع.

ويُنظر إلى باث، صاحب كتاب "متاهة العزلة" بصفته الأب الروحي لكل من "لوي بورخيس" و"غارسيا ماركيز". وبفضل إبداعاته مُنح جائزة نوبل سنة 1990. وذكرت الأكاديمية السويدية أنّ باث فاز بالجائزة لا لعمل معين من أعماله الأدبية، ولكن "تكريماً لمجمل كتاباته الشعرية والنثرية المتقدة بالعاطفة، والتي تتسم بآفاق ثقافية واسعة وتتميز بذكاء وطاقة إنسانية وقّادة".
ومن بين المدارس التي تأثر بها باث كانت السوريالية، التي يقول عنها في خطاب إلى الناقد والمترجم الفرنسي كلود كوفون: إنّ تأثير السوريالية عليّ كان حاسماً كمذهب وليس كموقف، لقد وجدت في السوريالية فكرة التمرّد، وفكرة الحبّ والحرية وعلاقتهما بالإنسان، إنّ طبيعتها الغامرة والروحية الجماعية ومحاولاتها المتوالية لتجسيد الزمن وقرض الشعر وجعل موضوعها الإنسان قد أخذت بمجامعي.
ومن وحي ذلك، كتب باث بطريقته النقدية الماتعة عن الشعر والكلمات واللغة، في نص مدهش نشره الملحق الثقافي لصحيفة "النهار" اللبنانية، وترجمه هنري فريد صعب:
"كنت شجرة وتكلمت بستان حروف"

الشاعر لا يختار كلماته
تعتمد القصيدة على اللغة الاجتماعية أو المشتركة، ولكن كيف يتمّ العبور وماذا يحصل للكلمات عندما تغادر نطاق التبادلات الاجتماعية لتصبح كلمات القصيدة؟ الفلاسفة، والخطباء، والأدباء يختارون كلماتهم. الأولون بحسب معانيها؛ والآخرون طبقاً لفاعليتها الأخلاقية والسيكولوجية أو الادبية. أما الشاعر فلا يختار كلماته. عندما نقول إنّ شاعراً ما يبحث عن لغته، فلا يعني ذلك أنه يسرع إلى المكتبات أو الأماكن العامة بحثاً عن صيغ قديمة أو جديدة، وإنما هو متردّد بين الأخذ بكلمات تخصّه حقيقة، متأصلة في داخله، والأخذ بتلك التي يدين بها للكتب أو الشارع. عندما يهتدي شاعر إلى كلمته، فهو يستذكرها؛ إنها حالّة فيه قبلياً. وهو حالٌّ فيها. كلمة الشاعر تمتزج مع كيانه بالذات. الشاعر هو كلمته.

اقرأ أيضاً: لماذا تغدو مهمة "المحرر الأدبي" في دور النشر العربية مسربلة بالضباب؟
في أثناء الإبداع، يطفو الجزء الأخفى من ذواتنا على سطح الوعي. الإبداع، يعني أن نخلق بعض الكلمات التي يتعذّر انفصالها عن كياننا. إنها قائمة بذاتها ولا شيء سواها. والشاعر صنيعة كلمات ضرورية يصعب استبدالها. لذا كان من الصعب أن نصحّح عملاً ناجزاً. كل تصحيح يتطلّب إعادة خلق؛ عودة إلى الوراء، نحو داخلنا. وإن عدم إمكان الترجمة الشعرية قد يُفسّر انطلاقاً من هذا المنحى. كل كلمة في قصيدة هي فريدة. ليس ثمة من مترادفات. إنها فريدة وثابتة: من غير الممكن أن نمس مفردة من دون المساس بكل القصيدة؛ من غير الممكن أن نغيّر فاصلة من دون أن نهزّ البنية بكاملها. القصيدة هي كل حي، مكوّن من عناصر لا تُعوّض. وعليه، فالترجمة الحقيقية لا يمكن أن تكون سوى إعادة خلق.

اقرأ أيضاً: السعودية الجديدة: "إيوان الفلسفة".. فضاء للتفكير الحرّ في نادي جدة الأدبي
الجزم بأنّ الشاعر لا يستعمل الاّ الكلمات التي سبق أن كانت في داخله، لا يناقض ما قيل عن العلاقات القائمة بين القصيدة واللغة العامة. فكلمات الشاعر هي كلمات جماعية أيضاً. وإلاّ لما كانت كلمات. كل كلمة تستلزم شريكين: الذي يتكلم والذي يستمع. العالم الفعلي للقصيدة ليس من صنع مفردات المعجم، بل من صنع الجماعة. الشاعر ليس غنياً بالمفردات الميتة وإنما بالحية. فاللغة الشخصية تعني اللغة الجماعية التي استوحاها الشاعر وجمّلها. وقد عرّف أبرز الشعراء الغامضين رسالة القصيدة كالآتي: "أن تمنح كلمات العشيرة المعنى الأصفى". وهذا يصحّ، حتى في معنى الجملة الأكثر سطحية: في العودة إلى المعنى الاشتقاقي للمفردة، وكذلك إلى غنى اللغة.

الشاعر يغيّر اللغة ويعيد خلقها
إنّ كثيراً من المفردات التي تبدو لنا اليوم عامة ودارجة، هي ابتكارات وتوليدات مأخوذة من الإيطالية واللاتينية على أيدي خوان دي مينا، غارسيلاسو أو غونغورا (شعراء إسبان). إن كلمات الشاعر هي كلمات العشيرة أيضاً أو سوف تكون يوماً. الشاعر يغيّر اللغة، يعيد خلقها، أو يجعلها أنقى، كي تصبح تالياً لغته. ولكن ممّ تتكوّن تنقية الكلمة هذه، في الشعر، وماذا نعني بقولنا إن الشاعر لا يستخدم الكلمات بل يخدمها؟

اقرأ أيضاً: شخصيات الأدباء عبر رسائل الحب
إن الكلمات، والجمل، والتعجب التي تنتزع منا الألم والمتعة أو أي شعور آخر، تَقْصُر اللغة على مدلولها الشعوري فقط. وهكذا تكفّ المفردات المنطوق بها عن أن تكون حصرياً، أدوات تواصل. وقد لاحظ كروتشه أنّ ذلك لا يعني بدقة، العبارات الشفهية: لفقدانها العنصر الإرادي والذاتي الذي تخنقه التلقائية شبه الآلية التي تُنتجها. إنها جمل مقولبة يغيب عنها كل طابع ذاتي. ولكن ليس بالضروري مشاطرة الفيلسوف الإيطالي وجهة نظره، لندرك أنه حتى، في ما يتعلق بالعبارات الحقيقية، ثمة بُعد لا غنى عنه تفتقر إليه: أن تكون وسائل تواصل. كل كلمة تستدعي كليماً. وإنّ أقل ما يمكن قوله عن هذه العبارات والجمل التي تُفرغها شعوريتنا آلياً، هو أنّ الكليم عبرها أقلُّ حضوراً ويكاد ينعدم. لقد طرأ على الكلمة تشويه: هو حضور المستمع.
إنماء التعجّب
يقول فاليري في مكان ما: "إنّ القصيدة هي إنماء التعجّب". فبين "الإنماء" و"التعجّب" ينشأ توتّر متناقض؛ هذا التوتر هو القصيدة. وإذا غابت إحدى هاتين اللفظتين، فالقصيدة ترتدّ إلى التعجب الآلي أو تتحوّل إلى مغالاة بليغة، أو وصف، أو نظرية. "الإنماء" هو لغة تبدع ذاتها في وجه تلك الحقيقة الخام والمتعذّر وصفها بدقة، التي يعيّنها التعجب. اللغة: أذن تستمع إلى فمٍ يقول ما لم يقله التعجّب. إنّ صرخة الألم أو الفرح تشير إلى الشيء الذي آلمنا أو أذهلنا؛ إنها تشير إليه، ولكن تحجبه قائلة: إنه هناك، ولكن لا مَن أو ماذا هو. الحقيقة التي يدلّ عليها التعجّب تظل غير مسمّاة: إنها هناك، لا غائبة ولا حاضرة، على وشك الظهور أو الاختفاء إلى الأبد. إنها حدوث وشيك، ولكن ما هو؟ "الإنماء" ليس سؤالاً أو جواباً: إنه دعوة. والقصيدة - فمّ يتكلم وأذن تستمع - ستكون تجلياً للتعجّب الذي يشير من دون أن يسمّي.

القصيدة تجرّد الانسان من أعز ثرواته: اللغة، وتهبه عوضَ ذلك طرفة صوتية مبهمة! فأيّ معنى إذاً للكلمات في القصيدة؟

أقول تجلياً وليس تفسيراً. فإذا كان "الإنماء" تفسيراً، فلن تكون الحقيقة متجلية، ولكن موضّحة، وستكون اللغة عرضة للتشويه: سنكفّ عن الرؤية والاستماع لمصلحة الإدراك فقط. الصرخة وحقيقتها تختفيان كحضورَين وتتحوّلان إلى مدلولات. ويبقى احتمال: أن يشاء الشعور المتوحّد الاكتفاء بذاته ويرفض الصرخة والمدلول معاً. والصرخة إشارة، لكنها لا تعني شيئاً؛ والإشارة، إذ تعني، تبرهن على أنّ بيننا وبين الحقيقة مدى لا يمكن اجتيازه. واللغة وسيلة للموجود الضعيف الذي نكونه نحن كي نلامس على الأقل الامتلاء اللايُسمّى للموجود. وذلك يثبت، بما أنه ملاذنا الوحيد، أننا لن نكون تماماً ما ندّعي أننا نكونه. فاللغة تحكم علينا بأن لا نكون أبداً ما نسمّي. وإذا ما كفّت الإشارات (أو العلامات) عن الدلالة، وكانت موجودة فقط، فإننا نبلغ منطقة لا يعني فيها الموجود شيئاً، لكنه يوجد. وبتحوّل العالم إلى علامات شفافة، فإنّ اللغة تمتنع عن الدلالة. وبدل أن تعكس العلاماتُ الاشياءَ، فإنها تعكس ذاتها وتحل العلامة محل الحقيقة؛ وتكفّ عن كونها علامة، تدل على هل الموجود قد امتصّ ثانية الدلالة. الموجود أو قفاه المطابق: اللاوجود؟ سؤال لا معنى له، منذ أن اختفت الدلالات. حيث أن تبخّر اللغة هو أيضاً تبخّر للأشياء، إذا ما نظرنا إليها في خصوصيتها أو كدليل لمجمل الأشياء: كعالم. ليس ثمة ما نستمع إليه، لأنه ليس من فمٍ ليتكلم. وفي تاريخ الحضارة لم يحدث هذا الاختبار غير مرّة واحدة، وبشكل نهائي. حين غادر إيجيتور - مالارميه غرفته وضاع في سلالم قادته الى قبره: "غير أنّ الأثاث سيحتفظ بفراغاته، وقارورة تحوي مادة العدم، نزع حلم مستحيل وصاف".
ينحدر باث المولود في مدينة مكسيكو، سنة 1914، من أم إسبانية ذات جذور أندلسية، وأب مكسيكي

الكلمة صرخة مقذوفة في الفراغ
نلاحظ نقيض ذلك إلى أقصى حد، عندما نستخدم اللغة من أجل التبادل المباشر: الكلمات تكفّ عن امتلاك معنى معيّن وتفقد الكثير من دلالاتها الحيوية، والصوتية، والانفعالية. الكليم لا يختفي؛ بالعكس، يتحقّق بشدة. إنه الكلمة، وقد تحولت إلى عملة صافية للتبادل، ترقّ وتمّحي. كل دلالاتها تزول أو تضعف لمصلحة دلالتها التواصلية.

اقرأ أيضاً: "الأدب الإسلامي".. كيف بدأت القصة؟ وما هي إشكالات التجربة؟
في حال التعجّب، الكلمة صرخة مقذوفة في الفراغ: الكليم لا يتدخّل. وإذ تكون الكلمة أداة للفكر المجرّد، فإنّ الدلالة تلتهم كل شيء: الشريك والمتعة معاً. إنها تنحطّ كوسيلة تبادل. وفي كل من تلك الحالات، تتضاءل الكلمة وتتخصّص. وسبب هذا التشويه الثابت أنّ اللغة تصبح أداة، آلة، شيئاً. إذ في كل مرة نستخدم الكلمات، نشوّهها. لكن الشاعر لا يستخدم الكلمات، بل هو الذي يخدمها. وعليه، فإنه يعيدها الى طبيعتها المطلقة، ويجعلها تستعيد كينونتها. بفضل الشعر، تكتسب اللغة ثانيةً وضعها الأصيل. في المقام الاول، تستعيد دلالتها الحيوية والصوتية، والمكروهة عموماً من الفكر، وكذلك دلالاتها الانفعالية، وفي الأخير دلالاتها المعنوية. إن تنقية اللغة، وهذه مهمة الشاعر، تقضي بإعادة طبيعتها الأصلية إليها. ونصل هنا إلى إحدى النقاط المركزية في مبحثنا. فالكلمة في ذاتها، متعددة المعاني. فإذا كان صحيحاً، أنّ الكلمة في الشعر، تستعيد طبيعتها الأصيلة - أي استطاعتها أن تعني شيئين أو أكثر في الوقت نفسه، يبدو أنّ القصيدة تُنكر جوهر اللغة بالذات: المدلول (أو المعنى). والشعر إذ ذاك، يصبح مشروعاً باطلاً ومسيخاً معاً: إنها (أي القصيدة) تجرّد الانسان من أعز ثرواته: وهي اللغة، وتهبه عوضَ ذلك طرفة صوتية مبهمة! فأيّ معنى إذاً للكلمات والجمل في القصيدة، إن يكن لها معنى؟

اقرأ المزيد...

الوسوم: