إذا كان الإنسان شريراً بطبعه فهل الحروب أمرٌ لا مفر منه؟

عبر التاريخ، ظلت الحرب ظاهرةً ثابتة اجتماعياً، تشتعل من حينٍ لآخر في ظروفٍ متنوعة، وعبر مساحاتٍ جغرافية مختلفة، وإذا كان الإنسان يرى في التاريخ فرصةً لتعلم الدروس من تجاربه الدامية، فإنّه لم يتعلم من الحروب سوى كيفية شن حروبٍ أخرى!
أما أسباب الحرب، فكثيرة، منها ما يقال إنّه من أجل البقاء، وبعضها طائفية أو ميتافيزيقية، وأخرى سياسية واقتصادية، وغيرها، كتلك الحرب الخرافية التي قامت على إثر مقتل ناقةٍ في أرض العرب، وسميت (حرب البسوس)، فما هي الحرب حقاً؟ ما آراء المفكرين والفلاسفة فيها؟ ولماذا تتكرر؟

أصالة الحرب
"إن لم نقضِ على الحرب، فإنها سوف تقضي علينا". هذه إحدى المقولات الشهيرة في الحرب، وقيلت خلال القرن التاسع عشر، على لسان الكاتب الإنجليزي، هربرت ويلز، الذي خاضت بلاده حروباً عديدةً بعد مقولته هذه، ضاربةً عرض الحائط بكل ما قيل عبر التاريخ ضد الحرب. وليست بريطانيا وحدها، بل جرت عادة الأمم، أن تخوض الحروب، من أجل شعارات المجد، أو الحق والباطل، الخير والشر، البطولة والخيانة، ومن ثم الاستعمار والاقتصاد لاحقاً، وهذان الأخيران، أسهما في ظهور حقل السياسة جلياً في التاريخ، من أجل إضفاء معانٍ مختلفة على الحرب.

رأى فرويد ومعه آينشتاين أنّ غرائز البقاء والكراهية والعنف وغيرها أسباب تجعل الحرب جزءاً من الطبيعية البشرية

ويمكن ببساطة، من خلال ملاحظة الثنائيات السابقة، تَبينُ كم أن الحرب تحمل في داخلها عامل الحسم، وأفكار النصر أو الدمار والموت، دون بدائل. هذا الأمر هو ما انتبه إليه ألبرت آينشتاين في بدايات القرن العشرين، وشغل جزءاً كبيراً من اهتمامه. فقام في 1932 (ما بين الحربين العالميتين)، باختيار موضوع الحرب، ليتم الحديث عنه وعن أخطاره أمام العالم، وذلك في مناظرةٍ أو نقاشٍ شهير، جرى بينه وبين واحدٍ من أهم علماء النفس في التاريخ، وهو سيغموند فرويد.

وفيما بعد، تم نشر ذلك النقاش في كتيب بعنوان "لماذا الحرب؟" وترجم إلى العربية عن منشورات "تكوين" في 2019. كان آينشتاين مهتماً بدمار الحضارات منذ الأزل بسبب الحروب، أما فرويد، فألف كتابه الشهير آنذاك "الحضارة وإحباطاتها"، مرجعاً فيه أسباب الحروب إلى الغرائز العدوانية والجنسية وغرائز البقاء والتخريب والموت لدى البشر.

الدمار الذي يسببه الإنسان في الحرب ثم يقف متفرجاً عليه

ويرى فرويد، في نقاشه مع آينشتاين، أنّ "تاريخ الجنس البشري بطبيعته، يضم سلسلة لا نهائية من الصراعات، داخل المجتمع نفسه، أو بين مجتمعاتٍ مختلفة ومدن وأعراقٍ وديانات، وإمبراطوريات، لا تنتهي إلا بالحسم وهزيمة العدو أو الإطاحة به، ومع تطور الحروب إلى ظاهرة بشرية، أمكن في العديد من الأحيان تحويل العنف المرتبط بها إلى قانون". وينظر فرويد بالطبع، إلى الحجة القائلة إنّ الحرب تستخدم لفرض السلم، فيرى أنه لا سلام أبدياً عن طريق الحرب، لأنّ الدافع الأساسي للبشر يكمن وراءه الخوف، خوف المنتصر من انتقام المهزوم، وخوف الضعيف من قوة القوي، إلخ.

الفلاسفة متشائمون ولا يرون أفقاً لانتهاء الحروب في المستقبل البشري فهم لن يجدوا حقيقة داخل الحرب سوى الموت

آينشتاين بدوره، اتفق مع فرويد، ورأى معه أنّ فكرةً كلاسيكية تتمثل في وحدة البشر تحت حكم حكومة مركزيةٍ عالمية برأيهما، ربما يحد من مخاطر الحرب في المستقبل، وظلت المسألة معقدةً في نظر آينشتاين، فهو يوافق على مقولة فرويد بأنّ "غرائز الكراهية والبقاء والاتحاد والعنف، يمكن أن تستثار معاً بمجرد تفكير الإنسان بخوض الحرب"، وباختصار، الحرب موجودةٌ في نظرهما لأن البشر موجودين، وتحدث لأن طبيعتهم تسمح بحدوثها.
إذا كان فرويد يرى في الحرب حدثاً طبيعياً (أصلياً) لا بد منه، وأنّ الحرب جزء من الطبيعة الإنسانية، فهل يمكن وقف تكرارها، وما هي أسبابها الموضوعية إن وجدت؟

فن الحرب
بالنسبة للفيلسوف والجنرال الصيني سون تزو (الحرب لا بد منها، إذن لا بد من معرفة فنونها)، وهو رأي موضوعي بالنسبة إلى زمن الإمبراطوريات والحروب، وموضوعياً أيضاً، يرى الخبير العسكري الألماني في القرن التاسع عشر فون كلاوزفيتز أنّ الحرب هي "عمل نقوم فيه بإجبار العدو على تنفيذ مشيئتنا". وهذان رأيان، لا يخالفان رؤية فرويد؛ إذ ينحيان للقول إنّ الحرب ضرورية، من أجل القوة والسلطة والبقاء، وهكذا فإنّ تعلم فنون الحرب وضرورتها، يجب أن يتم ربما تغذيته "بالمشاعر والغرائز العدوانية" كما يقول فرويد. ويتفق المفكر البريطاني وعامل الاجتماع توماس هوبز مع كل هذا، بقوله إنّ "الإنسان شريرٌ بطبيعته، وكم يتكشف هذا الشر، حين يشعر بالحاجة، أو تضعف الموارد، أو يخلق التنافس حالةً من الفوضى". إذاً، لو كان الإنسان يمارس الحرب بوقودٍ هو في الأصل مستمدٌ من طبيعته، فإنه يضفي على الحرب مبرراتٍ تبدو (موضوعية) جعلت لها أنواعاً عديدة.

لم تكن الحرب العالمية الثانية آخر الحروب فالعنف والتدمير غريزة!

في كتابه المثير "الحرب، مقاربة فلسفية سياسية"، الصادر في 2016 عن منشورات "الاختلاف"، يرى الباحث المغربي، زهير اليعكوبي، بأنّ تطور وتغير ظروف الحياة البشرية، أدى إلى ظهور الحروب، ويطلق رأياً جريئاً، مفاده أنّ "الحرب ربما تتعلق بعوامل بيولوجية نتجت عن تراكم وعي تاريخي أنطولوجي غيّر في الطبيعة البشرية" فبرأيه أنّ تراكم الثروات وظهور مفهومي الدولة والسلطة عوامل رئيسية في ظهور الحروب منذ ما قبل التاريخ. ويشير اليعكوبي إلى أن المجتمعات البدائية التي كانت تصارع لأجل البقاء، عاشت غالباً "حالة حربٍ دائمة".

اقرأ أيضاً: الحروب على الطريقة الترامبيّة
ويضيف في كتابه ذاته، أنّ "للحرب دوافع ديموغرافية مثلاً، فهي تسهم في رفع نسبة الوفيات!" وربما كان هذا مقبولاً في لحظاتٍ عديدة من التاريخ، لكنّ الخوف، يشكل دافعاً كبيراً للحرب، وتكمن خلفه أسبابٌ سياسية واقتصادية ومعرفية وميتافيزيقية أو دينية أيضاً، كلها من عوامل الحروب ومبرراتها. تغذيها الرؤى التي يتم صنعها للعدو، شيطنته، وحشيته أو طمعه أو إجرامه، والعمل ضدها من خلال فعل الحرب، على أنها صفاتٌ لا تتواجد عند الطرف الآخر للمعركة، وفي الواقع، وسواء بدوافع أيديولوجية أم سياسية أم غيرها، ينفي كل طرفٍ يخوض الحرب عن نفسه صفة الإجرام، ويفضل صفة البطولة، ويتم ترك الوقائع مهما كانت مؤلمة، ليتم تكييفها وفق مصلحة المنتصر في النهاية.

اقرأ أيضاً: الصراعات الشبكية وحروب ما بعد الحداثة

بالنسبة للمتحاربين، الحرب فن، فن التسليح والتخطيط، وكيفية سحق العدو إن تطلب الأمر، دون أي ضمير، لأنّ شعارات البقاء والبطولة تسود، ولأجل هذه الشعارات وما يكمن خلفها من مصالح، قامت الحربان العالميتان، وحروب أخرى كثيرة تكاد لا تنتهي، قال العديد من الفلاسفة فيها الكثير، بل منهم من رأى أنها لن تنتهي طالما الإنسان يتطور، مثلما رأى نيتشه الذي يقول "حياتنا العامة والسياسية والاجتماعية تقود إلى توازن الأنانيات، لذا، الحالة الطبيعية هي الحرب، وربما لا نتوصل للسلام سوى في عصورٍ معينة".

اقرأ أيضاً: حروب الشمس: الصراع على الطاقة في العالم العربي

أما روزا لوكسمبورغ، الأكثر تشاؤماً من نيتشه فتقول "لم يرشح عن رأس المال في نشأته سوى الدم والوحل". بينما سبقها أفلاطون، بقرون، حينما يرى أنه "لا يمكن للمتحاربين أن يعثروا على الحقيقة في الحرب؛ لأنّ الحرب إذا لم تمت أو تنته، ستميتهم".
في القرن الحادي والعشرين، لا زالت المفاهيم والمعتقدات والظروف الاقتصادية والسياسية والوطنية والجغرافية للبشر جميعها، تدفعهم إلى أن يتحاربوا، وتوجد حروب قائمة بالفعل، داخلية وخارجية تتكرر. العلم والتكنولوجيا لم يكفيا كذلك من أجل التخفيف من وطأة النزوع إلى التسلح، وخوض الحروب. لا توجد أجوبةٌ عن فعل الحرب، بل توجد أسئلة لا تنتهي حول طبيعة الوجود الإنساني، ومدى قدرته على التخلص من ثقل التاريخ وحروبه المتكررة في المستقبل.

 

الأقسام: