إحياء الخلافة ليس سوى وهم... هكذا تحدث الأزهر

إحياء الخلافة ليس سوى وهم... هكذا تحدث الأزهر

مشاهدة

25/05/2022

 في تغريدة نشرها وزير الأوقاف المصري محمد مختار جمعة، كتب ما نصه: "وهْم جمْع المسلمين في دولة واحدة وعلم واحد وحاكم واحد، أمر مستحيل عقلاً وواقعاً وتطبيقاً، ودولة المواطنة هي النموذج العصري القابل للتطبيق والتعايش".

قد يبدو كلام وزير الأوقاف غريباً أو مدفوعاً للحديث فيه، ولكنّ نظرة تاريخية على العصر المسمّى زوراً بالليبرالي (مطلع القرن الـ20 حتى ثورة 1952 في مصر) سوف تكشف للقارئ عن مفاجأة.

كان لإلغاء الخلافة العثمانية على يد مصطفى كمال أتاتورك عام 1924 تداعياته على الحياة السياسية في مصر وباقي الدول الإسلامية؛ فقد اهتزّ الوجدان الديني للمصريين لإلغائها، كونها رمزاً دينياً لوحدة الأقطار الإسلامية، وكان الشعور السائد أنّ الخلافة ليست ملكاً للأتراك فقط كي يلغوها منفردين، بل هي ملك لكافة المسلمين. وأصدر بعض رجال الدين بياناً أعلنوا فيه أنّ خلع السلطان عبد المجيد باطل، وأنّ بيعته ما تزال في عنق كلّ مسلم.

 

جمْع المسلمين في دولة واحدة وعلم واحد وحاكم واحد وهْم، وأمر مستحيل عقلاً وواقعاً وتطبيقاً، ودولة المواطنة هي النموذج العصري القابل للتطبيق والتعايش

 

وظهرت المطالبات في مصر بأن يُعقد مؤتمر إسلامي للخلافة في مصر، مع ترشيح الملك فؤاد لهذا المنصب، وكان القصر وراء هذه الدعوات، ويحاول استثمارها لصالحه. وكان حزب الوفد من المؤيدين لهذا التوجه في بادئ الأمر، قبل أن يتبين عاقبة ذلك في ازدياد نفوذ الملك فؤاد، الذي بدأت قيود الدستور الذي تكللت به جهود ثورة 1919 في التقييد عليه وحصاره، وشاركه خصومه السياسيون في سلطته بتأييد من المصريين.

وكان موقف القوة السياسية الثالثة والأقوى في مصر، ألا وهي الإنجليز، مؤيداً هو الآخر، ضماناً لبقاء نفوذ الخلافة الواسع على أرض يحتلونها وفي قبضة ملك يدين لهم بالولاء.

نظر الملك فؤاد حوله، فوجد في مشايخ الأزهر عوناً له وعضداً لتحقيق رغبته في تولي الخلافة. وكان الملك بدهائه قد استطاع أن يجذبهم إليه، بعد أن أقنعهم بالعزلة عن الصراع الحزبي عقب انقسام الوفد المصري، فدخلوا في تبعيته، وطلبوا حين كتابة دستور 1923 أن يكون حق تعيين الرؤساء الدينيين في يد الملك لا الحكومة، فكان لهم وللملك ما أرادوا. وبلغت ذروة تبعية الأزهر للقصر حين سارت مظاهراتهم تهتف أثناء وزارة سعد زغلول بهتاف غريب على الأسماع وقتها: "لا رئيس إلا الملك"، بعد أن كان نداؤهم المألوف هو: "لا رئيس إلا سعد".

كان هذا الولاء كافياً كي يستعين بهم الملك فؤاد، ويوعز إليهم بتشكيل لجنة للبحث في أمر الخلافة، وقررت اللجنة عقد مؤتمر إسلامي بالقاهرة تحت رئاسة شيخ الأزهر، وبحسب ما قال الشيخ الظواهري: "وأن تشترك في هذا المؤتمر جميع ممالك الإسلام حاكمة كانت أو محكومة، مستقلة أو محتلة"؛ للبحث في من يجب أن تُسند له الخلافة الإسلامية".

 

كان لإلغاء الخلافة العثمانية على يد مصطفى كمال أتاتورك عام 1924 تداعياته على الحياة السياسية في مصر وباقي الدول الإسلامية؛ فقد اهتزّ الوجدان الديني للمصريين لإلغائها، كونها رمزاً دينياً لوحدة الأقطار الإسلامية

 

ولتهيئة الرأي العام المتقبل لفكرة المؤتمر، رأى الشيخ الظواهري شيخ الأزهر، ضرورة تكوين ما سمّاه "لجان الخلافة"؛ كي تروج للمؤتمر وتعزز فكرته، وتكون فيما بعد عونه وعدّته في تنفيذ قراراته حين تصدر.

ولم يكن الإعداد لهذا المؤتمر أمراً سهلاً، فقد استغرق عامين حتى انعقد بشكل نهائي، وواجه العديد من الصعوبات، منها:

أوّلاً: تنبه حزب الوفد لما وراء الدعوة للخلافة من بُعد سياسي يقوّي موقف الملك السياسي على حساب الوفد في صراعهما على السلطة، حيث ستكون سلطة الملك حينها دينية مدعومة من شيوخ الأزهر؛ فاشتد حذره من الملك. وأمر سعد زغلول، فترة تولّيه الوزارة عام 1924، وزير داخليته بإصدار منشور لموظفي الأقاليم بمقاطعة لجان الخلافة وعدم الاتصال بها حتى لا تأخذ أيّ صفة رسمية، ولا تكون في قابل الأيام خطراً على سلطة الأمّة، أي على البرلمان والوزارة الوفدية.

والصعوبة الثانية هي ما ساور بعض كبار حكام المسلمين في الأمم الأخرى من شكوك ناحية مصر، فقد رأوا أنّ علماء الأزهر لا يحركهم خوفهم على الإسلام بقدر ما تحركهم الرغبة في ضم الخلافة إلى عرش مصر، ونقلها من ضفة البسفور إلى ضفة النيل. إلى جانب ما كان يُداخل بعض هؤلاء الحكام من رغبة في تقلد منصب الخلافة هم أيضاً، ومنهم الشريف حسين الهاشمي، وملك الأفغان، ومن لم يرغب فيها كان لا يريدها لأحد آخر، مثل الملك عبد العزيز بن سعود بالحجاز، وإمام اليمن. أمّا بلاد فارس (إيران حالياً)، فقد تمسكت بكونها بلداً شيعياً لا شأن لها بالأمر.

 

ظهرت المطالبات في مصر بأن يُعقد مؤتمر إسلامي للخلافة في مصر، مع ترشيح الملك فؤاد لهذا المنصب، وكان القصر وراء هذه الدعوات، ويحاول استثمارها لصالحه

 

وكانت الصعوبة الثالثة هي دعم إنجلترا لهذا المؤتمر، ممّا أثار ريبة فرنسا المنخرطة في صراع استعماري مع الإنجليز، ورأت في ذلك محاولة من إنجلترا لاستقطاب سكان المستعمرات الفرنسية من المسلمين.

وكانت الصعوبة الرابعة تكمن في نشر كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لمؤلفه الشيخ علي عبد الرازق، الذي أعلن فيه أنّ "الإسلام بريء من نظام الخلافة"، وأنّ "الخلافة قد شلّت كلّ تطور في شكل الحكومة عند المسلمين نحو النظم الحرة، وخصوصاً بسبب العسف الذي أنزله بعض الخلفاء بتقدم العلوم السياسية والاجتماعية".

وقد كان ردّ فعل القصر عنيفاً على هذا الكتاب الذي يبدد أحلامه في الخلافة، ويُفند الأسس التي قام عليها، فأمر الملك فؤاد بمحاكمة الشيخ علي عبد الرازق؛ فعقدت هيئة كبار علماء الأزهر جلسة حاكمته فيها؛ قضت بفصله وإخراجه من زمرة العلماء.

وفي النهاية انعقد المؤتمر في 13 أيار (مايو) 1926، ولكنّه كان مشوّهاً مبتوراً، فقد حضرته وفود عدة دول إسلامية، ولكنّه لم يكن بالمؤتمر الإسلامي العام كما كان مخططاً له، ولم يكن له من القوة والتأثير ما كان متوقعاً منه. فقد حضره عن مسلمي العالم (25) مندوباً فقط، منهم مفتي الموصل وحيفا ومحامي شرعي من عكا ومفتي بولندا ومفتيان من جاوه، ومفتٍ من الهند ومفتٍ من الترنسفال، ومن مصر صاحبة الدعوة (6) أعضاء.

وكان انعقاد المؤتمر في شارع نور الظلام في حراسة جمع من طلبة الأزهر ورجال البوليس لئلا يحضر جلساته سوى المدعوين، وفرضت السرّية على أعماله.

 وقد انتهت اللجنة الثانية التي شكلها المؤتمر إلى نقيض هدفه. إذ ذكرت أنّه لا مركز للخلافة بعد نشوء الحكومات الوطنية، وأنّه لو فُرض وتوافر الاستقلال للشعوب الإسلامية وعدم تبعية حكوماتها لغيرهم، فإنّ أهم الشروط في الخليفة أن يكون له من النفوذ ما يستطيع معه تنفيذ أحكامه وأوامره، وأن يدافع عن بيضة الإسلام وحوزة المسلمين طِبق أحكام الدين، فهل من الممكن الآن قيام الخلافة الإسلامية على هذا النحو؟

 

بعد نشأة القوميات في العالم الإسلامي لم تعد ثمّة إمكانية لقيام الخلافة وأن ما يُقام متخذاً اسم الخلافة في هذه الظروف هو أمر وهمي ليس له من حقيقتها شيء

 

وتابعت اللجنة قولها، وذكرت أنّ الخلافة قامت في صدر الإسلام من وحدة الكلمة، أمّا وقد تنافر عقد هذا الاجتماع وأصبحت ممالك وأُمماً متفرقة بعضها عن بعض في حكوماتها وإدارتها وسياستها، وكثير من بنيها تملكه نزعة قومية تأبى على أحدهم أن يكون تابعاً للآخر. وإذا فرض وأقيم خليفة عام للمسلمين فلا يكون له النفوذ الشرعي المطلوب ولا تكون الخلافة التي يتصف بها خلافة شرعية بمعناها الحقيقي، بل تصبح وهمية ليس لها من النفوذ قليل ولا كثير.

 وبهذا كان رأي اللجنة أنّه بعد نشأة القوميات في العالم الإسلامي لم تعد ثمّة إمكانية لقيام الخلافة، وأن ما يُقام متخذاً اسم الخلافة في هذه الظروف هو أمر وهمي ليس له من حقيقتها شيء، وهو حكم من اللجنة بانتهاء دورها التاريخي وحلول القوميات محلها.

 وقال الشيخ الظواهري شيخ الأزهر: أرى من العسير عليّ وعلى إخواني والأسف يملأ قلبي والحزن الشديد يشملني أن نعلن أنّنا اجتمعنا لنقول: "إنّ المسلمين قد فقدوا كلّ حول وقوة، ولنقول: إنّ المسلمين قد أصبحوا متفرقين في الأرض طوائف يستحيل اجتماعها. وإذا كنّا أهلاً لأن نبت في مسألة الخلافة، فكيف نكون أهلاً لأن نبت في أنّ المسلمين قد فقدوا كلّ حول وقوة".

 وهكذا وصل المؤتمر إلى نقيض ما كان يسعى إليه، وبدلاً من تسجيل وجوب الخلافة، سجّل بعمله العكس.

مواضيع ذات صلة:

الخلافة أو الدولة الإسلامية.. مؤسسات دينية أم إنسانية؟

"الخلافة وسلطة الأمة": لماذا غابت تفاصيلها في النصوص الشرعية؟

كيف عاين جمال حمدان قضية الخلافة في العالم الإسلامي؟

الصفحة الرئيسية