إيران: هل تدق العقوبات الأمريكية إسفيناً بين حكومة روحاني والمحافظين؟

إيران: هل تدق العقوبات الأمريكية إسفيناً بين حكومة روحاني والمحافظين؟

مشاهدة

22/09/2020

احتدم الخلاف بين جناحي النظام في إيران، على إثر تطبيق آلية العقوبات الأمريكية "سناب باك"، والتي استعانت بها الولايات المتحدة؛ لمواصلة فرض العقوبات الأممية على طهران، وذلك بعد فشل التصويت في مجلس الأمن الدولي، في ما يخص مسألة تمديد حظر السلاح عليها؛ الأمر الذي ما زالت انعكاساته وتأثيراته تبرز بين القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، بل وتثير إشكاليات عديدة؛ إذ وصف، علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى للثورة الإيرانية للشؤون الدولية، وعضو لجنة الإشراف على الاتفاق النووي، تطبيق العقوبات بأنها مجرد "دعاية انتخابية لترامب"، وقال إنه "بات اتفاقاً أحادي الجانب، بعد انسحاب الولايات المتحدة منه، ولذا لم تعد له أية قيمة".

صراع الأجنحة

وبحسب وكالة "تسنيم" الإيرانية، القريبة من الحرس الثوري الإيراني، نُقل عن ولايتي، أنّ الدول الأوروبية في الاتفاق النووي، وهي بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، لم تف بأي من التزاماتها، ولم تقدم سوى الوعود، بل شاركت في العقوبات الأمريكية، بشكل مباشر أو غير مباشر"، مضيفاً: "ليست لدينا علاقات تجارية أو نقدية مع أوروبا، لأنهم بعد دعوة أمريكا قاطعوا إيران علانية".

واعتبر مستشار المرشد الإيراني، أنه من الناحية العملية، قد انتهكت واشنطن وأوروبا الاتفاق النووي، حتى لو اختلفت سبل كل طرف في ذلك، وبالتالي، فإنّ هذه الاتفاقية التي تم انتهاكها أحادياً لم تعد لها قيمة، حسبما قال، كما زعم أنّ شعبية ترامب انخفضت، والأصوات المتوقع الحصول عليها في الانتخابات تتراجع، ومن ثم، فإنّ محاولة تفعيل آلية الزناد أو سناب باك، لا تعدو سوى كونها مجرد "دعاية انتخابية"، بهدف حشد الرأي العام داخل الولايات المتحدة.

يعد الاتفاق النووي مسألة خلافية، بالأساس، بين التيارين الإصلاحي والمحافظ، وقد نجح الأخير في توظيف التداعيات التي أعقبت الإنسحاب الأمريكي من الاتفاق في التأثير على شعبية روحاني

ولا يكاد يختلف موقف الجناح المتشدد، والذي ينتمي إلى المرشد الإيراني عن مواقف سابقة له، تتصل بضرورة السعي نحو الخروج من الاتفاق النووي، الأمر الذي يقف على النقيض منه، الرئيس الإيراني، حسن روحاني، ما تسبب في خلافات جمة بينهما، إضافة إلى ملاسنات بين الطرفين، لا سيما وأنّ وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، يعتبر أنّ الاتفاق النووي كان نجاحاً مهماً لحكومة روحاني، بيد أنّ علي ربيعي، الناطق الرسمي بلسان الحكومة الإيرانية، كتب في مقال منشور، أنّ "رفع وتيرة الهجوم ضد الاتفاق النووي، لن يؤدي إلا إلى تغيير شروط اللعبة لصالح الولايات المتحدة"، ووصف آلية سناب باك، بأنها سوف تؤدي إلى "خلق توتر قبيل الانتخابات؛ لصرف الانتباه المحلي عن سياسات ترامب".

أوروبا وإيران.. المصالح وحدود التفاهم

وإلى ذلك، انسحبت، بنفس الدرجة، الخلافات القائمة حول تنفيذ وتفعيل آلية العقوبات الأمريكية على مواقف عدد من القوى الدولية؛ إذ قال الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، إن الولايات المتحدة لم تعد مشاركة في الاتفاق النووي مع إيران بعد انسحابها منه، موضحاً أنه "لا يمكن بدء عملية إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة بموجب قرار مجلس الأمن".

اقرأ أيضاً: صفقة النفط الإيراني مقابل الذهب التركي في المحاكم الأميركية

وشدد الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي، على ضرورة الالتزام برفع العقوبات عن إيران، وذلك بموجب الاتفاق النووي، بينما أكد على ضمان الحفاظ على بنود الاتفاق الملزمة، وتنفيذه بالكامل من قبل كافة الأطراف.

بيد أنّ واشنطن منذ فشل التصويت في مجلس الأمن، عمدت إلى الإعلان عن تفعيل آلية العقوبات البديلة، خاصة، بداعي أن إدارة الرئيس الأمريكي، توقعت حدوثه، وقد وصف مستشار الأمن القومي الأمريكي، روبرت أوبراين، رفض بعض الدول التصويت في مجلس الأمن بأنه "ليس مفاجئاً"، وعليه، أكد وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، تنفيذ جميع العقوبات الأممية على إيران، منذ السبت الماضي، إضافة إلى الإعلان، في وقت لاحق، عن مجموعة من الإجراءات الجديدة بهدف تعزيز تنفيذها.

اقرأ أيضاً: ما الإستراتيجيات العربية لتجفيف الوجود الإيراني في سوريا؟

وأوضح وزير الخارجية الأمريكي، أنّ الولايات المتحدة سوف تلاحق بالمعاقبة كل من يسعى إلى خرق العقوبات على طهران، والتي ساهمت "جهودها العنيفة لنشر الثورة في قتل الآلاف، كما دمرت حياة ملايين الأبرياء"، وبالتالي، حذر من تداعيات إخفاق الأمم المتحدة في تطبيق العقوبات، معتبراً أنّ النظام الإيراني يمثل أكبر تهديد للسلام في العالم، حسب وصفه، ومؤكداً على استمرار "فرض العقوبات لممارسة أقصى الضغوط المالية على النظام الإيراني، حتى تتوقف عن الفوضى وإراقة الدماء".

رسالة إلى مجلس الأمن

من جهتها، دانت وزارة الخارجية الروسية، إعلان الولايات المتحدة أحادي الجانب، إعادة تفعيل العقوبات الأممية على إيران، حسبما جاء في بيان رسمي صادر عنها، ووصفت التصريحات الأميركية بأنها "تفتقد لأساس قانوني، لأنه بحكم طبيعتها، لا يمكن لمبادرات وتحركات الولايات المتحدة غير الشرعية أن تحمل عواقب قانونية دولية بالنسبة للبلدان الأخرى".

الباحث محمود حمدي لـ"حفريات": تبدو عملية استعادة العقوبات مسألة إجرائية محددة بمدة ثلاثين يوماً، ما يمكن الولايات المتحدة من تدمير الصفقة النووية، ووضع إيران في ظروف العام 2015

وأبلغ الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في رسالة إلى مجلس الأمن الدولي، أنه لا يستطيع اتخاذ أي إجراء إزاء الإعلان الأميركي، بخصوص فرض كل عقوبات الأمم المتحدة على إيران نظراً لوجود "شك" في المسألة، كما أكد مبعوث إيران لدى الأمم المتحدة، مجيد تخت رافانشي، رفض طهران إعلان واشنطن الذي وصفه بـ"المنفرد"، حول إعادة فرض العقوبات الأممية على إيران، واتهم الولايات المتحدة بتبني استراتيجية تتمثل في خلق تعقيدات قانونية، عبر تقديم تفسيرات تعسفية، وكذا حجج قانونية زائفة، حسب تعبيره.

يعد الاتفاق النووي مسألة خلافية، بالأساس، بين التيارين الإصلاحي والمحافظ، وقد نجح الأخير في توظيف التداعيات التي أعقبت الإنسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي في التأثير على شعبية روحاني، وكذا شعبية الاصلاحيين، حتى نجحوا في انتخابات البرلمان الإيراني، في شباط (فبراير) العام الحالي، ومن ثم، تشكيل برلمان تهيمن عليه القوى المحافظة والراديكالية؛ إذ إنّ هذا التيار يرفض الاتفاق، باعتبار أنّ الأمريكيين لا يمكن الوثوق فيهم، حسب تقديراتهم السياسية، في حين يرى الإصلاحيون أنّ هناك فرصة في بقاء الاتفاق، ويستندون إلى شرعيته القانونية التي ما تزال سارية، كما يستندون إلى موقف القوى الدولية، التي رفضت استخدام الولايات المتحدة لآلية سناب باك وتمسكت ببقاء الاتفاق.

مستقبل أنشطة إيران النووية

تعود مسألة الخلاف بين طرفي النظام، وتباين مواقفهما حول مسألة العقوبات الأمريكية، إلى توقيت الاتفاق النووي ذاته، حسبما يرى الباحث المتخصص في الشأن الإيراني، الدكتور محمود حمدي؛ إذ يحشد كل جناح داخل النظام أدواته السياسية والإعلامية، للتعبئة والهجوم ضد الطرف الآخر، وتحميله مسؤولية المشكلات المترتبة على نتائج ومآلات الاتفاق، بخاصة في الداخل الإيراني، وتنامي مساحة الاحتجاجات الشعبية بسبب العقوبات الاقتصادية، بيد أنّ حكومة الرئيس الإيراني تعتبره نجاحاً دبلوماسياً لها، وقد ساهم في تحريرها من العزلة والحصار والعقوبات، خاصة التي تعرضت لها، في الفترة بين عامي 2005 و2013، أثناء حكم محمود أحمدي نجاد.

اقرأ أيضاً: دخول العقوبات الأممية الجديدة على إيران "حيز التنفيذ".. وهذه عواقب من يخالف

ويضيف لـ"حفريات": "من الناحية النظرية تبدو عملية استعادة العقوبات مسألة إجرائية محددة بمدة ثلاثين يوماً، الأمر الذي يمكن الولايات المتحدة من تدمير الصفقة النووية، ووضع إيران في ظروف مماثلة للظروف التي سبقت توقيع الاتفاق النووي في العام 2015، وذلك بناء على البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، غير أن الملف الإيراني أضحى مجالاً لاستقطاب كبير بين القوى الدولية الرئيسية على الساحة الدولية، وهذا الاستقطاب يتخطى الخلاف حول تمديد حظر السلاح على إيران، ليصل إلى ورقة توظفها بعض القوى، مثل روسيا والصين، بل وبعض الأطراف الأوروبية، لتستفيد منها إيران، وذلك في إطار خلافات عميقة بين هذه القوى والولايات المتحدة حول طبيعة وهيكلية النظام الدولي الراهن".

 

ويرجح حمدي أن تلجأ إيران إلى متابعة برنامجها النووي وفق خططها الخاصة، وإعادة جميع الأنشطة النووية إلى مستويات ما قبل عام 2015، وذلك باستخدام أجهزة الطرد المركزي من الجيل IR4 وIR6 وIR8 لأغراض التخصيب، وكذلك الإسراع في عمليات صناعة الوقود النووي، مع احتمال الإعلان عن الانسحاب من الاتفاق النووي، لكن هذا خيار غير مؤكد، نظراً إلى حاجة إيران الأساسية للاتفاق في ما يتعلق بجهودها القانونية والسياسية والدبلوماسية لمواجهة الولايات المتحدة.

الصفحة الرئيسية