إيكونوميست: الحكومات العربية توطّد سلطاتها بالتوجه إلى العلمانية

إيكونوميست: الحكومات العربية توطّد سلطاتها بالتوجه إلى العلمانية
7304
عدد القراءات

2017-11-21

سابِقاً، خلال أيام الجُمَع، كان يمتدُّ تجمُّع المصلين خلف محمد يوسف، وهو داعية شاب مُتَزَمّت في بَلْدَة المنصورة المصرية، إلى الأزِقَّة المحيطة بمسجده. الآن، الشيخ محمد يُعدُّه أسبوعًا جيدًا إذا ملأ نصف المكان.

في القاهرة، على بعد 110 كيلومترات (68 ميلًا) إلى الجنوب، نساء غير محجبات يجلسن في مَقَاهي الشوارع، التي كانت تقليديًا حِكرًا على الذكور، ويدخنّ النَّارَجيلة. بعض المُنشآت تُقدِّم الكحول، الذي يُحرِّمه الإسلام. "إننا في حالة تراجع ديني"،  يَئِنُّ الشيخ محمد، الذي يشاركه في قُنُوطه رجال دين في كثير من أجزاء العالم العربي.

الدعم لفرض الشريعة الإسلامية في مصر انخفض من 84٪ في عام 2011 إلى 34٪ في عام 2016

وفقًا للباروميتر العربي، وهو مشروع يعمل على إجراء استطلاعات للتوجهات، فإنّ أجزاء كثيرة في المنطقة تصير أقل دينية. والناخبون الذين دعموا الإسلامويين بعد اندلاع "الربيع العربي" في عام 2011 أصابتهم خيبة أمل إزاء أدائهم وغيروا عقولهم. في مصر، الدعم لفرض الشريعة الإسلامية انخفض من 84٪ في عام 2011 إلى 34٪ في عام 2016. والمصريون يصلون بشكل أقل، أيضًا (انظر الرسم البياني).

وفي أماكن مثل؛ لبنان والمغرب، يستمع نصف عدد كبير من المسلمين إلى تِلاَوَة القرآن اليوم، مقارنة بعام 2011. والمساواة بين الجنسين في التعليم ومكان العمل، التي يعوقها التقليد الإسلامي منذ زمن طويل، مقبولة على نطاق واسع. "إن المجتمع يقود التغيير"،  وفق قول ميشيل روبين، وهو أمريكي يرأس "الباروميتر".

ولكن ذلك يأتي، أيضاً، كمَحْصُول جديد لقادة عرب قاموا بتكييف سياساتهم مع روح العصر. وتصرفهم يصدر، جزئياً، عن مصلحة ذاتية سياسية. إن سُلطويُّ المنطقة، الذين حاولوا سابقًا اختيار الإسلامويين كحلفاء، يعتبرونهم الآن أكبر تهديد لحكمهم. من خلال كَبْح نفوذ رجال الدين، فإنّهم يضعفون أيضًا ضوابط سلطتهم. ومع ذلك، يبدو أنّ لدى العديد من القادة العرب اهتماماً أصيلاً بتوليد مجتمعات أكثر علمانية وتسامحاً، حتى لو كانت إصلاحاتهم لا تمتد إلى المجال السياسي.

الإمارات العربية المتحدة قادت الطريق في تَخفيف القيود الدينية والاجتماعية، في وقت تخاض فيه حملة إقليمية ضد الحركات الإسلاموية، بإزاء تمويل فروع لجامعات غربية ومعارض فنية. وشجَّع ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد الشابات على الخروج من العزلة المحلية ودخول الخدمة العسكرية، بما في ذلك ابنته. وكثيرًا ما تمشي المجنَّدات في الشوارع في الزيّ الرسمي. وفي تناقض واضح مع القادة القوميين بعد الاستقلال، الذين طهَّروا مجتمعاتهم من الأرمن واليونانيين والإيطاليين واليهود، تبنَّى التنوع، على الرغم من أنّ القيود الصارمة على المواطنة ما تزال مستمرة.

في مصر، لم يحظر الرئيس عبد الفتاح السيسي فقط جماعة الإخوان المسلمين، وهي الحركة الإسلاموية البارزة في المنطقة، ولَكِنّه ندد أيضًا بالأزهر، أقدم مقر للتعلُّم في العالم الإسلامي، بسبب "التَعَصُّب". وقد أغلق آلاف المساجد، وقال إن المسلمين يجب ألا يضحوا بالأغنام في منازلهم خلال الاحتفالات الدينية دون ترخيص. وفي بعض الشواطئ، حُظِرَ البوركيني الذي يُغطي الجسم وتلبسه النساء المحافظات. وبمعزل عن أسلافه من الحكام، حضر السيسي قداس عيد الميلاد في الكاتدرائية القبطية بالقاهرة ثلاثة أعوام متتالية (على الرغم من أنه لا يمكث طويلًا). "لقد أصبحنا أكثر أوروبية"، وفق ما أوضح مسؤول مصري.

تحولات السعودية

التحول الأكثر وضوحًا، وإن كان ما يزال وليدًا، في المملكة العربية السعودية، حيث قام محمد بن سلمان، ولي العهد الشاب، بكَبْح الشرطة الدينية، وإقالة الآلاف من الأئمة، وإطلاق مركز جديد للوسطية من أجل مراقبة "النصوص المُزَيّفة والمتطرِّفة". وسوف يُسمَح قريبًا للنساء بالقيادة والدخول إلى الملاعب الرياضية. ويجري تشجيعهن بالفعل على العمل. والآن، يريد الأمير محمد أن يؤسِّس مدينة جديدة، نيوم، يبدو أنها ستأتي على غرار مدينة دبي. وأشرطة الفيديو التي تروِّج لها تُظهِر نساء دون حجاب يحتفلون مع رجال. "إننا نعود فقط إلى ما كُنّا عليه، إلى الإسلام المعتدل، منفتحين على العالم وكافَّة الأديان"، هكذا أخبرَ ولي العهد مستثمرين أجانب في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي.

هذه الخطوة نحو الاعتدال بعيدة كل البعد عن أن تكون منتشرة في كل مكان. في بلدان ذات حكومات أقل دينامية، مثل؛ الجزائر والأردن وفلسطين، تُظهِر استطلاعات الرأي أن دعم الشريعة والتعاطف مع الحركات الإسلاموية مرتفع ومتنامٍ. لَكِن يمكن العثور على العلمانيين حتى في الأحياء الأكثر محافظة، متحررين من قبضة جهاديي تنظيم (داعش)، يتجمَّع سكان الموصل (العراق) في المقاهي المُجدّدة التي نشأت حول جامعة المدينة المدمَّرة. هذا، ويُنادي العديدون منهم بالإلحاد. وتجري إعادة فتح قسم الفنون الجميلة بعد أن أغلقه (داعش) قبل ثلاثة أعوام، مع ضعف استيعابه السابق من الطلاب.

المَشَقّة الاقتصادية، التي كانت تؤجِّج حركات المعارضة الإسلاموية، قد تؤدي إلى تآكل الآراء التقليدية بشأن دور المرأة

المَشَقّة الاقتصادية، التي لطالما نُظِرَ إليها على أنّها تؤجِّج حركات المعارضة الإسلاموية، قد تؤدي أيضًا إلى تآكل الآراء التقليدية بشأن دور المرأة في المجتمع. وفي ظل ارتفاع التضخم وتخفيض الدعم في العديد من البلدان، نادرًا ما يكون راتب واحد كافيًا لإعالة الأسرة. لذلك، يشجع الأزواج زوجاتهم على العمل. وتترك البنات منازلهن في المناطق الريفية للدراسة أو العمل في المدن.

اعتدال دون تمثيل

كل هذا التغيير يأتي كمتعة ممزوجة بألم عند ليبراليي المنطقة، الذين يريدون المزيد من الانفتاح السياسي، أيضًا. لَكِن بعض القادة العرب يتصرَّفون إلى حد بعيد مثل كمال أتاتورك، الديكتاتور التركي في مطلع القرن العشرين، الذي ألغى الخلافة والشريعة، وحظر الزيّ التقليدي، وذلك بينما كان يعمل على تعزيز سلطته.

في تنفيذه لأجندته التحديثية، خفَّض الأمير محمد بن سلمان تحالف عائلته، مع رجال الدين الوهابيين، الذين فرضوا نسخة مُتَزَمّتة من الإسلام وبدا أنهم يحكمون المملكة العربية السعودية جنبًا إلى جنب مع آل سعود. وبالمثل، شجَّع السيسي انتقاد الحركات الدينية، فِيما فرض رقابة ولو على الانتقادات غير المباشرة لحكمه. وحظر مئات الصحف والمواقع الإلكترونية، وضيّق على فنانين وموسيقيين قد يثيرون معارضته.

إلى هذا، يبدو أن العديد من العرب مستعدون لفقدان الحقوق السياسية ومبادلتها بالحريات الشخصية. وقد سمّى استطلاعٌ للرأي هذا العام الإمارات العربية المتحدة على أنها البلد الذي يرغب معظم العرب في العيش فيه.

العلمانية قد تستمر في العالم العربي ما دام القادة يدفعون بالخطة إلى الأمام. ولو أنه قد لا يمكنهم الذهاب بقدر ما يريد النشطاء، فلم تكد المرأة السعودية تحصل على الحق في القيادة حتّى أخذ البعض دراجاتهن إلى الطرقات، في اختبار لحدود التسامح الرسمي.

ظهرت هذه المقالة في قسم الشرق الأوسط وأفريقيا من النسخة المطبوعة تحت عنوان "الكوزموبوليتانيون العرب الجدد"

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



ما هي رسالة طهران إلى واشنطن من خلال وجودها في العراق؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-01-21

ترجمة: مدني قصري


في 3 كانون الثاني (يناير) الجاري، قُتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني في غارة أمريكية مستهدفة في بغداد. بعد خمسة أيام، أطلقت إيران عدة صواريخ على قاعدتين تحميان القوات الأمريكية في العراق، دون أن تتسبب في حدوث ضحايا. وكانت هذه خطوة جديدة في تصعيد العنف بين واشنطن وطهران، الأمر الذي بات يثير مخاوف من اندلاع حرب في الشرق الأوسط، والذي يطرح السؤال حول الوجود الإيراني في العراق. حول هذا الموضوع يعود الباحث آرثر كويسناي حول ألوان التعبئة الإيرانية العاملة على الأراضي العراقية.

أغراض طهران

لا شك أنّ عمليات القصف ضد قواعد أمريكية، صباح الأربعاء، انطلاقاً من الأراضي الإيرانية نتجت عن تصاعد العنف المستمر بين البلدين.

كلما لعبت الولايات المتحدة لعبة المواجهة حاولت طهران تقوية الكتلة الموالية لإيران وزيادة نفوذها في العراق

منذ استئناف العقوبات الأمريكية في أيار (مايو) 2018، لطالما رفعت طهران لهجتها ضد واشنطن، من خلال الهجمات ضد ناقلات النفط في مضيق هرمز، على سبيل المثال، أو خلال هجمات الطائرات بدون طيار على محطات النفط لشركة أرامكو السعودية بالمملكة العربية السعودية. لكن إيران لا تزال تقف ضمن إستراتيجية تصعيد متحفظة ومحدودة، لأغراض دفاعية.

على الأراضي العراقية، لم تنتظر طهران اغتيال الجنرال سليماني لمهاجمة المصالح الأمريكية. لم يلق هذا الرد اهتماماً إعلامياً كبيراً، لكن الميليشيات الشيعية المرتبطة مع الباسدران استهدفت الشركات الأمريكية بشكل منتظم، ولا سيما الشركات المرتبطة بإنتاج النفط في العراق. كما تم استهداف المصالح العسكرية الأمريكية، بهدف واحد: الردّ على إعادة فرض العقوبات الأمريكية على إيران، ودفع واشنطن إلى الخطأ لتشويه سمعة وجودها في العراق.

اقرأ أيضاً: ألمانيا تحاكم جاسوساً لإيران

الهجوم الصاروخي الذي شنّته كتائب حزب الله العراقي ضد القوات الأمريكية، في قاعدة في شمال العراق، في 27 كانون الأول (ديسمبر) الماضي؛ حيث تم اغتيال متعهد أمريكي من الباطن، هو مثال على ذلك. وكان الردّ على هذه العملية ما قامت به القوات الأمريكية من قصف على مواقع حزب الله العراقي في 29 من الشهر نفسه، تلاه في نفس المساء قصف صواريخ جديدة أطلقتها المنظمة ضد القواعد الأمريكية.

لإنهاء دورة التصعيد منخفضة الشدة اختارت الولايات المتحدة خيار المواجهة المباشرة، والهادفة، من أجل تركيع طهران، من خلال اغتيالها في 3 كانون الثاني (يناير) الجاري في بغداد، لقائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، وملازمه العراقي الرئيسي أبو مهدي المهندس المسؤول عن العمليات الإقليمية الإيرانية.

إيران تتوسع من أجل البقاء

إيران حالياً في وضع دقيق. العقوبات الأمريكية بدأت تخنق اقتصادها، وتهدف إلى دفع القوات الإيرانية إلى حدودها. من وجهة نظر طهران، فإنّ بقاءها، على العكس، يقوم على التوسع في المنطقة: في العراق، وفي سوريا، ولكن أيضاً في لبنان، أو حتى في اليمن، لتجنب الغزو المباشر على أراضيها. لا ينبغي أن ننسى أنّ إيران قد شعرت بحق، بالهجوم عليها خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، ثم شددت عليها الولايات المتحدة الخناق خلال غزو أفغانستان (2001) ثم العراق (2003). إنّ إطلاق الصواريخ من إيران يندرج ضمن هذا المنظور الدفاعي عن مصالحها الوطنية والإقليمية.

على عكس عام 2003 أصبح لدى طهران الآن نظام ميليشيات إقليمي حقيقي وكان سليماني أحد المهندسين المعماريين لهذه الميليشيات

من المؤكد أنّ هذه الطلقات كانت محدودة وغير قاتلة؛ لأنّ طهران لا تملك الوسائل لشن حرب قد تكون عواقبها وخيمة عليها. هذا الرد الخادع يترك الميليشيات الموالية لإيران في حالة ترقب وتوقع. ويمكن قراءته على أنّه اعتراف بالضعف، مقارنة بخطورة وفاة قاسم سليماني. لذلك قد يتعين على قيادات الميليشيات أن تكيف نفسها في مقابل ذلك، فهي لن تنعم بنفس الإفلات من العقاب حتى تتصرف، على الرغم من أنّ الإستراتيجية الأمريكية لضربات الطائرات بدون طيار لم تمنع مطلقاً جماعة مسلحة من العمل، بل على العكس من ذلك.

في المقابل، فإنّ الرد الرئيسي سوف يحدث على المستوى السياسي، من خلال تعزيز الكتلة العراقية الموالية لإيران من أجل الحد من تأثير الولايات المتحدة في العراق. القانون الذي أقره البرلمانيون العراقيون مؤخراً، والذي طالب بسحب القوات الأمريكية، يوضح ذلك. لقد تم إعداد هذا المشروع على مدى عدة أعوام، لكن اغتيال قاسم سليماني هو الذي أتاح القيام بضربة قوية لإجراء التصويت عليه. فكلما لعبت الولايات المتحدة لعبة المواجهة، حاولت طهران تقوية الكتلة الموالية لإيران وزيادة نفوذها في العراق.

أبرز معالم العلاقات الإيرانية العراقية في العقود الأخيرة

قضى عام 2003، مع الغزو الأمريكي للعراق وسقوط صدام حسين، على العدو الرئيسي للجمهورية الإسلامية، وفتح حدود البلاد، مما سمح لإيران بتوسيع نفوذها هناك. أولاً، من خلال المشاركة في إعادة بناء النظام السياسي ودعم عودة الأحزاب العراقية المنفية إلى إيران في عهد صدام حسين. من خلال هؤلاء الوكلاء، شاركت إيران بشكل خاص في صياغة الدستور العراقي الجديد الذي تم التصويت عليه في عام 2005. ثم، من خلال دعم منظمات الميليشيات الموازية لأجهزة الأمن العراقية، مثل "كتائب بدر" التي تشكلت في إيران خلال الحرب ضد العراق (1982)، و"كتائب حزب الله" (2003)، و"عصائب أهل الحق" (2006). شاركت هذه الميليشيات بنشاط في الحرب ضد الوجود الأمريكي في البلاد.

اقرأ أيضاً: النظام الإيراني.. وسقطت ورقة التوت

ومع ذلك، فإنّ الوضع قد تغير في عام 2008 عندما اتفقت إيران والولايات المتحدة على الوضع الراهن من أجل مكافحة تمرد الميليشيات "العربية السنية" والحركة الصدرية، التي يسيطر فيها جيش المهدي على المناطق الشعبية الشيعة. لقد تم دمج "كتائب بدر" في قوات الأمن العراقية بينما استعيدت أحياءُ البصرة والصدر في بغداد من جيش المهدي. لقد تحقق هذا الوضع القائم في عام 2015 مع توقيع الاتفاقية النووية الإيرانية.

في عام 2018، وضع تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن الاتفاق النووي، إيرانَ، في موقف عدواني، بهدف الحفاظ على نفوذها في العراق، وطرد الولايات المتحدة في نهاية المطاف من البلاد. ولكن على عكس عام 2003، أصبح لدى طهران الآن نظام ميليشيات إقليمي حقيقي، وكان الجنرال قاسم سليماني أحد المهندسين المعماريين لهذه الميليشيات. تعمل هذه الشبكة من المنظمات السياسية - العسكرية بشكل غير مكلف، لكنها تنتج نتائج ذات تأثير كبير على الأنظمة السياسية.

اقرأ أيضاً: لماذا يشيطن الإعلام الإيراني الرئيس العراقي ويتهمه بـ"الخيانة"؟

من ناحية، تعتمد على الجماعات المسلحة المحلية: بدر في العراق، حزب الله في لبنان، شبكة من الميليشيات السورية الموالية لدمشق، أو الحوثيين في اليمن. نمت هذه الجماعات بقوة خلال الحروب الأهلية المختلفة: الحرب الأهلية السورية منذ عام 2012، والحرب ضد داعش في العراق والصراع اليمني منذ عام 2014.

من ناحية أخرى، تقترن وتتعزز هذه الجماعات المسلحة بمنظمات سياسية تترسخ تدريجياً في هياكل الدولة المرتبطة بها بهدف تحويل اللعبة السياسية. حالة حزب الله اللبناني تكشف بشكل خاص عن هذه الإستراتيجية. ففي العراق أيضاً، تم انتخاب عدد من كوادر الميليشيات المنبثقين عن الحشد الشعبي لعام 2014، في الانتخابات التشريعية لعام 2018 ويشكلون كتلة سياسية قوية. حول هذه الكتلة تحاول إيران حالياً توحيد القوى السياسية الشيعية العراقية من أجل مواجهة النفوذ الأمريكي.

دور الحشد الشعبي في تعبئة ميليشيات مؤيدة لإيران

على المستوى العسكري، جندت الجماعات المسلحة الموالية لإيران المنبثقة عن الحشد الشعبي بضع عشرات الآلاف من المقاتلين الذين تم تجنيدهم محلياً وتدريبهم بمساعدة مدربين إيرانيين. المجموعات الأكثر شهرة هي؛ كتائب بدر، ولواء حزب الله، وعصائب أهل الحق. ويمكننا أيضاً إضافة مجموعات أصغر، منظّمة على نطاق المناطق أو الأحياء، والتي تستفيد من دعم إيران دون أن تكون مرتبطة رسمياً بالجمهورية الإسلامية. يمكن أن تكون أسلحتها متطورة للغاية، مثل الصواريخ طويلة المدى التي تم إطلاقها على القواعد الأمريكية في نهاية كانون الأول (ديسمبر) 2019، والطائرات بدون طيار، والمعدات من تحت الأشعة الحمراء، أو ترسانة كاملة من المركبات المدرعة والمدفعية التي تشكلت أثناء الحرب ضد تنظيم داعش. لقد حدث انتقالٌ للمهارات بين إيران وهذه الجماعات شبه العسكرية، لكن مواردها تأتي بشكل أساسي من القوات المسلحة العراقية والسوق المحلية.

العراقيون المنهكون من الفساد ومن تزايد سيطرة الميليشيات على المجتمع يُعبّرون عن معارضتهم الصريحة والمتزايدة لتدخل إيران

على المستوى السياسي، تستند هذه الميليشيات إلى أحزاب محلية تشكل آلات حقيقية لإنشاء شبكات اجتماعية واقتصادية راسخة، وإعادة توزيع شبكات زبائنية. لقد أسست هذه الميليشيات شركاتها الخاصة، مما أجبر رجال الأعمال العراقيين العاملين في المناطق الخاضعة لسيطرتها على العمل معها. وبفضل مناصب المسؤولية المكتسبة أثناء الانتخابات، أو عن طريق التعيين الذاتي في الإدارة تمكنت من تحويل موارد الدولة لتعزيز شبكات عملائها وتعزيز سيطرتها على السكان. هذه الديناميكية توجد أيضاً في سوريا وحتى لبنان. فالدولة لا تختفي ولكنها تخضع للاستيلاء المتزايد على مواردها من قبل منظمات الميليشيات التي تسيطر على بعض مؤسساتها. إضافة إلى وجود مستوى كارثي من الفساد، فإنّ ترسخ هذه الميليشيات في الدولة يشل جميع محاولات الإصلاح ويسمح لإيران بالتأثير بسهولة على صنع القرار. كان دور الراحل أبي مهدي المهندس هو بالضبط تعزيز شبه نظام الدولة هذا.

ففي الأشهر الأخيرة تحديداً، تركزت الأحداث في العراق حول هذه المظاهرات الشعبية، وانقلبت جزئياً على الوجود الإيراني، التي تم قمعها بالدم. هل اغتيال سليماني يغير صورة إيران في العراق؟ وإلى أي مدى؟

اقرأ أيضاً: إيران: الأخبار السيئة لا تأتي فرادى

ما زال من السابق لأوانه القول إنّ موقف الانتظار والترقب والخوف مما سيلي من أحداث هو المهيمن، لكن يبدو أنّ الضربات الأمريكية لم تصرف انتباه المتظاهرين الذين يواصلون التعبئة.

لا بد من التذكير بأنّ نظام الميليشيات السياسية هذا يواجه العديد من المقاومات على المستوى الإقليمي، كما يتضح ذلك من المظاهرات في لبنان، في بعض المناطق التي سيطر عليها النظام السوري. في العراق، استمرت حركة الاحتجاج لعدة أشهر، على الرغم من القمع المتواصل. العراقيون، المنهكون من الفساد ومن الوضع الاجتماعي والاقتصادي، ومن تزايد سيطرة الميليشيات على المجتمع، يُعبّرون عن معارضتهم الصريحة المتزايدة لتدخل إيران. قبل وفاته، تعرض قاسم سليماني والمهندس لانتقادات منتظمة من قبل المتظاهرين لدورهم في نظام الميليشيات السياسية في العراق؛ حيث اتهمهم بعض المتظاهرين بأنهم مدبرو القمع الذي خلف أكثر من 500 قتيل.

حالياً، هناك استقطاب للمتظاهرين: هناك جزء يرفض التدخل الأمريكي، ومتظاهرون آخرون حاولوا منع بعض المواكب الجنائزية تكريماً لسليماني. والسؤال هو ما إذا كانت هذه الحركة ستتاح لها وسائل كافية للاستمرار، إذا شدّدت إيران مواقفها في العراق. يمكن أن تؤدي التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران إلى استقطاب السكان العراقيين وإضعاف حركة الاحتجاج المدني في مواجهة كتلة مؤيدة لإيران، ومعزَّزة.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:

Lesclesdumoyenorient

للمشاركة:

هل يقضي مشروع "قناة إسطنبول" على أردوغان؟

2020-01-20

ترجمة: محمد الدخاخني


من المحتمل أن يتحوّل الجدل الدّائر بشأن مشروع البنية التّحتيّة لقناة إسطنبول إلى جدل وجوديّ بين الرّئيس التّركيّ رجب طيّب أردوغان وعمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو. وفي السّياسة، الحجج العاطفيّة لها تأثير كبير شأنها شأن الحجج العقلانيّة. وفي الوقت الحاليّ، يمتلك إمام أوغلو كافّة الحجج العاطفيّة. يقول شعاره ضدّ المشروع: "إمّا القناة أو إسطنبول". وإذا فقد أردوغان هذا الجدل، فقد يكون ذلك مكلّفاً للغاية بالنّسبة إليه.

اقرأ أيضاً: ما هي "قناة إسطنبول" التي يصر أردوغان على حفرها؟
في عام 2011، أعلن أردوغان مشروعه الجنونيّ على ما يبدو لحفر قناة تربط البحر الأسود ببحر مرمرة في موقعٍ ثان. فمضيق البوسفور، الّذي يفصل الجانب الأوروبيّ لإسطنبول عن نظيره الآسيويّ، يربط بالفعل بين البحرين، وتنظّم عمليّة مرور السّفن عبر المضيق بموجب اتّفاقيّة مونترو.

صورة لسفينة تنفث دخاناً كثيفاً على مضيق البوسفور في إسطنبول في 21 أبريل 2009
ومن المتوقّع أن تؤدّي قناة جديدة إلى الغرب من المدينة إلى تقليل حركة المرور عبر مضيق البوسفور وتخفيف المخاطر النّاتجة عن هذه الحركة. وكان وزير النّقل التّركيّ، محمد شاهد تورهان، ادّعى أنّ العائدات الأوّليّة من السّفن الّتي ستمرّ عبر القناة ستصل إلى مليار دولار سنويّاً. من الصّعب تبرير هذا الرّقم، بشكل خاصّ؛ لأنّ السّبب الّذي قد يجعل السّفن تفضّل القناة على مضيق البوسفور ما يزال مجهولاً. وتدّعي الحكومة أنّ القناة ستقلّل من أوقات الانتظار وبالتّالي فإنّ شركات الشّحن ستفضّل الدّفع.

اقرأ أيضاً: قناة إسطنبول "مشروع أردوغان العظيم" ينذر بكارثة بيئية
أردوغان مهووس بالمشاريع الضّخمة. فقد قام ببناء جسر ثالث فوق مضيق البوسفور، وثالث وأكبر مطار في إسطنبول، والعديد من مشاريع البنية التّحتيّة الكبيرة الأخرى. ساعده هذا في الفوز بالانتخابات في الماضي، لكنّه يدافع الآن عمّا يمكن أن يصبح مشروعاً مكلفاً وعديم الجدوى في أسوأ الأوقات. ففي اقتصاد هشّ بمعدل بطالة يبلغ 14 في المائة، وضرائب متزايدة، وحيث لا مجال للمناورة، سيتعيّن على أردوغان إقناع الجمهور التّركيّ، الّذي يتزايد وعيه البيئيّ، بضرورة تخصيص الموارد لهذا المشروع الآن.

يشمل المشروع مستوطنات على طول ضفاف القناة، والّتي من شأنها أن تخلق مدينة جديدة تضمّ حوالي خمسمئة ألف شخص

يشير تقييم التّأثير البيئيّ للقناة، من ناحية أخرى، إلى أنّ 200,878 شجرة ستتأثّر بالمشروع. وخلال عمليّة تنفيذ المشروع الّتي من المتوقّع أن تمتدّ إلى سبعة أعوام، سيتمّ إجراء 360 انفجاراً في المتوسّط سنويّاً، واستخدام حوالي 4,000 طن من زيت نترات الأمونيوم، وفقاً لخبراء جيولوجيّين. وهذه شروط يصعب بيعها. وهذه المرّة، لديه معارض لا يستهان به؛ إنّ إمام أوغلو يخوض معركة صارمة ضدّ المشروع.
احتدم الجدل حول مشروع القناة عندما أعلن تورهان، في 28 تشرين الثّاني (نوفمبر) الماضي، أنّ عمليّة منح عقود بناء القناة ستبدأ قريباً. ويشمل المشروع، الّذي من المتوقّع الانتهاء منه في أقلّ من عقد من الزّمان، مستوطنات على طول ضفاف القناة، والّتي من شأنها أن تخلق مدينة جديدة تضمّ حوالي 500,000 شخص. (تدّعي المعارضة أنّ هناك مليوني شخص سينتقلون). ومن المخطّط استخدام التّربة المستبدلة في إنشاء جزر اصطناعيّة. وتقدّر الميزانيّة بـ 15 مليار دولار، حسب تورهان.
سيكون لمشروع بهذا الحجم عواقب طويلة الأمد ولا رجعة فيها على البيئة والاقتصاد - ناهيك عن عواقب من وجهة نظر عسكريّة. في النّهاية، بمجرّد حفر القناة، ستصبح مدينة إسطنبول القديمة فعليّاً جزيرة، وهو الأمر الّذي ادّعى إمام أوغلو مؤخّراً أنّه سيجعل المدينة دون حماية. ففي حالة وجود تهديد عسكريّ، يجب نشر القوات في "الجزيرة" إمّا من خلال الجسور الموجودة فوق القناة أو البوسفور.

ومع ذلك، فإنّ الجدل الدّائر في تركيا بعيد عن النّاحية التّقنيّة. والحجّة الأكثر بروزاً في خطاب المعسكر الموالي للقناة هي الإيرادات الّتي يمكن توليدها عندما تدفع السّفن مقابل المرور. ولم يتّضح بعد لِمَ قد تدفع السّفن لاستخدام القناة ويوجد ممرّ مجانيّ متاح على بعد 25 ميلاً إلى الشّرق، عبر مضيق البوسفور؟ الافتراضات ضعيفة، والحسابات غامضة. وفي دراسة استقصائيّة أجرتها شركة الاستطلاع إسطنبول إكونومي ريسيرش على مستوى البلاد، في كانون الأوّل (ديسمبر) 2019، لم يوافق 49 في المائة من الجمهور على القول بأنّ المشروع سيولّد مصادر جديدة للإيرادات.

اقرأ أيضاً: رغم كلّ التحذيرات.. أردوغان يصرّ على مشروع قناة إسطنبول
تهدف الحكومة إلى جمع الدّعم بشكل صارم على طول الطّيف السّياسيّ؛ وسط مشاحنات حزبيّة حول المشروع، اختار إمام أوغلو الاعتماد في الغالب على التّناقضات الفنّيّة والبيئيّة عوضاً عن ذلك. تشمل مخاوف العمدة فقدان الحقول الزّراعيّة، والنّتائج السّلبيّة المحتملة في حالة وقوع زلزال إسطنبول الّذي طال انتظاره، وتدمير الأحياء النّباتيّة في المدينة. سيحتاج إمام أوغلو إلى تقديم أدلّة أكثر تفصيلاً في المستقبل، ولكن في الوقت الحاليّ تبدو حججه جاذبة للأنظار. فقد هرع الآلاف من سكّان إسطنبول إلى مديريّة البيئة والتّوسّع الحضريّ في إسطنبول لتقديم طلبات ضدّ تقييم الأثر البيئيّ للمشروع.

وفي دراسة استقصائيّة على مستوى البلاد، لم يوافق 49% من الجمهور بأنّ المشروع سيولّد مصادر جديدة للإيرادات

بالإضافة إلى ذلك، لا يزوَّد الجمهور بشكل عامّ بالمعلومات. فالاستطلاع نفسه الّذي أجرته إسطنبول إكونومي ريسيرش أظهر أنّ المعرفة العامّة بشأن المشروع منخفضة بشكل مذهل. فقد أشار حوالي 49 في المائة من المشاركين إلى أنّه ليس لديهم معلومات عن المشروع، بينما قال 40 في المائة إنّهم "على علم إلى حدّ ما" بالمشروع. وادّعى 11 في المائة فقط أنّهم "مطّلعون جيّداً". مع ادّعاء 12.5 في المائة من السّكان المحلّيّين بأنّهم مطّلعون جيّداً، فإنّ سكّان إسطنبول يدركون أكثر قليلاً من القضايا الرّئيسة.
وصف أردوغان المشروع بأنّه حلمه واستند مجدّداً في استراتيجيّته على الاستقطاب الأيديولوجيّ. وشريكه في التّحالف، دولت بهتشيلي، رئيس حزب الحركة الوطنيّة، حذا حذوه ووصف المعارضين "غير العقلانيّين" للمشروع بأنّهم غير وطنيّين. ومن المفارقات أنّ كلا الزّعيمين كان ضدّ المشروع خلال مراحل مختلفة من التّاريخ. فقد قدّم رئيس الوزراء السّابق بولنت أجاويد الفكرة في عام 1994، عندما كان عضواً في البرلمان، وعارضها أردوغان بقوّة في ذلك الوقت، عندما كان مرشّحاً لمنصب رئيس بلديّة إسطنبول. وبالمثل، وصف بهتشيلي القناة بأنّها "مشروع جنونيّ سيمكّن السّرقة" مجدّداً في عام 2011، عندما قدّمه أردوغان لأوّل مرّة، وكان بهتشيلي ما يزال في صفوف المعارضة.

أعلن أردوغان أنّ "القناة ستبنى سواء أعجبهم ذلك أم لا"
كجزء من اتّجاه أوسع، أصبح الجمهور التّركيّ أكثر حساسية تجاه القضايا البيئيّة. فخلال العقد الماضي، وقعت احتجاجات لا حصر لها في كافّة أنحاء الأناضول، لا سيّما لمعارضة بناء محطّة توليد الطّاقة الكهرومائيّة. وفي الآونة الأخيرة، تجمّع الآلاف من النّاس في مقاطعة كاناكالي للاحتجاج على مشاريع تعدين الذّهب الّتي من شأنها أن تلحق الضّرر بالبيئة. الخيط المشترك لهذه الاحتجاجات هو أنّها تشمل أشخاصاً من جميع الأطياف السّياسيّة.

إذا تمكّن أوغلو من الفوز بالحشد في الجدل الدّائر حول المشروع فقد يوجّه ضربة قاتلة لأردوغان بالانتخابات الرئاسية المقبلة

اغتنم إمام أوغلو الفرصة لوضع نفسه أمام أردوغان في جدل له أهميّة وطنيّة من أجل تعزيز محاولته في الانتخابات الرّئاسيّة المقبلة. وهو يضغط على الرّئيس بشأن التّداعيات الاقتصاديّة والبيئيّة للمشروع. وكلاهما له صداه لدى الجمهور. على الجبهة الاقتصاديّة، ليس من الواضح كيف سيموَّل المشروع. إذا كان ذلك سيتمّ من خلال الأموال العامّة، فسيسأل النّاخبون عمّا إذا كان هذا هو التّخصيص الصّحيح للموارد في وقتٍ زاد خلاله العجز في الميزانيّة بنسبة 70 في المائة في عام 2019 ليصل إلى 21 مليار دولار، ووصلت الزّيادة الأخيرة البائسة في الحدّ الأدنى للأجور إلى 15 في المائة، تاركةً من حظي بها تحت خطّ الفقر بكثير.
حتّى الآن، تقف الحكومة بحزم. فقد أعلن أردوغان أنّ "القناة ستبنى سواء أعجبهم ذلك أم لا". لكن من غير المؤكّد أنّ خطابه المعتاد سيكون كافياً لكسب الجماهير هذه المرّة، لا سيّما عندما يتعلّق النّقاش بقضايا ذات أهميّة حقيقيّة للنّاخبين.
بعد تكرار الانتخابات البلديّة في إسطنبول، والّتي خسرها حزب أردوغان مرّتين، يستعدّ إمام أوغلو للفوز الثّاني على أردوغان - هذه المرّة على السّاحة الوطنيّة. وإذا تمكّن إمام أوغلو من الفوز بالحشد في الجدل الدّائر حول مشروع القناة، فقد يوجّه ضربة قاتلة لأردوغان في الفترة الّتي تسبق الانتخابات الرّئاسيّة عام 2023.


كان سيلكوكي، فورين بوليسي

مصدر  الترجمة عن الإنجليزية:

https://foreignpolicy.com/2020/01/16/turkey-erdogan-imamoglu-istanbul-ca...

للمشاركة:

اغتيال سليماني.. انتشاء "داعشي" وتخوّفات إقليمية

2020-01-19

ترجمة: علي نوار


يعدّ اغتيال الجنرال القوي قاسم سليماني على يد واشنطن قفزة نوعية في السجال القائم بين الولايات المتحدة وإيران منذ 1979. الذي شهد ليس فقط سقوط أحد أهم الحلفاء الإقليميين لواشنطن في المنطقة (نظام الشاه رضا بهلوي)، بل وأيضاً إيجاد تحدّ للوضع الراهن عن طريق نوايا نقل نموذج الثورة الإسلامية والحصول على اعتراف كقوة قي المنطقة. خاصة مع نجاح إيران في اكتساب ثقل دولي ومقاومة العقوبات الآخذة في التزايد واستمرار النظام الحاكم في طهران، فضلًا عن تطوير برنامج نووي مثير للجدل وخلق شبكة من الحلفاء الإقليميين مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن وبالطبع نظام الرئيس السوري بشار الأسد وعدد من الفصائل المسلحة في فلسطين وسوريا والعراق. كل ذلك يربك ويعقّد حسابات أي عدو محتمل لإيران.

اقرأ أيضاً: لماذا يعتبر اغتيال قاسم سليماني أهم من تصفية بن لادن؟

وقد دفعت حالات الفشل المتكررة لواشنطن في المنطقة وتصاعد الشعور بأنّ إيران ليست لقمة سائغة عسكرياً، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاعتماد استراتيجية يطلق عليها "الضغط الأقصى" التي تتضمّن عقوبات اقتصادية قاسية والخروج من الاتفاق النووي المُبرم في حزيران (يونيو) 2015، ودعم الأقلّيات العربية والبلوشية داخل إيران، والضغط على شركاء آخرين وعملاء لإيران من أجل غلق الباب في وجه الجمهورية الإسلامية، وكذلك الهجمات السيبرانية وأعمال العنف.

من جانبها، ردّت إيران بالعنف أيضاً سواء عن طريق وحدة النخبة في الحرس الثوري الإيراني وهي "فيلق القدس" التي كان يرأسها سليماني، أو الميليشيات العديدة الموالية لها والمنتشرة بطول المنطقة وعرضها مع الحرص في الوقت ذاته على عدم استجلاب ردّ فعل كبير نظراً لضآلة إمكاناتها مقارنة بالآلة العسكرية الأمريكية. واستفادت طهران من كونها الحلقة الأضعف كي تحافظ على علاقات تجارية مع الاتحاد الأوروبي، وهو نفس الأمر الذي استغلّته إسرائيل على النحو الأمثل بتوجيه ضربات جوية ضد المصالح الإيرانية في لبنان وسوريا والعراق، دون أن تتمكّن إيران من الردّ عليها.

يتخوّف كثيرون من احتمالية أن يسفر تجدّد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران في منح قبلة الحياة للتنظيم الإرهابي

ولعلّ تصاعد وتيرة الكرّ والفرّ على مدار الأسابيع الماضية يعكس رغبة واضحة نحو الثأر، الذي من شأنه أن يؤدّي لأخطاء كارثية مثل مصرع 176 شخصاً كانوا على متن طائرة مدنية، وتغافل كل طرف عن أنّ هذا المسار لن يفضي نحو أي وجهة أو تحقيق أي أهداف. يصعب في مثل هذه الظروف معرفة من الذي بادر بإلقاء الحجر الأول، لا سيما في ظل مشهد يتحرّك بوتيرة مفرطة في السرعة يتبادل فيها الجانبان التراشق بالنيران. لكن العامل المنطقي هنا هو أنّ أياً من الجانبين يريد حقاً الدخول في مواجهة مباشرة، حتى ولو كان إخراج سليماني من اللعبة والانتقام الإيراني الناتج عنه سيسفر عن خسائر تفوق المكاسب بكثير.

الأمر الحتمي أيضاً أنّ الوقت سيكشف جميع العواقب السلبية لقرار ترامب باغتيال شخص يعتبره الكثيرون قاتلاً ويراه آخرون بطلاً قومياً وشهيداً، إلّا أنّه بوسعنا في الوقت الحالي استشفاف نتيجتين. الأولى أنّه ينبغي التمسك باتفاق 2015 النووي حتى لو كانت إيران لا تجد أي محفّز أو دافع خصوصاً مع غياب إرادة وانسحاب الولايات المتحدة للوفاء بالتزاماتها مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، بيد أنّها ستحاول مجدّداً جمع موارد وحشد قدرات كي تحصل على موقع أفضل يفيدها في مرحلة تفاوض محتملة. وفي ظل مثل هذه الظروف ستسعى بالطبع قوى إقليمية أخرى لزيادة جهودها كي لا تخرج من الساحة، الأمر الذي يرفع بدوره خطر ازدياد حدّة سباق التسلّح في منطقة ذات وضع معقّد ومتوتّر بالفعل.

اقرأ أيضاً: حسابات تركيا من مقتل سليماني

على الجانب الآخر، فإنّ موقف القوات الأمريكية في العراق- الذي يعتبر ترامب أنّها نقطة انطلاق لمهاجمة إيران- سيكون أصعب. فقد أصدر البرلمان العراقي في الخامس من كانون الثاني (يناير) الجاري قراراً بخروج هذه القوات، ورغم أنّ القرار لم يُنفّذ بالكامل، لكن التهديد بلغ مستوى أكبر بالنسبة لخمسة آلاف عسكري أمريكي ينتشرون على الأراضي العراقية. كما أنّ رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي الذي يتعرّض للتجاهل من قبل ترامب، يمرّ بوقت عصيب هو الآخر بسبب الاحتجاجات العنيفة والضغط من قبل المواطنين في الشوارع بسبب تدخّل واشنطن، وزاد الطين بلة اعتراض قيادات مثل؛ مقتدى الصدر وهادي العامري اللذين يرأسان كتلًا برلمانية مؤثّرة.

بعبارة أخرى، هناك مخاوف من حرية أكبر لتنظيم "داعش" في التحرّك ومزيد من المشكلات بالنسبة للحكومة المركزية في العراق وقدر أقلّ من الأمان للقوات الأمريكية وحلفائها، وفوق كل ذلك هامش مناورة أرحب لإيران في محاولتها لمواصلة ممارسة تأثيرها على كل ما يجرى داخل العراق المجاور.

استقبل قادة تنظيم داعش نبأ اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني بالكثير من الحفاوة، فيما مثّل تنفيذ الولايات المتحدة لهذه الضربة القاتلة مفاجأة مزدوجة، وفقاً لخبراء. ففي رد فعله، أشار "داعش" إلى مقتل سليماني بوصفه "تدخّلاً إلهياً" يصب في مصلحة الجهاديين، خاصة وأنّ الحكومتين الأمريكية والإيرانية شنّتا لأعوام حرباً بلا هوادة لطرد التنظيم المتطرّف من سوريا والعراق.

اقرأ أيضاً: العبقرية الشريرة لقاسم سليماني

كان سليماني أحد ألدّ أعداء كل من إدارة ترامب والتنظيم الإرهابي، فقد نجح الرجل في بناء تحالف من الجماعات الموالية لإيران والتي لعبت دوراً رئيساً في إضعاف "داعش" بجميع أرجاء الشرق الأوسط، لذا وبعد مقتل سليماني يتخوّف الكثيرون من احتمالية أن يسفر تجدّد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران في منح قبلة الحياة للتنظيم الإرهابي.

وإزاء هذا القلق، يطفو على السطح تساؤل مهم: هل تنظيم داعش هو الرابح الأكبر من تصاعد حدة التوتر بين إيران والولايات المتحدة؟

نزاع مُرحّب به من الجهاديين

بغضّ النظر عن البيان الذي يعبّر عن الاحتفاء بمقتل سليماني، تلفت المقالات والمواد الإعلامية السابقة لتنظيم "داعش" الانتباه إلى أنّ الأخير يسعى للاستفادة بأي شكل من التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، ويؤكّد خبراء أنّ مؤيدين للتنظيم عبر الإنترنت أشادوا بالهجمات التي شنّتها إيران على قواعد جوية تستضيف قوات أمريكية.

وبالفعل، كشف قطاع من "الجهاديين عبر الإنترنت" أنّهم ينتظرون دخول العدوّين في نزاع عسكري يضعفهما معاً، وهو ما يتّضح من عبارات مثل "صراع المستبدّين الاثنين" والذي من شأنه أن "يفتح الباب أمام استعادة السيطرة" من جديد وهو الهدف الذي يعمل عليه "داعش" حالياً عبر الاستفادة من وضع الإلهاء الذي يبعد الأنظار عنه.

الرابح الأكبر
يعتبر ماثيو هينمان رئيس "مركز جين للإرهاب والتطرّف" أنّ تنظيم داعش هو "الرابح الأكبر" من هذه المواجهة "فأي وضع يسمح للتنظيم بالحصول على وقت ومساحة لإعادة تجميع ذاته واسترداد عافيته يقابل بكل ترحيب من جانبه"، في تصريحات أدلى بها لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".

كشفت دراسة أعدّها الكونغرس الأمريكي عن وجود آلاف المقاتلين تحت إمرة داعش يعملون على لمّ شتات التنظيم

وأوضح الخبير في شؤون الإرهاب أنّه في حالة اشتداد حدّة الصراع، فسيتراجع اهتمام الطرفين المتناحرين به بل وقد تتوقّف تماماً المجهودات المبذولة للقضاء على "داعش"، مذكّراً في نفس الوقت بتوقّف عمليات التحالف ضد التنظيم الإرهابي في شمال سوريا على خلفية التدخّل العسكري التركي في المنطقة عينها العام الماضي.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد أمر في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي بتنفيذ حملة عسكرية داخل الأراضي السورية بغرض إنشاء "منطقة آمنة" خالية من الجماعات الكردية المسلّحة، إلّا أنّ هذه العملية أثّرت سلباً على العمليات المضادة لتنظيم  داعش لعدّة أسابيع، وهو الموقف الذي استغلّه الإرهابيون كي يعيدوا تنظيم أنفسهم.

فرصة سانحة لـ"داعش"؟

ويعود هينمان للتحذير من أنّ التنظيم بدأ بالفعل في عملية استجماع قواه وأنّ توقّف العمليات ضدّه سيمنحه "فرصة لتجنيد أفراد والتخطيط واستعادة وجوده محلّياً" وكذلك حشد الدعم الشعبي "عن طريق الإيذاء والتخويف"، ويتّفق معه عبد الرحيم سعيد من فريق "بي بي سي" المختصّ بالملفّ الجهادي موضّحاً أنّ غياب القانون والنظام في أي دولة "سواء نيجيريا أو العراق أو سوريا" تستفيد منه جماعات متطرّفة، لذا فإنّ حرب محتملة ستثلج صدر "داعش".

وأضاف سعيد "إنّ هذا الوضع يجعل الإرهابيين هم الفائز الأكبر. فالولايات المتحدة وإيران كلاهما عدو لتنظيم داعش. وإذا تناحرا فيما بينهما، ستنشغل قواتهما المسلحة للغاية عن الحرب ضد الإرهاب".

اقرأ أيضاً: هل ستكون حماس جزءاً من الردّ الإيراني على مقتل سليماني؟

ورغم إعلان السلطات العسكرية تحقيق النصر عسكرياً على "داعش" في كانون الأول (ديسمبر) من العام 2017، لكن الحقيقة أنّها لا تزال تقاتل ضد فلول التنظيم الذي بات هشاً للغاية خاصة بعد خسارته لمساحات كبيرة من الأراضي التي كان يسيطر عليها، إلّا أنّه لا يزال حاضراً عن طريق مناوشات مع القوات المسلحة العراقية متبعاً أساليب حرب العصابات.

ويبرز سعيد "ذهبت خلافة التنظيم أدراج الرياح. خسر الأراضي التي كانت في قبضته سواء بالعراق أو سوريا. لكنه لا يزال نشطاً في البلدين باستراتيجية الإنهاك والاستنزاف حيث يهاجم ويلوذ بالفرار"، وبالفعل كشفت دراسة أعدّها الكونغرس الأمريكي في نيسان (أبريل) 2019 عن وجود آلاف المقاتلين تحت إمرة التنظيم يشنّون هجمات ويعملون على لمّ شتات "داعش".

اقرأ أيضاً: كيف أطفأتْ إيران بريق مقتل سليماني في أيام؟
وبعد خسارته الموصل في العراق والأراضي المحيطة بوادي نهر الفرات في سوريا، والتي اعتبرها البعض نهاية "داعش"، فقد يستفيد التنظيم الإرهابي من تصاعد حدة التوتر في الشرق الأوسط كي يعيد إقامة "خلافته" المزعومة.

لقد أخطأ ترامب باتخاذ هذا المسار ووجّه ضربة للمصالح الأمريكية ذاتها ومصالح حلفائه الغربيين والإقليميين، فقط لأهداف انتخابية بحتة. والحقيقة أنّ هذا القرار لا يضمن له أي فوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة المُقرّر إجراؤها في الولايات المتحدة في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.

أما في الداخل الإيراني، فإنّ هذا الوضع يصب في صالح القطاعات الأكثر راديكالية في نظام طهران خلال الانتخابات البرلمانية المرتقبة في 21 شباط (فبراير) المقبل. كما أنّ طهران لم تفقد قدرتها على التحرّك بعد اغتيال سليماني، بل على العكس تحظى بخبرة طويلة في البقاء والنجاة في أحلك الظروف ولا تبدو مستعدّة للعودة إلى مائدة تفاوض في المستقبل القريب. رغم أنّ الجميع واثق من حتمية العودة لهذه المائدة في وقت ما.

والواقع أنّ واشنطن تسعى لاستعادة السيطرة على منطقة بدأت في الإفلات من نطاق هيمنتها خلال الأعوام الـ20 الأخيرة. والحقيقة أنّ الأزمة الراهنة والتصعيد العسكري الخطير هما نتاج لتعقيدات عديدة ومتشابكة في الشرق الأوسط يقابلها تزايد عجز الولايات المتحدة عن إدارة هذه الملفّات في ظل مشهد يعجّ بالاضطرابات الهوياتية والاجتماعية والسياسية.

اقرأ أيضاً: هذا الأمر سهّل قتل قاسم سليماني

وقد بدأت الولايات المتحدة عملية طويلة لمغادرة المنطقة، لكن نظراً للتأثير الذي لطالما أحدثته والوجود والتحالفات التي لا تزال تحتفظ بها والقوة العسكرية التي تملكها، فإنّ هذا الانسحاب يتسبّب في حالة من الدمار والفوضى. فضلًا عن أنّه يتزامن مع تطلّعات بعض القوى الإقليمية والخارجية مثل إيران والسعودية وتركيا وروسيا والصين، علاوة على التواجد الأوروبي. ومن جانبها، تبلور إسرائيل سياستها الخارجية والدفاعية لحسابها الخاص وتتلاقى أحياناً مع الولايات المتحدة، رغم أنّها تنشئ تحالفات غير تقليدية مع موسكو وأنقرة.

اقرأ أيضاً: أية منافع ربما يحملها مقتل سليماني إلى طهران؟

ويقول المؤرّخ فيكتور بالمر توماس إنّ الخروج من المنطقة بالنسبة لواشنطن يعني التخلّي إزاء الأحداث الجارية عن دور الهيمنة وقدرتها على التأثير في الأحداث. بعبارة أخرى، إبقاء الجسور قائمة والتأثير في بعض الأحيان، لكن دون هيمنة بالضرورة.

تعبّر القرارات التي اتخذها ترامب مؤخراً عن سبعة عقود من العلاقة المعقّدة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط، لا سيما بين واشنطن وطهران. كما أنّها تعدّ إحياء لمنهج التدخل العسكري الذي كان يتبعه الرئيس السابق جورج دبليو بوش والضربات الجراحية ضد قيادات التنظيمات المسلّحة التي اعتمدها الرئيس السابق باراك أوباما للحيلولة دون دخول القوات الأمريكية في مواجهات مباشرة. وكانت هاتان الصورتان من استخدام القوة على اختلافهما تستهدفان تعويض تراجع دور الولايات المتحدة في المنطقة.

علاقة مضطربة

منذ وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، أقامت واشنطن هيمنتها على أساس إرث التأثير الكولونيالي لبريطاني وفرنسا، وعلاقاتها مع أنظمة محلية لشراء النفط وبيع الأسلحة إليها، وبالطبع السيطرة على المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية.

وتعزّز هذا النفوذ في إطار الحرب الباردة حين اعتبرت الولايات المتحدة أنّ صعود الحكومات القومية وحركات التحرّر الوطني والصراع الإسرائيلي الفلسطيني، جزءاً من الحرب الفكرية مع الاتحاد السوفييتي البائد.

وفي حالة إيران، تآمرت واشنطن مع بريطانيا لإسقاط الحكومة القومية عام 1953 وتحالفت مع نظام الشاه رضا بهلوي الشمولي الموالي للغرب. لكن جاءت الاحتجاجات عام 1979 ضد حكم الشاه بقيادة الإسلاميين ثم أعقبها اقتحام السفارة الأمريكية واحتلالها طيلة 444 يوماً. كانت هذه الأحداث نقطة تحوّل فارقة في العلاقات بين واشنطن وطهران.

اقرأ أيضاً: غرفة العمليات في قطر.. تفاصيل جديدة عن قتل سليماني

مثّل صعود الإسلام السياسي مع بداية حقبة التسعينيات تحدياً بالنسبة للوجود الأمريكي بالمنطقة. ورغم نجاح واشنطن في إخراج الاتحاد السوفييتي من أفغانستان عام 1989 وطرد العراق من الكويت عام 1991 ودفع عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لكن الأحداث الإقليمية بدأت في تقويض نفوذ الولايات المتحدة. وبالفعل نتج عن اشتداد ساعد الشبكات الإسلامية الأصولية ضربات ضد أهداف أمريكية في تنزانيا والسعودية وميناء عدن. وأخيراً كشفت هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 ضد مركز التجارة العالمي ومقر وزارة الدفاع الأمريكية مدى هشاشة الولايات المتحدة.

ديمقراطية قسرية

أثبتت التدخلات العسكرية في أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003 والحرب ضد الإرهاب لمواجهة تنظيم القاعدة فشلها في احتواء الإسلام الأصولي. بل وعلى العكس أصبح الأخير أكثر تعقيداً وتنوعاً من حيث التيارات السنية والشيعية، ما تُرجم إلى ظهور عشرات الحركات المسلحة في حربي سوريا والعراق وصولًا إلى ميلاد تنظيم داعش.

هزيمة داعش وانتهاء حلم خلافته لم يمنع وجود آلاف من عناصره من العمل داخل سوريا والعراق

ويوضّح مايكل هدسون من جامعة جورجتاون الأمريكية أنّ غياب الاستقرار الاجتماعي الاقتصادي والسياسي إضافة إلى الأصولية جعلا الولايات المتحدة تدرك مع بداية القرن الـ21 "رغم وجودها العسكري في المنطقة أنّها غير قادرة على ممارسة دور سياسي ودبلوماسي يضمن فرض السلام الأمريكي في منطقة متوترة مثل الشرق الأوسط".

لقد كانت سياسات التدخل العسكري لإدارة جورج دبليو بوش مصدرها مجموعة من المُنظّرين المحافظين الجدد الذين كانوا يرفضون احترام الولايات المتحدة للقانون الدولية ومبدأ التعدّدية وكانوا يرون أنّ الطريقة المثلى لمكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط هي تغيير الأنظمة التي ترعاه في دول ذات مؤسسات ضعيفة وفاسدة وإحلال الديمقراطية الليبرالية. لكن دفع الديمقراطية عن طريق القوة باء بالفشل لأسباب مختلفة على رأسها استخدام أساليب تفتقر للديمقراطية مثل التعذيب وانتهاء القانون الدولي وكذلك الجهل بمجريات الأوضاع الإقليمية.

وبالفعل كانت نتيجة التدخل في أفغانستان هي استفادة حركة طالبان التي تسيطر اليوم على الجزء الأكبر من أراضي البلاد. وتكرّر نفس الأمر في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين السني الذي سمح بصعود التيار الشيعي الذي يرتبط بصلة وثيقة بإيران. ونتيجة لتصاعد الشقاق بين الهويتين، علاوة على الضغط الكردي من أجل الاستقلال، يعاني العراق أزمة حادة.

تغيير النظام مرة أخرى

غيّر وصول ترامب إلى البيت الأبيض العلاقات مع طهران بشكل جذري. فقد قرّر البيت الأبيض في 2018 الخروج من الاتفاق النووي حول البرنامج النووي الإيراني، الذي كان أوباما قد وقّع عليه في 2015، ليضع الجمهورية الإسلامية وحلفاءه الأوروبيين في موقف عصيب. وفرض ترامب عقوبات على إيران وهدد بإجراءات ضد باقي دول العالم التي تبتاع النفط ومنتجات أخرى من إيران.

وبهذه السياسة، طال ترامب البيت الأبيض بإعادة التفاوض على الاتفاق بحيث يشمل النفوذ الإيراني في المنطقة الذي يتضمّن عمليات سرية تقريباً في سوريا واليمن ولبنان وغزة.

اقرأ أيضاً: مقتل قاسم سليماني: ماذا يعني للعراق؟

بالتالي يأخذ الرئيس الأمريكي جانب المعسكر الأكثر ميلًا للتدخّل في إدارته وعلى رأسه وزير خارجيته مايك بومبيو، وكذلك اللوبي الإسرائيلي وجميع المحافظين سواء القدامى أو الجدد الذين يشغلون مناصب في حكومته ويشجّعون ترامب على اتخاذ إجراءات تتسم بعدم التعدّدية وتأييد إسرائيل وشن الهجمات لتغيير النظام الإيراني.

مستقبل المنطقة

من المؤكّد أنّ اغتيال سليماني لن يغيّر سياسة إيران بحماية مصالحها في المنطقة عن طريق الجماعات المسلحة والحلفاء السياسيين. بل على العكس ربما يكون ذلك الوسيلة المثلى للانتقام لأنّه يعني تحقيق ثلاثة أهداف: محاربة الوجود الأمريكي، محاربة الأنظمة السنية، والاستئناف العملي والرمزي لدور قائد "فيلق القدس" الراحل.

اقرأ أيضاً: مصير مليشيات إيران بعد مقتل سليماني

وسينتج عن إعلان إيران عدم احترامها للالتزامات المنصوص عليها في الاتفاق النووي اتجاه السعودية والإمارات لتطوير برامج نووية، وهو الهدف الذي سعتا له منذ بدء أوباما المفاوضات مع طهران. وفي خلال عقد، يتوقّع أن تمتلك دولة عربية أو اثنان وإيران- إضافة إلى إسرائيل- أسلحة نووية، ما يجعل الشرق الأوسط المكان الأخطر في العالم.

لكن الطرف الأكثر تأثراً فعلياً هو العراق الذي يعتمد على الطرفين المتناحرين، لا سيما في ظل الاحتجاجات الشعبية ضد الفساد وغياب الخدمات الأساسية ووجود القوات الأمريكية. كما أنّ هزيمة "داعش" وانتهاء حلم خلافته لم يمنع وجود آلاف من عناصره من العمل داخل سوريا والعراق. لا سيما وأنّ التوتر بين واشنطن وطهران أدّى لتوقّف العمليات الدولية ضد التنظيم.


مصادر الترجمة عن الإسبانية:
https://bbc.in/38b4mMg
https://bit.ly/38a7UhM
https://bit.ly/38dWDgA

للمشاركة:



بهذه الطريقة يضلّل حزب العدالة والتنمية الشعب التركي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

قال رئيس حزب المستقبل في تركيا، أحمد داود أوغلو؛ إنّ حزب العدالة والتنمية الإسلامي يحاول التستر على الأزمة الاقتصادية عن طريق التلاعب بالأرقام، وفرض ضرائب مؤقتة، لعلاج العجز.

وأدلى رئيس الوزراء الأسبق، داود أوغلو، بتصريحات مثيرة لصحيفة "قرار"، قائلاً: “تخيلوا معي أنّ الطبيب يقوم بتعديل أرقام الفحوصات، ويبلغ المريض أنه بصحة جيدة، وعندما يبلغ المريضُ الطبيبَ أنه يموت، يجيبه بأنّ أرقام الفحوصات تشير إلى أنّ كلّ شيء على ما يرام، هذا ما تفعله الإدارة الاقتصادية في تركيا"، وفق ما أوردت صحيفة "زمان" التركية.

وأضاف داود أوغلو: "طُلب مني إجراء تغييرات في أرقام التضخم خلال فترة رئاستي للوزراء لكنني رفضت"، قائلاً: "إن أغلقنا أعيننا فإننا لن نستطيع رؤية الحقيقة.”

داود أوغلو: حكومة حزب العدالة والتنمية تحاول التستر على الأزمة الاقتصادية عن طريق التلاعب بالأرقام

وذكر داود أوغلو؛ أنّ الأول من كانون الثاني (يناير) عام 2016 شهد أعلى زيادة في الحد الأدنى للأجور في تاريخ تركيا، غير أنّ هذا لم ينعكس على معدلات التضخم، موضحاً: "خلقنا موارد وفقاً لهذا، السلطات الحالية تتلاعب بالأرقام ولا تكتفي بهذا بل تعمل على حصد الأموال باستصدار ضرائب مخصوصة لمرة واحدة، هذا يقضي على منهجية الموازنة، ولا أعتقد أنّ أحداً بالسلطة يرى الصورة الاقتصادية كاملة، فهم فقط يهتمون بكيفية إظهار المشهد اليومي بشكل جيد".

وأوضح داود أوغلو؛ أنّ وزارة المالية أعلنت أنّ هدفها تسجيل معدلات تضخّم أقل من 12٪؜، باعتبار أنّ ذلك إنجاز، بينما معدلات التضخم تبلغ 1.٧٪؜ في الدول المتقدمة، ومتوسط معدلات التضخم في الدول المشابهة لتركيا يبلغ 4.7٪؜، ما يعني أنّ معدلات التضخم في تركيا تبلغ أربعة أضعاف المقياس الدولي.

وأكّد أنّه ليس بالإمكان التوصل إلى حلّ لما يعانيه الاقتصاد التركي طالما أنّ الحكومة تتبع نهجاً غير واقعي، قائلاً: "لا يمكننا العيش في مكان منعزل عن النظام الدولي، إما سننغلق على العالم وإما سنعيش ضمن النظام الاقتصادي العالمي ونتحرك بما يتوافق مع هذا. اليوم الصين تتبع اتجاهاً ماركسياً ظاهرياً، لكنها تلعب ضمن موازين الاقتصادي العالمي، الصين تنفتح على العالم في الوقت الذي يعمل فيه أنصار (أوراسيا) على إغلاق تركيا على نفسها".

وسجلت موازنة الحكومة المركزية في تركيا عجزاً يزيد عن 123 مليار ليرة، خلال عام 2019، بنسبة زيادة 69.9% مقارنة بعام 2018.

وعلى وقع تراجع قيمة الليرة التركية منذ 2018، ارتفع معدل التضخم في تركيا، وسجل التضخم، خلال كانون الثاني (ديسمبر) الماضي، 11.84٪؜، بعد أن قفز مجدداً في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي إلى 10.56٪؜، قبل أن يسجل انخفاضاً كبيراً في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، عندما أصبح 9.26٪؜، بعد أن كان في شهر آب (أغسطس) الماضي 15.01%، وفي تموز (يوليو) 16.65%.

أردوغان يعاقب أوغلو على تأسيسه حزب “المستقبل” بفرض وصاية على جامعة "إسطنبول شهير" ووقف العلم والفن

إلى ذلك أصدرت حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا قراراً بفرض الوصاية على وقف العلم والفنون، الذي أسسه رئيس الحكومة الأسبق.

وقد تأسس الوقف عام 1986، وضمّ صالة للعرض السينمائي، ويقدم ندوات في مجالات التاريخ والسينما وعلوم الاجتماع، ويدير جامعة "إسطنبول شهير"، ويعرف بقربه من داود أوغلو.

القائمون على إدارة الوقف، قالوا إنّهم فوجئوا بحضور 3 أشخاص من المديرية العامة للأوقاف، وأخبروهم بأنّهم عينوا وصاة على الوقف، مؤكدين أنّهم سيتقدمون بطعن على قرار الوصاية.

والشهر الماضي، تعرضت جامعة "إسطنبول شهير"، التابعة لـ "وقف العلم والفن"، للحجز عليها من قبل بنك (خلق)، ومن المنتظر نقل تبعيتها إلى جامعة مرمرة.

ويقول محللون إنّ استهداف جامعة "إسطنبول شهير"، ووقف العلم والفن، جاء عقاباً لداود أوغلو على تأسيسه حزب "المستقبل"، بعد انشقاقه عن حزب العدالة والتنمية الحاكم.

 

للمشاركة:

أمريكا تعترف بأول عملية قرصنة هجومية..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

أعلن الجيش الأمريكي؛ أنّه "نجح" في تعطيل جهود دعائية إلكترونية لتنظيم داعش الإرهابي، في عملية قرصنة تعود إلى عام 2016، على الأقل، بحسب وثائق أمن قومي تمّ نزع السرية عنها، ونشرت الثلاثاء.

وكشفت الوثائق أنّ القيادة الأمريكية "اخترقت بنجاح نطاق المعلومات للتنظيم، وحدّت من جهوده الإلكترونية، التي يبذلهالإقناع أفراد بالتطرف وتجنيدهم"، وفق ما نقلت "فرانس برس".

وتقدم الوثائق، التي نشرها أرشيف الأمن القومي في جامعة جورج واشنطن، نظرة مفصلة على "عملية السيمفونية المتوهجة"، أول عملية قرصنة هجومية تعترف بها وزارة الدفاع.

وأشارت الوثائق إلى "تراجع كبير" في حملة التنظيم الإلكترونية، إلا أنّها أضافت أنّ جهود قيادة المعلوماتية عرقلتها العملية "الطويلة والصعبة" للمصادقة على عملياتها.

القيادة الأمريكية تعطّل جهود دعائية إلكترونية لتنظيم داعش الإرهابي في عملية قرصنة عام 2016

وطالبت الوثائق بتحسين الإجراءات "للمساعدة على تسريع الطلبات وعملية الموافقة".

وبحسب بيان من أرشيف الجامعة، فقد تمت الموافقة على عملية "السيمفونية المتوهجة"، لمدة 30 يوماً، أواخر 2016، ولكن تم تمديد العملية بموجب "رسالة إدارية".

وتمثل عملية القرصنة الردّ الأمريكي على المخاوف بشأن استخدام جماعات متطرفة وسائل التواصل الاجتماعي والخدمات الالكترونية للترويج لقضاياها وسعيها للدعاية للتجنيد ونشر التطرف.

بالإضافة إلى عمل واشنطن على استهداف العمل الإلكتروني للتنظيم الإرهابي؛ فقد تمكنت مؤخراً، وعلى الصعيد الميداني، في واحدة من أهم العمليات التي قامت بها القوات الأمريكية من تصفية زعيم داعش أبوبكر البغدادي، في 26 تشرين الأول (أكتوبر)، في محافظة إدلب، شمال غرب سوريا.

واكانت العملية من أشدّ الضربات التي استهدفت تنظيم داعش وبعثرت أوراقه، إلا التنظيم ما يزال ينشط في سوريا ومناطق عدة من العالم.

وعيّن أمير محمد عبد الرحمن المولى الصلبي، الملقب بأبو إبراهيم الهاشمي القرشي، زعيماً للتنظيم، خلفاً للبغدادي، وهو من كبار المنظرين العقائديين في داعش.

 

للمشاركة:

أكاديمية أسترالية مسجونة في ايران تكشف انتهكات الحرس الثوري..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

كشفت الأكاديمية الأستراليةالبريطانية، كايلي مور غيلبرت، السبل التي يتبعها الحرس الثوري في تجنيد جواسيسه في الدول الغربية.

وقالت المسجونة في إيران بتهمة التجسس؛ إنّ الحرس الثوري عرض عليها العمل كجاسوسة لصالح الجمهورية الإسلامية، وفق رسائل هرّبتها خارج السجن ونشرتها وسائل إعلام بريطانية، أمس.

وتحدّثت عن الشهور العشرة الأولى التي قضتها في جناح معزول تابع للحرس الثوري الإيراني في سجن إيوين بطهران؛ بأنّها كانت "مضرّة بدرجة خطيرة" بصحتها النفسية.

وقالت، وفق الرسائل التي نقلتها صحيفتي "ذي غارديان" و"تايمز": "ما أزال ممنوعة من الاتصالات والزيارات، وأخشى أن تتدهور حالتي النفسية بشكل إضافي، إذا بقيت في جناح الاعتقال هذا الذي يخضع لقيود كثيرة للغاية".

واعتقلت السلطات الإيرانية مور-غيلبرت، وهي محاضرة في الدراسات الإسلامية بجامعة ميلبورن الأسترالية، في المطار، أثناء مغادرتها إيران، في أيلول (سبتمبر) 2018، بعد أن شاركت في مؤتمر أكاديمي.

وهي تقضي حالياً عقوبة بالسجن مدّتها ١٠ أعوام بتهمة التجسس التي تنفيها.

هذا وقد كتبت الأكاديمية الأسترالية، بحسب "ذي غارديان": "الرجاء أن تقبلوا رسالتي هذه كرفض رسمي وحاسم لعرضكم على العمل مع الفرع الاستخباراتي للحرس الثوري الإيراني".

السلطات الإيرانية عرضت عليها العمل كجاسوسة للحرس الثوري مقابل الإفراج عنها أو السجن 10 أعوام

وقالت: "لست جاسوسة، لم أكن يوماً جاسوسة ولست مهتمة بالعمل مع منظمة تجسس في أي بلد، وعندما أغادر إيران أريد أن أكون حرّة، وأن أعيش حياة حرّة، لا تحت الابتزاز والتهديدات".

وأشارت مور-غيلبرت إلى أنّه تمّ عرض قرارين مختلفين كردّ على استئنافها، أحدهما لحكم مدته 13 شهراً، وهي المدة التي قضتها في السجن والآخر مدّته عشر أعوام.

وكتبت أنّ الشهور التي قضتها في الزنزانة الانفرادية، حيث تبقى الأنوار مضاءة طوال ساعات اليوم الـ ٢٤، ساهمت في نقلها إلى المستشفى.

وقالت: "خلال الشهر الماضي، أدخلت إلى (قسم) العناية الخاصة في مستشفى بقية الله مرتين، وإلى عيادة السجن ستّ مرات".

وأضافت "أعتقد أنني أعاني مشكلة نفسية جدية".

وذكرت الأكاديمية، التي تلّقت تعليمها في جامعة كامبريدج؛ أنّ "المسؤول الإيراني عن ملفها صادر كتبي للضغط عليّ نفسياً"، مضيفة: "لم أجرِ إلا محادثة هاتفية واحدة لمدة أربع دقائق مع عائلتي".

يذكر أنّ الباحثة الأسترالية محتجزة في السجن نفسه الذي تقبع فيه البريطانية الإيرانية، نازانين زغاري راتكليف، التي كانت محور حملة واسعة تطالب بإطلاق سراحها.

ودأبت إيران على احتجاز الأجانب، وازدادت هذه التوقيفات بتهم مختلفة منذ انسحاب الولايات المتحدة، في 2018، من الاتفاق النووي الإيراني الذي وقعته الدول الغربية مع طهران في 2015، وهي خطوة يستخدمها النظام الإيراني لابتزاز الدول للمساعدة في رفع العقوبات الأمريكية المفروضة عليها.

ويتجه الاتفاق النووي الإيراني حالياً نحو الانهيار بعد أن لوحت إيران بالانسحاب من معاهدة منع الانتشار النووي، إذا أحالت دول أوروبية الاتفاق إلى مجلس الأمن الدولي، لانتهاكه من قبل طهران.

 

للمشاركة:



ليبيا.. والحل المحتمل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

أحمد الحوسني

أنهى مؤتمر برلين حول الأزمة في ليبيا أعماله مساء الأحد 19 يناير الجاري، وطالب المجتمعون فيه أطراف الصراع بالالتزام بحظر تصدير السلاح إلى ليبيا، وبالعمل على الوصول إلى تسوية سياسية للأزمة القائمة.
وقد عكست نوعية الحاضرين لمؤتمر برلين، ومستوى الحضور، مدى الأهمية التي يوليها العالم (وخاصة أوروبا) للموضوع الليبي، إذ ضمت قائمة الحضور قادةً ومسؤولين سامين من كل من فرنسا وإيطاليا وروسيا والإمارات ومصر والجزائر وتركيا، بالإضافة إلى ممثلة الاتحاد الأوربي ومبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا.
ولم يكن متوقعاً من مؤتمر برلين يأتي بالحل الكامل للأزمة الليبية، لكنه مثّل بداية جيدة لذلك الحل. وكان الهدف الأساسي من المؤتمر هو التعامل مع مواقف الدول الإقليمية الداعمة لطرفي النزاع في ليبيا، وليس التعامل مع مواقف طرفي النزاع، للخروج بضمانات لتفعيل اتفاقية حظر بيع السلاح للأطراف المتنازعة هناك، في ظل التدخلات الخارجية والانقسامات المؤسسية وانتشار السلاح دون رقابة واستمرار اقتصاد السلب والنهب.. مما يمثل تهديداً للسلام والأمن الدوليين، حيث يوفر كل ذلك تربة خصبة للمهربين وللجماعات المسلحة والمنظمات الإرهابية، الأمر الذي سمح بالفعل لتنظيمي «القاعدة» و«داعش» بالتواجد في الأراضي الليبية وتنفيذ عمليات داخلها وفي عدد من دول الجوار. إن حالة الفوضى التي حوّلت ليبيا إلى دولة فاشلة، جعلت منها بؤرة صراع تهدد الحدود الجنوبية لأوروبا على الضفة الأخرى للبحر الأبيض المتوسط.
وكان قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر قد غادر موسكو، الأسبوع الماضي، دون التوقيع على مشروع وثيقة تحدد شروط الهدنة في ليبيا تحت رعاية روسية تركية، مشترطاً تسليم المليشيات المسلحة في طرابلس أسلحتها إلى جيش الوطني الليبي، ومبيدياً حذره من إعطاء أي شرعية للوجود التركي في ليبيا الداعم لحكومة السراج بالسلاح والمقاتلين الأجانب، خاصة بعد ما تأكد أن تركيا تنقل عناصر سورية إلى ليبيا للقتال فيها.
ولا شك أن تفكُّك الدولة الليبية سيضعف الرقابة على حدودها وسيتيح لعصابات الإرهاب والتهريب حرية الحركة واستخدام سواحلها الممتدة على البحر المتوسط بطول 1850 كيلومتراً، مما يقلق دول الجوار ويهدد أمن البلدان الأوروبية القريبة، خصوصاً إيطاليا ذات الخاصرة الرخوة. وقد أظهرت السنوات القليلة الماضية أن السواحل الليبية هي البوابة الثانية التي يعبرها المهاجرون الأفارقة. وهكذا يصبح استقرار ليبيا حاجة ليبية وإقليمية ودولية لا تسمح بترك البلاد للانزلاق نحو وضع يشبه وضع الساحة السورية.
لقد وضع مؤتمر برلين أُسساً لحل ممكن بتعاضد المجتمع الدولي وإبعاد التفرد التركي بليبيا، حيث يطمح أردوغان لجبر انكساراته في سوريا وتعويض خسائره في الداخل التركي نفسه. ومن الواضح أنه لم يحقق بغيته في نتائج مؤتمر برلين، حيث ستتم مراقبة التحرك التركي باتجاه ليبيا عن كثب من قبل الدول المعنية بالمتابعة. وقد أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل نجاح مؤتمر برلين، وأشادت في معرض حديثها حول مواقف الإمارات ومصر وروسيا بإسهام هذه الدول «في توحيد موقف أوروبا من ليبيا».
وعلى الهامش، نقول إن القضايا التي تتولاها الأمم المتحدة، تصبح رهينة لمصالح الدول الكبرى الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، فتتداخل حساباتها مع مصالح الدول المعنية بالحل، وخاصة في بلد مثل ليبيا حيث المساحة الكبيرة والموقع الاستراتيجي على الأبيض المتوسط وما تختزنه أراضيها من طاقة (النفط والغاز)، ليتم تدوير زوايا المشكلة، فيطول الحل!

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

رداً على تضليل الغنوشي.. تونس مرتكز المشروع العثماني وضحيته

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

محمد طعيمة

حقائق ما قبل 500 عام مضت تقول إن العثمانيين عرفوا شواطئ تونس لأول مرة لاجئين، “قبّلوا الأعتاب” حرفيا. كانوا هاربين من “قانون العرش الدموي” في الأستانة، وهو يبيح، عُرفا ثم تشريعا، لمن يستطيع من المتنافسين عليه قتل كل المتصارعين معه، من الأخوة لأبناء العم.. وطبعا الموالين لهم.

كان السلطان التركي بايزيد الثاني قد رحل، واثنان من أولاده، قرقود وسليم، يتقاتلان على عرشه، والأخوة بربروس، عروج وخيرالدين وإسحق وإلياس، يمارسون القرصنة لحساب الأول.

مع انتصار سليم ومطاردته لبقايا قوات أخيه، فرت عصابة بربروس برجالها وسفنها، عام 1512، لتبعية السلطان الحفصي أبو عبدالله محمد المتوكل (1494 – 1526). نجاة من سيوف سليم وللاستفادة من أحواض تونس البحرية، خاصة ميناء حلق الوادي، في استمرار مسيرتهم للقرصنة مقابل خُمس الغنائم للسلطان الحفصي، خفضت الحصة للثُمن مع بدء تمرد عصابة بربروس.

كما هجمات القرصنة التي راكمت ثرواتهم وضاعفت قدراتهم، انطلقت من موانئ تونس حملات سفن بربروس لاحتلال شرق الجزائر، الذي كان تابعا للحفصيين قبل احتلال الإسبان له، ثم المدينة نفسها. بعد فشلهم مرات ومقتل عروج، نجح خيرالدين في وضع قدمه بأكثر من ميناء، وحين استعادته شرق الجزائر رفض عروض حاميه الحفصي للبقاء تحت ولايته، وأرسل وفدا لسليم الثاني مع مفاتيح قلعة جيجي، راجيا عفوه وقبول رفعه للراية العثمانية، فقبل. مده بالمال والعتاد، وخطبت منابر الجزائر باسمه.

“فقدت السلطنة الحفصية القسم الغربي منها” كتب محمد العروسي المطوي في “السلطنة الحفصية.. تاريخها السياسي ودورها في المغرب الإسلامي”، لصالح القرصان العثماني. العروسي استعاد في كتابه مؤشرات ضعفها مع آخر حكامها.. أبو عبدالله محمد بن الحسن، المعروف بالحسن الحفصي. وصفه روبار برنشفيك في “تاريخ إفريقية في العهد الحفصي”، بـ”الضعف وهواية اللذات”.

تركيبة حاكم، طمع معها خيرالدين في احتلال ملجأه السابق، تونس. استقطب أحد أخوته، رشيد الحفصي إلى الجزائر، ثم اصطحبه معه إلى الأستانة، مقترحا على سليمان القانوني الإذن له بغزو تونس باسم “رشيد”، فسمح له ومده بالأموال وبـ250 سفينة حربية.

نزلت قوات العثمانيين في بنزرت دون مقاومة، أملا في التخلص من الحاكم الغارق في ملذاته، وخطبت مساجدها لسليمان القانوني بدعوة من رشيد. فر الحسن من تونس العاصمة ليحتمي بقبائل الجنوب، وتقدم خيرالدين ليحتل المدينة عام 1530. لم تكن محتلة من “الكفار”، وضعف وإهمال الراعي لا ينفي عن “الذئب” طبيعته.

خلافا لبنزرت، عندما تأكد أن رشيد لن يحكم ولو تحت راية الأستانة، وإن “خيرالدين جاء ليضم تونس إلى نفوذ العثمانيين مثلما تم مع الجزائر”، و”لسوء تصرف الجيوش التركية” حسب العروسي، تحول تأهب العاصمة إلى مقاومة شعبية. ينقل عن ابن أبي دينار في “المؤنس في أخبار إفريقية وتونس”، “قام أهل باب سويقة على خيرالدين، وكانت بينهم مقتلة عظيمة مات فيها خلق كثير من الجانبين” و”انتقلت الصدامات إلى باب البنات وحومة العلوج”. تدخل خيرالدين بكامل قواته، وقمع الثورة بوحشية عُرف تاريخيا بها.

ورغم تعهده للأهالي والأعيان بالأمان، بدأ خيرالدين ترسيخ أقدامه في تونس بنفي من اعتبره قائد الثورة، الشيخ محمد بن محمد مغوش إلى القسطنطينية. ولشهرته بين علماء دين عصره عرض عليه السلطان العثماني ولاية قضاء العسكر التركي، لكنه فضل الرحيل إلى مصر للانقطاع إلى العلم حيث توفي.

أين كان الإسبان المحتلون كما زعم راشد الغنوشي؟ حاولوا غزْو جربة 3 مرات وفشلوا.. يوليو 1510 وفي الشهر التالي وبعدها بعشر سنوات، ونجحوا عام 1535 في احتلال تونس من أيدي محتل منافس تركي.

ليبيا أولا، هذا ما نراه الآن، وتونس محطة تمركز دوائر العثماني ينطلق منها، لتكون ضحيته الأخيرة كجوهرة التاج. رئيس جمهوريتها، قيس سعيد،

يترك ملفه الأساسي، السياسة الخارجية لحركة تتباهى بتماهيها مع العثماني الجديد. يستقبل شيوخ قبائل ليبية محسوبين على “الكراجلة”، وسلطانهم رجب طيب أردوغان.

يُنشط اتفاق استيراد مدرعات من شركة بي.أم.سي التركية، التي تصنعها بالتعاون مع شركة هاتهوف الصهيونية، وهو من تمنى علنا لو كان يمكنه أداء القسم الدستوري أمام علم فلسطين كما علم وطنه تونس! تماما كما خطاب المنظومة العثمانية والإخوانية، ترفع قميص القدس وتتاجر بها.

وزعيم حركة إخوانية فرع لتنظيم دولي، حين يفشل في تشكيل الحكومة يهرع لسلطانه، مهدرا كل قواعد رجل الدولة سواء كشخصية عامة أو رئيس برلمان. وفي الذاكرة اتهامات بتجنيد حركته، الآلاف من التونسيين وتسفيرهم للقتال في سوريا، أولى نقاط اختراق العثماني للخريطة العربية.

تتفاوت تقديرات التوانسة الذين نجحت دائرة العثماني المحلية في تسفيرهم إلى أحضان داعش، تقول الحكومة أنهم 2929 مواطنا، بينما قدرهم مركز ”فيريل” الألماني للدراسات، في 11 ديسمبر 2017، بـ12 ألف و800.

أيا كان الرقم، فهو فارق بتناقضه مع التجربة العلمانية التي عرفتها تونس لعقود، وكاشف عن بيئة حاضنة وفارزة، تبجل وتحن لخلافة آل عثمان، ظهرت في نتائج الانتخابات كقطاع أكبر، وإن واجهتها وتحجمها، تدريجيا، قطاعات مدنية أكبر منها إن اجتمعت. لكنها تظل محاطة، ومتداخلة مع، ببيئات مجاورة مماثلة في الفرز الإرهابي بالجزائر وانتعاشه في مالي وبلاد الساحل الأفريقي، والأخطر في ليبيا حيث توجهت موجة العثمانية الجديدة الأولى لاختراق شمال أفريقيا، آلاف المرتزقة المجلوبين من شمال سوريا إلى طرابلس ومصراتة.

ذاكرة الدم التونسي في سوسة وباردو وبنقردان موصولة بجارتها، وبإرهابيين أخوة لآلاف يشحنهم أردوغان الآن، ممن تمرسوا على الدم في جارته سوريا. وإلى ليبيا تتابعت تقارير تهريب السلاح والمقاتلين عبر تونس، واتهامات وجهتها وسائل إعلام ونواب برلمان، مطالبين بتحقيق لم يتم.

وبالتوازي سياقات تعامل من الرئاستين القائمتين، الجمهورية والبرلمان، مع الملف الليبي تشي بتخندقهما مع أنقرة. من التحرك سرا ومفاجأة الرأي العام وتجاهل شركاء مفترضين في الوطن، إلى ترك دفة المواجهة الإعلامية للوكالة الرسمية لمرجعيتهم، الأناضول، حتى داخل قصر قرطاج. ربما لهذا السبب لم تُدعَ تونس إلا في الساعات الأخيرة لقمة برلين، وكأن حضور أردوغان يغني عنهما.

أجواء، هي تنويعة على ما حدث قبل 500 عام. وإذا كان مفهوما أن يحن التركي اللاجئ إلى دولته، فغير المفهوم أن يفعلها توانسة، إلا إذا كانوا “خوانجية”، فهم وحدهم، مثل “إخوانهم” في مصر وسوريا وليبيا.. إلخ، يقدمون الجماعة ووهم الخلافة العثمانية، على الوطن.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

خطبة خامنئي النادرة في صلاة الجمعة تعكس أربعة مصادر قلق مُلحة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-21

مهدي خلجي

في 17 يناير، أمّ المرشد الأعلى علي خامنئي صلاة الجمعة في طهران، للمرة الأولى منذ ثماني سنوات. وتزامن قراره بترأس الشعائر الدينية ـ السياسية التي تكتسي أهمية مع احتجاجات شعبية جديدة انطلقت بعد أن أقرّ "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني بإسقاطه عن طريق الخطأ طائرة أوكرانية الأسبوع الماضي.

وكان النظام قد تنصّل سابقا من مسؤوليته عن الحادثة، ليعود ويغيّر موقفه بسبب ضغوط دولية هائلة. وانصب تركيز خامنئي الآن على السيطرة على الأضرار قبل الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها الشهر المقبل.

الدور السياسي لصلاة الجمعة
تحمل إمامة صلاة يوم الجمعة في العاصمة رمزية خاصة. وتكون مخصصة عادة إلى لحظات ترغب خلالها أعلى سلطة في الجمهورية الإسلامية في إيصال رسالة مهمة إلى الشعب. إن الدور السياسي (والمسرحي) لهذا الطقس الديني مثبت بواقع أنه يُطلب ممن يؤم الصلاة التلويح بسلاح بغية التركيز على القوة العسكرية للبلاد والموقف المتصلّب تجاه الأعداء.

ووفقا لأيديولوجيا النظام، يتمتع المرشد الأعلى بالسلطة الحصرية على هذه الشعائر، بما في ذلك الحرية بأن يؤمها بنفسه أو يوكل الأمر إلى ممثل له. وتاريخيا، كلّف القادة في الجمهورية الإسلامية والخلفاء السابقون رجال دين أوفياء يتمتعون بمهارات خطابية مبهرة بهذه المهمة.

يُذكر أن آية الله روح الله الخميني، سلف خامنئي، لم يؤم الصلاة بنفسه يوما، بل كلّف عددا من الأتباع بذلك. في المقابل، عيّن خامنئي ستة رجال دين ليكونوا "أئمة مؤقتين لصلوات أيام الجمعة" خلال ولايته، لكن من دون التخلي عن حقه في تأدية هذا الدور متى اعتبر الأمر ضروريا.

وفي آخر مرة قدّم فيها خامنئي خطبة يوم الجمعة في الثالث من فبراير 2012، فعل ذلك استجابة للضغوط الاقتصادية المتنامية محليا ولقرار الحكومة بالتفاوض مع واشنطن بشأن البرنامج النووي. ومن بين رسائل أخرى، حذّر من أن واشنطن غير جديرة بالثقة قائلا: "يجب ألا تخدعنا ابتسامة العدو ووعوده الكاذبة... نميل أحيانا في البداية إلى التصديق ولكننا ندرك تدريجيا ما الذي يجري وراء الكواليس... إنهم يخلّون بوعودهم من دون خجل". كما تناول مسائل مرتبطة بالانتخابات البرلمانية التي جرت بعد خطبته ـ وهو وضع ينطبق على تعليقات هذا الأسبوع أيضا.

لماذا الصعود إلى المنبر الآن؟
حين أعلن "الحرس الثوري" الإيراني في نهاية الأسبوع الماضي مسؤوليته عن حادثة إسقاط طائرة الرحلة 752 التابعة للخطوط الجوية الأوكرانية الدولية قبل ذلك بثلاثة أيام، خرج الناس في طهران ومدن أخرى إلى الشوارع للتعبير عن استيائهم من النظام ـ ليس فقط لتسببه بمقتل 176 مسافرا، ولكن أيضا بسبب كذبه بشأن حادثة الثامن من يناير إلى أن تمكنت الضغوط من كندا والسويد وأوكرانيا وغيرها من الجهات الفاعلة من انتزاع اعتراف على مضض. وكان خامنئي نفسه قد اضطلع بدور في حملة التغطية هذه، متجاهلا حتى ذكر تحطم الطائرة في تعليقات علنية أدلى بها بعد الحادثة.

في البداية، انصب تركيز النظام على إطلاق حملة إعلانية كبيرة من أجل البناء على الهجوم بالصواريخ البالستية على قواعد عراقية تضمّ قوات عسكرية أميركية. وكان قد شنّ هذا الهجوم قبل ساعات من إسقاط الرحلة رقم 752 عن طريق الخطأ، وانتقاما لإقدام الولايات المتحدة على اغتيال قائد "فيلق القدس" التابع لـ "الحرس الثوري" الإيراني قاسم سليماني.

وربما اعتقد القادة الإيرانيون أن قول الحقيقة بشأن تحطم الطائرة على الفور كان سيقوّض جهودهم لاستغلال الغضب الشعبي إزاء الولايات المتحدة إثر اغتيالها سليماني، مما سيُفسد بالتالي مسرحيتهم الانتقامية ويكذّب النظام.

وعليه، بدلا من شرح حادثة التحطم، نشرت وسائل الإعلام الحكومية صورا لخامنئي وهو يشرف شخصيا على الضربة التي استهدفت القواعد العراقية، مصورة إياه كقائد عسكري قوي وذكي ردّ بشجاعة على العدو من أجل حماية شعبه.

لكن سرعان ما تحوّل الحداد الوطني على سليماني إلى غضب على خامنئي، وهو شعور فجرته الإعلانات الأجنبية بشأن حادثة التحطم والبيانات المتناقضة الصادرة عن قادة "الحرس الثوري" وحكومة الرئيس حسن روحاني وكذلك عدم رغبة النظام في تحميل أي من المسؤولين رفيعي المستوى مسؤولية هذه المأساة.

وقد أفسد هذا التحوّل الجذري في المواقف العامة إلى حد كبير الجهود المركّزة التي بذلتها الدولة لحشد الناس للتنديد باغتيال سليماني ونقل صورة تُظهر شعبية وقوة محلية.

ومن خلال إمامة صلاة الجمعة في مثل هذه البيئة المشحونة، سعى خامنئي إلى معالجة أربعة مصادر قلق رئيسية. أولا، يبدو أن النظام يدرك حاليا أنه كان لمقاربته الخادعة والمهينة إزاء مأساة الطائرة تأثير غير مقصود بإهانة عوائل الضحايا وانتهاك كرامتهم كمواطنين وإثارة الصدمة والغضب في أوساط الإيرانيين من كافة التوجهات الأيديولوجية والسياسية.

كما أن الكثير من الناس الذين اعتادوا سابقا دعم سياسات النظام بدون قيد أو شرط يجدون صعوبة الآن في تصديق مزاعمه ومسامحته على سلوكه، الأمر الذي يخلق فجوات واسعة في أوساط قاعدة قوته الاجتماعية ونخبته الحاكمة.

وبخلاف احتجاجات البنزين التي اندلعت خلال نوفمبر الماضي، تبيّن حتى الآن أنه يتعذر إصلاح الخطأ في السياسة الذي أجج الاضطرابات الحالية.

على سبيل المثال، يظهر فيديو مصوّر انتشر على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي الجنرال في "الحرس الثوري" الإيراني أمير علي حجي زادة وهو يدافع عن قرار النظام بإخفاء الحقيقة لمدة ثلاثة أيام.

فبرأيه، لو أعلنت الحكومة عن خطأها في وقت سابق، لكانت قد أحدثت صدمة في أوساط الجنود وشتتت انتباههم عن واجباتهم الأساسية في وقت يشهد مواجهة حساسة مع الولايات المتحدة.

لكن هذه الحجج لم تهدئ موجة الغضب السائدة. وحتى إذا توقفت هذه الاحتجاجات في نهاية المطاف، سينتاب أنصار النظام الرئيسيون على الأرجح شعورا عميقا بالارتباك والخيانة إثر هذه الحادثة، وهما شعوران قد يصعب تبديدهما.

ثانيا، أمل النظام أن تؤدي حملة القمع العنيفة التي شنها في نوفمبر ومراسم التأبين المهيبة لسليماني في وقت سابق من هذا الشهر إلى إقناع المحتجين بعدم النزول إلى الشارع مجددا.

غير أن مأساة الطائرة أججت مرة أخرى رغبة المحتجين في التظاهر، ليس فقط للتعبير عن غضبهم إزاء الحادثة بل لتكرار مطالبهم الأساسية بالتغيير وإدانة أفعال المرشد الأعلى و"الحرس الثوري" الإيراني.

وكانت شخصيات سياسية عديدة قد دعت علنا إلى استقالة خامنئي نظرا إلى دوره كقائد عام للقوات المسلحة، بمن فيها زعيم "الحركة الخضراء" مهدي كروبي والناشطة فائزة هاشمي ابنة الرئيس الراحل أكبر هاشمي رفسنجاني.

ورغم أن النظام قد يشن حملة قمع أخرى أو يزيد حدتها، من شأن هذه المقاربة أن تترافق مع سلسلة عواقب غير متوقعة وحتى قد تُحدث أزمة أكبر. وبالتالي، يواجه النظام معضلة خطيرة ـ فاستعمال العنف على نطاق واسع قد يزعزع الاستقرار، في حين أن التقاعس قد يُحدث الأثر نفسه. وقد لجأ خامنئي إلى صلاة الجمعة لانتهاج مسار وسطي في ظل هذه المعضلة.

ثالثا، خشي المرشد الأعلى على الأرجح أن تؤدي الأزمات والاحتجاجات المحلية المستمرة إلى تعزيز الآمال بتغيير النظام في أوساط "أعداء" إيران، مما يدفعهم إلى زيادة الضغوط السياسية والاقتصادية.

ومن وجهة نظره، من شأن هذه الضغوط أن تهدف إلى إرغام طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات بموقف أضعف أو استبدال النظام بحكومة تميل أكثر إلى الغرب. وعليه، فعل كل ما يلزم لإنهاء الاحتجاجات، ولكن دون مفاقمة وضع محرج أساسا أصبح أشبه بالطلاق المرير بين الأمة والدولة.

رابعا، بما أن الجمهورية الإسلامية تعتمد نظاما شبه استبدادي، فلا يزال عليها إجراء انتخابات "لإثبات" شعبيتها وشرعيتها الديمقراطية. وبالتالي، أمل خامنئي في أن ينجح في فصل عملية التصويت البرلمانية المقررة الشهر المقبل عن غضب الشعب إزاء مأساة الطائرة.

وقد عكست خطبته يوم الجمعة والأفعال اللاحقة [التي قد يقوم بها النظام] هذه الأولوية، لتضاف إلى الآلية التقليدية التي تعتمدها الحكومة للتلاعب بنتائج الانتخابات وتشريعها.

ويعتمد النظام هذه الآلية أساسا بشكل كبير ـ فقد انتهج "مجلس صيانة الدستور" بصورة غير علنية هذا النمط القائم على تجريد أعداد كبيرة من المرشحين للانتخابات البرلمانية من أهليتهم وتحديدا أولئك الذين لا يظهرون ولاءهم المطلق بشكل كافٍ للمرشد الأعلى.

ومع اقتراب يوم الانتخابات، سيتلاعب النظام بآليات إضافية لدعم مزاعمه بتسجيل نسبة اقتراع مقبولة (أي أكثر من 50 في المئة).

وقد بدّدت خطبة خامنئي يوم الجمعة كافة هذه المخاوف الملحة دفعة واحدة: تحديدا من خلال التشديد على "التهديد الذي يطرحه العدو"، وسيادة الأمن المطلقة، والأهمية الحيوية لـ "الحرس الثوري" الإيراني في الحماية من هذا الخطر؛ ومن خلال مهاجمة الحملة الإعلامية الدولية "الظالمة" ضد حراس الأمة؛ ومن خلال التحذير من مخططات الولايات المتحدة وأعمالها التخريبية؛ ومن خلال تكرار رفضه التفاوض بسبب انعدام الثقة بالولايات المتحدة؛ ومن خلال تشجيع الناس على المشاركة في الانتخابات.

في المقابل، لم يقم بأي خطوة تنمّ عن تواضع أو مساومة تجاه خصومه الداخليين أو الخارجيين. وقد يشمل موقفه هذا رفض طرد قادة "الحرس الثوري" على أثر حادثة الطائرة، وحتى منع القضاء من محاكمتهم.

عن "الحرة"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية