إياد نصار يبرع في تجسيد السياسيين وكشف العقل الإخواني

1638
عدد القراءات

2019-11-06

أميرة فكري

أصبح الفنان الأردني إياد نصار وجها مألوفا لدى المشاهدين في الدول العربية، بعدما نجح في أن يحجز لنفسه مكانة عند جمهور السينما والدراما، واختيار أدواره الفنية بعناية شديدة، ورغم تنوعها بين الشرير والمثالي، لكن لا يملك الجمهور، إلا أن يحبه وينتظر أعماله بشغف.

أحدثت مشاركته في الفيلم المصري “الممر” الذي يتحدث عن فترة ما بعد هزيمة يونيو 1967، جدلا في الشارع المصري مؤخرا، بعد قيامه بدور الضابط الإسرائيلي “ديفيد” الذي يهين ويقتل الجنود المصريين، بعدما قدم الدور ببراعة أجبرت الكثير من النقاد والفنانين على الإشادة به، حتى أن الجمهور المعروف أنه ضد الإسرائيليين أثنى على أدائه الفني.

يتمسك نصار بأن تكون أعماله واقعية ويعيش داخلها ويتأثر بها، حتى لو كان يكره الشخصية التي يؤدي دورها، ويشعر المشاهد أن شخصيته في العمل الفني تكاد تكون نفس شخصيته في الحقيقة، من شدة تركيزه في الدور الذي يقدمه، وإصراره أن يكون صادقا.

متعدد الجنسيات

نصار ينتمي إلى أكثر من جنسية عربية، لذلك اعتاد في كثير من أعماله أن تحمل صبغة تخاطب الجمهور العربي وتناقش قضاياه وهمومه، فهو ابن لأسرة فلسطينية الأصل، لكنه أردني الجنسية، متزوج من مصرية ويقيم في القاهرة. أضاف إليه اختلاطه بأكثر من بلد عربي، مزايا فنية وسمات لا توجد في أغلب أبناء جيله.

تحمل مسوؤليات جساما منذ أن كان طفلا لم يتجاوز عمره العشر سنوات، ونشأ في ظروف اجتماعية قاسية ومعقدة، جراء التهجير الذي عانت منه أسرته من فلسطين إلى الأردن، واستمرت المعاناة لسنوات، ما جعل منه شخصية مثابرة تتحدى الصعاب والعقبات الحياتية للوصول إلى الاستقرار الاجتماعي.

لم يكن نصار ذلك الشاب الذي يستسلم للواقع المفروض عليه، بل اعتاد أن يثبت جدارته مهما بلغت التحديات، ويكفي أن والده كان رافضا بشدة أن يدخل ابنه مجال الفن، لكنه تمسك بتحقيق طموحاته لشعوره أنه سوف يكون نجما حتى قبل مشاركته في أي عمل فني.

كان يتوقع ويحلم بأنه في يوم ما سيصبح فنانا مشهورا، وبدأ يرسم طريق النجاح بخطوات محسوبة، فدرس النحت بكلية الفنون الجميلة استجابة لرغبة والده، لكن في موازاة تحقيق رغبته الشخصية كان يقضي أغلب وقته في المسارح الجامعية بالأردن، حتى نجح بعد سنوات في التسلل إلى بوابة الفن، بالمشاركة في أدوار صغيرة وهامشية، لكنه أجاد تقديمها بما جعل المنتجين والمخرجين يتحدثون عنه بشكل إيجابي ويتوقعون له شأنا مهما في المستقبل.

سيد التناقضات

لدى نصار سجل حافل من المشاركة في أعمال فنية عربية قيمة، فقد كانت بداياته مع الدراما الأردنية، ومن بعدها السورية، ثم المصرية، ومع كل مشاركة ترك بصمة يصعب نسيانها من جانب الجمهور، وتظل مشاركته في مسلسل “الاجتياح” علامة بارزة في الدراما النضالية التي اعتاد تقديمها، بعدما قام بدور شاعر فلسطيني ثائر ضد الممارسات الإسرائيلية البشعة، وساهم في إظهار حقائق بدت غائبة عن الصراع العربي الإسرائيلي.

ليس سهلا على أيّ فنان أن يخلع عباءة الشخصية الفنية التي يقدمها ليتقمص شخصية أخرى مناقضة لها تماما في عمل فني آخر، أو يبتعد بنفسه عن التكرار والنمطية، لكنه يجيد ذلك ببراعة، لأنه اعتاد أن يعيش أجواء الدور الفني الذي يؤديه قبل أن يوافق عليه، حتى لو كان يتناقض مع أعمال أخرى شارك فيها.

وجد نفسه مستعدا لأن يقدم الدور الفني بطريقة استثنائية لا يشعر الجمهور بأنه مجرد ممثل يقبل العمل وكفى، وإذا شعر بأنه لن يستطيع تقديم الشخصية وفق ما يرضيه أولا ويقنع نفسه بأنه واقعي يرفض ويعتذر عن المشاركة في الفيلم أو المسلسل.

لا يعنيه كثيرا أن تكون مشاركته في العمل بطولة مطلقة أو جماعية أو حتى دورا ثانويا، ولا يهتم بأن تكون المساحة الممنوحة له كبيرة أم صغيرة، لكن الأهم أن يقتنع بأن وجوده سوف يضيف، وأن يرضي العمل المشاهد، فهو يعتبر كل مشهد يقف خلاله أمام الكاميرا إضافة إليه وزيادة في رصيده عند الجمهور، ويقول عن ذلك “لا يشغلني كثيرا تاريخ من يعملون معي، لأنني في يوم من الأيام كنت وجها جديدا أبحث عمن يقف إلى جانبي”.

صنع نصار لنفسه دستورا لا يحيد عنه في مختلف أعماله الفنية، فإن لم يجد إضافة جديدة لا يقبل المشاركة، واستطاع أن يكون صاحب بصمة قوية في كل الأعمال التي يشارك فيها، ولم يجد صعوبة في حجز مكان وسط الساحة الفنية التي تعج بمئات الفنانين من مختلف التوجهات والأعمار، وأكثرها يمتلك شعبية كبيرة لدى الجمهور.

يرتبط نجاح نصار في أن يصبح نجم شباك لدى الجمهور العربي بأنه مثقف إلى حد بعيد، وقارئ جيد للتاريخ والأدب والشعر، ويجيد مخاطبة الجمهور وكسب وده، حيث يختار كلماته بعناية، ويمتلك أسلوبا مقنعا يعتمد على السهل الممتنع، كما أنه بطبعه شخصية هادئة متزنة تحمل الكثير من سمات الرجل الشرقي، ما انعكس على طريقة أدائه لكل دور يقدمه.

سهل اهتمامه بالتاريخ كنوع من التثقيف الذاتي تجسيد الكثير من الشخصيات التاريخية، بل إنه نجح إلى حد بعيد في إعادة الجمهور لمشاهدة هذه النوعية من الأعمال الفنية، بحكم أن أكثرهم يملك هذا النوع من الفن ويفضل عليه الدراما أو السينما التشويقية والأكشن والأعمال التي تعكس الواقع الحاضر، وليس تلك التي تتحدث عن الماضي.

عندما تقمص دور الخليفة عمر بن عبدالعزيز في مسلسل “أبوجعفر المنصور”، ومن بعده شخصية الخليفة المأمون في مسلسل “أبناء الرشيد”، تم تصنيفه ضمن أكثر الفنانين الذين يجسدون الشخصيات التاريخية والسياسية كما لو كانت تعيش في حاضرنا.

لم تشغله الأعمال الدرامية التي تناقش قضايا عصرية، أو تلك التي تتطرق إلى أحداث تاريخية عن الدخول بقوة في المجال السينمائي، حيث شارك في فيلم “بصرة” وتقمص دور شاب مخرج إعلانات من حي شبرا الشعبي وسط القاهرة، وقدم صورة للشباب الشغوف بالقفز من الفقر إلى الثروة.

الفنان والسياسي

قدم الدور الأهم بالنسبة له في مشواره بالسينما المصرية بالمشاركة في بطولة فيلم “أدرينالين”، وقدم دور ضابط شرطة يتمتع بسمات استثنائية، كما شارك في فيلم “بنتين من مصر”، وناقش قضية لها أبعاد مرتبطة بالمجتمعات الشرقية، عندما تمسك بأن تقوم خطيبته بإجراء كشف عذرية للتأكد من أنها فتاة، وبعدها شارك في “حفل زفاف”، ثم قام ببطولة فيلمي “مصور قتيل” و”ساعة ونصف”.

يمكن أن تشعر مع هدوء نصار وتجنب الظهور المتكرر في وسائل الإعلام، أنه شخصية انطوائية تتحفظ على الاحتكاك بالآخرين، لكن في حقيقة الأمر هو فنان يرفض انعزال الممثل عن مجتمعه وقت التوترات، بذريعة أن اقتراب الممثل من السياسة سوف يؤثر على مشواره الفني، لأنه جزء من المجتمع وغير مقبول أن يلتزم الحياد وقت الأزمات حفاظا على رصيده.

امتزجت أعماله الدرامية والسينمائية بالصبغة السياسية، واعتاد أن تلامس أدواره التطورات الحاصلة في المجتمعات العربية، بحكم أنها مقبولة لدى قطاعات كبيرة من الجمهور بمختلف انتماءاته وأعماره أو حتى الطبقة الاجتماعية التي يمثلها.

دفعته هذه القناعات ليشارك في المظاهرات التي خرجت في ديسمبر عام 2012 ضد الرئيس المصري الإخواني محمد مرسي، وقت أن أصدر إعلانا دستوريا مكبلا للحريات الإعلامية والقضائية والسياسية، ثم عاد للمشاركة في ثورة 30 يونيو 2013 التي أسقطت حكم الإخوان، ودعا الناس للنزول إلى الشارع لتخليص البلاد من هذا الفكر الرجعي.

فسر البعض جرأة نصار في الوقوف بوجه الإخوان بتأثره بتجسيد دور “حسن البنا” مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مسلسل “الجماعة”، واقترابه من فكر هذه الفئة، ما جعله يخرج من المسلسل وهو كاره لكل ما هو إخواني “فكرا وعقلا وتصرفا”، ويرتبك كل ذلك بالدم والتكفير والخراب والدمار. عندما سُئل عن كيفية تقمص دور مؤسس جماعة الإخوان، ثم تجسيد ضابط إسرائيلي في فيلم “الممر”، والفارق الشاسع بينهما، أجاب بأن “كليهما واحد، فالإخوان والإسرائيليون وجهان لعملة واحدة، ومصالحهما متقاربة وتكاد تكون متطابقة”.

يظل دوره في مسلسل الجماعة علامة في مشواره الفني، حيث كان من الصعب عليه تجسيد شخصية مؤسس جماعة الإخوان، وهو في الأساس يعاديه، لكنه تغلب على شعوره الداخلي، ونجح في تقديم عمل فني أحدث طعنة في ظهر الجماعة على مدار تاريخها، وتسبب في أن يتعرض له الإخوان بهجوم شرس، إلى درجة أن بعضهم أفتى بتكفيره بذريعة أنه أهان الإسلام بتشويه صورة الجماعة.

تجاهل الهجمة الإخوانية، واستمر في تقديم قوالب فنية سياسية، آخرها عندما شارك في فيلم “18 يوم” الذي يدور حول أحداث ثورة 25 يناير 2011، التي أسقطت نظام حسني مبارك، وكيف تسبب الفساد والقمع والتعذيب والتوريث في خروج الناس بشكل جماعي ومنظم. يرتبط شغفه بالتقرب من الثورات، بأنه يعتبرها عاملا رئيسيا في إصلاح الفن العربي، ويقول عنها “فتحت الباب على مصراعيه لظهور أجيال جديدة من الشباب لتقديم أدوار بطولية كانوا محرومين منها وألغت احتكار فئة بعينها لهذه الأدوار، والأهم أن الثورات أدخلت ثقافة جديدة في الفن، وهي البطولة الجماعية”.

أكثر ما يميز نصار، أنه يعتبر كل عمل فني يقدمه مجرد بداية، ويتعامل مع أيّ دور يقوم به على أنه نقطة انطلاقة نحو التقرب إلى الجمهور، أيّ أنه لا يتسلل إليه الشعور بأنه وصل إلى قمة النجومية، أو أصبح نجما ينافس الكبار في الوسط الفني، فهو عندما يحقق نجاحا في أيّ عمل يغلق الصفحة ليبدأ من جديد.

حصانة ضد اللعنات
لم يجد صعوبة في تحصين نفسه من الإصابة بلعنة النجومية وصدارة المشهد الفني ما ساعده على الحفاظ على قاعدته الجماهيرية بين مختلف الفئات، لأنه شخصية متواضعة تعادي الغرور.

تأسست قناعات نصار، من إدراكه التام بأن لقب النجم الفني تمنحه الجماهير والنقاد فقط، وليس من حق الممثل أن يقيّم نفسه أو يضع لذاته مكانة، أو يحدد رقمه وموقعه في ترتيب النجوم، فالفنان دوره الفن، ومن هم خارج هذا الإطار، سواء كانوا مشاهدين أو نقادا، دورهم القاضي الذي يحكم على الأداء.

من النادر أن يتورط في تصريحات تثير غضب الناس عليه، ويقدّس رأي الجمهور في أعماله، ويرفض أن يناقش منتقدي أدواره في وجهات نظرهم، بل يقبلها بصدر رحب. هكذا هو شخص دبلوماسي يصعب أن تفتش في دفاتره وترصد له معارك أو خصومات.

ويرفض أن يكون خطابه وتمثيله موجهين لفئة أو طبقة بعينها، بل لكل المجتمع، فهو يسعى دائما لأن يقدم فنا له دلالة اجتماعية وسياسية للخروج بنتائج ورسائل وحقائق تبدو غائبة عن كثيرين، يهدف من ورائها تصحيح مفاهيم مغلوطة وهدامة وموروثات عقيمة عفّى عليها الزمن.

عندما قدّم دور سليم، في مسلسل “أريد رجلا”، استطاع ببراعة أن يناقش قضية تشغل اهتمام الكثير من المجتمعات القبلية، مثل صعيد مصر، بإنجاب الذكور، بذريعة أنهم يحملون اسم ولقب العائلة، ومع رضوخه لرغبات والدته في العمل، الفنانة سهير المرشدي، بالزواج من امرأة ثانية لأن زوجته الأولى تنجب إناثا فقط، انتهى الحال بانفصاله عن زوجتيه، ودُمرت حياته، وخسر وظيفته المرموقة، لأنه لم يكن شجاعا في الوقوف بوجه التقاليد الاجتماعية الهدامة.

تظل الشريحة الأكبر من الجمهور من هواة الشاشة النظيفة، وإياد نصار يحافظ على صورته كفنان يعادي الابتذال والخروج عن الآداب العامة وعدم احترام خصوصية المجتمعات الشرقية المحافظة، بغض النظر عن وجود أجيال صاعدة تناهض هذا الفكر أم لا، لذلك أصبح من الفنانين القلائل الذين حصّنوا أنفسهم من سهام النقد بالثبات على مبدأ التعلم من أخطاء الآخرين.

عن "العرب" اللندنية

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل يمكن الحوار مع إيران ثانية دون علم الخليج؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

مشاري الذايدي

في نهاية الأمر؛ هل ستجلس إيران إلى طاولة المفاوضات من جديد؟ كل ما يجري اليوم هو تسابق نحو هذه الطاولة، أو قلْ الاستعداد لما قبل الطاولة.

لم يُخفِ الرئيس الأميركي دونالد ترمب هدفه من سياسة «الحدود القصوى» بالضغوط الاقتصادية والمالية والسياسية والجنائية، وهو جلب النظام الإيراني المهووس بالتوسع العقائدي إلى حلبة الواقعية السياسية، وإجباره، من خلال إنهاك اقتصاده، على ترك الخرافات السياسية والثقافية التي تحولت إلى قنابل أمنية وقلاقل أهلية في منطقة الشرق الأوسط.

تارة يقول مرشد النظام الإيراني علي خامنئي إنه ضد الجلوس مع الإدارة الأميركية، وتارة يقول رئيس جمهوريته إنه مع الجلوس وإعادة التفاوض ولكنْ لديه شروط.

المهم هو أن الكل يعلم أنه عند لحظة ما، سيعاد بناء اتفاق جديد، ينقضُ الاتفاق الخبيث الذي نسجه بالسرّ، الآفل باراك أوباما، مع ملالي طهران، في صفقة بيع فيها أمن الخليج والعرب، في مقابل تعهد سدنة إيران بعدم امتلاك السلاح النووي، وإخضاع منشآتها النووية للتفتيش الدولي، لأمد محدد أيضاً.

السعودية ودول الخليج، ما عدا قطر وسلطنة عمان ربما، تشدد على أن أي صفقة مقبلة مع إيران من قبل الاتحاد الأوروبي وأميركا وبعض كبار العالم، يجب أن يكون رأي دول الخليج حاضراً فيها.

وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، في خطاب خلال «ملتقى أبوظبي الاستراتيجي السادس» الذي عقد مؤخراً، قال إن على إيران الجلوس إلى طاولة التفاوض مع القوى العالمية ودول الخليج، وإن إجراء محادثات جديدة مع إيران يجب ألا يتطرق إلى الملف النووي فقط؛ بل يجب أن يعالج مسألتي «الصواريخ الباليستية» و«التدخل الإقليمي»، مضيفاً أن مناقشة تلك الملفات تعني أن دول المنطقة تحتاج للمشاركة فيها.

وأضاف الدكتور قرقاش: «هذا الطريق سيكون طويلاً، وهو ما يتطلب صبراً وشجاعة».

وعليه؛ حتى لا نقع في الحفرة مرة ثانية، يجب أن يكون «فيتو» سعودي وخليجي وعربي على أي محادثات جديدة مع إيران دون الحضور فيها، ودون إهمال هذين الشرطين: الصواريخ الباليستية، والتدخل في شؤون الدول العربية... نقطة آخر السطر.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

أردوغان وإنتاج التطرف

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

خورشيد دلي
عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا عام 2002 استبشر العالم بنموذج إسلامي معتدل يوفق بين الإسلام والعلمانية والاقتصاد، ولعل أكثر من روج لهذا النموذج كان الإسلاميون ولاسيما جماعات الإخوان المسلمين في العالم العربي.   

بعد أن تمكن حزب العدالة والتنمية من توطيد أركان حكمه، وجد العالم الذي استبشر بنموذج الحزب في الحكم نفسه أمام حقيقتين:

الأولى: تحول تركيا إلى سلطة حكم حزب الواحد والرجل الواحد، وقد تجسد هذا الأمر رسميا في الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي عام 2017 الذي قضى عمليا على تجربة التعددية وتوازن مؤسسات الحكم في البلاد.

الثانية: وهي الأخطر، وأعني هنا الاستثمار في التطرف لتحقيق أجندة داخلية وإقليمية، فعلى وقع ما سمي بثورات (الربيع العربي) تحولت تركيا الدولة الموصوفة بالعلمانية منذ تأسيسها عام 1923 إلى بيئة جاذبة للتطرف ومرتعاً للجماعات المتطرفة من مختلف بقاع العالم، وهكذا تقاطر آلاف (الجهاديين) من أصقاع العالم إلى سوريا والعراق عبر الأراضي التركية، حتى وجد العالم نفسه أمام غول داعش والنصرة وغيرها من التنظيمات الإرهابية التي مارست القتل والتدمير والخراب بطريقة فاقت كل التوقعات.

من دون شك، ما جرى لم يكن بعيدا عن علم ودعم السلطات التركية وأجهزتها، خاصة أن عشرات تقارير المنظمات الدولية وثّقت بالأدلة والوقائع والمعطيات حقيقة الدعم التركي لهذه التنظيمات، ولكن السؤال: لماذا قامت تركيا أردوغان بكل ذلك؟

في الواقع، الجواب عن هذا السؤال يختصر في أن أردوغان راهن على هذه الجماعات لإسقاط الحكومات والأنظمة في المنطقة، بغية إحداث تغير سياسي يمهد لوصول الجماعات الإخوانية إلى السلطة، كخطوة لمشروع أردوغان الذي يعتبر أن تركيا دولة مركزية ينبغي أن تقود المنطقة، وهو ينطلق في ذلك من عاملين؛ الأول: أيديولوجي له علاقة بالعثمانية الجديدة التي تقوم على إعادة إنتاج الهيمنة التركية بوسائل اقتصادية وسياسية وثقافية. الثاني: موقع تركيا في السياسة الدولية الهادفة إلى إعادة ترتيب الوضع في الشرق الأوسط من جديد.

وهكذا اندفع أردوغان وراء طموحاته الجامحة، في الداخل من خلال بناء بيئة شعبوية، استخدم من أجلها كل الشعارات القومية والدينية، وصل به الأمر إلى القول إن المسلمين هم من اكتشفوا أمريكا قبل كريستوفر كولمبوس، وأن الأتراك سيتعلمون من جديد اللغة العثمانية شاء من شاء وأبى من أبى، واتبع في كل ذلك سياسة أسلمة الدولة والمجتمع تدريجيا، وقد تبدى هذا الأمر بشكل جلي في التعليم، من خلال إحياء التعليم الديني بشكل كبير وإطلاق المجال واسعا أمام مدارس الإمام الخطيب التي تخرج فيها أردوغان وتقريبا نصف أعضاء حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي، ولعل للأرقام هنا دلالة كبيرة، إذ تقول الإحصائيات إن عدد طلاب مدارس إمام الخطيب ارتفع من خمسين ألفا عام 2002 عند تسلم حزب العدالة والتنمية السلطة إلى نحو أربعة ملايين طالب، ولعل الهدف الأساسي من وراء كل ذلك هو تأسيس جيل من الأيديولوجيين التابعين لأردوغان ودفعهم إلى تسلُّم مؤسسات البلاد السياسية والعسكرية والإدارية، ليقود البلاد كما يشاء، وهذا مؤشر خطر على هوية تركيا وسياساتها وخياراتها في المستقبل.

في الخارج، لا يقل الأمر خطورة؛ إذ نشر التطرف بدعم تركي تجاوز الشرق الأوسط إلى ساحات أخرى، من طرابلس الليبية والصومال في أفريقيا مرورا بأوروبا التي يهددها أردوغان يوميا بإغراقها باللاجئين، وصولا إلى معظم العمليات الإرهابية في العالم حيث لا نسمع إلا ومنفذها عاش لفترة في تركيا أو على علاقة معها، كل ذلك جعل من تركيا دولة خطرة على الأمن الإقليمي والعالمي. اليوم وبعد هزيمة داعش في العراق وسوريا، ومحاصرة جبهة النصرة باتفاقيات سوتشي، لم ينزل أردوغان بعد عن حصان الجماعات المتطرفة، إذ في كل مرحلة يحاول إعادة إنتاجها من جديد لاستخدامها في معاركه، كما يحصل اليوم في عدوانه على شرقي سوريا باسم عملية نبع السلام وإقامة منطقة آمنة هناك، إذ كشفت التقارير عن أن قسما من الذين جندوا فيما يعرف بـ (الجيش الوطني) لمحاربة الكرد في سوريا هم في الأصل كانوا من مسلحي داعش الذين هربوا من معركة الباغوز في شرقي دير الزور، بل إن سلوك هؤلاء وطريقة قتلهم للمدنيين وممارساتهم مع الأهالي والأرزاق .. كلها نسخة طبق الأصل من ممارسات داعش، وهو ما يؤكد صوابية هذه التقارير.

استخدام الجماعات المتطرفة لتحقيق أجندة سياسية قد يكون جذابا لزعيم يفكر مثل أردوغان، ولكن من يضمن عدم انتقال خطر هذه الجماعات إلى الداخل التركي؟ سؤال ربما يحيلنا إلى ما جرى بين باكستان وأفغانستان عندما حاولت الأولى الاستثمار في حركة طالبان، خاصة أن الداخل التركي بات معبأ بشعبوية أقرب إلى التطرف.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

عندما تصير المقاومة حزباً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

وجيه قانصو
في العام 1982، اجتاحت إسرائيل لبنان حتى وصلت إلى العاصمة. كانت الدولة حينها منهكة بسبب الحرب الأهلية، ومترهلة بسبب خلل في أدائها والتناقضات العميقة في الجسم السياسي اللبناني.  فبادر المجتمع اللبناني بأكثر مكوناته إلى تكثيف مقاومته للاحتلال، وجعلها أكثر انتظاماً وإيلاما للمحتل من نشاطها السابق. وقد صدرت هذه المبادرات بتعابير ودوافع ومسوغات متعددة، تراوحت بين التأويل الماركسي والالتزام القومي مروراً بمبادرت مدنية وفردية ووصولاً إلى بواعث جهادية دينية. هو تعدد يعبر عن تنوع مكونات المجتمع وتعدد الميول والاتجاهات في داخله، بل تنوع وتعدد داخل المكون المذهبي الواحد.

فالمقاومة فعل مواجهة يقوم به أبناء وطن لصد عدوان أو احتلال خارجي. هو رد فعل ومبادرة جماعية تسوغها مشروعية الدفاع عن النفس ويحفزها الإنتماء إلى وطن خاص يكون أساس هوية المقاومين ووازع نضالهم.

كانت جميع هذه المبادرات بمثابة استجابة مجتمعية طبيعية لأجل بقاء الكيان وحفظ المجتمع. صحيح أن منطقة المواجهة قد غلب عليها اللون الشيعي، إلا أن الفعل المقاوم حينها ما كان ليختص بمكون اجتماعي خاص، أو يكون بديلا عن الدولة أو منافساً لها، بقدر ما هي مبادرة الكيان نفسه، لا بأجهزة الدولة الرسمية وبنيتها البيروقراطية، بل بالحامل الأساسي لها، الذي هو المجتمع، بصفته مصدر مشروعيتها وقاعدة نشاطها وقوة استمرارها وبقاءها العميقين.

ففعل المقاومة، بعمقه المجتمعي، يتأكد حين تعجز الدولة، بأجهزتها الأمنية والعسكرية، عن القيام بواجب صد العدوان، أو الحد من الفوضى أو منع الانهيار الداخلي.  هو فعل يبادر إليه المجتمع لا لاستبدال الدولة أو تحييدها بل لسد فراغاتها وتعثراتها وتدعيم حضورها وإعادة بعثها من جديد. فالشأن العام لا يُدبَّر بمجرد أوامر سياسية ملزمة وتشريعات رسمية، بل يؤازِرُ ذلك تضامنات بين مكونات المجتمع، وروابط خُلقية وقيمٌ جامعة بينها، وقواعد مشروعية، تشكل بمجموعها باعثاً لحفظ النظام العام، وضماناً لسيرٍ مستقرٍ ومنتجٍ للحياة العامة.  فالدولة أو السلطة العليا ليست شيئاً يضاف إلى المجتمع من خارجه، بل هي صورة المجتمع في وضعية انتظامه لنفسه. 

كان حزب الله، أحد أهم الروافد الاجتماعية للمقاومة، وتميز بأداء كمي ونوعي حقق إنجازات ميدانية معتبرة.  أصر الحزب على أسلمة المقاومة، أي اعتبارها نشاطاً متعلقاً بالتكليف الديني والأغراض والغايات التي تخدم منظومة وعقيدة ولاية الفقيه، أي الفصل بين الباعث الديني والوازع الوطني، بتأكيد الأول وأولويته وإنكار وحتى تسخيف الثاني.  رغم كل ذلك فقد تلَقَّت مكونات المجتمع، الشيعي تحديداً، جهادَ الحزب ضد إسرائيل بالقبول والترحيب، على قاعدة أولوية طرد المحتل وتأجيل الخلاف الأيديولوجي الداخلي.

التفاهم الإيراني السوري، في أوائل تسعينيات القرن الماضي، تسبب بحصر المقاومة بحزب الله بطريقة قسرية وإلغائية لباقي المقاومين، بعدما تبين أن الفعل المقاوم لا يخدم تحرير الأرض فحسب، بل أداة مناورة وابتزاز للنظام السوري ضد المجتمع الدولي، ومادة توظيف دسمة للنظام الإيراني في ربط أمنها باستقرار المنطقة العربية.  هذا التوظيف لا يستقيم إلا بالتحكم بموارد المقاومة ومنابعها وبنيتها الداخلية واستراتيجية عملها وحتى في توقيت عملياتها.

حصر المقاومة بحزب الله تحت الوصاية السورية-الإيرانية أفرز أمورا ثلاثة:

أولها: انفصال المقاومة عن المجتمع اللبناني، وتحولها إلى بنية خاصة، ذات تراتبية ولائية في داخلها. الأمر الذي أخرجها عن عموميتها وتسبب باستقلالها وانفصالها عن مصدر زخمها بل عن مصدر مشروعيتها، باعتمادها مشروعية عقدية خاصة غريبة على النسيج المجتمعي، وتأكيد جوهريتها الذاتية قبال المجتمع والدولة معاً.  هذا تجلى، بقصد أو بغير قصد، بالثلاثية التي روج لها الحزب: الجيش والشعب والمقاومة. وهو شعار يثبت المقاومة كياناً مستقلاً عن المجتمع (الشعب)، ومنفصلاً بالكامل عن الدولة (الجيش الذي هو أهم أدوات الدولة السيادية).

حصل تلازم بل تطابق بين المعتقد الولايتي للحزب والمقاومة، بحيث لا قيمة لمقاومة من دون هذا المعتقد، وباتت نشاطاً لا يراعي مقتضيات الإجتماع اللبناني، بل مأسوراً ومحكوما لما يسمونه بالتكليف الشرعي القائم على غيبيات نبؤاتية وتأويلات سلطوية تناقض في طبيعتها ومنطقها ومؤداها أصل العقد الاجتماعي وفكرة الدولة، لأي مجتمع وأية دولة.  لذلك، وبدلا من انبثاق فعل المقاومة عن المجتمع ليعود آخر الأمر يصب في كيان الدولة الذي هو الإطار والمدخل الحصري لحفظ وبقاء الكيان اللبناني نفسه، حصل فصل كامل بين المقاومة التي باتت مطابقة للهوية الحزبية وتقوم على كثافة عقدية دينية من جهة وبين الهوية الوطنية التي تتسم بعموم عابر للطوائف لا يقبل التخصيص بهوية طائفية أو دينية خاصة.

ثانيها: خروج المقاومة عن أغراضها التحررية، بفعل التزامها وتبعيتها لمحور إقليمي.  صحيح أن هذا المحور وفر للحزب مقدرات عسكرية مميزة، إلا أن هذه المقدرات تم استعمالها لما هو أبعد من أغراض المقاومة ووظيفتها، لتكون في خدمة سياسيات ومصالح واستراتيجيات الحلف السوري-الإيراني.  هذه الوضعية قلبت المقاومة من وسيلة لخدمة غاية وطنية حصراً، إلى وسيلة لخدمة غاية أخرى خارجة عن مقصدها وهدفها بل مناقضة لهما في حالات كثيرة. وهو أمر ظهر في دعم الحزب اللامشروط للاحتلال السوري في لبنان، وفي أداء الحزب على الجبهة الجنوبية بطريقة تتناغم مع إيقاع إيران الإقليمي والدولي، وفي انتشار السلاح "المقاوم" في بقاع متفرقة ومتباعدة من الأرض لا صلة لفكرة المقاومة بها، ومتورطاً في معارك لم يعد بالإمكان تسويغها أخلاقياً أو إدراجها فعلاً مقاوماً، ما اضطر القيِّمين على هذا السلاح تكرار الاعتراف الكامل بالتبعية المالية والأيديولوجية والسياسية لإيران.

ثالثها: تكثيف المضمون الديني، وفق السردية الشيعية الولايتية لنشاط حزب الله، ما ولَّد حصرية معاكسة للفعل الديني نفسه. أي بدلاً من اعتبار الفعل المقاوم للحزب أحد أوجه الإيمان الديني، بات هذا الإيمان متقوماً بالتراتبية الولائية للحزب نفسه، ما ولد ذهنية إقصائية صارمة ضد أي نشاط أو اجتهاد أو حتى تعبد ديني لا يندرج ضمن هرمية سطوته وسلطة منظومته.  بات الحزب بنظره فسطاط الإيمان كله مقابل الكفر كله الذي هو كل شيء خارجه. وهي ذهنية رفعت من منسوب نرجسية الحزب إلى درجة عالية، وعطلت فيه قدرة الإستماع للمختلف وتقبل أي نقد، واللواذ بالتهمة الجاهزة والعمالة الملفقة لكل خصم.

صارت المقاومة حزباً، لا من حيث المبدأ والمفهوم، وإنما لجهة تغريبها المتعمد عن المجتمع،  ووضعها قبال الدولة لا في كنفها ومن مؤسساتها، وتحول عنوانها إلى شبكة مصالح خاصة وارتباطات جزئية وتورطها في صراعات إقليمية لا يستوجبها غرض المقاومة نفسه ولا تصب عوائدها لصالح المجتمع أو الدولة أو الوطن بل تناقضها في أكثر الأحيان. هذا إضافة إلى إلباس المقاومة لباساً عقائدياً دينياً ليس من أصلها أو طبيعتها ولا يقبل التعميم. كل ذلك أثار ريبة متصاعدة بينها وبين المجتمع، جعل أكثر المجتمع يشكك بجدواها أو مصداقية عملها، وجعل  "المقاومة" تحذر من المجتمع نفسه وتخشى تحولاته ومتغيراته وحراكه، ما دفعها إلى بناء تحالفات سياسية محلية وإقليمية تستغني بها عن مشروعية الداخل، والعمل على فرض ترتيبات سياسية وعهود سلطة، لتفرض نفسها من خلال هذه العهود على المجتمع، وتتحصن بها من نقمة المجتمع أو انقلابه عليها، بدل التقوي بالتفافه حولها والإجماع العام عليها.

عندما تغترب "المقاومة" عن المجتمع وتصبح قوة تنافس قوة الدولة وتضاهيها، فلتبحث لنفسها عن إسم آخر.

عن "المدن"

للمشاركة:



هل نقلت تركيا إرهابيين إلى ليبيا؟ الجيش الليبي يرد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

قال مدير إدارة التوجيه المعنوي بالجيش الليبي، العميد خالد المحجوب: إنّ تركيا تدعم ميليشيات حكومة الوفاق في طرابلس بإرهابيين من تنظيم داعش.

وأكّد المحجوب، في تصريحات صحفية؛ أنّ أردوغان طرف رئيس في المعركة الأمنية والعسكرية في ليبيا، مشدداً على أنّ "هذه الميليشيات الإرهابية لن تستطيع المواجهة لمدة نصف يوم، لو لم يمنحها الرئيس التركي الدعم المادي والمعنوي والغطاء الجوي، عن طريق الطيران المسيَّر"، وفق ما نقلت "العين" الإخبارية.

المحجوب: تركيا تدعم ميليشيات حكومة الوفاق في طرابلس بإرهابيين من تنظيم داعش

وتابع المحجوب: "تنظيم داعش الإرهابي لم يخفِ مساندته للميليشيات منذ بدء معارك بنغازي"، مشيراً إلى أنّ "رايات التنظيم الإرهابي كانت تُرفع بوضوح في أغلب المواقع والمحاور ضدّ الجيش الليبي".

وتأتي تصريحات المحجوب تعليقاً على أنباء متداولة عن وصول دفعة من الدواعش لمطار مصراتة، أرسلها أردوغان لدعم الميليشيات في ليبيا.

ويتخوف متابعون للشأن الليبي من نقل الرئيس التركي آلاف الإرهابيين من تنظيم داعش إلى البلاد بعد غزوه الشمال السوري.

وكان اللواء أحمد المسماري قد أعرب، خلال مؤتمر صحفي سابق، عن تخوف بلاده من ذلك قائلاّ: "الغزو التركي لشمال سوريا ربما يؤدي إلى هروب عناصر داعش من السجون التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، وأردوغان سيسعى لنقلهم لمأوى آمن، وربما تكون ليبيا هي وجهتهم، بسبب الفراغ الأمني، خاصة في مناطق مصراتة وطرابلس، وغيرهما من مناطق الغرب الليبي".

ودعمت تركيا الإرهابيين والميليشيات في ليبيا بعدة طرق، أبرزها: صفقات التسليح والطيران التركي المسيَّر، وهو ما يعدّ خرقاً للقرارات الأممية بحظر توريد السلاح إلى ليبيا منذ 2011.

بدوره، ينفّذ الجيش الليبي، في الفترة الأخيرة، عمليات واسعة ضدّ الميليشيات.

 

للمشاركة:

الإمارات تدعم المحتاجين في محافظة شبوة اليمنية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

قدمت دولة الإمارات، عبر ذراعها الإنسانية "هيئة الهلال الأحمر"، مساعدات غذائية تضم 350 سلة غذائية، تزن 28 طناً، في منطقة جول الريدة بمديرية ميفعة في محافظة شبوة اليمنية، استفاد منها 2135 فرداً من الأسر معدومة الدخل والأشد احتياجاً، وذلك في إطار جهودها الرامية لرفع المعاناة وتطبيع حياة الأسر التي تعاني أوضاعاً صعب، وفق ما نقلت وكالة "وام".

الهلال الأحمر الإماراتي قدّم مساعدات غذائية استفاد منها 2135 فرداً من الأسر معدومة الدخل والمحتاجين بشبوة

وأعرب المستفيدون، عقب تسلمهم المواد الإغاثية، عن شكرهم وتقديرهم لدولة الإمارات قيادة وحكومة وشعباً على وقفتها الأخوية في محنتهم وجهود الإغاثة المتواصلة لأبناء شبوة.

جدير بالذكر؛ أنّ هيئة الهلال الأحمر الإماراتي وزعت، منذ بداية "عام التسامح"، 33 ألفاً و24 سلة غذائية، بمعدل 1888 طناً و480 كيلوغراماً، استهدفت 157 ألفاً و125 فرداً من الأسر المحتاجة والمتضررة في محافظة شبوة.

وبلغ حجم المساعدات الإماراتية المقدمة للشعب اليمني، من نيسان (أبريل) 2015 إلى حزيران (يونيو) 2019، نحو 20.57 مليار درهم (5.59 مليارات دولار)، موزَّعة على العديد من القطاعات الخدمية والإنسانية والصحية والتعليمية والإنشائية استفاد منها 17.2 مليون يمني، يتوزّعون على 12 محافظة.

 

 

 

للمشاركة:

إسرائيل تغتال أبو العطا.. والحركات الإسلامية في غزة تتوعّد بالرد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-12

أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، اليوم؛ أنّه اغتال القيادي في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، بهاء أبو العطا، وزوجته، في قصف استهدف منزله في قطاع غزة.

جيش الاحتلال الإسرائيلي يعلن اغتيال القيادي في سرايا القدس بهاء أبو العطا وزوجته

وقالت مصادر طبية في قطاع غزة: إنّ القصف الإسرائيلي أدّى إلى مقتل أبو العطا وزوجته، وإصابة 4 من أبنائهما، وفق شبكة "سي إن إن".

من جهتها، أعلنت سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، مقتل قائدها في المنطقة الشمالية، بهاء أبو العطا، وزوجته، في منزلهما بحي الشجاعية شرق قطاع غزة.

وقالت سرايا القدس، في بيان اليوم: إنّ "أبو العطا، البالغ من العمر 42 عاماً، قتل في عملية اغتيال"، معلنة "النفير العام في صفوف مقاتليها ووحداتها العسكرية المختلفة"، كما توعدت بالردّ، قائلة: "لن تكون للردّ على هذه الجريمة حدود، الاحتلال سيكون هو المسؤول عن هذا العدوان"، حسبما ورد في بيان للحركة.

من جانبها، أعلنت حركة حماس، التي تدير قطاع غزة، في بيان، أنّ "قتل أبو العطا لن يمرّ دون ردّ".

وبحسب بيان سرايا القدس، على الموقع الإلكتروني لحركة الجهاد؛ فإنّ "أبو العطا يعدّ أحد أبرز أعضاء المجلس العسكري لسرايا القدس، وتعرّض لمحاولات اغتيال عدة في أوقات سابقة".

سرايا القدس تعلن النفير العام في صفوف وحداتها العسكرية وتحمّل إسرائيل المسؤولية

من جهتها، دانت منظمة التحرير الفلسطينية، اليوم، اغتيال الكيان الصهيوني للقيادي في حركة الجهاد الإسلامي، محملة سلطات الاحتلال مسؤولية التداعيات.

وقال أمين سرّ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الدكتور صائب عريقات، في تصريح نقلته وسائل الإعلام الفلسطينية: "ندين بأشدّ العبارات جريمة الاغتيال الجبانة للقائد بهاء أبو العطا، القيادي في حركة الجهاد الإسلامي وزوجته وإصابة أبنائه".

وأضاف عريقات: "نحمّل سلطة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن نتائج وتبعات هذه الجريمة النكراء".

هذا وقد أعلنت سرايا القدس استهداف مدينة تل أبيب بقذائف صاروخية، بعد فترة وجيزة من اغتيال أبو العطا.

 

 

للمشاركة:



جاد الكريم الجباعي: مولع بالاستنارة لم يفقد دهشة المعرفة

صورة منى شكري
كاتبة وصحافية أردنية
2019-11-12

"النبيل" وصْفٌ أطلقه عليه خصومه قبل أصدقائه؛ فالتواصل الإنساني لديه يحتلّ موقعاً أهم من الانحياز الأيديولوجي؛ إذ يعتبر الكاتب والمفكر السوري جاد الكريم الجباعي أصدقاءه، من خلفيات فكرية وسياسية متبانية، "جزءاً من ثروته الروحية"، فعلاقاته قائمة حتى مع من يختلف معهم فكرياً وسياسياً على المحبة والاحترام.
حُسْن الإنصات سمة تطبع الجباعي الذي لا يتعالى على الآخرين بعلمه وفكره، بل يقدم كل ما لديه لخدمة المعرفة والتنوير، يصف نفسه بأنّه "مولع بالاستنارة"، يراجع أفكاره دوماً على الواقع من جهة، وعلى الفتوحات الفكرية والعلمية من جهة أخرى؛ إذ لم يفقد دهشة المعرفة ومتعتها، ويعتبر نفسه صارماً مع نفسه منهجياً.

كتب الجباعي عدة بحوث في نقد التجربة الحزبية العربية ونشرها وخلص إلى أنّ الأحزاب العقائدية عندنا تشبه العشائر والطوائف

ولد جاد الكريم الجباعي عام 1945 في قرية من قرى محافظة السويداء، تسمّى نمرة، تقع شرق مدينة شهبا، في أسرة ريفية متوسطة الحال، قدم والده إلى سوريا من لبنان (جباع الشوف، ومن هنا كنية الجباعي).
درّب الجباعي نفسه بكثير من المشقة على النظر إلى المرأة باعتبار أنّها مكافئة له؛ فالمسألة تحتاج إلى تدريب، وإلى مجاهدة النفس "الأمّارة بالسوء".
تشاء الأقدار أن تنجب والدة المفكر اثني عشر بطناً، لم ينجُ لها سوى ثلاث بنات يكبرن جاد الكريم، وهو ما جعله طفلاً أثيراً مدللاً لدى الجميع، أتقن القراءة والكتابة باكراً، وكان يقرأ لأبيه وأصدقائه مواعظ دينية مكتوبة بخط اليد (نسخ)، فصار والده حريصاً أن يتجه إلى الدين.

غلاف كتابه "المجتمع المدني هوية الاختلاف"
انفصلت والدته عن والده وانتقل الجباعي، وهو صغير ليعيش عند أخواله، غير أنّ وفاة والده، وهو في الصف الثالث الابتدائي جعلت من إقامته لدى أخواله دائمة. في هذه المحطة من حياته تأثر جاد الكريم بشخصية والدته التي كان لها الأثر الأكبر في تكوين شخصيته إذ كانت، ذكية وقوية الشخصية، أبيّة وعزيزة النفس، على رقتها ودماثتها وجمالها، وكانت تميل إلى مجالس الرجال، حتى صارت السيدة التي يسمع رجال العائلة كلمتها وتستشار في سائر الأمور.
لا يُخفي أبو حيان أنّ غربته الأولى جعلته يميل إلى متابعة دروسه باجتهاد، ثم إلى المطالعة، منذ انتقل إلى المرحلة الإعدادية؛ حيث قرأ في المرحلتين؛ الإعدادية والثانوية معظم أعمال طه حسن وأحمد أمين والرافعي والمنفلوطي وجبران خليل جبران وغيرهم، وكثيراً من الروايات ودواوين الشعر، وكان يريد أن يصير شاعراً، لولا أنّه انتسب في نهاية المرحلة الثانوية إلى تنظيم سياسي (ناصري) فاحتلت قضية الوحدة العربية وتحرير فلسطين كل كيانه.
شغف البحث والقراءة
واصل الجباعي شغفه في البحث والقراءة؛ ففي صف البكالوريا (المرحلة الثانوية) قرأ "أصول الفلسفة الماركسية" لجورج بوليتزر، وقد سبّب له وقتها أزمة روحية، نظراً لنشأته في بيئة متدينة (درزية) من جهة، وولعه بالتراث الإسلامي وسيرة النبي محمد، عليه السلام، من جهة أخرى، فقد حفظ معظم القرآن الكريم، وكان يتلوه في خلواته ترتيلاً وتجويداً، فكان لذلك أثره في محبته للغة وإتقانها باكراً. في بادئ الأمر وبفعل مطالعاته الباكرة غلبت الميول الأدبية عليه، ثم انتقل للفلسفية منها التي تعززت بعلاقته الطيبة بإلياس مرقص خاصة، وكان جاد الكريم لم يزل شاباً.

اقرأ أيضاً: جاد الكريم الجباعي: للإخوان والجماعات الإرهابية أيديولوجيا واحدة
بعد وفاة والد جاد الكريم لم يكن له ولأمه وأخته أي مصدر رزق، وعن ذلك يقول: "صارت أمي وأختي تعملان على كسب بعض العيش من جمع ما يتركه الحصادون خلفهم من سنابل القمح أو نبات العدس أو الحمص، ومن مساعدة الحصادين في بعض الأعمال لقاء هبة مما حصدوه"، ويتابع "أمام هذه الحال اضطررت إلى العمل في العطل الصيفية، منذ طفولتي الثانية، في مطاعم دمشق، ثم في بيروت وعاليه وبحمدون بلبنان، فأتقنت صنع الفلافل والمسبّحة والفول وبعض الطبخات، إلى جانب الجلي. وأحب أن أطبخ في بعض الأحيان".
"أصول الفلسفة الماركسية" لجورج بوليتزر

أهم المؤثرين
تخرج الجباعي في دار المعلمين، وعمل معلماً في محافظة القنيطرة، ثم في ريف دمشق، بعد هزيمة حزيران 1967، وتخرج في جامعة دمشق مجازاً في علوم اللغة العربية وآدابها، وعمل مدرساً. أحب التعليم حباً جماً، وأحب تلاميذه، وطلابه وأحبوه.
لم ينقطع عن العمل الحزبي، منذ عام 1963، فبعد تخرجه في جامعة دمشق (1968 – 1969) انتسب إلى حزب العمال الثوري العربي، وفيه تعرف على ياسين الحافظ، المفكر القومي الديمقراطي الاشتراكي المعروف، ونشأت بينهما مودة عميقة، وفي اللاذقية، حيث كان يعمل مدرساً، تعرف على إلياس مرقص، وهو من أبرز العاملين في حقل الفلسفة في سورية.

اقرأ أيضاً: إحسان عبّاس المثقف الموسوعي إذ يستشعر "غربة الراعي"
ويوضح أنّ تأثره بهذين العلمين كان عميقاً، ومن خلال ياسين تأثر الجباعي بالمفكر المغربي الشهير عبد الله العروي. فانتقل إلى مرحلة التقرب من الماركسية، لذلك عكف على دراسة كتابات ماركس وإنغلز مباشرة، لا من خلال المقتطفات السوفييتية والملخصات الشيوعية، ثم عكف على دراسة كانط وهيغل وعاد إلى دراسة كتب ماركس ثانية، وعن ذلك يقول: "أعد ماركس الفيلسوف الإنساني من أكثر من تأثرت بهم من غير العرب، وكذلك هيغل، ومنهما إلى قائمة طويلة من المفكرين الذين انتهجوا نهجاً ماركسياً وجدلياً".
تخرج الجباعي في دار المعلمين وعمل معلماً في محافظة القنيطرة

مولع بالاستنارة
مر الجباعي بمحطات عملية كثيرة، غير أنّ أهم ما استفاده من تجربته في التعليم إتقان العمل والاستقلال الذاتي، والنأي النسبي عن الأيديولوجيا في علاقته بطلابه؛ إذ يذكر أنّه في أثناء تعليمه لصف البكالوريا، على مدى خمسة عشر عاماً، لم يفرق قط بين بعثي وناصري وشيوعي، على الرغم من الضغوط الحزبية من جهة، وضغوط الأجهزة الأمنية من جهة أخرى، وهذا ما دفعه للاستقالة من التعليم.

اقرأ أيضاً: عندما ثار طه حسين على السلطة وسياسة التعليم التلقيني
سافر الجباعي عند ترك التعليم إلى الإمارات العربية المتحدة بقصد العمل، فلم يوفق، فعاد إلى سورية للعمل في الموسوعة العربية، وتعلم الكثير من العلامة الأستاذ الدكتور شاكر الفحام، المدير العام للموسوعة، فقد كان أكثر من شجعه على المضي في الكتابة، بعد أن قرأ عدداً من مقالاته.
يراجع الجباعي، الذي أسس موقع "سؤال التنوير" الإلكتروني، أفكاره دوماً على الواقع من جهة، وعلى الفتوحات الفكرية والعلمية من جهة أخرى، حتى بات لا يعرف له مذهباً.
يسبح عكس التيار
لم يحظَ الجباعي، بنقد كتاب ومفكرين معروفين لما كتب، على الرغم من إشارات الاستحسان التي كان يلمسها من بعضهم في الندوات والمؤتمرات. كتب الباحث منير الخطيب شيئاً عن سيرته الفكرية في موسوعة أعلام الفكر الحديث والمعاصر، وتناول بعضهم بعض كتبه، على سبيل العرض الصحفي، ويعزو الجباعي قلة هذا التناول لمؤلفاته بقوله: "إنني لست مكرساً، إلى جانب ضعف الحركة النقدية، علاوة على شح القراءة". والأهم، وفق الجباعي، أنّه تعلم من ياسين الحافظ أن يسبح بعكس التيار، وكانت نتيجة ذلك أنّه نأى عن التيارات السائدة، ونأى محازبوها عنه، بمن في ذلك بعض أصدقائه، ولا يخلو أن يعتبره بعضهم مرتداًه.

غلاف كتابه "من الرعوية إلى المواطنة"

المرأة مكافئة

للمرأة أثر عميق جداً في حياة الجباعي الشخصية والفكرية، وعن ذلك يقول: "أمي من ربتني ولكم أتمنى أن أنتسب إليها، وعدد صديقاتي اللاتي أحبُّهن وأقدِّرهن لا يقل عن عدد أصدقائي، وتعلمت منهن الكثير"، وعن علاقته بالمرأة يتابع "دربت نفسي بكثير من المشقة على النظر إلى المرأة على أنّها مكافئة لي، فالمسألة تحتاج إلى تدريب، وإلى مجاهدة النفس "الأمارة بالسوء"".

مرّ الجباعي بمحطات كثيرة وأهم ما استفاده من تجربته في التعليم إتقان العمل والاستقلال الذاتي والنأي عن الأيديولوجيا

يحب الجباعي المرأة المزهوة بأنوثتها، والتي تعتني بجسدها وتحترمه. وتناول مسألة المرأة في مجتمعاتنا العربية في أكثر من بحث ومقال، وصدر له حديثاً كتاب بعنوان "فخ المساواة: تأنيث الرجل .. تذكير المرأة".
تزوج الجباعي في العام 1970، ورغم أنّه يحب زوجته ويحترمها إلا أنه يقول ممازحاً: إنّ لها "عدة ضرائر"، فقد انشغلتُ عنها بالعمل الحزبي، ثم بالنشاط المدني، ثم بالقراءة والكتابة؛ يعني أربع زوجات، على سنة الله ورسوله".
عملت زوجته في مؤسسة الخضار والفواكه، وهي متقاعدة اليوم، وللجباعي ولد وثلاث بنات. ابنه البكر (حيان) مواليد 1971 أما ابنته الكبرى (سلافة) فهي من مواليد 1973، في حين ابنته الوسطى (خزامى) من مواليد 1976، بينما ابنته الصغرى (لميس) فمولودة في العام 1979.
وعن علاقته ببناته، يقول إنهن من أحب صديقاته إلى قلبه، شخصياتهن مستقلة، لكل واحدة خياراتها. لكن الجباعي يشعر أنه لم يقضِ معهنّ الوقت اللازم، ناهيك عن الكافي، بحكم الظروف التي عايشها.
ثروة روحية
كتب الجباعي عدة بحوث في نقد التجربة الحزبية العربية، ونشرها، وخلص إلى أنّ الأحزاب العقائدية عندنا تشبه "العشائر والطوائف"، ودعا إلى ما أسماه "الحزب السياسي البرنامجي"، الذي لا يروج لأية أيديولوجيا علناً وصراحة، ولا يدعو الناس إلى التزام أيديولوجيا معينة، ويعدل برنامجه ورؤيته الاستراتيجية وفقاً لنمو الحياة السياسية، إذ بات المفكر أكثر حماسة للانتظامات والتنظيمات المدنية غير الحزبية، على أهمية الأحزاب السياسية وضرورتها.
مؤلفاته
ألف الجباعي العديد من الكتب منها "حرية الآخر، نحو رؤية قومية ديمقراطية"، و"حوار العمر، أحاديث مع الياس مرقص"، و"قضايا النهضة"، و"المجتمع المدني هوية الاختلاف"، و"المسألة الكوردية .. حوارات ومقاربات" و"طريق إلى الديمقراطية"، وكتاب "وردة في صليب الحاضر، نحو عقد اجتماعي جديد وعروبة ديمقراطية" و "أطياف الأيديولوجية العربية" و"حداثة بلا حدود" و"في الدولة الوطنية الحديثة" و"من الرعوية إلى المواطنة"، وكتاب حواري مع نبيل الشويري بعنوان "الهوية والذاكرة".

اقرأ أيضاً: سليمان بشير ديان: حكيم أفريقي ينتصر للمشترك الإنساني
وإذ أنجز الجزء الأول من كتاب "المجتمع المدني هوية الاختلاف"، غير أن الجزء الثاني من الكتاب والذي كان ينوي أن يتناول فيه موقف هيغل وماركس وغرامشي من المجتمع المدني وعلاقته بالدولة، لم يرَ النور، مبيناً أن ما أعاقه عن ذلك أمران: أولهما الإسهام في الحراك المدني، الذي سمي "ربيع دمشق" (2000 – 2007). والثاني اضطراره إلى كتابة مقالات صحفية لمواجهة الأوضاع المعاشية الصعبة.

للمشاركة:

موجز تاريخي لصناعة الهوية الوطنية في العراق

2019-11-11

الحقيقة التي يجب التأكيد عليها، عند النظر إلى أيّ مجتمع، سواء كان حديثاً وكامل التكوين والتبنين (صارت تحكمه علاقات بنيوية: طبقات مكتملة)، أو يتأرجح بين التقليدي والحداثي؛ هي أنّ النظام الاجتماعي عمل يُصنع ويُعاد صنعه باستمرار؛ أي إنّه، مثل كلّ عملية إنتاج، مسألة تكرارية، تأسيساً وتطويراً ونقضاً، وليس امتيازاً ميتافيزيقياً لأيّ شعب، ولا يعلو هذا النظام على شرطَي الزمن والتاريخ؛ فتأسيسه المتكرر حدث زمني بامتياز، ولا يحمل أيّة ضمانات غيبية لاستمراره كما هو.

اقرأ أيضاً: الأمة في وجه الدولة: التوحيد الوطني يبدأ من أسفل العراق
إنّ بناء الأمة، مثل كلّ فعل بشري: محض إنتاج يخضع للآليات العاملة للإنتاج في أيّ مجتمع، ولمحدّداته المادية، ولا يتمّ بمجرد وعي القادة الفذّ، وإذا كانت السلطة هي من يضع الأطر العامة لبناء الأمة، فإنّ عملية البناء يسهم فيها المجتمع ككل: من أعلى بواسطة السلطة السياسية والإنتلجنسيا التي تدعمها وتمدّها بالكوادر والخبرات والرؤى والخطاب، ومن أسفل بواسطة المجتمع المدني الذي يخضع لمحددات اجتماعية واقتصادية متشابكة، وبواسطة الناس العاديين الذين يتفاعلون مع الأفكار والسياسات إيجاباً وسلباً.

كانت خطيئة النظام الملكي أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه لذا فقد جوبه بمقاومة قادة الأحزاب الأيديولوجية

إنّ المعضلة الأكثر صعوبة التي تعيشها المجتمعات العربية؛ هي نقص الاندماج الاجتماعي، الذي تتمّ ترجمته في مستويات مختلفة: رفع الإجحاف التاريخي بحقّ طائفةٍ ما، الاعتراف بالحقوق الثقافية لعرق معيّن، الحصول على حصة متناسبة من السلطة، وأخيراً التمايز عن بقية مكونات المجتمع، هذه الأشكال جميعها هي ما نسميها: التفكّك الاجتماعي، والذي يشهد العراق أكثر أشكاله حدةً وجدية عن باقي المجتمعات العربية.
وفي هذا السياق؛ هناك ضرورة لتقليص التركيز على حادثة الغزو الأمريكي للعراق (2003)، التي تهيمن على جزء معتبر من الأدبيات التي تتناول تفكّك الدولة والمجتمع في العراق؛ فهي، وإن كانت تضع يدها على أسباب جدية للمأزق العراقي (فاقم الغزو التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى)، إلا أنّها تغفل العوامل الأكثر عمقاً على المستوى التاريخي في صياغة هذا الفشل.

فاقم الغزو الأمريكي للعراق التناقضات الموروثة وخلق تناقضات كارثية أخرى
كذلك سيكون الانسياق مع الأطروحات التي ترى في الغزو فعلاً هامشياً "فتح صندوق باندورا" (بتعبير الباحث شيركو كرمانج) على مشكلات العراق المتوطنة، انسياقاً مُضلّلاً؛ فقد كان (الغزو) عاملاً ضمن عوامل أكثر فاعلية في عملية التفكّك الوطني العراقي (فحلّ الجيش واستئصال البعث كان يعني عملياً طرد السنّة من العمليات السياسية التي أعقبت الاحتلال؛ بحكم سنّية الجيش والبعث، وهو ما ضاعف حدّة الانقسام بعد الغزو وصولاً إلى الحرب الأهلية 2006/2007).

اقرأ أيضاً: آخر علاج العراق كي إيران
وفي المقابل؛ يرى باحثون آخرون (أبرزهم ميثم الجنابي وفالح عبد الجبار)؛ أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق، على اعتبار أنّه كان بلداً علمانياً يعرّف مواطنوه عن أنفسهم؛ بأنّهم عراقيون، وليس بهوياتهم العرقية والدينية.
وهذا يتناقض مع الواقع التاريخي للعراق الذي، باستثناء الشيعة في الخمسينيات والستينيات (وفي إطار الحزب الشيوعي)، لم يعرّف مواطنوه أنفسهم بأنّهم عراقيون، وبالتالي سيكون إلقاء اللوم على صدام وحده بمثابة إعفاء مسيرة التكون التاريخي للأمة من أيّ عيوب أو نواقص، لذا يتطلب فهم الوضع الحالي للدولة والأمة في العراق العودة إلى تلك الجذور وتطورها وتحولاتها.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تغيير النظام في العراق؟
وفي سبيل الوصول لذلك؛ سيكون الحذر واجباً من السير خلف الأطروحات التي تميل إلى تضخيم دور الدولة في بناء الهوية الوطنية، مع وجوب الموازنة بين دورها ودور المجتمع المدني وإرادة الناس.

سردية اسمها العراق
ما تزال صورة العراق في بدء تأسيس الدولة، حين فرضت الإدارة الاستعمارية عليه النظام الملكي، عام 1921، بقيادة الملك فيصل بن الحسين، تتشابه، رغم التغييرات الكبرى التي عصفت بهذا البلد، مع صورته الحالية، فقد كانت الدولة الجديدة على درجة من الهشاشة؛ حيث لم يكن بإمكانها فرض سلطتها دونما عون من سلطة الاحتلال، وما تزال مقولة الملك فيصل بإمكانها أن تفسّر كثيراً من حالة العراق:
"إنّ البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، ذلك هو الوحدة الفكرية والملية (القومية) والدينية؛ فهي والحالة هذه مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها، يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين، وفي عين الوقت أقوياء مادة ومعنى".

اقرأ أيضاً: ثورة العراقيين واللبنانيين على الأحزاب
اتصفت عملية التوحيد وبناء الأمة في العراق، في عشرينيات القرن الماضي، باتّباع سياسات تكامل طوعية وأخرى قسرية؛ فمن خلال المؤسسات الوطنية: الجيش، المدارس، البيروقراطية، المدارس، تمّ دمج شتى الأطراف العرقية والطائفية في مجتمع أكبر بواسطة الحكومة المركزية.
وكما يقول حنا بطاطو، في ثلاثية "العراق" ج 1؛ فقد ساعد تطوّر وسائل النقل والمواصلات في تقليص حالة العزلة التاريخية بين المجموعات الحضرية والريفية؛ فخرجت المدن، التي كانت منغلقة على نفسها ومكتفية ذاتياً، من عزلتها السابقة، كي تعمل وتتفاعل مع فضاء وطني ناشئ، وكذلك الأمر مع الريف، فيما جذبت السلطة القبائل نحو الاستقرار، للمرة الأولى في تاريخها، عبر توزيع الأرض على زعمائها الذين تحوّلوا من شيوخ قبائل إلى مالكين للأراضي، لتميل الوحدة الأبوية المتراصة للقبيلة إلى الانهيار التدريجي.

يرى باحثون أنّ صدام حسين هو الذي دمّر كلّ سمات الهوية الوطنية للعراق
ولعبت الدولة، من خلال سياساتها الاقتصادية، دوراً مهمّاً في التوحيد، فبوصفها مالكة للأرض؛ شرعت في توزيع الأراضي على شيوخ القبائل والقيادة العليا للجيش والبيروقراطية، كي تخلق قاعدة اجتماعية للدولة الوليدة، (الأمر نفسه أنجزه محمد علي في مصر في القرن التاسع عشر)، وبحسب فالح عبد الجبار، في "العمامة والأفندي"؛ فإنّ "رسملة" الإنتاج الاقتصادي (اقتصاد موجّه نحو السوق، وليس للاستهلاك العائلي)، ساهمت في تفكيك اقتصادات الكفاف المنعزلة، وفي إعادة ربط المناطق النائية والمنعزلة بالمركز: العاصمة.

اقرأ أيضاً: إيران مطرودة حتماً من العراق
أما الإجراءات القسرية؛ فقد تمثّلت في لجوء الدولة الوليدة في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين إلى شنّ حملات عسكرية واسعة وحاسمة ضدّ المتمردين الأكراد والآشوريين والإيزيديين والقبائل الشيعية في الجنوب، إلّا أنّ الدولة سرعان ما تحسّست كلفة هذا الإدماج القسري، لتبدأ رحلة التكامل الاقتصادي والتنموي المعزز بسياسات توحيدية قوامها توزيع السلطة الإدارية على الضباط والتجار والسادة والشيوخ مع مراعاة التوازن الإثني والطائفي، التي من خلالها استطاع النظام الملكي إعادة اللحمة بين الأجزاء النائية والمفككة وبين الدولة المركزية، ليحلّ بذلك المهمة الأساسية للدولة الوطنية: التحوّل من التشظّي الاجتماعي إلى المركزية.

اقرأ أيضاً: هل تستعين إيران بداعش لإفشال ثورة العراقيين؟!
لم يمضِ وقت طويل على عملية التكامل الوطني حتى برزت مجموعة من التناقضات في صلبها؛ إذ أدّت إلى خلق طبقات جديدة: أرستقراطية مالكي الأرض، كبار التجار، الطبقة الوسطى، نواة طبقة عمالية، فلاحين يعملون بالأجر، وفلاحين إلى شبه أقنان في أملاك السادة الجدد، وعمال هامشيين في المدن؛ لتصبح بمرور الوقت الثغرة الأكبر في جدار التوحيد الوطني هي استبعاد الطبقة الوسطى من العملية السياسية، واستبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية.

كانت خطيئة النظام الملكي؛ أنّه لم يستجب للتحولات الاجتماعية التي أطلقها بنفسه؛ لذا فقد جوبه بمقاومة عاصفة: حضرية/ ريفية، قادتها الأحزاب الأيديولوجية التي أسستها الطبقة الوسطى لتحقق مطالبها السياسية، وعلى رأسها الحزب الشيوعي العملاق. ونظراً لفقدان الحسّ السياسي لدى قادة الدولة؛ فقد استمروا في الاعتماد على بريطانيا، كداعم أكبر في مواجهة دول الجوار وتمرّدات المجتمع، في وقت كانت فيه نزعات التحرر الوطني تعبّئ المنطقة وتمهّد لقلبها رأساً على عقب.

اقرأ أيضاً: الغضب الشعبي يجبر موظفي إيران على مغادرة العراق
غير أنّ الأحزاب التي كانت بمثابة رأس الحربة في المعارضة، لم تستطع أن تترجم هيمنتها الأيديولوجية إلى سيطرة سياسية لأسباب تاريخية وسياسية معقّدة، بعضها محلّي وأكثرها عالمي، تاركة حسم مسألة السلطة لمجموعة نخبوية من الضباط المسيَّسين.
البندقية تُوحّد ولا تبني
استولى الضباط الراديكاليون على السلطة، في تموز (يوليو) 1958، ليقلبوا العلاقة بين الدولة والتشكيلات الاجتماعية رأساً على عقب؛ حيث أشرف الضباط على تدمير الطبقة الحاكمة القديمة وطبقة كبار الملاك، إلا أنّهم، في الوقت نفسه، ألغوا المؤسسات التشريعية، فاتحين الباب لمسيرة من الحكم العسكري؛ لتصبح السلطة التنفيذية صاحبة اليد الطولى في الحكم دون شريك تشريعي أو قضائي؛ ليتحول مصدر الشرعية السياسية التفويض الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع إلى وجاهة الأيديولوجيات الشعبوية وسحرها الخاص، ومع غياب أيّ شكل من أشكال المؤسسية السياسية أصبح العنف المُركز الأداة الحاسمة للحكم، وهو ما سيكون له أبلغ وأسوأ الأثر معاً في المراحل اللاحقة من عملية بناء الأمة.

استبعاد الفلاحين والعمال من المنافع الاقتصادية للتنمية
مثل كلّ أنظمة المرحلة، مرحلة التحرر الوطني في العالم الثالث، تمكّن الزعيم عبد الكريم قاسم من تحسين وضع الطبقة الوسطى وتلبية مصالحها الاجتماعية والاقتصادية، إلا أنّه، وفق حنا بطاطو، أفرز خللاً في عمليات التكامل الوطني (بناء العراق كمجتمع سياسي)، ويفسّر بطاطو هذا الخلل في أنّ سلك الضباط (النخبة الحاكمة) كان يسيطر عليه تاريخياً الضباط العرب السنّة، بالتالي؛ جرى استبعاد الشيعة والأكراد من صيغة الحكم، وإطاحة مكتسبات تمثيل التنوع الإثني والديني للعراق، وهذا ما تفادته المرحلة الملكية، رغم عيوبها الكارثية.

اقرأ أيضاً: مصير المنطقة يتقرّر في العراق
ومثلما غيّر وصول الضباط الثوريين إلى السلطة من شكلها، فقد غيّر ظهور البترول من مضمون هذه السلطة أساساً؛ فلأنّ الدولة هي صاحبة السيطرة المطلقة على الثروة؛ فقد أصبحت، بحسب تحليل عبد الجبار، منقطعة عن عملية الإنتاج الاجتماعي للثروة، وبما أنّه جرى تحطيم كلّ المؤسسات السياسية (باستثناء مؤسسة الرئاسة، كما هو الحال في مصر الناصرية)، فلم يكن بإمكان القابضين على زمام الأمر أن يديروا المطالبات المتباينة والمتنافسة لشتى المجموعات، الإثنية والطائفية والطبقية، كما أصبح الوسيلة الوحيدة للتعبير عن التناقضات الاجتماعية/ الاقتصادية، والصراع على النفوذ والمكانة هي التآمر بين أحزاب ضالعة في العمل السرّي.

اقرأ أيضاً: لبنان للبنانيين والعراق للعراقيين
ومثل أيّة طبقة وسطى في حقبة التحرّر الوطني، دانت الطبقة الوسطى العراقية بالولاء للدولة، صاحبة الفضل في تكوينها أصلاً، وصاحبة الفضل الأكبر في صعود أفرادها الاجتماعي، وكان في ذلك مقتل العراق؛ إذ مالت كلّ أجنحتها للصراع على السيطرة على الدولة، وبقدر تبايُن الواقع الاجتماعي لهذه الطبقة بقدر ما تعددت الانقسامات الأيديولوجية والسياسية؛ بين الوطنية العراقية (التي تبنّاها الشيعة والحزب الشيوعي الذي أطر رؤاهم)، والقومية العربية (التي تبناها السنّة وضباطهم الراديكاليون)، والقومية الكردية، ثم النضالية الشيعية (بعد تضعضع الحزب الشيوعي)، ثم الأصولية السنّية أخيراً.

اقرأ أيضاً: لماذا كل هذا الاستنفار الإيراني من تظاهرات العراق ولبنان؟
تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلية (وفق شيركو كرمانج)، أو على الأقل لم تُترجم سياسياً في شبكة من العلاقات تدير الدولة وتوزّع الثروة، على عكس الأخوَين عارف، اللذين جاءا من بعده؛ حيث اخترقت النزعة القبلية صفوف العسكر؛ نتيجة عجز الروابط الأيديولوجية عن إضفاء حالة من الاستقرار على الدولة، ودمج أكبر قدر ممكن من السكان في الدولة، دون أن يكونوا شركاء أصلاء في إدارتها.

تميّز عهد عبد الكريم قاسم بخفوت النزعة القبلي
وبطبيعة الحال؛ تلاشت الأسس التي تقوم عليها السلطة السياسية؛ فلا هي دولة أيديولوجية وثورة وتبشير وراديكالية، ولا هي دولة دستور ومؤسسات وتمثيل شعبي، ولا تحكمها سلالة نبيلة؛ بل حفنة من الضباط المنقسمين على أنفسهم (كما تجلى في تكرار الانقلابات العسكرية آنذاك)، فكان لا بدّ من وضع أساس جديد وصلب (ودموي إذا تطلب الأمر) للسلطة: البعث.
عشيرة التحرّر الوطني!
باستثناء موقفه المخجل من التدخّل الأجنبي لإطاحة النظام، فإنّ كنعان مكية كان أفضل من كتب عن عراق صدام، سواء في "جمهورية الخوف"، أو في "القسوة والصمت"، ومكيّة وإن لم يكن مشغولاً بقضية الهوية والأمة في العراق، إلا أنّه كان أفضل من رسم الخطوط العامة والتفصيلية للسلطوية في عهد البعث، وما يهمّ في حالتنا هذه ليس الطابع الوحشي للسلطوية الذي شغل مكية، بل اعتمادها على إستراتيجية القسر والعنف، في أقصى أشكاله، في عملية التوحيد الوطني، وعدم فتحها أفقاً آخر غير الإخضاع المسلح للأطراف والجماعات الفرعية للسلطة المركزية.

اقرأ أيضاً: لا تستخفّوا بما يجري في لبنان أو العراق
فقد اختلف النظام الشمولي البعثي اختلافاً جذرياً عن كلٍّ من النظام الملكي التقليدي (شبه الليبرالي) والأنظمة العسكرية السلطوية التي تلته، وقد جاء على هيئة مزيج غير متجانس من النزعة الاشتراكية القومية والعلاقات والمفاهيم العصبوية.

ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً هو افتقار العراق إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة

احتفظ الوجه الأول (الشعبوية ذات المنحى الاشتراكي) بكلّ خصائص الأنظمة الشبيهة في العالم آنذاك، ومعظمها استُوحيَ من الاتّحاد السوفييتي: حكم الحزب الواحد (الحزب القائد للدولة والمجتمع)، بالتالي؛ احتكار السياسة، ونموّ بيروقراطية الدولة، وتضخم القوات العسكرية والأمنية، ومركزة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بالكامل، في يد هيئة سياسية ذاتية التعيين "هيئة قيادة الثورة" (وهي شكل سياسي موروث من الخمسينيات، عمّمته مصر الناصرية)، والسيطرة على معظم ميادين الإنتاج وتوزيع الثروة، والهيمنة على الثقافة بأشكالها كافة: (التعليم، الصحافة، النشر)، وابتلاع المجتمع المدني: (النقابات العمالية والمهنية، الجمعيات، النوادي، اتحادات رجال الأعمال، الغرف التجارية) في جوف النظام، هذه العمليات جميعها هي ما أطلق عليها نزيه الأيوبي تعبير "تضخيم الدولة العربية".
لكن، وفق فالح عبد الجبار؛ فإنّ الحكم البعثي، من حيث الأيديولوجيا الشمولية والاقتصاد المركزي والوحدة الوطنية الممثلة في الزعيم، وليس في مؤسسات الدولة، والقمع المفرط ضدّ الأقليات القومية والدينية، تشابه كثيراً مع النموذج الألماني الشمولي النازي، لا أنظمة التحرر الوطني التي جاء بعد انزياحها (لم يفقد كادر بعثي واحد حياته في سبيل الاستقلال)، فيما احتفظ الوجه الآخر للنظام (حكم العشيرة) بكلّ خصائص نموذج حكم العائلة.
ما منع النظام البعثي من أن يكون نازياً حقيقياً؛ هو افتقار العراق إلى التبنين الطبقي، أو إلى طبقات اجتماعية ناضجة ومتبلورة، وإلى الملكية الخاصة والمصالح الكبرى المستقلة عن الدولة، فضلاً عن حداثة تكوين الدولة الوطنية والمجتمع الموحّد سياسياً فيه، ومن ثمّ أعطى هذا التمازج الفريد للنزعتَين؛ القبلية والجماهيرية الشعبوية، للدولة العراقية فُرادة سياسية لم يعرفها بلد آخر في العالم!

للمشاركة:

هل يمكن الحوار مع إيران ثانية دون علم الخليج؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-11

مشاري الذايدي

في نهاية الأمر؛ هل ستجلس إيران إلى طاولة المفاوضات من جديد؟ كل ما يجري اليوم هو تسابق نحو هذه الطاولة، أو قلْ الاستعداد لما قبل الطاولة.

لم يُخفِ الرئيس الأميركي دونالد ترمب هدفه من سياسة «الحدود القصوى» بالضغوط الاقتصادية والمالية والسياسية والجنائية، وهو جلب النظام الإيراني المهووس بالتوسع العقائدي إلى حلبة الواقعية السياسية، وإجباره، من خلال إنهاك اقتصاده، على ترك الخرافات السياسية والثقافية التي تحولت إلى قنابل أمنية وقلاقل أهلية في منطقة الشرق الأوسط.

تارة يقول مرشد النظام الإيراني علي خامنئي إنه ضد الجلوس مع الإدارة الأميركية، وتارة يقول رئيس جمهوريته إنه مع الجلوس وإعادة التفاوض ولكنْ لديه شروط.

المهم هو أن الكل يعلم أنه عند لحظة ما، سيعاد بناء اتفاق جديد، ينقضُ الاتفاق الخبيث الذي نسجه بالسرّ، الآفل باراك أوباما، مع ملالي طهران، في صفقة بيع فيها أمن الخليج والعرب، في مقابل تعهد سدنة إيران بعدم امتلاك السلاح النووي، وإخضاع منشآتها النووية للتفتيش الدولي، لأمد محدد أيضاً.

السعودية ودول الخليج، ما عدا قطر وسلطنة عمان ربما، تشدد على أن أي صفقة مقبلة مع إيران من قبل الاتحاد الأوروبي وأميركا وبعض كبار العالم، يجب أن يكون رأي دول الخليج حاضراً فيها.

وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، في خطاب خلال «ملتقى أبوظبي الاستراتيجي السادس» الذي عقد مؤخراً، قال إن على إيران الجلوس إلى طاولة التفاوض مع القوى العالمية ودول الخليج، وإن إجراء محادثات جديدة مع إيران يجب ألا يتطرق إلى الملف النووي فقط؛ بل يجب أن يعالج مسألتي «الصواريخ الباليستية» و«التدخل الإقليمي»، مضيفاً أن مناقشة تلك الملفات تعني أن دول المنطقة تحتاج للمشاركة فيها.

وأضاف الدكتور قرقاش: «هذا الطريق سيكون طويلاً، وهو ما يتطلب صبراً وشجاعة».

وعليه؛ حتى لا نقع في الحفرة مرة ثانية، يجب أن يكون «فيتو» سعودي وخليجي وعربي على أي محادثات جديدة مع إيران دون الحضور فيها، ودون إهمال هذين الشرطين: الصواريخ الباليستية، والتدخل في شؤون الدول العربية... نقطة آخر السطر.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية