إيران تواجه سياسة حافة الهاوية الأمريكية بشراكات إقليمية

إيران تواجه سياسة حافة الهاوية الأمريكية بشراكات إقليمية
صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
31498
عدد القراءات

2018-09-08

تطوّق النظام الإيراني العديد من المشكلات الداخلية وتعقيداتها، في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية وتداعياتها على المجتمع، الذي يشهد تصاعد وتيرة الغضب والاحتجاجات الشعبية في ثمانين مدينة ومحافظة إيرانية، ما يعكس تراجعاً في شعبية النظام وتهديد شرعيته ورفض سياساته.

 وطالت الاحتجاجات، للمرة الأولى، النخب الدينية والسياسية والمرشد الأعلى علي خامنئي، بالإضافة إلى اتهام المسؤولين بالحكومة في عدة قضايا فساد تسببت في ارتفاع معدلات البطالة والتضخم، والانهيار الحاد في أسعار صرف الريال الإيراني أمام الدولار الذي سجل 150 ألف ريال، بحسب موقع "بازار 360" المصرفي.

الغضب من النخب الدينية والسياسية بدا ملاحظاً بدقة ضد سياسات الملالي لا سيما في شعارات وهتافات الجماهير

المحرك الرئيسي للاحتجاجات فجرته الحالة الاقتصادية المهملة التي تفرض بتأزماتها الاجتماعية، واقعاً صعباً على مناحي الحياة كافة؛ يمكن رصده في عدم تلبية وتوفير احتياجات المواطنين اليومية من السلع الأساسية، وتراجع قدراتهم الشرائية، وخفض الرواتب، والنقص الحاد في الأدوية المحلية، كما صرح الناطق باسم وزارة الصحة الإيرانية، ايرج حريرتشي. يضاف إلى ذلك الحالة الحقوقية التي تتجمع في قلب تلك الاحتجاجات وهامشها؛ كخلع الحجاب، والمطالبة بتحسين أوضاع الأقليات القومية والدينية، ما يفصح، في المقابل، عن خلخلة في بنية النظام الاجتماعي الذي يحتمي به الولي الفقيه، وحدوث ضمور شديد في حاضنته الشعبية.

إطاحة عمامة الولي الفقيه

الغضب من النخب الدينية والسياسية بدا ملاحظاً بدقة ضد سياسات الملالي، لا سيما في شعارات وهتافات الجماهير التي نددت من خلالها بالتدخلات العسكرية الخارجية، في سوريا والعراق واليمن، وإهدار أموال الشعب في النفقات العسكرية الضخمة، على حساب الإصلاح الاقتصادي.

بلغ عدد القوات الإيرانية في سوريا نحو 70 ألفاً، من بينهم 15 ألفاً، تابعون للحرس الثوري

في نهاية العام الماضي بلغ عدد القوات الإيرانية في سوريا نحو 70 ألفاً، من بينهم 15 ألفاً، فقط، تابعون مباشرة إلى الحرس الثوري الإيراني، بحسب تقديرات المعارضة الإيرانية. وفيما يخص الإنفاق الإيراني في سوريا، فإنّ الأمم المتحدة رجحت أنّ الرقم قد وصل إلى 6 مليارات دولار سنوياً.

ومن جهة أخرى، يشير موقع "دويتشة فيلة" الألماني إلى أنّ إجمالي النفقات الإيرانية، من جراء التدخل العسكري، في سوريا والعراق واليمن ولبنان، يقدر بنحو 350 مليار دولار.

اقرأ أيضاً: كيف تتحايل طهران على العقوبات الأمريكية؟

الرئيس الإيراني حسن روحاني، واجه، في جلسة برلمانية مؤخراً، عدداً من الاستجوابات التي طرحها عليه النواب، وذلك، للمرة الأولى، منذ وصوله للحكم، قبل خمسة أعوام، وتتعلق بمجموعة من القضايا؛ تخص واقع البطالة، والعملة الأجنبية، والركود، والتهريب، التي تسببت جميعها في حالة معيشية صعبة وطاحنة أدت لاستمرار الاحتجاجات، بينما قرر البرلمان رفع تلك التساؤلات التي أجاب عنها روحاني إلى السلطة القضائية، للبت فيها، قبل تجميد الأمر، حسبما أفادت وكالة أنباء فارس الإيرانية، قبل أيام، لتنغلق أعنف مواجهة بين السلطتين؛ التشريعية والتنفيذية في الجمهورية الإسلامية، بعد أن جاءت نتائج التصويت في جلسة الاستجواب، بخلاف قناعات النواب.

جنود القتل والنهب

وفي المقابل، لم تستثن مؤسسات الحرس الثوري الاقتصادية وتبعيتها للمرشد، من الاتهامات والشكوك، خاصة، فيما يتصل بقبضتها العنيفة على الاقتصاد الإيراني، الذي تطوعه لمصالحها وأهدافها الإستراتيجية، بالإضافة إلى عدم الشفافية الواضحة حول أنشطتها التجارية، وانفلاتها من المراقبة القانونية والدستورية؛ ومن بينها، مؤسسة "خاتم الأنبياء"، التي تمتلك ما لا يقل عن 300 شركة، تعمل في مجالات النفط والغاز والصناعة والتعدين.  

وبحسب التقرير الشهري للمعهد الدولي للدراسات الإيرانية، فإنّ روحاني، الذي سبق وأعلن في حزيران (يونيو) 2017، أنّ الحرس الثوري مسؤول عن انهيار الاقتصاد الوطني، قال: "لقد سلمنا جزءاً من الاقتصاد الذي كان في يد دولة بلا بندقية، لدولة تحمل البنادق، وأنّ تلك الحكومة التي تملك البندقية، تمتلك أيضاً وسائل الإعلام وكل شيء، ولا أحد يجرؤ على منافستها"، قد  خالف تصريحاته التي تضمن له قاعدته الشعبية، والتزم الصمت عن تجاوزات الحرس الثوري، ومؤسساته الاقتصادية، وتجاهل تصريحاته السابقة، وعبّر عن ولائه التام للمرشد الأعلى، في جلسته الأخيرة بالبرلمان، وقال: " يجب أن أوضح للشعب أننا سوف نعبر هذه الأزمات، بحول وقوة الله، وتوجيهات المرشد، وتعاون السلطات الثلاث والقوات المسلحة".

اقرأ أيضاً: العقوبات الأمريكية على إيران تدخل حيّز التنفيذ... فما طبيعتها وكيف ستنفّذ؟

من ناحيتها، عبرت النائبة البرلمانية، بروانه سلحشوري، عن استيائها الشديد، تجاه الوضعين؛ السياسي والاجتماعي، اللذين تعاني منهما البلاد، وانتقدت غياب الرقابة والشفافية، حول ما وصفته بـ"أهلية بعض المرشحين في البرلمان، من قبل مجلس صيانة الدستور، والذي يشكل حاجزاً في اختيار الشعب لمن يمثلهم"، بحسب توصيفها.

هل تتواطأ الحكومة على الفساد؟

حالة الارتباك الشديد الذي يكاد يتحكم في مفاصل دوائر الحكم في إيران، تعكس تناقضات عديدة بينهم، فيما يتصل بالصورة الكلية، للتعاطي مع الواقع المحلي وإدارة الملف الاقتصادي، من ناحية، ومواجهة الضغوطات الأمريكية، من ناحية أخرى، خاصة بعد الانسحاب من الاتفاق النووي.

العقوبات دفعت بالبرلمان لاستجواب روحاني

 وهو ما يمكن توصيفه بدقة، ليس في موقف البرلمان المتردد، من روحاني، وتراجع الأخير، ذاته، عن مضمون تصريحاته السابقة، فقط، بل تكرار الصور بنفس عناصرها، وتقاسم عناصرها المشتركة، عندما قرر 29 برلمانياً التوقيع على مذكرة، بهدف سحب الثقة، من وزير التعليم، محمد بطحائي، ثم ما لبثوا أن سحبوها، فقرر البرلمان إلغاء الجلسة التصويتية، قبل يومين.

على إثر دخول العقوبات الأمريكية حيز التنفيذ، في السادس من آب (أغسطس) الماضي، والتي شرعت إدارة ترامب، مواجهة إيران بها، من خلال حصارها اقتصادياً، وكبح نفوذها الإقليمي، حيث شملت العقوبات، مشتريات إيران من الدولار الأمريكي؛ كتجارة المعادن والسيارات، يمكن اعتبار الشق الأولى من تلك السياسة قد اكتمل، ما أدى إلى "تسونامي" في العملة المحلية التي انهارت واتسعت شقة أسعار صرفها العالية في مقابل الدولار.

بيد أنّ الشق الثاني في سياسة العقوبات الأمريكية، الذي من المنتظر البدء فيه، في الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر)، المقبل، فيشمل عقوبات على مشتريات النفط الخام الإيراني، ما سيساهم في رفع حدة الأزمة الاقتصادية الداخلية، بصورة بالغة.

كيف تواجه إيران الحصار الاقتصادي؟

تتوجه إيران نحو البحث عن شراكة إقليمية جديدة، تتوسل من خلالها كل الطرائق والحيل، لمواجهة حزمة العقوبات الثانية، وهو ما سعت إليه، فعلياً، عبر رفع مستوى علاقاتها مع تركيا وقطر، وزيادة التبادل التجاري والنشاط السياسي، والتي كانت قد بدأت بفتح قنوات تواصل عملياً معهما، منذ المقاطعة الخليجية، العام 2017.

كما تنشط إيران، مؤخراً، مع بعض الدول التي تتماس مع حدودها، وقريبة من جغرافيتها، مثل؛ باكستان ودول بحر قزوين، والأخيرة، تبحث في مياهها الدافئة عن فرص لتفادي تداعيات الحصار الاقتصادي والضغوطات الأمريكية.

 تحاول إيران اتباع كل الطرائق والحيل لمواجهة حزمة العقوبات الأمريكية الثانية

تحركت السياسة الخارجية الإيرانية، في نهاية شهر آب (أغسطس) الماضي، باتجاه باكستان، بعد أن دعمت وصول عمر خان إلى رئاسة الحكومة الباكستانية، إذ التقى به وزير الخارجية محمد جواد ظريف في إسلام أباد، وبحثا فرص التعاون الممكنة بينهما، في المجالات التي من المحتمل أن تتعرض لتأثيرات مباشرة، على خلفية العقوبات الأمريكية، وإيجاد بديل لها، مثل التعاملات المصرفية، ومشروعات نقل الطاقة من إيران إلى باكستان، خاصة، الغاز، والمشاركة في تطوير الموانئ.

سياسة "حافة الهاوية"

خلال الشهر ذاته، انعقدت قمة خماسية في كازاخستان، أسفرت عن اتفاقية مع إيران، تقضي بأن تكون المنطقة الرئيسة لسطح بحر قزوين، متاحة للاستخدام المشترك بين البلدين، وتقسيم الطبقات السفلية إلى أقسام متجاورة بالاتفاق بين الدول الخمس، على أساس القانون الدولي، وتفرض الاتفاقية قراراً لا يسمح بوجود قوات عسكرية، لقوى أجنبية، دولية أو إقليمية في البحر.

اقرأ أيضاً: الميليشيات الإيرانية تشد الأحزمة حول العراق

ويشير الدكتور محمود أبو القاسم، الباحث في الشأن الإيراني، إلى أنه رغم ما قد يعد نجاحاً من جانب إيران، فيما يتعلق بجذب مواقف عدد من القوى إليها، لكن قد ينجح ترامب فى إثناء هذه الدول عن مواقفها، "لأنّ هذه الدول فى النهاية، قد لا تضحي بمصالحها الواسعة مع الولايات المتحدة، من أجل مصالحها المحدودة مع إيران، فضلاً عن أنّ دوائر الحركة الإيرانية خارجياً محدودة، وهو الأمر الذي قد يفشل كل المحاولات الإيرانية، لتفادي تأثير العقوبات إلى المدى الذي يجبرها على الاستسلام والإذعان للشروط الأمريكية".

تحركت السياسة الخارجية الإيرانية باتجاه باكستان بعد أن دعمت وصول عمر خان إلى رئاسة الحكومة الباكستانية

ويوضح لـ "حفريات": "لذلك مع استعادة أول حزم العقوبات الأمريكية، وحتى قبل أن تدخل حيز التنفيذ، بدأت الشركات الكبرى تخرج من السوق الإيراني، بالرغم من مواقف البلدان التى تنتمي إليها، وتؤيد استمرار الشراكة مع إيران، كشركة توتال الفرنسية، وغيرها من الشركات التى تستثمر في قطاع الطاقة في إيران، كما بدأت بوادر الازمة الاقتصادية تظهر على السوق الإيراني".

اقرأ أيضاً: روحاني ضحية العزلة الداخلية والعقوبات الأمريكية

وفيما يخص علاقة إيران بدول جوارها الإقليمي في مواجهة الأزمة، يؤكد أبو القاسم أنّ طهران "لن يمكنها مواجهة العقوبات، بصورة كلية؛ لأن دخول حزمة العقوبات الثانية، في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، والتي تخص قطاع النفط وإمكانية وصول إيران، إلى سوق المال الدولي، ستدفع هذه الدول لمراجعة مواقفها، وأقصى ما يمكن أن تقوم به إيران مع تلك الدول، هو تهريب نفطها عبر حدود تلك الدول، وهذا لن يحل الأزمة الاقتصادية الداخلية المتفاقمة بأبعادها كافة".

وفي تقدير الباحث بالشأن الإيراني، فإنّ أهم ما في الأمر، هو أنّ الولايات المتحدة والنظام الإيراني، لن يفشلا في الوصول إلى صيغة ما في مرحلة ما، تحفظ للطرفين مصالحهما؛ "فلا إدارة ترامب تريد أن يسقط النظام في إيران، حيث إنّ أقصى أهدافها هو درء تهديد إيران لإسرائيل، قرب حدودها، وتعديل سلوكها في المنطقة، بالإضافة إلى تأكيد إنهاء التهديد النووي، كما أنّ النظام الإيراني لديه الاستعداد لتصعيد يصل حد تهديد بقائه، ومن ثم، فإنّ الطرفين يتبعان سياسة حافة الهاوية".

 

 

 

 

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



من التنظيم الخاص إلى حسم.. الظاهرة الجهادية قلق مصر المزمن

2020-02-18

"الماضي لا يموت أبداً"، تلك هي القاعدة التي تحكم البنية التحتية للسياسة في مصر، وهي لا تنطبق على شيء كما تنطبق على الاستمرارية التاريخية لجماعة الإخوان المسلمين، بكل ما صحبته من انغلاق وعنف وتطرف؛ وإذا ما كان هناك مشكلة يمثل فيها الماضي الحاكم والمهيمن فهي استمرارية جماعة الإخوان التاريخية.

جماعة الإخوان المسلمين واسعة وتضم عدداً من الأعضاء وهم ليسوا جميعاً على مستوى واحد من الدرجة التنظيمية

في مواجهة الإهمال الاعتباطي لماضي الإسلاموية، والذي أفرز حاضرها المُربك، نظّم مركز "دال" بالقاهرة، الأربعاء الماضي، ندوة لدراسة أوجه التماثل والاختلاف بين أشكال العنف الديني في الأربعينيات، وبين تجلّياته في العقد الثاني من الألفية الثالثة؛ سعياً لبلورة مقاربة مختلفة تستوعب دروس الماضي الجهادي وتفكّك بنية حاضره؛ فإذا كانت الحركات العنفية حديثة النشأة، لم تبدأ من الصفر فإنّ فهمها وامتلاكها العلمي ينبغي أن يكون على المستوى نفسه.
لقد نجحت الدولة المصرية في كبح الظاهرة الجهادية حتى انحسرت على نحو ملموس؛ حيث تراجع عدد الهجمات الإرهابية في سيناء، وتضاءلت بشدة في غيرها من المحافظات، كما استطاعت الحكومة وأد حركات جهادية كان من المتوقع أن تتمدد وتزدهر عقب 30 حزيران (يونيو) 2013، مثل حركة "حسم" الإخوانية؛ إلا أنّ مخاطر السياسة العنيفة لم تتبدد بشكل كلي؛ فمع استمرار مناخ التشنج السياسي والتهميش الاقتصادي والقمع، سيكون هناك من يرى بعض الجاذبية في هؤلاء الذين يتحدّون أسس وشرعية الدولة القائمة ويخططون للانتقام السياسي ممّن ساهموا في إسقاط حكم الجماعة، وهو إغراء خطير يجب مواجهته بكل السُّبُل الممكنة.

التاريخ هو المحك

تحدّث مقُدّم الندوة؛ الباحث رامي شفيق، عن ضرورة صُنع مقاربة تاريخية للعلاقة بين التنظيم الخاص وحركة "حسم"؛ فمن الصعب، بحسبه، تقديم قراءة موضوعية ومنهجية لحدثٍ ما دون ربطه بالسياق التاريخي والأحداث التي سبقته.
وأشار شفيق إلى أنّ النقطة الأهم التي ينبغي الانتباه إليها عند الحديث عن جماعة الإخوان المسلمين، هي عدم التعامل معها باعتبارها نسقاً واحداً عبر هذه الأعوام الطويلة، دون ملاحظة التغييرات التي مرت بها الجماعة؛ فهي جماعة واسعة تضم عدداً من الأعضاء، ليسوا جميعاً على مستوى واحد من الدرجة التنظيمية؛ فهناك الأخ المساعد والأخ المنتسب والأخ العامل، ومن مرتبة الأخ العامل فقط ينطلق الأخ الجهادي.

اقرأ أيضاً: كيف رد طه حسين وآخرون على الإخوان؟
والنزوع الجهادي لدى أعضاء الجماعة، إحدى القضايا الحاسمة في فكر ومناقشات الإخوان منذ رسالة المؤتمر الخامس التي قررها المؤسس حسن البنا، وهي، بحسب تعبير شفيق؛ "نقطة مفصلية في عمر الجماعة، ليس على مستوى المضمون فقط، بل على جملة التغييرات السياسية التي عصفت بمصر في ذلك التوقيت، والتي أعطت للمؤتمر الخامس زخمه وأثره في مسيرة الجماعة؛ ففي هذه الفترة وقعت مصر معاهدة عام 1936 مع بريطانيا".
ولعل الأثر السياسي الأبرز لهذه المعاهدة هو ضمور الجاذبية السياسية لحزب الوفد المصري وللملك فاروق في آن، وبداية الصعود الصاروخي لجماعة الإخوان؛ ممّا دفع حسن البنا إلى الشروع في مرحلة جديدة في حياة التنظيم، تعتمد القوة المسلحة في التغيير والوصول للسلطة.

أدّت معاهدة مصر مع بريطانيا عام 1936 إلى ضمور الجاذبية السياسية لحزب الوفد وللملك فاروق وبداية صعود جماعة الإخوان

ونسج المُحاضر؛ الدكتور عمرو الشوبكي، أطروحته، على المنوال التاريخي نفسه؛ فألح على أهمية عدم فصل النص / الظاهرة، عن السياق التاريخي الذي يتحركان في إطاره؛ فأي حركة سياسية بشكل عام، وحركات الإسلام السياسي بشكل خاص، لا يمكنها الإفلات من سطوة سياقها الاجتماعي والسياسي؛ فلا يمكن تحليل النصوص / الظواهر، سواء كانت دينية أو سياسية، بمعزل عن السياق الاجتماعي، وهذا يمكن أن يساعدنا في فهم سبب استدعاء كتابات ابن تيمية في بعض اللحظات التاريخية وخفوت استغلالها في لحظات أخرى.
وتأسيساً على هذه القاعدة المنهجية، انتقل الشوبكي إلى سؤال مشروع حول اللجوء لخيار العنف لدى الجماعة، فقد لجأت الجماعة لهذا الخيار في العهد الملكي وفي العهود الجمهورية جميعهاً، وبالتالي يجب إعادة النظر في سردية الجماعة التي تُحمّل مسؤولية انتهاجها العنف للأنظمة السلطوية؛ فقد طال حزب الوفد، على سبيل المثال، قمع الملك وقمع عبد الناصر وإقصاء السادات لكنه لم يمر بمواجهات مسلحة وعنيفة مع الدولة.

جانب من الندوة
وعلى سبيل المحاججة، تساءل الشوبكي؛ "إذا كان تبرير الإخوان للعنف بالقمع الذي طالهم في عهد عبد الناصر صحيحاً، فلماذا اشتبكت الجماعة بعنف مع كل النظم السياسية المتعاقبة والمتباينة التي مرت على مصر؟"، لافتاً إلى أنّ هذا يدل على خلل ما في صيغة جماعة الإخوان المسلمين نفسها.

معضلة الديني والسياسي

يُرجع الشوبكي الخلل في صيغة الجماعة إلى إشكالية مركزية تتمحور حول دخول جماعة دينية إلى المجال السياسي والعام، طارحاً إستراتيجية "الدمج الآمن" لحل هذه الإشكالية، التي طالما حدّت من تطور مصر السياسي، وفكرة هذه الإستراتيجية، كما شرحها الشوبكي، قائمة على افتراض إمكانية دمج الجماعات الدينية في العملية السياسية، لكن بشرط فصل الجماعة الدينية عن الحزب السياسي.

لا يمكن تحليل النصوص والظواهر سواء كانت دينية أو سياسية بمعزل عن السياق الاجتماعي والسياسي لها

وقد أُثيرت أطروحة الشوبكي حول الفصل بين العمل السياسي والدعوي (الجماعة / الحزب) على نطاق واسع منذ سقوط حسني مبارك، حيث ظلت محل نقاشات عاصفة ومحمومة من قِبل أنصار وخصوم الإسلام السياسي، على حدٍ سواء، فبرّرت الجماعة الجمع بين السياسة والدعوة؛ بأنّ البيئة السياسية العدائية التي انخرطت بها على مدار عقود، أجبرتها على العمل وفق هذه الصيغة المُلغّمة؛ إذ وضعت الأولوية لصراع البقاء، ولم تكن مستعدة لخطر تفتيت بنيتها بالفصل بين الدعوة والعمل السياسي، إلا أنّها لم تلتزم بهذا الفصل الضروري سوى على نحو شكلي ومخادع، حتى بعد أن أصبحت لاعباً سياسياً شرعياً ورئيسياً.
وكان الشوبكي، من أبرز الداعين لهذا الفصل الحتمي بين الأنشطة الدعوية وبين الحزب السياسي، الذي عليه الالتزام بالقواعد المدنية الدستورية، وطالما شدّد على ضرورة عدم السماح لجماعة دينية خارج التقاليد المدنية للدولة المصرية بوضع القواعد الدستورية والقانونية للنظام السياسي، على عكس ما حدث؛ فالذين وصلوا للسلطة بعد الثورة هم الجماعة الدينية وليس الحزب السياسي، حيث وضعت الأولى دستوراً يفتح الباب فعلاً لدولة دينية.
ويقارن الشوبكي دخول الجماعة إلى المجال السياسي بعد الثورة، بلحظة دخولها إلى المجال العام؛ حيث فعلت الأمرين بشروطها كجماعة دينية تهدف إلى تغيير المجتمع وقيمه، وهو ما أربك المشهد السياسي في الحالتين.

ليست لحظةً عابرة

منذ تشكّل الجماعة عام 1928 وحتى المؤتمر الخامس عام 1937، ظهر الإخوان كجماعة دعوية مسالمة، وتحدثت رسائل حسن البنا عن هدف دعوي بالأساس يسعى إلى تغيير قيم الأفراد وسلوكياتهم، معتبراً أنّه بتغيير 90 بالمئة من أفراد المجتمع سيتغير النظام السياسي تلقائياً، وبالتالي ليست هناك حاجة إلى ثورة أو تغيير جذري، أو حتى تحويل الجماعة إلى حزب، وقد تمّ الانقلاب لاحقاً على هذا الطابع المحافظ الذي صبغ الجماعة منذ نشأتها، حيث تحاول الجماعة اليوم إظهار نفسها كحركة ثورية، في تناقض مع أفكارها الأولى والأصيلة التي ترفض التغيير الثوري وفكرة الثورة في حد ذاتها.

طال حزب الوفد قمع الملك وقمع عبد الناصر وإقصاء السادات لكنه لم يمر بمواجهات مسلحة وعنيفة مع الدولة

وبعكس ريتشارد ميتشل، الذي ردّ فكرة التنظيم الخاص إلى النزعة الجهادية المستعرة لدى حسن البنا، يعتبر الشوبكي أنّ البنية التنظيمية متعددة المستويات، والبنية العقائدية متنوعة الدرجات لتنظيم جماعة الإخوان المسلمين؛ هما اللتان أفرزتا فكرة التنظيم السري أو التنظيم الخاص، وبالنسبة إليه، فبإمكان البنية نفسها إلقاء المزيد من الضوء على تجربة "حسم" في الفترة الأخيرة؛ فلا توجد جماعة سياسية أو دينية تشتمل على هذا التعدد ولا تنتج تنظيماً عنيفاً.
وبحسب أدبيات الجماعة، كما يقول الشوبكي، فإنّ المستويات التنظيمية تشمل؛ الأخ المساعد، ثم الانضمام الأخوي أو الأخ المنتسب، ثم الأخ العامل، الذي يقضي عامين أو 3 مع الجماعة حتّى تتم تزكيته، ويدفع اشتراك 7 بالمئة من دخله لصالح الجماعة، والمستوى الأخير هو الانضمام الجهادي، ولا يصل إليه إلا من كان عضواً عاملاً لمدة 4 أعوام على الأقل.

اقرأ أيضاً: كيف يعمل الإخوان على أسلمة أوروبا؟
وهناك عناصر تكوينية في أدبيات الجماعة، لإعداد الكادر المجاهد؛ أهمها:
- دراسة عميقة للجهاد في الإسلام
- التدريب على الأعمال الشاقة
- التدريب على توزيع المنشورات
- التدريب على التخاطب بالشيفرة
- التدريب على استعمال الأسلحة
- المبايعة على السمع والطاعة
- كتمان السر
ووفقاً لذلك، اضطرت جماعة الإخوان المسلمين إلى تبني خطابين؛ أحدهما مُعلن حول الدعوة والإصلاح ورفض الثورة ورفض الحياة الحزبية، وآخر موازي خفي عنيف حول الجهاد والتضحية، والذي أسفر عن اغتيال النقراشي والقاضي الخزندار ومحاولة اغتيال عبد الناصر.

وفي خضم عملية الاستقصاء التي أجراها الشوبكي، تبيّن أنه مع التحولات التي مرت بها البلد، وبالتحديد في عهد الرئيس السادات ومجيء عمر التلمساني كمرشد للجماعة، خفتت ممارسة العنف وتبنت الجماعة خطاباً سلمياً منفتحاً يتناسب مع مرحلة الاستضعاف، قائم على المودة وقبول الآخر، وهو نقيض خطاب مرحلة التمكين الذي ظهر مع وصولها إلى السلطة.

يرجع الخلل في صيغة الجماعة إلى إشكالية مركزية تتمحور حول دخول جماعة دينية إلى المجال السياسي والمجال العام

وفي ملاحظة لامعة، يشير الشوبكي إلى أنّ فكرة العنف لم تخفت في أذهان قادة الجماعة منذ السبعينيات وحتّى سقوط نظام مبارك، رغم انتفاء ممارسة العنف عن سياسة الجماعة؛ حيث ظلت كامنة داخل ذهن اتجاه محافظ (القطبيين)، والذي حوّل الفكرة إلى مشروع كامل يقوم على افتراض أنّ الإخوان شيء والمجتمع المصري شيء آخر، ويُمثّل تعبير "الاستعلاء الإيماني"، على قسوته، أفضل تعبير عن هذا العنف الكامن.
وبحسب الشوبكي، دخلت فكرة العنف مرحلة الكمون، بسبب تغيّر السياق السياسي؛ فقد دخل الإخوان المشهد العام كفاعل سياسي منذ عهد السادات، وحين أصبحت الجماعة منبوذة منه عام 2013، تبنت رواية سياسية مناقضة للرواية السائدة، واستدعى قسم من الجماعة فكرة العنف، وهنا تبلورت حركة "حسم" التي انطلقت عام 2014 وقامت بعمليات نوعية متعددة ضد الجيش والشرطة.
ويرصد الباحث، التشابه الذي يجمع "حسم" بالتنظيم الخاص، ويؤكد على الاستمرارية التاريخية لفكرة العنف داخل بناء الجماعة العقائدي والتنظيمي؛ حيث إنّها تواجه العنف ضد النظام وحده (وليس على طريقة داعش التي تستهدف الكل، وذلك لأنّ الحركة تتبنى رواية انتقام سياسي مما حدث في ٣ تموز)؛ أما الفارق بين الظاهرتين فيكمن في أنّ التنظيم لم يكن قائماً على فكرة الثأر والانتقام بل على مفهوم "الجهاد"، وأنّ مستوى التكوين العقائدي في التنظيم الذي أسسه البنا، أعلى بما لا يقاس من حالة "حسم" التي تتبنى خطاباً سياسياً يشبه خطاب "الربيع العربي" مع تلوينه بمفردات وتعبيرات إخوانية، وتجاهل أدبيات الجماعة المحافظة ومدها بخطاب ثوري، لطالما عارضته في مسيرتها الطويلة الملتبسة.

للمشاركة:

عملية قاسم الريمي.. ما أهم تداعيات استهداف قيادات القاعدة باليمن؟

2020-02-17

بعد أن نجحت الولايات المتحدة مؤخراً، بمعاونة محليين، في القضاء على قاسم الريمي، "قائد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب"، ثم إعلانها عن جائزة مقدارها 11 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات عن القيادي سعد العولقي، وخالد باطرفي، انسحبت القاعدة إلى مناطق الملاذات الجبلية الآمنة كعادتها من أجل تقليل خسائرها، بعد أن وصلت لمستوى كبير من الانحدار والاختراق والتفكّك، وذلك بالتزامن مع تقدم الجيش اليمني وقوات النخبة مصحوبة بدعم التحالف العربي للسيطرة على اليمن وتحرير ما تبقى من المدن من يد الحوثيين.
انعكاسات سلبية على التنظيم
إنّ مقتل قاسم الريمي ستكون له انعكاسات سلبية على التنظيم؛ فالرجل يعتبر من مؤسسي الفرع اليمني وأبرز وجوهه المؤثرة، ومن بقايا الرعيل الأول من الأفغان العرب، كما أنّ مقتله جاء في وقت حساس جداً بالنسبة للتنظيم الذي يخوض معارك شرسة مع تنظيم داعش في كثير من مناطق اليمن، إضافة إلى أنّ عملية قتل الريمي أتت في وقت يفتخر فيه التنظيم بأنّه تمكن من "هدم الجاسوسية" كما عبر عن ذلك في سلسلة الأفلام التي أخرجها مؤخراً، مؤكداً أنّه نجح في تأمين قياداته عبر كشفه للخلايا التي اخترقت صفوفه.

في هذا السياق، يؤكد الباحث المغربي مزوز عبدالغني أنّ الفرع اليمني في القاعدة ليس كالفروع الأخرى فهو "يحظى باهتمام خاص من أيمن الظواهري؛ لأنّه المكلف بالعمل الخارجي، وأميره يعتبر نائباً للقيادة العليا، كما أنّه المكلف بالوساطة والحكم في القضايا التي يختلف حولها أفرع التنظيم الأخرى، وبالتالي فمقتله يعتبر خسارة فادحة".

مقتل قاسم الريمي ستكون له انعكاسات سلبية على التنظيم إذ يعتبر من مؤسسي الفرع اليمني وأبرز وجوهه المؤثرة

ويوضح عبد الغني، في حديثه لـ"حفريات"، أنّ التنظيم اليمني هو الذي نفّذ خلال الأعوام الماضية عدداً كبيراً من العمليات، أهمها على الإطلاق العملية الإرهابية التي طالت صحيفة شارلي إبدو الفرنسية، والتي أعلن المسؤولية عنها القيادي جلال بلعيدي، ثم إطلاق جندي من قوات البحرية بفلوريدا النار على زملائه، وهو ما دفع الولايات المتحدة للتركيز بشكل كبير على اصطياد القيادات عبر الطائرات المسيَّرة (الدرونز).
وأدت عمليات الاستهداف الأمريكية، وبدرجة أقل منها الإماراتية، إلى مقتل عددٍ كبيرٍ من قيادات القاعدة ومنها الهجوم بدون طيار العام 2015، على اجتماع تنظيمي ما تسبب في مقتل زعيم التنظيم، ونائب الظواهري المرشّح لخلافته ناصر الوحيشي، والزعيم إبراهيم الربيش، ونائب القائد العام ناصر بن علي العنسي، والمسؤول الديني البارز حارث بن غازي النظاري.

اقرأ أيضاً: داعش يواصل هجماته مجدداً ضدّ القاعدة.. لماذا الآن؟
وفي كانون الثاني (يناير) 2017 هاجمت الطائرات قرية يكلا وقتلت 14 عنصراً، منهم الأمير المحلي للقاعدة عبد الرؤوف الذهب، كما في حزيران (يونيو) قتلت طائرة مسيّرة أبو خطاب العولقي، الأمير المحلي في شبوة، وقد تزامن ذلك مع غارة جوية استهدفت قادة آخرين.

وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2017 قتلت غارة جوية أبو عبيدة اللودري، أمير القاعدة في أبين، وبعد شهر من ذلك، قُتل مجاهد العدني، الأمير الجديد في شبوة، وأبو الليث الصنعاني، القيادي البارز في تنظيم القاعدة بالبيضاء.
ونفّذت القوات الإماراتية اغتيال عدد من قادة القاعدة في كانون الأول (ديسمبر) 2017 منهم مقداد السيستاني، في غارة جوية على محافظة البيضاء؛ ومسؤول تسهيل حركة الأسلحة حبيب الصنعاني، وعضو اللجنة الدعوية أبو عمر الصنعاني، في غارة على مأرب؛ والأمير المحلي في شبوة مجاهد العدني؛ والمسؤول الإعلامي أبو هاجر المالكي، في مأرب.

الحرب مع الحوثيين واستمرارها سيسهم وفق خبراء في إعطاء نفس أطول للقاعدة

وكان جنود أمريكيون هاجموا في 29 كانون الثاني (يناير) 2017، منزلاً في قرية الغيل بمحافظة البيضاء، في أول عملية عسكرية خارجية يصادق عليها ترامب، في الأسبوع الأول من رئاسته.
أما في آب (أغسطس) 2018 أعلن مسؤولون أمريكيون مقتل إبراهيم العسيري، خبير المتفجرات في القاعدة، بغارة أمريكية بطائرة بدون طيار، كما أعلنوا عن مقتل سامح المارمي بغارة جوية في أيلول (سبتمبر) 2018، وجمال البدوي، أحد كبار العناصر المعتقد وقوفهم وراء هجوم المدمرة الأمريكية (يو إس إس كول)، في كانون الثاني (يناير) 2019.
تراجع مستمر نحو الملاذات الآمنة
رغم كل هذه الاستهدافات، أظهرت القاعدة قدرتها على البقاء وتجاوز الخسائر المتكررة في صفوف قياداتها، في حين تخلق الحرب المستمرة في اليمن نبعاً طبيعياً "للمواهب والخبرات" التي يمكن للقاعدة استقطابها.
ويحاول تنظيم القاعدة التغلغل في النظام الاجتماعي القبلي بالذات في أدبياته (الزوامل- الأشعار- الأناشيد) الحماسية، كما أنّ توسع التنظيم في أساليب الحشد على أساس القبيلة والقرابة من قيادات التنظيم ساهمت بالفعل في توسع التنظيم في ظل غياب المؤسسات الحكومية.

التنظيم اليمني للقاعدة هو الذي نفّذ خلال الأعوام الماضية عدداً كبيراً من العمليات الخارجية

لكن الباحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، حسام ردمان، يرى، في تقرير له، أنّ القاعدة تشهد معارضة شعبية وقبلية متزايدة تجاهها، سواء من جانب حلفاء الجماعة –وهم أقلية صغيرة– أو من أولئك الذين كانوا غير مبالين أو محايدين تجاهها في السابق، وأنّ الإمارات سعت بانتظام إلى نيل موافقة القبائل والمجتمع في حملاتها، مما تسبب في فقدان القاعدة الحاضن المحلي ومهّد الطريق أمام الحملات العسكرية ضدها.
وأحدث الأدلة على خسارة القاعدة نفوذها المحلي، كما يؤكد ردمان، تمثل في اجتماع تشاوري لشخصيات قبلية في محافظة أبين بداية شباط (فبراير) 2019، وكان من بنود البيان الختامي للاجتماع إعلان القبائل احتفاظها بسياسة "الباب المفتوح" لأي من الأحزاب والأفراد الذين يتخلون عن دعمهم للقاعدة ويثبتون استعدادهم للمشاركة في "حماية" الدولة اليمنية.

من جهته، قال الباحث في شؤون الإسلام السياسي، رشيد عزوز، إنّ "التنظيم سيواجه هزة تنظيمية قوية، ولن نبالغ إن قلنا غير مسبوقة لاعتبارات عديدة ذاتية وأخرى موضوعية، أبرزها أنّ اغتيال الريمي جاء بعد حوالي 5 أعوام من أكبر عملية قام بها"، مضيفاً في حديثه لـ "حفريات" أنّ "الأزمة الأخيرة في البلد عكست حجمه على الأرض دون أن ننسى أن دول الخليج، والعديد من الدول العربية والإسلامية مع حلفائها الأمريكيين والأوروبيين في الأعوام الأخيرة، مصممة على اجتثاث إرهاب القيادات، بالموازاة مع كشف تناقضاتهم الفكرية لدى العامة، ويبدو أنّ هذه السلسلة من الاغتيالات التي طالت رموزاً عدة أبرزها زعيم داعش وزعيم الحرس الثوري وعدة قيادات لتنظيم القاعدة في السنوات المنصرمة رامية إلى دحر التنظيم في اليمن من خلال الاستهداف المباشر لقيادات الصف الأول".

رغم الاستهدافات تظهر القاعدة قدرتها على البقاء وتجاوز الخسائر المتكررة في صفوف قياداتها

في هذا السياق تقول الباحثة في شؤون إدارة النزاعات ندوى الدوسري، في مقابلة سابقة مع مركز كارنيغي، إنّ "القاعدة في شبه الجزيرة العربية تهديد خطير، لكن هذا يتوقّف على مدى استمرار هذه الحرب"، موضحة أنّ "الحرب التي شنّها الحوثيون ضد القبائل المحلية تُضعف هذه الأخيرة وتسمح للتنظيم بتجنيد رجالها، من دون أن تتصدّى له القبائل المشتّتة الآن بفعل القتال للدفاع عن وطنها ضد الحوثيين. ومع مرور الوقت، وإذا استمر القتال، فإنّ قدرة القبائل على محاربة القاعدة في شبه الجزيرة العربية والحفاظ على النظام والسيطرة على مناطقها ستتضاءل".
وعملياً فإنّ هناك من يرى أنّ الحرب مع الحوثيين واستمرارها سيسهم بكل تأكيد في إعطاء نفس أطول للقاعدة، ومنهم منظمة مجموعة الأزمات الدولية (Crisisgroup) التي أكّدت في تقارير سابقة منشورة أنّ "الحوثيين بوصفهم شيعة زيديين هم الأعداء الأيديولوجيون الرئيسيون للقاعدة في شبه الجزيرة العربية، عززوا من قوة عدوهم عبر اندفاعتهم العسكرية في شباط (فبراير) 2015 إلى المناطق ذات الأغلبية الشافعية (السنية)، ما سمح للقاعدة في شبه الجزيرة العربية بتقديم نفسها كجزء من جبهة "سنية" أوسع ضد توسع الحوثي/ صالح، وفي نهاية المطاف، تظل الوسيلة التي يمكن بها إنهاء تهديد القاعدة في اليمن وخارجه، هي إنهاء النزاع عبر تسوية سياسية تعيد بناء الدولة والمؤسسات العامة، وتستعيد فاعلية قوات الأمن، وإلى أن يتحقق ذلك، فإنّ الانسحابات الاستراتيجية للتنظيم – كالانسحاب الحالي– ستتيح له عودة محتومة، ولن تفيد التدابير الحالية ضد القاعدة أكثر من احتوائها، بدلاً من القضاء عليها كتهديد".

أما مركز أبعاد للدراسات في دراسته المعنونة بـ"تنظيم القاعدة في اليمن.. قدراته العسكرية ومناطق نفوذه" فرأى أنّ "أخطاء الطائرات بدون طيار، تدفع للانتقام والثأر، وتبقى مناطق القبيلة مفتوحة لعناصر التنظيم بما في ذلك الأجانب، لتصبح مواجهة التنظيم صعبة للغاية".

اقرأ أيضاً: ما الذي تكشفه ردّة فعل تنظيم القاعدة على مقتل سليماني؟
إنّ القراءة الصحيحة لتنظيم القاعدة باليمن تستلزم إدراك أنّ اصطياد قياداته يؤدي إلى تحولات حقيقية يمر بها على المستوى الأيديولوجي والإستراتيجي، وهذا بحدّ ذاته يمثل تحدياً جديداً للحرب مع الإرهاب والقدرة على فهم ما يجري واستشراف المستقبل.

للمشاركة:

عُمان: عدم الاستقرار في هرمز سيستمر حتى الانتخابات الأمريكية

2020-02-17

عبّرتْ سلطنة عُمان عن قلقها من تزايد عدد الدول التي تقوم بإرسال سفنها الحربية إلى مضيق هرمز. وقالت السلطنة إنّ الأوضاع في منطقة الخليج تمرّ في مرحلة من عدم الاستقرار، مضيفة بأنّها لا تتوقع تغيّراً في هذه الحالة إلى حين موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية في أواخر العام الجاري. وحذّرت السلطنة من أي تصعيد في المضيق.

اقرأ أيضاً: مضيق هرمز والنفوذ الإيراني
جاء الموقف العُماني في مداخلة أدلى بها الوزير العُماني المسؤول عن الشؤون الخارجية، يوسف بن علوي بن عبد الله، في مؤتمر ميونيخ للأمن.
وقال الوزير بن علوي إنّ خطر اندلاع مواجهة عسكرية في مضيق هرمز أكبر مقارنة بأي مكان آخر بمنطقة الخليج، وهو ما يرجع جزئياً إلى العدد المتزايد من السفن الحربية الآتية من دول مختلفة والتي تؤمنه، وفقاً لما نقلت وكالة "رويترز" للأنباء.

بن علوي: إنّ خطر اندلاع مواجهة عسكرية في مضيق هرمز أكبر مقارنة بأي مكان آخر بمنطقة الخليج
ويعبر بالممر المائي الواقع بين إيران وسلطنة عُمان، والذي يبلغ عرضه عند أضيق نقطة 33 كيلومتراً، نحو 30 بالمئة من جميع شحنات النفط الخام وغيره من المشتقات النفطية السائلة التي يتم الاتجار بها بحراً.
ودفع الخلاف بين إيران والغرب دولاً عديدة لإرسال مجموعات عمل حربية لحماية الشحن هناك، وألقت واشنطن بالمسؤولية على طهران في هجمات على سفن تجارية دولية في المنطقة أو بالقرب منها، وهو ما تنفيه الجمهورية الإسلامية، بحسب "رويترز".

اقرأ أيضاً: لماذا لم تنضج مساعي واشنطن بشأن مضيق هرمز حتى الآن؟
وقال الوزير العماني في وقت متأخر من مساء أول من أمس خلال مؤتمر ميونيخ للأمن "هناك الكثير من السفن الحربية في (منطقة) هرمز ومبعث قلقنا هو أنّ خطأ قد يحدث". وأضاف أنّ هذا يجعل المنطقة نقطة الاشتعال الأخطر في الخليج في الشهور المقبلة.
خط أحمر
ولا تستطيع إيران من الناحية القانونية إغلاق الممر المائي بشكل أحادي؛ لأنّ جزءاً منه يقع بالمياه الإقليمية العمانية. لكن السفن التي تمر فيه تبحر في المياه الإيرانية التي تتبع مسؤولية بحرية الحرس الثوري الإيراني.
وهددت طهران أيضاً بأعمال انتقامية على مقتل القائد العسكري البارز قاسم سليماني، في ضربة أمريكية بطائرة مسيرة بداية هذا العام، إلا أنّ محللين في المنطقة قالوا، بحسب "رويترز"، إنّ ذلك لن يشمل تدخلاً في المضيق على الأرجح.

عبّرتْ سلطنة عُمان عن قلقها من تزايد عدد الدول التي تقوم بإرسال سفنها الحربية إلى مضيق هرمز

وتقود واشنطن، التي قررت في 2018 الانسحاب من الاتفاق النووي الدولي مع إيران وعاودت فرض عقوبات عليها، مهمة بحرية لحماية ناقلات النفط وسفن الشحن تشمل بريطانيا. وتقود فرنسا مهمة أوروبية منفصلة، وأرسلت اليابان وروسيا وكوريا الجنوبية والصين والهند أيضاً قطعاً بحرية إلى المنطقة.
وأشارت "رويترز" إلى أنّه تكرر وقوع مواجهات بين الحرس الثوري الإيراني والجيش الأمريكي في الخليج خلال الأعوام القليلة الماضية. وقال مسؤولون أمريكيون إنّ إغلاق المضيق سيكون بمنزلة تجاوز "خط أحمر"، وإنّ الولايات المتحدة ستتحرك عندها لإعادة فتحه.

الكويت: لا حاجة لاتفاقية عدم اعتداء
وقال وزير الخارجية الكويتي، الشيخ أحمد ناصر المحمد الصباح، في مداخلة له في مؤتمر ميونيخ إنّ المنفذ الوحيد "للكويت والبحرين وقطر هو مضيق هرمز، وإذا أُغلق فسنكون جميعاً في مشكلة، ولذلك فإنّ من المهم مواصلة تأمين الملاحة البحرية"، وفق "رويترز". من جانب آخر، قال الوزير الكويتي إنّه "لا حاجة لتوقيع أي اتفاقية عدم اعتداء مع إيران؛ إذْ يكفي الالتزام بميثاق الأمم المتحدة"، الذي يؤكد وجوب احترام الدول للسيادة الوطنية للدول الأخرى، وعدم التدخل في شؤونها أو تهديد سلامتها الإقليمية.
مبادرات
في سياق متصل، نشرت مجلة "المجلة" تحليلاً وضعته على صدر غلاف عددها الأخير، تناولت فيه المبادرات التي طرحت حول مضيق هرمز، والتي تتمحور حول ضرورة وجود عسكري لضمان الملاحة والمرور في هذا المضيق البحري. وتقول المجلة إنّ تدقيق النظر في المبادرة الأمريكية أو المبادرتين الأوروبيتين (البريطانية قبل تحول موقفها ثم الفرنسية المؤيدة أوروبياً) تطالبان بوجود قوات عسكرية لمواجهة التهديدات الإيرانية. في حين تظل المبادرة الروسية في ظاهرها بعيدة عن المطالبة بوجود قوات أجنبية في المنطقة، إلا أنّ جوهرها لم يختلف كثيراً عما تضمنته المبادرات الأمريكية والأوروبية، وإن تباينت في الأساليب فحسب؛ إذ تضمنت المبادرة الروسية أنّ الهدف الرئيسي منها هو إنشاء "منظمة للأمن والتعاون في منطقة الخليج"، محددة الدول الأطراف المعنية بضمان هذا الأمن، وذكرتهم بالتحديد: روسيا، والصين، والولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، والهند، كأطراف أساسية، وهو ما يعني في جوهره تدويل الحفاظ على الأمن في منطقة الخليج، خاصة أنّ المبادرة لم تحدد على وجه الدقة دور هذه الأطراف الأساسية، وأغلب الظن أن هذا الدور لن يختلف كثيراً في جوهره عما تضمنته المبادرات الأخرى.

أما الملاحظة الثانية التي توردها "المجلة"، فتتعلق بالموقف الإيراني الذي يعد هو محور هذه المبادرات جميعها، بل إنّها طرحت بدورها مبادرة أطلقت عليها "مبادرة هرمز للسلام" في أيلول (سبتمبر) 2019 من على منبر الأمم المتحدة، تمحورت حول تشكيل تحالف دولي لضمان أمن الخليج، يضم إيران والسعودية والعراق والبحرين والإمارات وقطر وعُمان والكويت، وينشط تحت رعاية الأمم المتحدة، وتعارض هذه المبادرة كافة المبادرات الدولية المطروحة بحجة رفضها للوجود العسكري الأجنبي في المنطقة، من منطلق أنّ أمن الخليج وممراته هو مسؤولية الدول المطلة عليه.

دفع الخلاف بين إيران والغرب دولاً عديدة لإرسال مجموعات عمل حربية لحماية الشحن هناك

وتضيف "المجلة" أنّه برغم وجاهة هذه الحجة في ظاهرها إلا أنّ الممارسات العملية والتهديدات المستمرة من جانب طهران تفرغ هذه الحجة من مضمونها، فإذا كانت طهران تدافع عن المنطلق القائل بمسؤولية الدول المطلة على الخليج عن أمن الخليج واستقراره، فالسياسات التي تنتهجها إيران حيال جيرانها سواء من خلال التدخل المستمر في شؤونها الداخلية ودعمها الدائم للكيانات والتنظيمات الإرهابية في المنطقة، فضلاً عن ممارسات القرصنة التي يرتكبها حرسها الثوري حيال السفن والناقلات العابرة للمضيق، كل هذه السياسات هي المصدر الرئيسي لتهديد الأمن في مضيق هرمز، الذي تعد حمايته وحماية المرور فيه لكافة السفن والناقلات مسؤولية دولية وإقليمية معاً؛ فكون المضيق ممراً مائياً دولياً تجعل تهديده مسؤولية دولية تستوجب التدخل.

اقرأ أيضاً: لماذا يحمل مضيق هرمز كل هذه الأهمية؟
وتتابع "المجلة": الأجدر إذا ما أرادت طهران أن يكون لحجتها أولوية وأسبقية في مواجهة المبادرات الدولية التي تطرح لأمن الخليج، أن تكف هي عن سياساتها التدخلية في شؤون جوارها الإقليمي، وأن تُوقف تهديداتها المستمرة للملاحة والعبور الآمن للسفن والناقلات في المضي. حينذاك ستكون مسؤولية أمن الخليج وممراته مسؤولية دوله المشاطئة، وهو ما يتطلب أن تكون ثمة مبادرة خليجية لأمن الخليج تراعي مواقف الأطراف الدولية من ناحية، والمصالح الوطنية لدول الخليج من ناحية أخرى.

للمشاركة:



الكشف عن موعد توقيع اتفاق السلام بين طالبان والولايات المتحدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

أعلنت حركة طالبان؛ أنّ اتفاق السلام مع الولايات المتحدة سيتمّ توقيعه بحلول نهاية الشهر الجاري.

وقال أحد قادة طالبان البارزين وعضو اللجنة السياسية، الملا عبد السلام حنفي، في الدوحة: "الآن، اختتمت المفاوضات، وبدأ الجانبان المسودة النهائية لاتفاقية السلام"، وفق ما نقلت "الحرة".

وأضاف حنفي: "اتفق الجانبان على توقيع الاتفاقية بحلول نهاية هذا الشهر، بعد تهيئة بيئة مواتية قبل توقيع الاتفاقية".

ولم يعطِ أيّة تفاصيل أخرى حول ما تعنيه بيئة مواتية، كما أنّ المسؤولين الأمريكيين والأفغان لم يفصحوا عن تفاصيل كثيرة عن الاتفاقية.

حركة طالبان تعلن أنّ اتفاق السلام مع الولايات المتحدة سيتم توقيعه بحلول نهاية الشهر الجاري

بدوره، قال المبعوث الأمريكي، زلماي خليل زاد، كبير المفاوضين مع طالبان: "أنا متفائل بحذر"، وأضاف: "لكنّني واقعي بما فيه الكفاية، وأعرف أنّ هناك الكثير من التحديات المقبلة".

وأشار زاد إلى أنّه حصل على ضمانات أمنية من كلّ من الحكومة الأفغانية وحركة طالبان، بعد أشهر من المفاوضات.

وبمناسبة 40 عاماً من الصراع في أفغانستان، قال متحدثاً من إسلام أباد، أمس، في مؤتمر للأمم المتحدة حول اللاجئين: "أعتقد أن هذا الوقت ربما أفضل من أي وقت خلال العقدين الأخيرين، هناك فرصة للسلام".

وقال بعض المسؤولين الأفغان؛ إنّ "الحدّ من العنف سيكون في جميع أنحاء البلاد"، وإنّ جميع أطراف النزاع ستوقف عملياتها الهجومية، ورغم أنّهم لم يحددوا موعد وقف العنف، إلا أنّه من المتوقع أن يكون هذا الأسبوع، وفق صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية.

وبحسب وسائل إعلام أمريكية؛ فإنّه إذا استمر التراجع في العنف، فسيتبع ذلك توقيع اتفاقية أوسع نطاقاً بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، والتي بموجبها تنسحب الآلاف من القوات الأمريكية، وتبدأ طالبان في مفاوضات مباشرة مع القادة الأفغان.

زاد: "أنا متفائل، لكنني واقعي بما فيه الكفاية، وأعرف أنّ هناك الكثير من التحديات المقبلة

من جانبه، أشار حنفي إلى أنّ المفاوضات مع الحكومة الأفغانية لن تتم إلا بعد تبادل جماعي للأسرى، وأضاف: "سيتم تبادل 5000 أسير من طالبان مقابل 1000 من قوات الأمن الأفغانية".

لكنّ المسؤولين الأفغان قالوا في وقت سابق إنّ التبادل ستتمّ مناقشته خلال المحادثات الأفغانية وليس قبل ذلك.

وتتطابق اتفاقية السلام بين الولايات المتحدة وحركة طالبان مع تلك التي تمّ التفاوض عليها في أيلول (سبتمبر) الماضي، وألغاها ترامب، قبل توقيعها، بعد هجوم لطالبان أسفر عن مقتل جندي أمريكي.

وتنصّ الاتفاقية على انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، مقابل تعهّد طالبان بعدم إيواء الجماعات الإرهابية بنية مهاجمة الغرب.

 

للمشاركة:

900 ألف لاجئ جديد في حاجة إلى المساعدة في سوريا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

حذّرت الأمم المتحدة من أنّ جهود الإغاثة في شمال شرق سوريا "مستنزفة"؛ بسبب ارتفاع عدد النازحين مع استمرار هجوم القوات الحكومية في محافظة إدلب.

وأجبر 900 ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال، على الفرار من منازلهم بسبب القتال الدائر، بحسب ما نقلت شبكة "بي بي سي".

وجاء التحذير الأممي في الوقت الذي تعهد فيه رئيس النظام السوري، بشار الأسد، بمواصلة عمليات الجيش في شمالي البلاد.

وقال الأسد: "معركة تحرير ريف حلب وإدلب مستمرة"، بعد أن تقدمت قواته في مناطق جديدة في نهاية الأسبوع.

900 ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال، فروا من منازلهم في إدلب بسبب القتال الدائر

وأكّد، أمس؛ أنّ قواته عازمة على مواصلة القتال حتى "تحرير" كافة الأراضي الخارجة عن سيطرتها غداة استعادتها كامل محيط مدينة حلب في شمال البلاد وإبعاد الفصائل المعارضة عنها.

ويأتي إعلان الأسد بعيد أيام من تهديد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، باستهداف القوات السورية إذا تعرض جندي تركي واحد للأذى في شمال سوريا حيث تنتشر القوات التركية وتقيم نقاط مراقبة وفق اتفاق سابق مع روسيا.

لكن وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، مارك لوكوك، حذّر في بيان، من أنّ "أكبر قصة رعب إنساني في القرن الحادي والعشرين" لا يمكن تجنبها إلا بوقف إطلاق النار.

وقال إن الرضع والأطفال يموتون بسبب البرد، إذ يضطر الناس للنوم في العراء في البرد الشديد مع اكتظاظ المخيمات بالنازحين.

ونبه لوكوك إلى أن العنف في المنطقة كان عشوائياً، مؤكداً أنّ "البنية التحتية الأساسية تعرضت لهجمات خلال المعارك".

وقال: "استُهدفت المرافق الصحية والمدارس والمناطق السكنية والمساجد والأسواق".

الأسد يؤكد أنّ قواته عازمة على مواصلة القتال حتى "تحرير" كافة الأراضي الخارجة عن سيطرتها

كما تحدث عن تقارير تفيد بوقوع هجمات على مناطق يقيم بها النازحون، وهو ما أدّى إلى سقوط قتلى ومصابين.

وأضاف: "عملية الإغاثة الرئيسة التي تتمّ إدارتها عبر الحدود في تركيا تتخطى القدرة الاستيعابية لجهود الإغاثة".

وتعدّ محافظة إدلب آخر معقل رئيس تسيطر عليه المعارضة في سوريا، إلا أنّ تقدم قوات الحكومة، المدعومة من روسيا وميليشيات موالية لإيران، رفع من مستوى الضغوط على النازحين.

وأغلقت تركيا، التي تدعم العديد من الجماعات المعارضة في المحافظة، حدودها مع سوريا لمنع دخول مزيد من اللاجئين.

 

للمشاركة:

ميليشيا الحوثي الإرهابية تحرم أبناء صنعاء من مساجدهم.. بهذه الممارسات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

استهدفت ميليشيا الحوثية الإرهابية المساجد في العاصمة صنعاء، لكن هذه المرة ليس بالقذائف والصواريخ، كما فعلت سابقاً، بل فكرياً وعقائدياً؛ حيث حوّلت بعض منها لـ "حُسينيات".

وأكّد سكان محليين نقلت عنهم وكالات أنباء محلية؛ أنّه شوهد العشرات من العناصر الحوثية مؤخراً، وهم يرتدون عمائم وملابس سوداء في عدد من أحياء صنعاء، خصوصاً منذ مقتل قاسم سليماني، قائد مليشيا فيلق القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني المصنف إرهابياً، بضربة أمريكية في العراق، مطلع كانون الثاني (يناير) الماضي.

وأشارت وسائل إعلام محلية إلى أنّ أبرز المساجد التي حولها الحوثيون إلى "حُسينيات"، هي "بلال، والفردوس، والحشوش، وبدر"، وجميعها في منطقة "الجراف" التي تعدّ من أبرز معاقل الأسر الحوثية، شمال صنعاء.

ميليشيات الحوثي الإرهابية تحوّل مساجد صنعاء لـ "حُسينيات" وثكنات وتقدّم فيها الدروس الطائفية

وتسبّبت الخطوة الحوثية في عزوف عدد من السكان عن مساجد صنعاء التي حولتها المليشيا الحوثية إلى "حوزات" طائفية هدفها طمس هوية المجتمع اليمني، ونسف التعايش في أوساط المجتمع.

وقال مصدر لـ "العين" الإخبارية: إن الميليشيا الحوثية بدأت خلال الأسابيع الماضية بإصدار تعميمات إلى وسائل الإعلام التابعة لها، أو التي ما تزال تعمل في صنعاء، ولا تتبعهم، بضرورة دعوة المجتمع إلى المشاركة في حضور الدروس الطائفية التي تشهدها مساجد صنعاء.

وأشار المصدر إلى أنّ قيادات حوثية تلقت دروساً في "قُم" بإيران، هي من تقوم حالياً بإدارة "الحُسينيات"، داخل صنعاء، فيما بدأت الميليشيا الحوثية بالمجاهرة برفع صور المرشد الإيراني، علي خامئني، وكذلك "حسن نصر الله" زعيم حزب الله اللبناني، وذلك إلى جانب صورة الإرهابي "عبد الملك الحوثي"، وشقيقه الذي قتل عام 2004، حسين الحوثي.

وأكد سكان أنّ مأمورَي المديريات الذين عينتهم الميليشيا الحوثية في صنعاء، يقومون بتنفيذ نزول ميداني في الأحياء السكنية لدعوة الناس إلى ضرورة حضور ما يطلقون عليها "الدورات الثقافية" في المساجد.

وتقوم الميليشيا بجلب الأطفال والشريحة الفقيرة بالمجتمع "إجبارياً" إلى حوزاتها الجديدة، وتلقينهم محاضرات تدعو الناس للانخراط بالقتال في صفوفهم ضد القوات الحكومية.

أبرز المساجد التي حوّلها الحوثيون إلى "حُسينيات": "بلال، والفردوس، والحشوش، وبدر"

وأكدت مصادر أنّ الخطوات الحوثية لم تتوقف عند المساجد؛ حيث قامت خلال الأيام الماضية بتدشين فعاليات طائفية متضامنة مع إيران وحزب الله في ساحة كلية التربية بجامعة صنعاء.

ونصبت الميليشيا الحوثية لافتات عملاقة للمرشد الإيراني وحسن نصر الله وعبد الملك الحوثي داخل الحرم الجامعي، كما أجبرت الطلاب على ترديد الصرخة الإيرانية، في تمزيق غير مسبوق للنسيج الاجتماعي اليمني.

يذكر أنّ ميليشيا الحوثي تسعى بكل الوسائل إلى طمس الهوية، وذلك بفرض ومحاولة ترسيخ مناسبات وأنشطة طائفية إيرانية دخيلة على المجتمع اليمني في صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرتها.

 

 

 

للمشاركة:



لماذا يحتفل الأمريكيون بمولد مارتن لوثر كينغ؟

2020-02-18

قليلون هم من يتركون أثراً يمتدّ بعد موتهم، قليلون هم من ضحّوا بحياتهم من أجل ما يؤمنون به، مارتن لوثر كينغ واحد من الذين مكثوا عمراً قصيراً، لكنّهم عاشوا لقضية أكبر من أعمارهم، ووهبوها من دمائهم وأرواحهم، فامتدت بعدهم لعقود عديدة.

نشأ مارتن لوثر كينغ في مدينة أتلانتا التي كانت تشهد وقتها أبشع مظاهر التفرقة العنصرية

فارق كينغ الدنيا وعمره لم يتجاوز ٣٩ ربيعاً، قضى أكثرها في النضال في سبيل الحرية وحقوق الإنسان، رافضاً العنف بكل أنواعه، مترفعاً عن التورط في صراع السود، من خلال صبره وحكمته؛ بل سعى كثيراً لإنهائه والدعوة لإحلال السلام، قدم حياته "شهيداً للتسامح" في عصر يقدّس العنصرية والتحزب والتعصب الأعمى والتنمر.
وُلد مارتن لوثر كينغ في 15 كانون الثاني (يناير) العام 1929، تحت اسم "مايكل كينغ" لأب يعمل قسّاً لكنيسة معمدانية، اعتمد الأب اسم "مارتن لوثر كينغ" نسبة لمؤسس البروتستانتية الألماني "مارتن لوثر"، ثم أتبعه بـ"مايكل"، واعتمد الاسم نفسه، ليصبح اسمه "مارتن لوثر كينغ الابن".

نشأ "مارتن لوثر كينغ" الابن في مدينة أتلانتا الأمريكية، التي كانت تشهد وقتها أبشع مظاهر التفرقة العنصرية، وشاهد كيف نبذه أقرانه البيض، وتألم من منع أمهات زملائه البيض في المدرسة أبناءهنّ من اللعب معه، لكنّ كلمات أمه كانت تنير له الطريق وتشدّ من أزره، فكانت إذا رأته يتألم لابتعاد زملائه عنه، تقول له: "لا تدع هذا يؤثر عليك أو يجعلك تشعر بأنّك أقل من البيض فأنت لا تقلّ عن أي شخص آخر".

اقرأ أيضاً: خطبة مارتن لوثر كنج: الأحلام حين تهزم أوهامَ القوة
ومضت الأعوام، ودخل كينغ المدارس العامة، العام 1935، والتحق بالجامعة في أواخر العام 1942؛ حيث درس بكلية "مورهاوس" التي ساعدت على توسيع إدراكه لثنايا نفسه والخدمة التي يستطيع أداءها للعالم.
في العام 1947 تمّ تعيينه مساعداً في كنيسة أبيه، وصار قسّاً معمدانياً، ثم حصل على درجة البكالوريوس في الآداب، العام 1948، ولم يكن عمره قد تجاوز 19 عاماً، وحينها التقى بفتاة  تدعى "كوريتا سكوت"، وتزوجها العام 1953، ثم حصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة بوسطن، وفي العام 1951 حصل على بكالوريوس في اللاهوت، ثم انتقل مع زوجته إلى مدينة مونتجمري بولاية ألاباما، عام 1954، وكُلّف بخدمة الكنيسة المعمدانية، ونجح وقتها في الحصول على درجة الدكتوراه في علم اللاهوت العام 1955.
بداية النضال
حمل الأول من كانون الأول (ديسمبر) العام 1955، بذور حركة نضالية من أجل استعادة القيم الإنسانية للمواطن الأسود في الولايات المتحدة، عندما رفضت روزا باركس، وهي سيدة سوداء، أن تخلي مكانها في حافلة لراكب أبيض، حسبما كان متبعاً، فما كان من السائق إلا أن استدعى رجال الشرطة الذين ألقوا القبض عليها، ومن ثم اعترض مارتن لوثر كنيغ على هذه التفرقة  العنصرية، ونادى بمقاطعة شركة الحافلات واستمرت المقاطعة عاماً كاملاً؛ ما أثر كثيراً في إيرادات الشركة، وأدت المقاطعة السلمية إلى كسر قانون العزل العنصري في ألاباما.

أدرك الأمريكيون أنّ كينغ غيّر وجه بلادهم للأبد وأنّ عليهم تغيير الواقع العنصري فوراً

فرح الأمريكيون من ذوي البشرة السوداء بإنجازات مارتن، وصار زعيماً لهم، وعقدوا عليه الأمل في تحريرهم من العنصرية البغيضة، ليبدأ رحلة نضال ضدّ الكراهية والعنصرية، ومن أقواله: "الظلام لا يمكن أن يطرد الظلام، الضوء فقط يستطيع أن يفعل ذلك، الكراهية لا يمكن أن تطرد الكراهية، الحب فقط يمكن أن يفعل ذلك".
قام بزيارة للهند العام 1959، وعبّر عن اعتقاده الكامل بأيديولوجيا السلام عند نِهرو وغاندي من قَبله، وكان شديد الانتقاد لسياسة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، وكافأته الحكومة الهندية، العام 1966، بمنحه جائزة نهرو للسلام الدولي، بعد وفاته.

خلال رحلته في سبيل الحرية وحقوق الإنسان، نضجت شخصية كينغ كثيراً، وركز على الظلم بدلاً من كراهية شخص بعينه؛ إذ تعرّف إلى فكرة العصيان المدني كسلاح من أجل التغيير، والمقاومة السلبية السليمة.
ضاعف كينغ، العام 1963، جهوده لمواجهة العنصرية في الولايات المتحدة، ونظم سلسلة من المظاهرات في برمنغهام، وعبأ الشعور الاجتماعي بمظاهرة رمزية في الطريق العام، وأُلقي القبض عليه لمخالفته أمراً قضائياً بمنع كلّ أنواع الاحتجاج والمسيرات الجماعية وأعمال المقاطعة والاعتصام، وبمجرد إطلاق سراحه قاد مظاهرات أخرى، أوقفها تدخل الرئيس الأمريكي آنذاك، جون كينيدي، وإعلانه حالة الطوارئ، ليتدخل مارتن ويهدئ من ثورة الشارع.

في 4 نيسان 1968 اغتاله متعصب أبيض أثناء الاستعداد لتأييد إضراب "جامعي النفايات في ممفيس"

وفي 28 آب (أغسطس) 1963، نظّم الأمريكيون من ذوي البشرة السوداء مسيرة سلمية لم يسبق لها مثيل في قوتها، فقد اشترك فيها 250 ألف شخص، منهم نحو 60 ألفاً من البيض، متجهة صوب نصب لنيكولن التذكاري، فكانت أكبر مظاهرة في تاريخ الحقوق المدنية، وهنالك ألقى كينغ أروع خطاب له: "لدي حلم" (I have a dream)، التي قال فيها: "لدي حلم بأنّه يوماً من الأيام أطفالي الأربعة سيعيشون في شعب لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم، ولكن بما تنطوي عليه أخلاقهم".
ووصف كينغ المتظاهرين كما لو كانوا قد اجتمعوا لاقتضاء دين مستحق لهم، ولم تفِ أمريكا بسداده "فبدلاً من أن تفي بشرف ما تعهدت به، أعطت أمريكا الزنوج شيكاً بدون رصيد، شيكاً أعيد وقد كتب عليه: الرصيد لا يكفي لصرفه".
وفي ذروة الانتشاء بانتصارات الإنسانية ضدّ التعصب والعنصرية، قام المتعصبون العنصريون بإلقاء قنبلة على الكنيسة المعمدانية التي كانت وقتذاك ممتلئة بتلاميذ يوم الأحد من الزنوج؛ فعاد كينغ مرة أخرى إلى مدينة برمنغهام، وكان له الفضل في تفادي انفجار العنف بين السود والبيض.

نادى بمقاطعة شركة الحافلات في ألاباما عاماً كاملاً ما أدى إلى كسر قانون العزل العنصري
مهّد نضال كينغ لصدور قانون الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية، العام 1964، وفي العام نفسه أطلقت مجلة "تايم" على كينغ لقب "رجل العام"، فكان أول رجل من أصل أفريقي يمُنح هذا اللقب، ثم حصل، العام 1964، على جائزة نوبل للسلام لدعوته إلى اللاعنف، فكان بذلك أصغر رجل في التاريخ يفوز بهذه الجائزة بعمر ٣٥ عاماً، ولم يتوقف عن مناقشة قضايا الفقر والسود، وعمل على الدعوة إلى إعادة توزيع الدخول بشكل عادل؛ إذ كانت البطالة قد انتشرت بين الأفارقة.
رصاصة التعصب
في 4 نيسان (أبريل) 1968؛ أثناء الاستعداد لأحد لقاءاته لتأييد إضراب "جامعي النفايات في ممفيس"، قام أحد المتعصبين البيض، ويدعى جيمس إرل راي، بإطلاق رصاصة من بندقية قناصة أصابت حنجرته، فاغتيل رجل السلام والتسامح والمحبة واغتيلت معه أحلامه في زرع المحبة بدلاً من الكراهية، اغتاله التعصب والكراهية والعنصرية، لتندلع أعمال العنف في ولايات عدة، منها واشنطن ونيويورك وشيكاغو وبوسطن، لكنّ المحبة التي زرعها كينغ لم تذهب سدى؛ إذ أصدرت زوجته المكلومة بياناً طالبت فيه المحتجين بوقف العنف وتحقيق أحلام الزعيم بالسلام والمطالبة بالمساواة والعدل، فخمدت الفتنة، وأدرك الأمريكيون أنّ مارتن لوثر كينغ غيّر وجه أمريكا للأبد، وأنّ عليهم تغيير الواقع العنصري فوراً.

اقرأ أيضاً: التطرف الذي يغذي العنصرية
عندها وقّع الرئيس الأمريكي، ليندون جونسون، قانون الحماية المدنية، الذي يضمن العدل والمساواة بين الأعراق والألوان والجنسين في جميع الولايات الأمريكية؛ لتتحقق أحلام الزعيم الأسود بعد رحيله.
رأى كثيرون أنّ رسالة لوثر كينغ قد تحققت، وأنّ التفرقة العنصرية قد انتهت في اليوم الذي فاز فيه باراك أوباما بالانتخابات الرئاسية، في 20 كانون الثاني (يناير) 2009؛ حيث تفخر دول كثيرة في العالم بوصول رجل من أصول أفريقية إلى كرسي الحكم في الولايات المتحدة.
يوم مارتن لوثر كينغ
واعترافاً بفضل "شهيد التسامح" على أمريكا؛ وقّع الرئيس، رونالد ريغان، في 2 تشرين الثاني (نوفمبر)، 1983، تشريعاً ينصّ على تحديد عطلة رسمية لتكريم ذكرى مارتن لوثر كينغ، ثم أعلن الكونغرس العام 1994، أنّ ١٥ كانون الثاني (يناير)، أحد الأعياد الفدرالية السنوية هو "يوم مارتن لوثر كينغ"، داعياً الأمريكيين من جميع الأطياف والشرائح لأن يتطوعوا بوقتهم ومجهودهم للمساعدة في تحقيق رؤية كينغ بقيام "مجتمع المحبين"، وبحلول العام 1999، أصبحت جميع الولايات الخمسين تحتفل بهذه العطلة، لتنتصر الإنسانية والمحبة على الكراهية والتعصب.

للمشاركة:

كيف رد طه حسين وآخرون على الإخوان؟

2020-02-18

يمتلئ ملف إرهاب التيارات الإسلامية بمئات الوثائق القضائية التي تدين حركات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي بدأ نشاطها العام 1928، وفي أقلّ من عقدين سقط عنها قناع الدعوة الإسلامية المعتدلة، ودخلت في مواجهة عنيفة ودامية مع الدولة المصرية؛ حيث اغتالت عدداً من الشخصيات الرسمية مثل؛ رئيس الوزراء الراحل محمود فهمي النقراشي، والمستشار أحمد الخازندار وكيل محكمة الاستئناف، بالإضافة لتنفيذها عدداً هائلاً من التفجيرات في العاصمة المصرية القاهرة، ثم مروراً بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر رئيس الوزراء حينها في 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1954، وحتى اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات بتاريخ 29 حزيران (يونيو) 2015، ويبدو أنّ ملف عنف تلك الحركات لن ينغلق أبداً بل إنّه يتضخم، ما دامت تمتلك هذا الإصرار الهائل على تنفيذ مخططاتها للوصول إلى السلطة بأي ثمن.

أثارت العمليات الإرهابية التي نفذتها حركة الإخوان المسلمين في الأربعينيات والخمسينيات من القرن المنصرم غضب النخبة الثقافية، التي تأسست في المرحلة الليبرالية بعد ثورة 1919، والتي لم تعتد على أن يوجه مصري فوهة مسدسه إلى قلب أخيه المصري؛ فالجميع يواجهون خطرين واضحين هما؛ الاستعمار والملك، وبعد ثورة تموز (يوليو) 1952 أثارت محاولة اغتيال جمال عبدالناصر بما عُرف بـ"حادثة المنشية" غضب واستياء واستهجان كبار المثقفين المصريين مثل؛ عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، والصحفي اللامع محمد التابعي وغيرهم من الكتاب الصحفيين، حتى أنّهم أصدروا كتاباً أسموه (هؤلاء...هم الإخوان) يضم مقالات تحمل تحليلات ومواقف طه حسين والصحفيين محمد التابعي وجلال الدين الحمامصي وعلي أمين وغيرهم.

يمتلئ ملف إرهاب التيارات الإسلامية بمئات الوثائق القضائية التي تدين حركات الإسلام السياسي

في البداية تعجب عميد الأدب العربي من تلك العمليات الإرهابية والاغتيالات التي نفذتها جماعة الإخوان المسلمين، "التي تدعي زوراً أنّها تطبق شرع الله وتعبر عن صحيح الإسلام، والأديان جميعها تستنكر قتل النفس وتحرمه والإسلام آخر الأديان السماوية التي تمسكت بمبدأ تقديس الحياة وحرمت الاعتداء على حرمة النفس، وأفرد القرآن الكريم آيات كثيرة تحرم القتل ظلماً وغيلة".
ويتعجب طه حسين من تلك الجماعة "التي سعت لإغراق مصر في بحور الدم برغم أنّ ثورة يوليو نجحت في إخراج طاغية مثل الملك فاروق بدون إراقة قطرة دم واحدة، فالإخوان أرادوا أن يفسدوا على المصريين حلماً جميلاً كان من الممكن أن يدوم لولا خطط الإخوان التي كانت ستجر مصر إلى أتون حرب أهلية وفتنة؛ تغري الاستعمار للعودة مجدداً أكثر شراسة. وجماعة الإخوان المسلمين، كما يراها طه حسين، ينطبق عليهم حديث الرسول، عليه السلام، أنّهم يقرأون القرآن الكريم لا يتجاوز تراقيهم، فلو فهمت الجماعة ما بين يديها من كتاب الله تعالى ما لجأت يوماً للاغتيالات".

وكعادة جماعة الإخوان المسلمين التي لا تعي دروس التاريخ، يصف الصحفي محمد التابعي ملامح الصدمة والذهول التي ارتسمت على وجه القاتل محمود عبد اللطيف –مرتكب محاولة اغتيال عبد الناصر- حينما رأى قيادات الإخوان المسلمين "أشباه الرجال" تتنصل من محاولة الاغتيال، حانثة بقسمها الذي أقسمت به أمام المحكمة لتبرئ نفسها، وهي من قدمت له المسدس وحرّضته على الجريمة، وتدعي أنّها تسير على هدي النبوة والإسلام، وتكررت المأساة مؤخراً عندما صرح إبراهيم منير الأمين العام للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين أنّ التنظيم لم يضرب شباب الإخوان المعتقلين على أياديهم لينضموا للجماعة وتبرأ منهم قائلاً: "نحن لم ندخلهم السجن ولم نجبرهم على الانضمام لجماعة الإخوان، من أراد منهم أن يتبرأ من الإخوان فليفعل..".

أثارت العمليات الإرهابية التي نفذها الإخوان في الأربعينيات والخمسينيات غضب النخبة الثقافية

نفس ما فعله مرشد الإخوان، حسن الهضيبي، مع عبد اللطيف كرره منير مع المئات من كوادر الجماعة! وتلك هي الجماعة التي يذهب إليها شبان وفتيان مسلمون امتلأت صدورهم بحماس الشباب، وقلوبهم بحمد الله تعالى والرسول الكريم يطلبون مزيداً من الهداية ومن نور الله تعالى! وأن تبصّرهم الجماعة بأمور دينهم وأن تهديهم سواء السبيل.
ويلفت التابعي النظر إلى مدى الانقلاب والتحول الهائل الذي شهده الرأي العام تجاه الإخوان، الذي تكشف له حجم الخطط والمؤامرات التي كانت ستتعرض لها مصر لو نجح محمود عبد اللطيف في اغتيال الرئيس عبد الناصر، فالمجتمع المصري الذي تبنى موقفاً "مايعاً" –على حد وصفه- قد حسم موقفه في اتجاه رفض الجماعة فكراً وممارسة وتنظيماً، وتأكد من أنّ القتل والاغتيال سمة أساسية متجذرة في التنظيم، وأنّ جرائم الأربعينيات لم تكن محض صدفة ورد فعل. وقد شاهد المحاكمات وعرف أنّ قيادة الإخوان تسلمت من الضباط الأحرار كميات ضخمة من الذخائر؛ لكي تستعملها في معركة القناة ضد الاحتلال، ولكن بعض هذه الأسلحة بيع لحساب بعض زعماء الجماعة لكي يقتني به البعض الأطيان ويشيد به العمارات، والبعض الآخر أودع في مخابئ سرية لا لاستعماله ضد الإنجليز وإنما لاستعماله ضد المواطنين المصريين.

اقرأ أيضاً: كيف ترك لنا طه حسين عينَيه لنرى بهما اليوم؟
ويتطرق التابعي لموقف الإخوان المسلمين من ثورة يوليو 1952 في يومها الأول حينما كان الهضيبي في مصيفه برمل الإسكندرية، وطلب بعضهم منه أن يصدر بياناً للناس يؤيد فيه باسم الجماعة الثورة ورجالها وأهدافها، ولكن الهضيبي رفض قائلاً ما معناه (إنّ الله مع الصابرين) والصبر معناه التريث وعدم الإسراع في تأييد الثورة انتظاراً لما ستسفر عنه الأحداث التي انتهت بخروج الملك وانتصار الثورة في أول معاركها، فما كان من الهضيبي إلا أن عاد من الإسكندرية ليطالب رجال الثورة بطاعة أوامره، إنّها براغماتية جماعة الإخوان المسلمين المعروفة والرغبة المحمومة العمياء للوصول إلى السلطة التي اتسموا بها عبر تاريخهم.

ويتندر الكاتب الصحفي على هذا البون الشاسع بين المرشد الأول حسن البنا والمرشد الثاني حسن الهضيبي؛ فالأول كان يقضي مصيفه في صعيد مصر يحشد الأتباع ويجمع التمويل للجماعة، فيما داوم الهضيبي على قضاء الصيف في مصيفه برمل الإسكندرية، وكان يصر على أن يلحق اسمه بلقب البكوية.

دفعت حادثة المنشية كبار المثقفين المصريين وعلى رأسهم طه حسين لإصدار كتاب: هؤلاء...هم الإخوان

يذكر الصحفي علي أمين أنّه ربما لا يعلم كثيرون أنّ المخطط لم يكن يستهدف اغتيال جمال عبد الناصر فقط، ولكنه استهدف التخلص من جميع أعضاء مجلس الضباط الأحرار ومعهم 160 ضابطاً بالقتل أو الخطف، ثم تكوين جماعة تأتمر بأمر الإخوان لتمهيد الطريق لحكومة من الإخوان، ربما يكذب الرأي العام ذلك السيناريو ولكن الكتاب يذكر وقائع حادثة من محاكمة الشعب للإخوان مع عبد القادر عودة حين سئل عن رأيه في اغتيال النقراشي فابتسم وكيل الإخوان وقطب الدعوة قائلاً: النقراشي؟..عيل داسته عربية الإخوان! بتلك البساطة يشبه عودة اغتيال رئيس وزراء مصر الراحل النقراشي بعيل داسته عربية الإخوان، وبالتالي ليس مستبعداً أن تطيح تلك السيارة بذلك العدد من الضحايا حتى تصل إلى هدفها النهائي بالوصول إلى السلطة في مصر.

اقرأ أيضاً: طه حسين إذ يدعو لتذوق القرآن الكريم أدبياً
في مقال آخر يتعجب الكاتب الصحفي جلال الدين الحمامصي من شهادات المذنبين والشهود بخصوص قضية "الجهاز السري لجماعة الإخوان المسلمين"، وكيف استطاعت الجماعة أن تخدّر وتخدع أعضاءها بأن أفهمتهم بنود اتفاقية الجلاء من زاوية عكسية صنعها المتآمرون، وحاولوا بها إثارة الناحية الوطنية في قلوب بعض المساكين من الفئات التي تسمع لنفر من الناس، ولكنها لا تبحث ولا تدقق ويوصي الحمامصي الشعب المصري بأن يقول "لا" يقولها في كل وقت وكل حين متى تطلب الموقف ذلك وإلا فما معنى الاستقلال.

للمشاركة:

لحوم الأدغال.. مرتع للفيروسات والميكروبات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

أكمل عبد الحكيم

تشير التقارير المتواترة، وغير المؤكدة حتى الآن، إلى أن مصدر فيروس كورونا الجديد، أو الكوفيد19، هو أصناف من الحيوانات البرية كانت تباع بشكل غير قانوني في أحد أسواق مدينة ووهان بوسط الصين. وهو ما عاد ليلقي بالضوء مرة أخرى على ظاهرة استهلاك بعض المجتمعات البشرية للحوم الأدغال (Bushmeat)، إما نتيجة لظروف اقتصادية، مثل الفقر وانعدام المصادر الغذائية الأخرى، أو بسبب عادات غذائية محلية، أو معتقدات ثقافية تربط بين هذه النوعية من اللحوم وبين الصحة والجمال والفحولة.
ويشير مصطلح لحوم الأدغال إلى لحوم الحيوانات البرية، مثل الثدييات، والزواحف، والبرمائيات، والطيور.. التي يتم اصطيادها من الغابات لغرض الاستهلاك البشري. وتعتبر هذه النوعية من اللحوم، مصدراً هاماً للغذاء في الدول الفقيرة، وخصوصاً سكان المناطق الريفية، ولدرجة أن عدد الحيوانات التي تم قتلها والاتجار بها خلال عقد التسعينيات مثلا في غرب ووسط أفريقيا، أصبح غير مستدام، مهدداً هذه الحيوانات بالانقراض والفناء. وبحلول عام 2016، قُدر أن أكثر من 300 نوع من الثدييات الأرضية أصبحت مهددة بالانقراض، بما في ذلك أصنافاً من القردة العليا، والحيوانات ذات الظلف، مثل الزراف والأيل والظبي، بالإضافة إلى الخفافيش، والجربيات، والقوارض، والحيوانات المفترسة آكلة اللحوم. ويحمل هذا السلوك البشري في طياته مشكلتين رئيسيتين، الأولى هي فقدان التنوع الحيوي نتيجة انقراض العديد من أنواع الحيوانات، والثانية هي انتقال الأمراض الفيروسية والبكتيرية والطفيلية من الحيوانات إلى الإنسان.
وتأتي أهمية التنوع الحيوي من أن البيئات الطبيعية هي عبارة عن حالة من التوازن بين التركيبات الوراثية المختلفة (أي أشكال الحياة)، بحيث غالباً ما يعتمد بقاء شكل من أشكال الحياة على وجود أشكال أخرى من الحياة في بيئته نفسها، ولذا يمكن أن يؤدي انخفاض التنوع الحيوي في بيئة ما إلى تداعي النظام البيئي وانهياره بالكامل. وكما تعتمد الحيوانات والنباتات على بعضها البعض في البقاء والاستمرار، يعتمد أيضاً أفراد الجنس البشري على التنوع الحيوي، للاستمرار في الحياة، وللحفاظ على صحتهم، وللوقاية من الأمراض والعلل. فالهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، والغذاء الذي نتناوله، والأدوية التي نستخدمها، هي نتاج للتنوع الحيوي للكوكب الذي نعيش عليه.
أما المشكلة الثانية التي تنتج عن استهلاك لحوم الأدغال، أي مشكلة انتقال الأمراض الحيوانية إلى الإنسان، فالمعروف والمؤكد أن الإنسان والحيوان يشتركان في عدد من الأمراض المعدية، تُعرف بالأمراض حيوانية المنشأ، وهي الأمراض التي تصيب الحيوانات في الأساس، الفقارية في الغالب، لتنتقل منها إلى الإنسان الذي يمكن أن يكون بدوره مصدر عدوى للآخرين. حيث تعود جذور الكثير من الأمراض التقليدية إلى منشأ حيواني، مثل السُعْار (أو داء الكَلَب)، والجمرة الخبيثة، وفيروس النيل الغربي، هذا بالإضافة إلى عدد من الأمراض التاريخية، مثل الحصبة، والجدري، والدفتيريا، وحتى أمراض شائعة مثل البرد العادي، والسل الرئوي.. تردّ هي الأخرى إلى منشأ حيواني. ومن بين أكثر من 1400 مرض معد يصيب الإنسان، سواء في شكل عدوى فيروسية، أو بكتيرية، أو فطرية، أو طفيلية، تشكل الأمراض حيوانية المنشأ أكثر من 60 بالمئة من هذه الأمراض، أي ما يعادل تقريباً ثلثا الأمراض المعدية التي تصيب أفراد الجنس البشري. ويمكن إدراك أهمية الأمراض حيوانية المنشأ، من حقيقة كونها شكلت أخطر أوبئة الأمراض المعدية بين البشر في الذاكرة الحديثة. هذا الخطر أصبح يتزايد بشكل مضطرد، مع ازدياد استهلاك لحوم الأدغال، والتي يُعتقد أنها المسؤولة مؤخراً عن انتقال أمراض جديدة، كانت محصورة سابقاً داخل صنف أو نوع من الحيوانات يسكن بيئات برية في أعماق الغابات. وعلى سبيل المثال، وباء فيروس نقص المناعة المكتسبة أو الإيدز، الذي يصيب حالياً 35 مليون شخص، ووباء فيروس إيبولا الذي اجتاح دول غرب أفريقيا منذ شهر مارس العام الماضي، وتسبب حتى الآن في أكثر من 11 ألف وفاة مسجلة. وعلى المنوال نفسه، ترد أوبئة الإنفلونزا الحديثة بأنواعها المختلفة (الخنازير والطيور وغيرها) إلى أصول حيوانية.
وهناك أيضاً، فيروس مرض سارس، والذي انتشر عام 2003 ليصيب أكثر من 8 آلاف شخص، توفي منهم 774 شخصاً، ويعتقد أنه انتقل للإنسان من أحد أنواع القطط البرية (Civet Cat). ومؤخراً فيروس كورونا الجديد الذي يعتقد، وإن لم يؤكد بعد، أنه انتقل من الخفافيش عبر وسيط من الطيور والثدييات، وليس من الثعابين كما كان يُعتقد في البداية.
وتظل العلاقة بين الإنسان والأمراض الحيوانية علاقة شائكة، مع التوقع بأن تزداد هذه العلاقة تعقيداً، نتيجة ازدياد أعداد البشر، وبسبب تغولهم على البيئات الطبيعية، واستهلاكهم للمزيد من الحيوانات البرية التي تحمل في أعضائها وأنسجتها ميكروبات، تتعايش معها في سلام ووئام، لكن قد تتسبب هذه الفيروسات والميكروبات في أمراض وأوبئة وجائحات، إذا ما نجحت في القفز لأحد أفراد الجنس البشري.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية