أين المثقف العربي؟

أين المثقف العربي؟

مشاهدة

03/10/2018

"إنَّ دور المثقف: أن يتحمَّل هامشيَّته" رولان بارت

ربما كانت علاقة المثقف بالسلطة في سياقنا العربي من أعقد وأغرب العلاقات التي تنعكس في صيرورات مختلفة، وتتجلى في منحنيات عديدة، لا تكشف فقط عن هشاشة ذلك المثقف؛ بل كذلك تعكس غيابه عن إدراك جدل السياق الذي هو بالأساس عِلة القياس المغلوط، حين يقيس هذا المثقف، باستمرار، سياقه العربي المتخلف على سياقات مختلفة ومتقدمة في أوروبا. وهكذا يعيد إنتاج أزماته بصورة نسقية لا فكاك منها.

اقرأ أيضاً: المثقف وجهاً لوجه أمام التحولات الكبرى

لقد ذكر الفيلسوف المغربي "عبدالله العروي" في مقابلة تلفزيونية له، مؤخراً، بأن الحساسية المفرطة لكثيرٍ من المثففين العرب حيال السلطة هي جزء من تقليد فرنسي مخصوص، ما يعني أن سياقات مواقف المثقفين في بريطانيا، مثلاً، أو ألمانيا، أو حتى الولايات المتحدة، لا ترتهن، بالضرورة، إلى تلك التقاليد الفرنسية، وهو ما يعني، أيضاً، أن مسألة علاقة المثقف مع السلطة لها أكثر من صورة.

اقرأ أيضاً: الصراع على السلطة من دولة الخلافة إلى واقعنا المعاصر

وإذا ما افترضنا مقارنات بين مواقف المثقفين في فرنسا أو بريطانيا، أو ألمانيا سنجد بالضرورة سياقات مقارنة تتقاطع وتتناظر ضمن سياق أكبر هو صيرورة الحداثة، الأمر الذي يعني أن تحديق المثقف العربي في شروط محيطه الذي لا يتصل اليوم بسياقات حداثة أصلية، والتفكير ضمن صيرورات ذلك المحيط إنما هو الموقف الذي يشكل جزءاً من احترامه لمكانته كمثقف.

إذا ما تأملنا مثلاً في مقدمة كتاب المفكر المصري "زكي نجيب محمود" في كتابه "تجديد الفكر العربي"، التي كتبها في العام 1971م، والاعترافات التي ساقها حيال تأثره بالفكر الأوروبي إلى حد الاغتراب عن تراثه العربي، وعودته بعد ذلك إلى النهل من كتب التراث في عمر متأخر، سنجد أنفسنا إزاء مثقف "مغترب" وهو اغتراب يعكس هوية التأثر العميق بالفكر الغربي إلى حد الانمحاء، ولكن لأنّ الدكتور زكي نجيب محمود هو مفكر، في النهاية، ويمارس عملية الفكر توصّل إلى ذلك الموقف الذي عبر عنه بكل شفافية في مقدمة كتابه المشهور.

بدا المثقف العربي في الأزمنة المعاصرة أشبه بالشاعر منه بالمفكر فإذا كان الشاعر حالماً وخيالياً فإن حقل خياله ليس هو الواقع

ربما يصلح هذا النموذج الذي ذكرناه آنفاً لتأكيد غياب: وعي جدل السياق في علاقة المثقف العربي بالفكر الغربي كسلطة مطلقة. وإذا كان بديهياً: أن السياق هو أحد ضرورات استبطان فكر فيلسوف ما في فضاء مغاير، ناهيك عن جملة من الأفكار، فإن فحص هذه الفكرة في سياقنا العربي سيعكس لنا مدى فداحة ذلك "الاغتراب" الذي يهمل القراءة السياقية للمفكرين وللأفكار ذاتها، مهما كان مصدرها.

في الغرب اليوم، ثمة مسافة واضحة بين المثقفين والسلطة، لكن محاولة تأويل إسقاط هذه الحالة الغربية (التي تستند في حيثياتها إلى أسس راسخة من محددات وسياقات أنجزتها بنيات مؤسسية لصيرورة الحداثة في الدولة والمجتمع والفكر على مدى قرنين من الزمان) بوصفها قطيعة، وقياسها على حالة عربية هويتها الحصرية الفارقة هي: التخلف، سيكون ذلك بمثابة مجازفة  لا تعكس  فقط بلادة التقليد وتبلده، بل، كذلك، عن ذهول شبه أبدي لمن يحاول ذلك  حيال وجود هش لبنيات شكلانية متوهمة: للدولة والشعب والمجتمع والاستقرار (وهذه كلها مفاهيم أقرب إلى المجاز منها إلى الحقيقة في سياقنا العربي المتخلف) فليس ذلك الاستقرار الهش الذي تتوفر عليه أغلب الدول العربية هو جزء من الطبيعة، وإنما هو جزء من مواضعات موازين قوى خفية ومتحركة، قد تنسف ذلك الاستقرار في لمحة عين، كما يمكن لتناقضات التخلف بين السلطة والمجتمع أن تنسف ذلك "الاستقرار" في لمحة عين أيضاً، كما حدث في بعض بلدان ما سمي بـ"الربيع العربي".

اقرأ أيضاً: المثقف والمأزق العربي الراهن

هذا لا يعني أن يكون المثقف بوقاً للسلطة، ولكن يعني بالضرورة (في سياقات عربية بنياتها الكيانية بالغة الهشاشة) أن تكون له رؤية عميقة تحدق في سياق التخلف وهشاشته وخطورته بما يجعله عدواً أبدياً لذلك التخلف.

بطبيعة الحال، ستمثل تلك الرؤية ضرباً من العقلنة التي ترى ما وراء الواقع (حيث ينبغي أن يرى المثقف/ المفكر) بما يجعله قادراً على اتخاذ قرارات يمليها عليه ضميره، وتحفزه على اتخاذها؛ رؤيته الفكرية، سواءً أتقاطعت رؤيته تلك مع السلطة، أم لم تتقاطع معها. لقد بدا المثقف العربي في الأزمنة العربية المعاصرة أشبه بالشاعر منه بالمفكر؛ فإذا كان الشاعر حالماً وخيالياً فإن حقل خياله ليس هو الواقع بطبيعة الحال، فيما لو فكر المفكر والمثقف برؤية الشاعر فإن النتيجة ستكون عدمية وكارثية بامتياز!

في الغرب ثمة مسافة واضحة بين المثقفين والسلطة لكن إسقاط هذه الحالة على حالة عربية سيكون بمثابة مجازفة

إنّ تشارك المثقف مع السلطة بتغليب ظن راجح وتعاونه معها في سبيل بنيات أساسية للحياة في مجتمع متخلف ربما تكون أكثر تأثيراً من مواقف "شاعرية" لبعض المثقفين لا تسمن ولا تغني من جوع.

وإذا ما بدا اليوم أن صوت المثقف العربي لا يكاد يسمعه أحد؛ فلأن جزءاً كبيراً من ذلك الغياب كان نتيجة لتأويلات مضللة حيال الموقف من مطلق السلطة.

بطبيعة الحال لكل سلطة خطابها وأدواتها وأجنداتها كذلك، لكن حركة المثقف من داخل خطابه حين تتقاطع مع السلطة، ينبغي أن يكون تقديره لذلك التقاطع نابعاً من ضميره وتقديره للأمور ومسؤوليته حيال المجتمع الذي يعيش فيه.


الصفحة الرئيسية