أوهام الأصالة والمعاصرة في الخطاب الثقافي العربي.. هل من مخرج؟

أوهام الأصالة والمعاصرة في الخطاب الثقافي العربي.. هل من مخرج؟

مشاهدة

23/12/2018

يشكّل مفهوم الأصالة، بما يستبطنه من معانٍ ودلالات مباشرة، تدلّ على التمسك بالماضي، بكلّ ما يتضمنه من قداسات متنوعة؛ دينية واجتماعية، والمعاصرة بما تحتويه من معانٍ ودلالات على التعامل مع الجديد الحاضر، وما يؤسس لقادم ليس بالضرورة مجهولاً، مع الاحتفاظ بما يحتويه التراث من قداسات متعددة ومتنوعة وبمستويات متباينة، في إطار مزاوجة غير واضحة المعالم ولا مضمونة النتائج، أحد أبرز المفاهيم الحديثة في الدراسات الثقافية العربية، إلى جانب مفاهيم أخرى؛ كالاستعلائية والمظلومية والغزو الثقافي، في إطار المفاهيم العولمية الجديدة.

مفهوم الأصالة والمعاصرة يعكس أحد تجليات أزمة الثقافة والمثقف العربي في التعامل مع الجديد الحاضر

إنّ مفهوم الأصالة والمعاصرة يعكس أحد تجليات أزمة الثقافة والمثقف العربي في التعامل مع الجديد الحاضر، وهو يحاول تقديم موقف وسطي، في زمن متغير أصبح يعلي قيم العقلانية والإنسانية، بما يكسر القوالب المقدسة، التي لم تتعرض لامتحانات ومحاكمات جادة، وأوهام الانغلاق في بحور الماضي، هذا الموقف الوسطي يقدم مقاربة جوهرها؛ أنّ هناك إمكانية لزواج بين الماضي والحاضر، باعتباره طريقاً ثالثة، بما في ذلك إعادة دراسة هذا التراث ونزع القداسة عنه، وتحت عناوين تنقيته من الشوائب والميثولوجيا، بديلاً للطريقين؛ الأول الذي يرى ضرورة التمسك بالماضي المقدس ومحتواه، ورفض هذا الجديد، وحتى مقاومته، والعمل بكلّ السبل ضده، والثاني؛ الذي يرى "القطيعة" مع هذا الماضي بشكل تام، والانخراط مع المجتمعات الحديثة، بقيمها ومقارباتها الحضارية والإنسانية، والعرب بهذه المعركة لا يختلفون عن المجتمعات الأخرى التي عايشت معارك القديم والجديد، إلا أنّ ما يميزها عن غيرها عدم قدرتها على تجاوز هذا "الماضي" الثقيل مقارنة مع الأمم والمجتمعات الأخرى.

اقرأ أيضاً: الثقافة الشعبية بين السخط والامتداح.. من يملأ فراغ الهدم؟

يعتقد القائلون بالأصالة والمعاصرة؛ أنّ "المزاوجة" بين المعطى الحضاري الجديد، مع جلّ ما يقدمه التراث المعرفي، يمكن أن يستوعب الانهيارات التي أصابت النظم السياسية والأيدولوجيات، والطفرات التي تشهدها الإنسانية في حقول المعرفة المختلفة، خاصّة علاقات الإنسان بكلّ ما حوله، بما فيها التطورات التقنية والتكنولوجية، معتقدين أنّ هناك إمكانية فعلية لتطبيق مقولة "نأخذ ما يناسبنا ونترك ما لا يتفق مع ثوابتنا وعقديتنا"، رغم ما تستطبنه هذه المقولة من تحيزات مسبقة، تدور في فضاءات مزاعم امتلاك الحقيقة المطلقة، وتحايل على الآخر، و"تخندق" برفض مقارباته، وهي مراوغة مكشوفة من القائلين بها، لإظهار موقف يوصف بأنّه وسطي، رغم أنه، عملياً، لا يختلف عن مواقف أطراف رافضة للآخر، متعالية على إنتاجه وثقافته ومقولاته، منكرة له، وهو ما جعل المثقف العربي يراوح بين ثقافة الاستعلاء والمظلومية، اجتراراً لفضاءات ومقولات المقدس المطلق المغلق، التي تعدّ مفهومي الاستعلاء والمظلومية أحد المحددات الجوهرية ومرجعيات الخطاب الثقافي بمرجعياته الدينية.

اقرأ أيضاً: محمد برادة: ثقافة الهزيمة تجتاح المجتمعات العربية
أفضت العولمة، ومن خلالها أداتها الرئيسة "التكنولوجيا"، إلى تغييرات عميقة في البنى الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وأرست مفاهيم وسمات جديدة للمجتمعات المعاصرة، في إطار ما يمكن وصفه بــ "ثورات ناعمة"، كان من نتائجها إنتاج مجتمعات وتقسيمات جديدة، غير تلك التي اعتدنا عليها، فلم تعد هناك دول العالم الأول والثاني والثالث؛ بل تحوّلت المجتمعات إلى مجتمعات منتجة للمعرفة، وأخرى مستهلكة لها، في ظلّ اقتصاد المعرفة، والقدرة على إنتاج التكنولوجيا واستخدامها كأداة رئيسة للإنتاج، وما تبعه من إنتاج علاقات اجتماعية وثقافية وسياسية جديدة مبنية على المتغير التكنولوجي، عنوانها توفير بيئات للإبداع والتفكير والعدالة والديمقراطية، وتوسيع المشاركة في صنع القرارات.

استجابات الثقافة العربية للتحول إلى مجتمعات المعرفة والاندماج فيها، ما تزال في المراحل الأولى

إنّ استجابات الثقافة العربية للتحول إلى مجتمعات المعرفة والاندماج فيها، ما تزال في المراحل الأولى، وفي ظلّ شيوع الخطاب الماضوي، وسلطته التي رسخت نزعات التطرف والإرهاب، وأنتجت هذا الكمّ الهائل من العمليات الإرهابية، بما فيها التي تستهدف المستنيرين في الوطن العربي، وتزداد مظاهر مأساة الثقافة العربية السائدة في ظلّ النظرة للثقافة الغربية، باعتبارها كلّاً واحداً، يجب مقاومته والتصدي له.

إنّ الخروج من المأزق الكبير لن يكون بتلك السهولة المتوقعة، إلا أنّ عوامل متعددة لا بدّ من الأخذ بها، كما أخذت بها المجتمعات التي عاشت غمار التحولات العميقة، وأولها؛ التأسيس لمشروع ديمقراطي يؤمن بالحرية والتشاركية، قولاً وعملاً، والاعتراف بالنسبية والتنوع، وبأنّ الآخر ليس بالضرورة عدواً، والحثّ على التشاركية معه، وتبرز هنا مقاربات أصحاب الأصالة والمعاصرة، التي لا تختلف مضموناً عن مقاربات دولة الخلافة والعودة للماضي؛ إذ تستبطن ذات المقولات بالانغلاق ومزاعم امتلاك الحقيقة المطلقة، وقياس القادم من الآخر على مقولات التاريخ، باعتبارها الأساس والنموذج الذي به تتمّ المقارنة.

اقرأ أيضاً: عن جذور الإرهاب في الثقافة العربية المعاصرة

لا شكّ  في أنّ هناك الكثير من الأصوات التي تمثل مجاميع المثقفين العرب، باختلاف مرجعياتهم الفكرية، ممّن تصدّوا لهذه المسألة الخلافية، وقدّموا مقاربات كثيرة، ما تزال تخضع للحوار والجدال، إلّا أنّها أصوات خافتة، لم تستكمل مشوارها، رغم أنّ جمهورها في تصاعد، في ظلّ حالة "الانفصام" التي يعيشها الإنسان العربي، بين ما يقدّم له من محتوى عبر التكنولوجيا من مفاهيم جديدة يعيشها حاضراً يومياً في تفاصيل حياته، مع خطاب ماضوي تتنافس عليه السلطات الرسمية مع القائلين بالعودة للماضي، من مؤسسات ونخب وتنظيمات، ويقدم مقاربات تتناقض كلياً في مضامينها مع الحاضر.

الصفحة الرئيسية