إعلان شغور منصب الرئيس.. طوق نجاة للمقربين من بوتفليقة أم حل للأزمة؟

إعلان شغور منصب الرئيس.. طوق نجاة للمقربين من بوتفليقة أم حل للأزمة؟

مشاهدة

28/03/2019

يونس بورنان

تتسارع الأحداث في الجزائر منذ 10 فبراير/شباط الماضي عقب إعلان الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة ترشحه لولاية خامسة، أعقبتها مظاهرات حاشدة رافضة لـ"العهدة الخامسة" انطلقت في 19 فبراير/شباط بمحافظة خنشلة (شرق الجزائر)، ثم انتقلت إلى بقية المحافظات.

وتواصلت الاحتجاجات بعد إعلان بوتفليقة في 11 مارس/آذار تراجعه عن الترشح، وخرج آلاف الجزائريين ضد "تمديد الولاية الرابعة"، وسط تحذيرات قانونية من عدم دستورية تمديد ولاية بوتفليقة التي تنتهي في 27 أبريل/نيسان المقبل.

وسعت مختلف الأطراف في الجزائر لتقديم حلول للأزمة السياسية الجديدة، حتى خرج قائد أركان الجيش الجزائري أحمد قايد صالح، الثلاثاء، ودعا إلى "إعلان شغور منصب رئيس الجمهورية".

تلك الدعوة أثارت تساؤلات عديدة عن أهمية الإعلان في ظل ظروف البلاد، وإذا كان صائباً أم متأخراً.. وهل يعد مؤشرا على نجاح الحراك الشعبي أم التفاف على مطالب التغيير؟ وهل يمثل طوق نجاة للمقربين من بوتفليقة "المتهم الأول" من قبل الحراك أم طوق نجاة لبلد بحجم الجزائر؟

وقال الفريق أحمد قايد صالح: "يتعين بل يجب تبني حل يكفل الخروج من الأزمة، ويستجيب إلى المطالب المشروعة للشعب الجزائري، وهو الحل الذي يضمن احترام أحكام الدستور واستمرارية سيادة الدولة، حل من شأنه تحقيق توافق رؤى الجميع ويكون مقبولا من الأطراف كافة، وهو الحل المنصوص عليه بالدستور في مادته 102".

موقف قيادة الجيش الجزائري أجمع المتابعون على اعتباره "تطوراً مفاجئاً ومهماً"، وتباينت ردود فعل الطبقة السياسية بين مرحب وداعٍ إلى اتباع القرار "بمطالب الشعب"، وبين رافض.

وفي الوقت الذي رفض فيه حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم في الجزائر التعليق على دعوة قائد الأركان إلى تفعيل المادة 102 التي تنص على شغور منصب رئيس البلاد، مشيراً إلى "أن موقفه من موقف بوتفليقة"، وأيّد شريك "الأفالان" في الائتلاف الحاكم دعوة قايد صالح "عزل بوتفليقة عن الحكم"، ودعاه إلى "الاستقالة".

وذكر بيان عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي يرأسه رئيس الوزراء السابق أحمد أويحيى، وحصلت "العين الإخبارية" على نسخة منه أن "موقف قائد الأركان يسعى إلى تجنيب البلاد حالة الانسداد من خلال تفعيل المادة 102 من الدستور".

استجابة لمطالب الشعب
ورغم توجيه "عبارات التقدير والعرفان" إلى الرئيس المنتهية ولايته، فإن حزب "الأرندى" أوصى في بيانه "باستقالة بوتفليقة طبقاً للفقرة الرابعة من المادة 102 من الدستور"، مرجعاً ذلك إلى "تسهيل دخول البلاد في المسار الانتقالي المحدد في الدستور، والتعجيل بتعيين الحكومة من طرف بوتفليقة لاجتناب أي فراغ أو تأويلات حول الجهاز الحكومي" كما جاء في البيان.

ترحيب مماثل من عمار سعداني الأمين العام الأسبق لحزب جبهة التحرير الحاكم بالجزائر في تصريحات صحفية، معتبراً دعوة قائد الأركان لتطبيق المادة 102 من الدستور "استجابة لمطالب الشعب وليس انقلاباً، وبأنه قرار دستوري يجنب البلاد الدخول في حالة فراغ دستوري، وأن الجيش حمى الدستور وحافظ على مؤسسات الدولة من الانهيار".

وأشار سعداني المثير للجدل والمعروف بـ"تصريحاته النارية" إلى أن القرار "أسقط مؤامرة خارجية على الجزائر وهو أهم شيء، وحفظ خروجا مشرفاً للرئيس" كما قال.

بدوره رحب الجنرال المتقاعد والمعارض علي غديري والمرشح السابق لرئاسيات 18 أبريل/نيسان المؤجلة بدعوة قائد أركان الجيش الجزائري لإعلان شغور منصب الرئيس، واعتبر أن ذلك "المسلك الوحيد للخروج من الأزمة".

وذكر غديري في بيان أنه "يرحب بتفوق الحكمة وحسن البصيرة على كل الاعتبارات الأخرى، والمصلحة العليا للبلد التي جاءت في مقدمة الاهتمامات"، مضيفاً أن "تطبيق المادة 102 من الدستور وإن جاء متأخراً، يبقى المسلك الوحيد للخروج من الأزمة في إطار قانوني محض".

حزب طلائع الحريات المعارض، الذي يرأسه رئيس وزراء بوتفليقة الأسبق، علي بن فليس، أصدر بيان "ترحيب حذر" لدعوة قائد أركان الجيش الجزائري إعلان شغور منصب الرئيس، إذ "رحب بتعهد قيادة الجيش الاستجابة إلى مطالب الشعب وطالب بتكييف المادة 102 مع ما يضمن احترام معايير الشفافية".

وقال البيان، إن "رئيس الحزب سجل نية قيادة الجيش في الاضطلاع بواجبه الوطني بغية الإسهام في خروج فوري من الأزمة الراهنة، وهو الخروج الذي من شأنه أن يجنب البلد تصاعد عدم الاستقرار".

وأضاف: "نظرا للوضع الاستثنائي الذي تعيشه البلد فإن المادة 102 من الدستور لا يمكن أن تشكل وحدها -ووحدها فقط- القاعدة لحل الأزمة، ومن هذا المنظور فإن تفعيل المادة يتطلب ملاءمة تضمن احترام معايير الشفافية والنزاهة اللتين يطالب بهما الشعب من أجل التعبير الحر ودون قيود أو وصاية عن خياره السيد".

وأبدى بن فليس "ليونة كبيرة" في موقفه رغم مشاركته في اجتماع المعارضة الأخير الذي دعا إلى "تأسيس هيئة رئاسية" ورفض الاعتماد على المادة 102، وختم بيانه بالقول: "أتمنى من كل أعماقي نجاحاً كاملاً لحل الأزمة الحالية، وأن يتم في ظروف قادرة على وضع القواعد والروافد الصلبة والسليمة لإعادة تأسيس منظومتنا السياسية".

التفاف على مطالب الشعب
إلا أن مواقف غالبية أحزاب المعارضة في الجزائر أجمعت "على انتقاد خطوة شغور منصب الرئيس وشككت في أهدافها"، وهو ما عبر عنه حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (علماني)، الذي دعا بوتفليقة لتقديم استقالته.

واعتبر مسؤولو الحزب المعروف اختصاراً بـ"الأرسيدي" في تصريحات صحفية أن دعوة قائد أركان الجيش لتطبيق المادة 102 "محاولة انقلاب ضد إرادة الشعب، وبأن الأمر لم يعد متعلقاً بإنقاذ بوتفليقة بل إنقاذ النظام"، وطالب "بانتقال ديمقراطي يضع أسس الجزائر الجديدة".

ووصف حزب جبهة القوى الاشتراكية المعارض مقترح تفعيل المادة 102 من الدستور الجزائري "استفزازاً وتجاوزاً لإرادة الشعب الجزائري الذي يطالب بتغيير النظام وليس بتغييرٍ في النظام".

وذكر بيان عن أقدم حزب معارض في الجزائر اطلعت "العين الإخبارية" على تفاصيله أنه "لا يمكن الاحتفاظ بنفس الأدوات والرجال الذين يجسدون النظام، بحيث ينبغي أن يكون التغيير نابعاً من الإرادة الشعبية، والجيش من خلال مبادرته يهدف إلى شل الحركة الشعبية".

الإخوان أول المنتقدين
إخوان الجزائر كانوا "أول من سارع لانتقاد دعوة قائد الأركان"، معتبرا أنها "غير كافية ولا تضمن الانتقال الديمقراطي"، وقال عبدالله جاب الله رئيس حزب جبهة العدالة والتنمية الإخواني إن تفعيل المادة 102 من الدستور "لا يفي بالغرض ولا يُرضي مطالب الشعب الجزائري".

وتابع مناقضاً نفسه: إن "رؤية الجيش هي نفس ما طالبنا به من قبل، لكن هذا الحل لا يتماشى مع مطالب الشعب الجزائري".

حركة مجتمع السلم الإخوانية أو "حزب التناقض" كما تسمى، اعتبرت أيضا أن "الاكتفاء بتطبيق المادة 102 لا يتيح تحقيق الإصلاحات ولا يسمح بتحقيق الانتقال الديمقراطي والانتخابات الحرة والنزيهة".

والواضح من مواقف الأحزاب الإخوانية في الجزائر "محاولتها التحدث باسم الشعب الجزائري" بحسب ما جاء من انتقادات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن حاولت منذ بدء المظاهرات الشعبية ركوب موجة الحراك الشعبي، رغم الرفض الذي قوبلت به من قبل المتظاهرين الذين رفضوا أي دور لهم أو لأحزاب أخرى في اختطاف حراكهم.

وذكر مراقبون أن دعوة قائد أركان الجيش الجزائري "لم تصدم فقط إخوان الجزائر"، رغم أنهم كانوا من الداعين إلى إعلان شغور منصب الرئيس، بل "دفعتهم إلى اللطم على خيبة القفز على المشهد القادم للبلاد، محاولين استغلال أي فراغ دستوري لبث سموم وسط الحراك الشعبي يفضي إلى الفوضى" التي حذر منها قائد أركان الجيش الجزائري في كلمته الأخيرة.

وحذر قايد صالح "من استغلال المظاهرات من طرف أطراف معادية من الداخل أو الخارج لزعزعة استقرار البلاد، وبأن الشعب واعٍ ويعرف كيف يُفشل هذه المناورات"، مشدداً على أن "الجيش الوطني الشعبي سيظل وفياً لتعهداته والتزاماته ولن يسمح أبداً لأي كان بأن يهدم ما بناه الشعب الجزائري".

من دون الدستور لا شيء مضمون
بحسب مراقبين، فإن الحراك الشعبي الأخير في الجزائر أثبت أنه "لا مكان لمختلف الأحزاب السياسية" في حاضر ومستقبل العملية السياسية عند الجزائريين، سواء من خلال مطالب المتظاهرين بضرورة التغيير الجذري الذي يشمل كل مكونات الطبقة السياسية، أو لأنه "أحرج المعارضة" بأن أخرجها إلى الشارع بدل العكس، ما يعني بحسبهم أن "موقف الشعب هو الأهم في هذه المرحلة وحتى في مستقبل العملية السياسية بالجزائر".

مواقف الجزائريين جاءت عبر مواقع التواصل الاجتماعي طبع عليها "الترحيب" بتفعيل المادة 102 من الدستور، التي كانت واحدة من أهم مطالب الحراك الشعبي من خلال اللافتات التي حملها المتظاهرون منذ بدء الاحتجاجات قبل أكثر من شهر.

ومع ذلك اختلف الجزائريون حول تحديد أهداف الدعوة ما بين اعتبارها "شراً لا بد منه" و"حلاً واضحاً أفضل من حل مجهول النتائج"، و"حلاً جزائرياً خالصاً"، "ولولا تدخل الجيش لبقي الانسداد"، و"الارتكاز على 102 أفضل من ارتكاز على جدار الوهم"، "ومن دون دستور لا شيء مضمون".

وقال أحد الناشطين في الحراك الشعبي عبر صفحته على موقع "فيسبوك": "جزء ثابت من الحل أفضل بكثير من حل نهائي مفتوح على كل الاحتمالات".

ودعت إحدى أكبر الصفحات في "فيسبوك" المعارضة لنظام بوتفليقة إلى "استغلال فرصة تطبيق المادة 102 والمطالبة في مسيرات الجمعة بحكومة تكنوقراطية وهيئة مستقلة لتنظيم الانتخابات"، وحذرت في المقابل من "الفراغ الدستوري"، وذكّرت باستقالة الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد سنة 1992 ودعت الجزائريين إلى "أخذ تلك المرحلة كعبرة".

بينما اعتبر البعض الآخر أن تفعيل المادة 102 من الدستور "حيلة خبيثة تعني تغيير شخص مع الإبقاء على المافيا"، فيما رأى أحد الناشطين الجزائريين أن القرار يعني "تدوير أنفسهم في السلطة".

ودعا آخرون إلى الاستمرار في المظاهرات "لإخراج من تبقى من نظام بوتفليقة ورفض أي شخصية من محيط الرئيس تتولى قيادة المرحلة الانتقالية".

بدوره، قال عبدالسلام سعد الله (28 عاماً) أحد الشباب الجزائريين المطالبين بالتغيير في حديث مع "العين الإخبارية" إن "إعلان شغور منصب الرئيس هو حيلة لإبقاء محيط بوتفليقة، ومن المفروض ألا يترشح منذ البداية، وكان بالإمكان تفادي كل هذه الأزمة وهذا الإشكال المتعلق بالمادة 102"، لكنه اعتبر أن تطبيق المادة "حل دستوري أفضل من حلول غير دستورية غير محسوبة العواقب".

وأضاف أن "الشباب الجزائري يبحث عن التغيير وإبعاد كل المتسببين في الفساد والوضع الحالي الذي وصلت إليه الجزائر، كما لا يمكن للمعارضة أن تتحدث باسم الشعب، فهي مرفوضة ومطالبة بالرحيل مثل النظام الحالي، ومطالب الحراك الشعبي بعيدة جداً عن مطالب السياسيين، ولا يكفي التغيير برحيل بوتفليقة بل المطلوب حلول جذرية".

ويرى عبدالسلام أن "الحل الأمثل في هذه الظروف هو اللجوء إلى الدستور بدل الحلول غير الدستورية التي تقترحها المعارضة وبقية الشخصيات التي تتكلم باسم الشعب، وإن كنت أرى أن تغير مواقف أحزاب الموالاة نزع ما تبقى من ثقة بين السلطة والشعب، كما ساهمت مواقف المعارضة المندسة وسط الحراك في انقسامه، وعلينا التعامل اليوم مع حساسية الوضع، وإذا كان تطبيق المادة 102 هو الذي سيسهم في حل الأزمة وتحقيق خطوة نحو التغيير فإن ذلك أحسن بكثير من حلول غير محسوبة العواقب ومن أشخاص لا يحظون بثقة الشعب".

عن "ألعين" الإخبارية

الصفحة الرئيسية