إيران إلى أين في ظل كل هذه الضغوط الأمريكية؟

إيران إلى أين في ظل كل هذه الضغوط الأمريكية؟

مشاهدة

15/06/2019

تتواصل الضغوط الأمريكية، غير المسبوقة، على إيران منذ خروج واشنطن من الاتفاق النووي. ومؤخراً أعلنت الإدارة الأمريكية عن حزمة عقوبات استهدفت قطاع البتروكيماويات الإيراني شملت الشركة الأكبر العاملة في القطاع، وهي مجموعة "خليج فارس للبتروكيماويات" التابعة للحرس الثوري، و38 شركة أخرى تدور في فلكها. ولا تزال وزارة الخزانة الأمريكية تضيف مزيداً من الأسماء والكيانات إلى قوائم العقوبات، كان آخرها كيانان وشخص عراقي قالت وزارة الخزانة الأمريكية: "إنّهم وضعوا على قوائم العقوبات؛ بسبب تسهيلهم نقل أسلحة للحرس الثوري من إيران إلى وكلائها الإقليميين".

اقرأ أيضاً: ترامب يكشف من وراء تفجيرات خليج عُمان

ويمكن تفسير الخطوات الأمريكية في إطار الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على النظام الإيراني بغية تعديل سلوكه الإقليمي؛ كما أنّها تأتي من أجل ترجيح كفة الجماعات التي تدعم بدء الحوار مع الولايات المتحدة داخل إيران من خلال العمل على ارتفاع السخط الشعبي، وارتفاع وتيرة المطالبة بالانفتاح على العالم.

يمكن وصف العام الإيراني الجاري بالكارثي فقد تتزايد معدلات التضخم في الاقتصاد وتنهار العديد من المؤسسات الكبرى

ورغم حديث المسؤولين الإيرانيين عن توفر طرق لضمان بقاء مبيعات النفط الإيرانية عند مستوى مليون برميل يومياً، فإنّ مجريات الأمور، ومواقف الزبائن الرئيسيين، والتجارب السابقة تبين أنّ النظام الإيراني لن يستطيع إبقاء مبيعاته عند هذا المستوى، والمرجح أنّ هذه المبيعات ستتراوح بين (400 – 600) ألف برميل يومياً، حتى إذا افترضنا أنّ الحكومة الإيرانية لجأت إلى إستراتيجياتها البديلة لاستهداف "السوق الرمادية".

   ومن المرجح أنّ إيران سوف تضطر إلى بيع نفطها بأسعار منخفضة، بغية الحصول على زبائن بسبب العقوبات. وهذا ما سيجعل سعر 55 دولاراً للبرميل هو السعر الأقرب إلى الواقع، حتى في حال ارتفاع أسعار النفط العالمية إلى معدلات أعلى. وعلاوة على ذلك، هناك ما يسمى "بكلفة نقل الدولار إلى الاقتصاد الإيراني" في حال العقوبات، والتي يقدرها المحافظ السابق للمركزي الإيراني ولي الله سيف بنحو 15 في المائة من القيمة المراد نقلها، وبالتالي ستزداد القناعة بأنّ الأسعار المفترضة للنفط الإيراني لن تتجاوز مستوى 55 دولاراً.

اقرأ أيضاً: ماذا تستفيد إيران من الهجمات في خليج عُمان وعلى السعودية؟

وفي ظل العجز الناتج عن هبوط الإيرادات النفطية، والبتروكيماوية، فإنّ أهم آلية ستلجأ إليها الحكومة لسد العجز هي استخدام الاختلاف في نظام تسعير الدولار. وذلك عن طريق استغلال الفارق بين السعر المعتمد للدولار في الموازنة العامة (نحو 5800 تومان) وسعر السوق (نحو 14 ألف تومان). وإلى جانب التجربة التاريخية في استخدام مثل هذا الفارق، فإنّ هناك إشارات من مراكز دراسات تابعة للحكومة، والبرلمان تؤكد عزم الحكومة على تحرير سعر الدولار بشكل غير رسمي، لبيع إيراداتها النفطية وفق أسعار السوق. وقد تستطيع هذه الآلية سدّ بعض العجز لكنها ستؤدي إلى رفع معدلات التضخم بشكل كبير، وتُحدث ارتفاعات في الأسعار بشكل عام، إلى جانب تضخم في البضائع الأساسية.

اقرأ أيضاً: كيف نتصدى لإيران في الخليج؟

وسيجعل هبوط الإيرادات النفطية والبتروكيماوية يد الحكومة مقيدة في تطبيق برنامج لتوفير 14 مليار دولار لتأمين البضائع الأساسية بالسعر المدعوم (4200 تومان للدولار)؛ ما يعني احتمال ارتفاع أسعار البضائع الرئيسة، واتساع رقعة الفقر في المجتمع، ما يرفع من مؤشرات عدم الاستقرار الداخلي.

وقد أعلنت بعض مراكز الدراسات الإيرانية عن مجموعة طرق للتصدي لأزمة العجز الناتجة عن العقوبات المفروضة على قطاع النفط. وجمعت هذه الطرق بين خفض الإعفاءات الضريبية، وفرض مزيد من الضرائب على الطبقات الغنية، وعلى الوحدات السكنية الخالية، ورفع الحد الأدنى من السعر المدعوم لتسعير البضائع الأساسية، وفرض ضرائب على من يشترون الذهب والدولار، وبيع ممتلكات حكومية، وخفض الدعم المقدم لصناديق التقاعد؛ ما يقدر مجموعه بنحو 159 ألف مليار تومان من المصادر الإضافية للحكومة، وهي كفيلة لسد العجز الناتج عن العقوبات النفطية، لكنه في المقابل سيكون مؤقتاً، وسيحمل المجتمع مزيداً من الأعباء.

اقرأ أيضاً: التصعيد في الخليج: الرهان الإيراني على الارتباك الأمريكي

ومن المؤكد أنّ محاولة تصفير الصادرات النفطية الإيرانية ستترك أثراً سلبياً قوياً على الاقتصاد الإيراني المنهك. وأغلب الظن أنّها سوف تحرم إيران من أكثر من 40 في المائة من مصادر موازنتها العامة. وإذا أضفنا هذه النسبة إلى العجز المتوقع الناتج عن بقية المصادر، مثل؛ الضرائب، والإيرادات الجمركية، والاستثمارات، فسوف تقارب نسبة العجز المتوقع في الموازنة العامة حينها 60 في المائة، وهو رقم قياسي لم يسبق أن بلغته حكومة في إيران.

اقرأ أيضاً: خليج عمان: هل تصنع التفجيرات الأخيرة قوائم طاولة مفاوضات بين أمريكا وإيران؟

ومن خلال متابعة الخطوات التي تتخذها الإدارة الأمريكية في الفترة الأخيرة، يمكن التأكد أنّ إدارة ترامب تحاول دفع إيران نحو الخروج من الاتفاق النووي من أجل الحصول على إجماع دولي ضدها. وبالمقابل فإنّ الخطاب الغالب في الأوساط السياسية الإيرانية هو أن يتخذ النظام الإيراني سياسة "الصبر الاستراتيجي" المبني على تحمل الضغوط خلال الفترة المتبقية من ولاية ترامب، في انتظار ما تحمله الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة، والتي يتطلع الإيرانيون إلى فوز مرشح ديمقراطي فيها. وفي إطار هذه السياسة واصل الإيرانيون التزامهم بالاتفاق النووي. ومقابل هذه السياسة الإيرانية يمكن تفسير الخطوات الأمريكية، بأنّها تصعيد في المواجهة بغية دفع إيران باتجاه الخروج من الاتفاق النووي بشكل أسرع.

اقرأ أيضاً: استهداف ناقلتي نفط قرب الساحل الإيراني.. من المسؤول؟!

وفي المجموع ستؤدي العقوبات على إيران إلى عجز في الموازنة العامة للحكومة الإيرانية ناتج عن انخفاض الإيرادات النفطية، وعجز ناتج عن هبوط الإيرادات البتروكيماوية، وبالتالي سوف يُنتجان عجزاً شاملاً. وفيما يتعلق بتداعيات العقوبات على المشهد الإيراني الداخلي والحالة الإيرانية بشكل عام، يمكن تصور الاتجاهات المستقبلية للحالة الإيرانية وفق عدة سيناريوهات؛ أبرزها سيناريو انهيار الاقتصاد الإيراني الذي يُرجِّح حدوثه العديد من الخبراء الاقتصاديين. ويفترض هذا السيناريو أنّ الخطوات الأمريكية بإنهاء الإعفاءات، وفرض العقوبات على قطاع البتروكيماويات، يجب تفسيرها ضمن أجندة أمريكية شاملة تهدف إلى دفع الاقتصاد الإيراني نحو الانهيار، كخطوة على طريق تغيير النظام السياسي، أو بغية تعريضه لضغوط تؤدي إلى إصلاحات جذرية فيه. وضمن هذا الإطار يمكن وصف العام الإيراني الجاري بالعام الكارثي؛ إذ من المفترض أن تتزايد معدلات التضخم في الاقتصاد الإيراني، وتنهار العديد من المؤسسات الإيرانية الكبرى، وقد تلجأ الحكومة إلى طباعة النقد الإلزامي، ورفع سعر الدولار بشكل مستمر؛ ما من شأنه أن يرفع معدلات التضخم، ليكون ذلك حافزاً على اضطرابات اجتماعية، وسياسية تضغط على النظام السياسي في إيران. وهو ما بدأت بوادره تظهر في العام الجاري الذي شهد الشهر الأول منه تضخماً بنحو 53 في المائة، وسط تأكيدات من الخبراء، ومن مسؤولين في الحكومة بأنّه سيكون عاماً صعباً.

محاولة تصفير الصادرات النفطية الإيرانية ستترك أثراً سلبياً على الاقتصاد الإيراني وستحرم طهران أكثر من 40% من مصادر موازنتها العامة

في المقابل، تراهن القيادات الإيرانية على سياسة الصبر الإستراتيجي والتكيف مع الأزمة. وعلى الرغم من إقرارها بأنّ العام الجاري سيكون عاماً صعباً، لكنها ترفض أن يكون الاقتصاد الإيراني عرضة للانهيار. وتعتقد بأنّ الحكومة الإيرانية سوف تستطيع أن تتكيف مع الأزمة، وتمنع انفلاتها عبر عدة خطوات، على الرغم من ارتفاع عجز الموازنة العامة، وارتفاع نسبة التضخم. وعلى الصعيد الدولي، تراهن إيران على تخفيف الضغوط عن نفسها عبر توسيع رقعة التجارة مع العراق، وسوريا، وتركيا، كونها تبحث عن متنفّس غير خاضع لرقابة نقل الأموال إلى الداخل. كما ستلجأ الحكومة إلى بعض الخطوات الكلاسيكية في التحايل على العقوبات، وتستأنف سياسة استخدام مستحقات النفط في الصين كضمان للواردات من هذا البلد. وبشكل عام يستطيع مجموع تلك الخطوات أن ينقذ الاقتصاد الإيراني، وتبعاً له الحكومة الإيرانية من الانهيار، أو أن يؤجل ذلك على الأقل، ويحيله إلى المستقبل. ولكن هذا السيناريو الذي تفضله الحكومة، والذي يخلف عجزا متراكما للعام المقبل يبقى متعذراً في ظل استنزاف الطرق الكلاسيكية للتحايل على العقوبات، وفي ظل الاختلاف بين حالة العقوبات السابقة، وبين الحالة الراهنة التي تفتقر إيران فيها إلى ذلك المخزون الكبير من الدولارات، وتستهدف فيها العقوبات كامل القطاع النفطي والبتروكيماوي.

اقرأ أيضاً: إيران.. تخصيب الطائفية في العراق

  وفي ظل هذه الخيارات المعقدة، يبقى احتمال حدوث استدارة إيرانية مفاجئة، من خلال الانفتاح السياسي والاقتصادي على الغرب وارداً. وذلك على الرغم من ظاهر موقف المسؤولين الإيرانيين بأنّهم غير راغبين في إجراء مثل هذا الحوار قريباً. ولا شكّ بأنّ دخول طهران في حوار مع الغرب حول الملفات السياسية الخلافية القائمة لن يكون مساراً سريعاً ولا سهلاً. لكنّ مجرد البدء به يمكنه أن ينعكس إيجاباً على أداء الاقتصاد، ويرفع العقوبات تدريجياً عن القطاع النفطي. ولعل أبرز الإشكالات التي تواجهها طهران مع إدارة ترّمب، هو تأكيد الإدارة الأمريكية على ضرورة أن يكون هذا الحوار شاملاً لعدة مستويات، بعضها يناقش محاور جوهرية تمس طبيعة النظام السياسي الإيراني، ومصادر شرعيته، وهويته، ومراكز القوة الرئيسة فيه.

الصفحة الرئيسية