اختلف مع صدام وهو في عليائه: علي الحلي ينطفىء كما شعلة البعث

8182
عدد القراءات

2018-01-18

بعد أن كسر ظهر البلاد في العام 1991، كان خياري الشخصي في البحث عن ملاذات إنسانية بعيداً عن الوسط الثقافي العراقي الموبوء بعسس السلطة العراقية وأجهزتها، فكانت محبة الموسيقى فسحة مشتركة مع شخصيات من تكوين روحي وفكري تقيم للنغم الرفيع مكانة مستحقة من التذوق الممزوج بالمعرفة العالية لكل عمل موسيقي أصيل، وهكذا كانت الطريق سالكة إلى علي الحلي، الشاعر والدبلوماسي والمترجم، الذي رحل قبل ثلاثة أيام في دارته بالأعظمية في بغداد. وكانت جمعتني معه جلسات التذوق العالي لعيون النغم العالمي بكل ألوانها، حد إنني استغربت سعة الاطلاع عند الرجل فهي قادته إلى الاستماع بل التذوق حتى لأسماء كانت حينها جديدة على مشهد غناء البوب والروك فضلا عن الجاز.

الحلي: عمق الخراب وسعته الذي أحدثه النظام الديكتاتوري لصدام حسين سيمتد لأجيال وليس من السهولة تجاوزه

ومن تلك الجلسات التي مهدت لها صداقة عمادها مراجعاتي الموسيقية والثقافية بعامة لجديد النتاج النغمي العالمي والتي كان يتابعها عبر ما أنشر في صحف ومجلات خلال ثمانينيات القرن الماضي، لكن المهم في تلك الجلسات الغنية هي أحاديثه عن اللجوء إلى المعرفة الأدبية العالمية عبر الترجمة للهروب من الصورة النمطية له كشاعر وبحسب الملامح التي كانت المؤسسة الثقافية تريدها له كـ"شاعر البعث"، فهو ترجم "سمها.. تجربة" رواية - سيرة ذاتية لكالدويل 1987، "دراسات نقدية معاصرة" 1987، "جيمس جويس" 1985، "من الأدب السوفياتي الحديث" 1987 وغيرها من الأعمال.
وعن تلك المرحلة يقول" انصرفت إلى الترجمة.. للتغطية على صمتي أو هروبي عن نشر الشعر، كما أخذت في كتابة بعض المقالات المقصودة، وفيها أغمز من الشعر وسوء حاله وانحداره في أكثر بقاع العالم، كما رحت أترجم اية مقالة تؤيد وجهة نظري وكانت متاحة".

1علي الحلي مستشاراً في السفارة العراقية في القاهرة مع زوجته أوائل عام 1968

إلى جانب هذا كان ينشر بعض القصائد التي تكشف قلقاً انسانياً شخصياً عظيماً أو تلك التي كانت تعني تهديداً جدياً للبلاد وأهلها فيقول "مرت سنوات انقطعت فيها عن نشر الشعر. في الوقت الذي كانت كل ضفادع الشعر وجحافل النظّامين، تضخ نقيقها في كل زاوية آسنة ومستنقع في قصور الطاغية ومؤتمرات أعياد ميلاده الوثنية. لكن ما إن احتلت القوات الإيرانية مملحة (الفاو) وهي قطعة من أرض وطني، وظلت تراوح في احتلالها، عند ذلك تدفق في داخلي نازع الكرامة والحس الوطني العارم الممتزج بالقومي. وكانت نقطة البداية في الكتابة عن الحرب".(1)
لكن صاحب "شعلة البعث صباحي" التي كتبه ستينيات القرن الماضي وصارت ما يشبه النشيد الوطني بحسب لحن قوي وضعه اللبناني إلياس رحباني، عاد إلى "انكفائه" الشعري، وقلقه "ما هو أصعب من الموت أن يجعل الإنسان ينتظر أو يتوقع الموت في أية لحظة. في حادث سيارة، أو عيار ناري، أو قطرات سم". وكان عليّه أن يتلو وصيته كلما خرج من البيت، وكأنه ذاهب إلى الموت وليس إلى المقهى!

غربته عن "البعث"
تلك المخاوف كانت قد بدأت في "مجابهتي الأولى مع حزب البعث (حزبه السابق) وكانت مع بداية الحرب العراقية ـ الإيرانية القذرة عندما طلبوا مني قصيدة مدح للجلاد (صدام حسين)، فتركت وصيتي وحددت مكان إقامة الفاتحة". وهي تتأسس على افتراقه الكلي عن فكر الحزب، منذ عام 1979، وبصورة أدق منذ إعدام ما يصفها الحلي "الطليعة القيادية الشريفة، المخلصة، النقية (مجموعة عبد الخالق السامرائي ورفاقه)، وانزلاق الحزب إلى هاوية الديكتاتورية والفاشية ومعاداة الشعب".
وعندما قدم الشاعر الحلي طلباً باحالته إلى التقاعد من الحزب لأسباب طبية مقنعة، وجهت له بعض القيادات سؤالا محددا عن السبب المباشر في ترك الحزب"أجبت بصورة مختصرة ومحددة، وبجرأة أيضاً حسدت نفسي عليها في ذلك الجو الرهيب، فقلت أيها الرفاق: إنني أشعر صادقاً.. بأني أصبحت غريباً عنكم، وأنتم غرباء عني. أقصد إني غريب عن الحزب.. والحزب غريب عني. وغربتي من داخل نفسي"(2).
الحلي في آواخر سبعينيات القرن الماضي

القصائد المحرمة
وبعد غزو الكويت وبدء "عاصفة الصحراء" التي أطلق عليها النظام العراقي "أم المعارك"، و"هي من أكثر هزائم التاريخ المنكرة، فانني لم أنشر حرفاً واحداً يشير الى ذلك العار الصدامي. وبدأت لحظتها وفي بداية عقد التسعينات، وخلال وجود قوات الغزو العراقي في الكويت.. كتابة القصائد المحرمة، وأخذت بالاحتفاظ بها في مكان أمين، وبعد أن كتبتها بنسختين وقد تجاوزت الثلاثين قصيدة. بدأت تظهر بعد سقوط النظام الفاشي تباعاً، وكان لها صدى قوي لدى الناس بما يشبه الفجاءات بعد الصمت الطويل".

عندما قدم الحلي طلباً باحالته إلى التقاعد من حزب البعث قال للرفاق: أشعر أنني أصبحت غريباً عنكم

وعن الثقافة العراقية خلال سلطة النظام العراقي السابق يقول "الحركة الثقافية الحرة مسخت تماماً منذ عام 1979 تحديداً، ومروراً بأعوام الحرب العراقية ـ الإيرانية الثمانية، وبعد غزو الكويت ودوام احتلالها حوالي سبعة أشهر وانتهاء بسقوط الحكم الفاشي التسلطي، وظلت الثقافة المأجورة في خدمة النظام وتوجهاته، غير إن الشعر المتسول قد لعب دوراً مخزياً، تستحي منه أيام خلافة الجواري والغلمان والخصيان في العهدين الأموي والعباسي. وصار يجمعهم (الشعراء) حول بركة بأحد قصوره الفخمة، تشبها بالمتوكل العباسي! لكنما أفجع ما كان يثير الأعصاب، ويبعث على الشفقة والرثاء أن ينحدر وبشكل من الإسفاف المبتذل النقد إلى مائدة التلوث والنفاق والتدليس.. ويتخلى عن المسؤولية التاريخية التي يستلزمها شرف مهنته، أو أن يتحول بعض كتاب القصة والرواية إلى مرتزقة ينظرون الروايات الثلاث التي نسبت إلى الجلاد "زبيبة والملك" و"القلعة الحصينة" و"رجال ومدينة". وكأنهم أمام روايات دستويفسكي وتولستوي وفوكنر!"(3)
موسيقى الصمت
زرت الشاعر علي الحلي مرة أخرى بعد عودتي إلى بغداد، وشاركته شعوراً من "التفاؤل الحذر"، فهو كان يعتقد  محقاً أنّ عمق الخراب وسعته الذي أحدثه النظام الديكتاتوري سيمتد لأجيال وليس من السهولة تجاوزه، وزادت مؤشرات التدهور السياسي والأمني ما بعد 2003 من شعوره باليأس من نهاية قريبة لعذاب البلاد وشعبها وظل يرى ان مآل الثقافة الرصينة في العراق مرتبطاً  ببعدها عن مؤسسات الإعلام الرسمي والحزبي أو الديني الطائفي.
ومن هذا الأفق الذي كان يحدد لخروج الثقافة العراقية من أزمتها "سيكون الموقف من الشعر بشكل عام.. سوف يفك الارتباط أكثر وأكثر مع طقوسه الجاهلية، وممارساته الصنمية، وحتى أشكاله وأنماطه ورؤاه كذلك. وبتقديري، سوف تظهر حضارة شعرية جديدة مغايرة لما تعارفنا عليه، ولا بد أن تندثر حالات تسكع الشاعر المستجدي على موائد الملوك والخلفاء والطغاة، لأن مثل هذه الدعارة الشعرية لن تكون ذات صلة مقدسة، أو علاقة مثالية بتاريخ المستقبل وشرفه".
وانطلاقاً من رؤيته هذه للشعر كان ديوان "موسيقى الصمت" تعبيراً عن سنوات العزلة الذاتية، والإمساك عن النشر والحصار النفسي المميت" خلال الفترة من 1990-2003. أما في حقول الأدب والفكر والترجمة، فقد أنجز كتابا حمل عنوان "ابن خلدون.. في مرايا النقد المعاصر" وهو دراسات من النقد المقارن، و"الزهر المترهل.. في الثابت والمتحول،، ويمثل دراسة نقدية لأفكار علي أحمد سعيد (أدونيس)، والثالث "الشعر الحر.. بين النظرية والتطبيق"، وفي مضامينه رؤى جديدة لمفهوم الشعر الحر.

هوامش:
1 و2 و3 من حوار مهم مع الحلي أجراه الكاتب والصحافي نصير النهر ونشر في "الشرق الأوسط" 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2003.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



روائي فلسطيني يقيم حفلاً لتوقيع روايته على بسطته لبيع القهوة

2019-09-19

في السابعة صباحاً من كل يوم، يغادر الروائي الفلسطيني منزله، ليس إلى مكتبه في وزارة الثقافة، أو  في اتحاد الكتّاب الفلسطينيين، أو في مؤسسة ثقافية، كما كان يحلم؛ بل إلى عربته الصغيرة "البسطة" التي أقامها بالقرب من مؤسسة الهلال الأحمر الفلسطيني، في مدينة خان يونس، جنوب قطاع غزة، منتظراً المارة، وسائقي التاكسي لشراء القهوة.

يضع هاني السالمي إلى جانب "البسطة" التي يبيع فيها القهوة عدداً من مؤلفاته الأدبية والقصصية ليقرأها الزبائن

وتعدّ القهوة بالنسبة إليه رفيقته الدائمة، التي كان يتلذّذ بتناولها عندما كان يكتب الروايات والقصص، واليوم أصبحت رفيقته في كسب الرزق، وتحدي الظروف المعيشية.
هاني السالمي (41 عاماً)؛ كاتب وروائي فلسطيني من قطاع غزة، صدرت له عدة روايات وقصص قصيرة، اختصّ بأدب الأطفال، وحاز على عدة جوائز محلية ودولية، وكان له دور في تدريب عدد من الشباب والفتيات على كتابة الرواية والقصص القصيرة، حتى أصبحوا كُتّاباً لهم أعمالهم الأدبية.

اقرأ أيضاً: هل تستطيع الجوائز الأدبية أن تصنع نجوماً؟
ظروف غزة القاسية حوّلت السالمي من كاتب قصص إلى قصّة يكتب عنها الصحفيون؛ فبعد فقدانه الأمل في الحصول على وظيفة، أو مهنة، قرّر أن يجد لنفسه مهنة لتوفير ثمن رغيف خبز يطعمه لبناته الأربع.
افتتح الأديب الفلسطيني، الذي تخرّج في كلية العلوم بجامعة الأزهر، عام 2002، وحصل على عضوية اتحاد الكُتّاب الفلسطينيين، عام 2007، عربة صغيرة "بسطة" لبيع القهوة والمشروبات الساخنة، في محاولة منه للتغلب على ظروفه القاسية، التي يعاني منها منذ سبعة عشر عاماً. 
ويقدّم الروائي السالمي القهوة لزبائنه بهندامه الأنيق، ويتحدث إليهم بلغة مختلفة عن لغة الباعة، التي اعتاد عليها الزبائن، الأمر الذي دفع كثيرين من سكان المدينة إلى زيارة "بسطته" المتواضعة، لتناول القهوة، والاستمتاع بقراءة الروايات.
صدرت له عدة روايات وقصص قصيرة

الكتابة لم تعد تطعم خبزاً
ويقول لـ "حفريات" إنّ "الكتابة والأدب روح الإنسان، لكن في قطاع غزة المحاصر، لم تعد تطعم خبزاً، ولا تروي عطشاً، فعملت في عدد من المهن؛ نجار وشيّال، ومدرّب بالأدب، إلى أن زاد السوء والاحتياج في الأسرة للمصاريف، فقرّرت العمل على عربة صغيره "بسطة" لتكون مقهى يستمتع رواده بقراءة القصص وسماع معلومات ثقافية، فجمعت أدوات من المنزل لافتتاح مشروعي البسيط".

اقرأ أيضاً: رواية "الإصبع السادسة".. الهروب إلى التاريخ لفهم الحاضر

ويضيف: "في البداية كنت أشعر بالخجل، خاصة عند مرور زملائي بالدراسة، أو أحد تلاميذي في كتابة الروايات والقصص، لكنّني كسرت هذا الحاجز، واستسلمت للواقع الذي جعلني بائعاً للقهوة، بعد أن كنت كاتباً مشهوراً، فأنا أقدّم للزبائن أعمالي الأدبية والقصصية، ليطّلعوا عليها أثناء تناولهم القهوة، ليشعروا باللذة التي كنت أشعر بها عند كتابة تلك الأعمال".
ويضع الكاتب إلى جانب "البسطة" التي يبيع فيها القهوة، عدداً من مؤلفاته الأدبية والقصصية، ليقرأها الزبائن وهم يتناولون القهوة، ومن ثم يتناقشون معه فيما قرؤوا ويتبادلون الحديث معاً، وتعود به الذاكرة إلى الوراء، ويستذكر الأعمال التي خطّها بيده.
التشجيع على القراءة
ويلفت الأديب السالمي إلى أنّه تعمّد وضع الكتب والروايات أمام الزبائن الذين يأتون لشراء المشروبات، لحثهم على القراءة وعدم إضاعة أوقاتهم دون الاستفادة منها، ولإيصال رسالة للآخرين بأنّه على الرغم من امتهانه مهنة تختلف عن تخصصه الجامعي وموهبته؛ إلا أنّه يسعى لنشر الفكر والوعي في المجتمع.

اقرأ أيضاً: الروائي البلقاني الأكثر شهرة في العالم يجعل بيته متحفاً
وبيّن أنهّ يفضّل الوجود في قطاع غزة، وبيع القهوة على الرصيف، والحصول على مبلغ زهيد، بالكاد يستطع سدّ رمق أبنائه، على مغادرة غزة بحثاً عن فرصة مجهولة، معتبراً الهجرة هروباً من الواقع، وتلبية لرغبة الاحتلال بإفراغ القطاع من الشباب، وتطبيق سياسة هجرة العقول".

تعمّد وضع الكتب والروايات أمام الزبائن الذين يأتون لشراء المشروبات
ويواصل حديثه: "الهجرة أسوأ مما نتصور؛ فهي تسرق زهرة شبابنا، وتقتلعنا من جذورنا، وتبعدنا عن أوطاننا، فأنا مع السفر للتعلم واكتساب الخبرات والعودة إلى أرض الوطن، لكن لست مع الذهاب إلى طريق مجهول، والموت في بعض الأحيان، فالعمل على بسطة في بلدي أفضل بكثير من العمل في مجال آخر خارجها".
وعود كاذبة
ويشير الكاتب الغزي إلى أنّه، رغم مشواره الأدبي الطويل، الذي يزيد عن اثني عشَر عاماً؛ إلا أنّه لم يحصل على وظيفة في أيّ من المؤسسات الثقافية، أو حتى وزارة الثقافة، أو اتحاد الكتّاب الفلسطينيين، لافتاً إلى أنّه كان يتلقى وعوداً بتوفير فرصة عمل، لكن دون جدوى.

اقرأ أيضاً: هكذا قاربت رواية "طرق الرب" طُرق البيروقراطية المقدسة
ولاقت الخطوة التي اتّخذها الكاتب إعجاباً كبيراً من أصدقائه والمثقفين، ومن نشطاء التواصل الاجتماعي؛ إذ إنّهم وصفوه بالإنسان المثابر الذي قرّر أن يتحدى ظروفه الصعبة، وأن يمتهن أيّة مهنة في سبيل توفير متطلّبات أسرته، مفضلاً ذلك على الهجرة والالتحاق بآلاف الشباب الذين تركوا وطنهم، متمنين له تحقيق طموحه وإيجاد فرصة حقيقة، وأن يعود من جديد لتأليف القصص والروايات والحصول على الجوائز.
وبعد انقطاعه عن الكتابة وتأليف الروايات والقصص؛ حصل الروائي السالمي على فرصة لإصدار رواية جديدة له من خلال اتحاد الكتّاب الفلسطيني، حملت اسم "المسيحي الأخير"، تحدّثت عن أعداد المسيحيين في قطاع غزة، والتي تتناقص بشكل كبير، محاولاً فهم سبب الرحيل.
لاقت الخطوة التي اتّخذها الكاتب إعجاباً كبيراً من أصدقائه والمثقفين

توقيع كتاب على الرصيف
ورغم استعداد إحدى المؤسسات الثقافية لرعاية حفل توقيع رواية "المسيحي الأخير"، وإقامته في أحد الفنادق، إلا أنّ مؤلّف الرواية رفض ذلك، وفضّل أن يقيم حفل التوقيع على الرصيف في الشارع وسط الناس، وأمام عربته التي يُقدّم فيها المشروبات الساخنة لزبائنه؛ حيث ناقش روايته مع كُتّابٍ وأدباء حضروا إطلاق الرواية.

أصبحت مهنة بيع القهوة على الطرق والمفترقات ظاهرة منتشرة بين الخريجين الذين لم يتمكّنوا من الحصول على فرصة عمل

وعن سبب رفضه توقيع روايته بأحد الفنادق، وإقامة الحفل على الرصيف، علّل قائلاً: "شعرت أنّ التوقيع سيكون للأشخاص الأغنياء، أصحاب القرافات "ربطات العنق"، لذلك اخترت أن أقيمها على الرصيف، إلى جانب العربة التي تعد مصدر رزقي الوحيد، ليكون حفل التوقيع مميزاً، خاصّة أنّ أغلب الحضور سيكونون بملابسهم الاعتيادية، والابتسامة الحقيقية حاضرة على شفاههم، وأتناول معهم القهوة التي أعدّها لهم بحب".
وتمكّن عضو اتحاد الكتّاب الفلسطينيين من نشر عدد من الروايات والقصص، وأشهرها: "الندبة"، "سرّ الرائحة"، "حين اختفى وجه هند"، "هذا الرصاص أحبّه"، "الظل يرقص معي"، "ماسة"، "المسيحي الأخير"، "قلب طابو"، "الأستاذ الذي خلع بنطاله"، "حافلة رقم 6"، وكتب رواية "الجنة الثانية" التي تحاكي قصة الجندي الإسرائيلي المختطَف في غزة، جلعاد شاليط، التي حظيت بتقييم مرتفع، فوصلت رواياته وقصصه إلى عدد كبير من دول العالم.
وتعدّ شريحة الكتّاب والمثقفين الفئة الأقل اهتماماً في قطاع غزة؛ فهم يعانون من عجز في المصادر والتمويل، ويضطرون إلى طباعة مؤلفاتهم على نفقتهم الخاصة، نظراً إلى ضعف التمويل وشحّ الموارد، وتراجع مستوى الاهتمام بالقطاع الثقافي والنهوض به إلى الأفضل.
غلاف الرواية

مهنة منتشرة
وأصبحت مهنة بيع القهوة على الطرق والمفترقات ظاهرة منتشرة بين الخريجين، الذين لم يتمكّنوا من الحصول على فرصة عمل بعد حصولهم على الشهادات الجامعية، نتيجة ارتفاع معدلات البطالة إلى 295 ألفاً، وارتفاع نسبة الفقر إلى 80%، بينما بلغت نسبة البطالة 54%، وفق إحصاءات الاتحاد العام لنقابات عمّال فلسطين.

للمشاركة:

هل يستجير المصريون بأدب الرعب هروباً من رعب الواقع؟

2019-09-09

منذ أحداث كانون الثاني (يناير) 2011، وفنون الرعب هي الأكثر مبيعاً ومشاهدة في القاهرة، ومؤخراً حقّق الجزء الثاني من فيلم الرعب المصري "الفيل الأزرق"، أعلى إيرادات في تاريخ السينما المصرية.
وتحقّق روايات الرعب المبيعات الأكبر بين الكتب في القاهرة، وحاول علماء نفس وعلماء اجتماع تفسير الظاهرة وربطها بالأحداث الدموية وأحداث الإرهاب التي شهدتها مصر في الأعوام الأخيرة، والهروب النفسي من قبل الشباب إلى عالم الرعب للتخفيف من الدموية التي تسيطر على المشهد.

اقرأ أيضاً: المخرج كوستا غافراس.. الاحتفاء بالوعي الإنساني سينمائياً
رواج أدب الرعب في تلك الفترة لا يعني أنّه حديث الظهور مصرياً، فقد اشتهرت قصص الرعب التي قدمها الراحل الدكتور أحمد خالد توفيق، منذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي، وقدمت السينما المصرية العديد من أفلام الرعب، مثل: "الإنس والجن" للفنان عادل إمام، غير أنّ الرواج الأكبر كان في الأعوام التي أعقبت كانون الثاني (يناير) 2011، مما يطرح العديد من التساؤلات حول التفسيرات الاجتماعية والنفسية والفنية أيضاً، حول ذلك الرواج.
الدكتور شاكر عبد الحميد أستاذ علم نفس الإبداع

مواجهة الخوف
أستاذ علم نفس الإبداع الدكتور شاكر عبد الحميد، أصدر كتباً تناولت هذه النوعية من الفنون، على مستوى الكتابة والسينما أيضاً، كما في كتابه "الغرابة المفهوم وتجلياته في الأدب"، الصادر عن سلسلة عالم المعرفة، العدد 384، كانون الثاني (يناير) 2012. وكتابه "الخيال – من الكهف إلى الواقع الافتراضي"، العدد 360 من سلسلة عالم المعرفة، الصادرين عن (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت).

شاكر عبد الحميد: الإقبال على أدب الرعب عائد إلى أنّ الشباب يبحثون عن شكل جديد في التعبير عن ذواتهم

عبد الحميد قال: لو فسرنا حالة الإقبال الشديد على أدب الرعب والخيال العلمي والفانتازيا على مستوى القراءة والكتابة بالمعنى السيكولوجي، فمن الممكن أن نقول إنّ هذا النوع من الأدب يعدّ من أساليب مواجهة الخوف، التي ابتكرها الإنسان من خلال الخوف المتخيل الذي يواجه به الخوف الحقيقي، موضحاً أنّ هذه الآلية تسمى "الإشباع البديل"؛ فأنت تواجه هنا خوفاً يتعلق بأحداث وكوارث ودمار يحدث للآخرين، لا للقارئ أو الكاتب، مؤكداً أنّ الكاتب هنا آمن ومستمتع بالتخيل بأحداث تقع على مسافة منه.
وعلى مستوى ثانٍ، يضيف عبد الحميد، في تصريح لـ"حفريات"؛ أنّ "هذا نوع من الأدب الخيالي المرتبط بعوالم يضعها فينا حبّ الاستطلاع أو الفضول المعرفي أو التشويق، أو نوع من الأدب يوحي بأن ما سرده أمر واقعي، لكي يتقدم تدريجياً، ويسهّل هذا الإيهام أو يتجاوزه".

اقرأ أيضاً: السينما الجزائرية ومرثيات اليأس السياسي
ويستكمل عبد الحميد تفسيره السيكولوجي على مستوى ثالث؛ بعرض نظرية "روزماري جاكسون"، التي تقول إنّ هذا النوع من الأدب يساعد على الدخول إلى تلك العوالم الغريبة الموجودة خلف مرآة الواقع، موضحاً أنّه تجسيد لفضاءات موجودة خلف المرئي، وخلف الصورة، ومن ثم يضعنا فى مناطق مظلمة فيها التباس، يمكن من خلالها أن يظهر أيّ شيء غير متوقع.
ويرى أستاذ علم نفس الإبداع أنّ هذه الأنواع من الكتابة متداخلة، لافتاً إلى أنّ "زيادة الإقبال على هذا النوع من الكتابة، بعد أحداث كانون الثاني (يناير) 2011، ربما عاد إلى أنّ الشباب يبحثون عن شكل جديد في التعبير عن ذواتهم، التي تعاني حالة عدم الاستقرار التي يواجهها الواقع فى المراحل الانتقالية، والتي يمرّ فيها الإنسان بحالة من الالتباس"، مشيراً إلى أنّها "محاولة للبحث عن يقين حالي يساعد على مواجهة اللايقين الموجود الآن، يساعد في التعبير عن الذات وتحقيقها والتعبير عن إحساسات مركبة، كنوع من محاولة لمواجهة الواقع المضطرب".
الناقدة الفنية رشا حسني

السينما صناعة قائمة على التجريب
الناقدة الفنية رشا حسني، التي تشير إلى أنّ السينما في مصر صناعة يتجاوز عمرها 100 عام، تؤكد أنّ السينما صناعة قائمة على الاختراع والتجريب منذ بداية ظهورها، بالتالي من المرجح أن تحدث في السينما المصرية تغييرات سواء على المستوى التقني الخاص بالمؤثرات أو على مستوى الحرفة نفسها، والتي لها علاقة بأفلام الرعب والإثارة.

أحمد خالد توفيق ساهم في بناء تلك الشعبية لأدب الرعب حين أصدر سلسلته الأشهر "ما وراء الطبيعة"

وتضيف حسني، في تصريح لـ "حفريات": "من ضمن التطورات التي تشهدها السينما المصرية تقديمها لأنواع فيلمية جديدة عليها، منها أفلام الرعب والإثارة".
ونفت حسني مسألة لجوء الشباب للرعب هرباً من الدموية التي تشهدها المنطقة، لافتة إلى أنّه في أوقات الأزمات والحروب تزداد الحاجة إلى أنواع الفنون الملهية، وليس العكس. و"يعود نجاح فيلم (الفيل الأزرق) إلى أنّ الجزء الأول الذي قدم عام 2014 كان طفرة بالفعل، لم يكن هناك فيلم شبيه له في السينما المصرية، سواء من حيث الإنتاج أو إتقان الحرفة، وذلك عائد إلى أنّ أفلام الرعب التي قدمت سابقاً في السينما المصرية كان مستوى تنفيذها مثيراً للضحك".
فيلم الرعب المصري 122

الرعب ليس غريباً على تراثنا العربي
كاتب الرعب والخيال العلمي، ياسين أحمد سعيد، يرى أنّ البشر كائنات بالغة التنوع في طباعها، ومن ثَم ذائقتها الفنية الأدبية. بناء عليه، "عندما تتوفر لهم مختلف الألوان الأدبية، فذلك هو الوضع الطبيعي".
ويوضح، في تصريح لـ "حفريات": "لدينا وفرة في الأدب الاجتماعي والتاريخي مثلاً، بينما في الأعوام القريبة الماضية عانينا، وربما ما نزال نعاني، من نقص شديد في صنوف أدبية مثل: "الخيال العلمي، الرعب، أدب الرحلات، أدب الطفل، ...إلخ"، مضيفاً: "لذلك، أحبّ أن أنظر للأمر من وجهة نظر مختلفة؛ فلا أقول إنّ هناك موجة زيادة عن إصدارات الرعب مؤخراً؛ بل الأصوب: إنّ هناك فجوة قد سُدّت، أتمنى وأنتظر سدّ بقية الثغرات الأخرى قريباً، خصوصاً أنّ الرعب ليس غريباً على تراثنا المحلي أو العربي؛ بل له جذور موغلة في القدم، بداية من "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري، إضافة إلى قصص (الجنّ، العرافين، النبوءات) التي كانت تدخل في نسيج العديد من الملاحم والسير الشعبية".

ياسين أحمد سعيد
ويرفض سعيد التفسير الذي يربط المسألة بالأحداث السياسية، من منطلق أنّ المخاوف الشعبية زادت عقب الربيع العربي، فزادت معها محاولة هروب القرّاء من الواقع، موضحاً: "أرى مثل هذه التفسيرات تقوم بليّ عنق الوقائع، في محاولة لافتعال العمق. في رأيي؛ إنّ كلّ (قارئ، كاتب، ناشر) أقبل على الرعب، قد تكون له أسبابه التي تختلف عن نظيره، لكن إذا حاولنا التطرق للأسباب التي تعدّ عاملاً مشتركاً، أكثر من غيرها، بين هؤلاء؛ فلعلّها ترجع إلى: مواقع التواصل الاجتماعي، المنتديات: التي تساهم طوال الوقت، من وجهة نظري، في (إبراز) كلّ ما هو مختلف أو نادر، على الجانب الآخر، لا نغفل سبباً رئيساً آخر في شعبية أدب الرعب حالياً، يتمثل في اسم أحمد خالد توفيق، الذي ساهم في بناء تلك الشعبية، تدريجياً، منذ التسعينيات، حين أصدر سلسلته الأشهر (ما وراء الطبيعة)".

للمشاركة:

المخرج كوستا غافراس.. الاحتفاء بالوعي الإنساني سينمائياً

2019-09-03

كرّم "مهرجان البندقية" السينمائي، قبل أيام، المخرجَ الفرنسي اليوناني الأصل كوستا غافراس وذلك لـ "إسهاماته المبدعة في تطوير السينما المعاصرة".
كما عرض فيلمه الجديد "أدالتس إن ذا روم" الذي يدور حول أزمة الديون اليونانية وشروط أوروبا لإنقاذ بلاد الشاعر ريتسوس من الإفلاس، الفيلم مأخوذٌ عن كتاب لوزير المالية اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس، ويسلط الضوء على مفاوضات حزمة الإنقاذ المالي لليونان في العام 2015.

كرّم مهرجان البندقية مؤخراً المخرج الفرنسي اليوناني الأصل كوستا غافراس لإسهاماته المبدعة في تطوير السينما المعاصرة

هذا الجانب، الذي وصفه غافراس بكونه نتاجاً لمجمل "السياسات المشوشة في أوروبا"، يكاد يشكل جوهر المعاني الذي أقام عليها المخرج أفلامه بدءاً من "زد" وصولاً إلى "مدينة مجنون" وغيرها العشرات. وهنا نستعيد كيف احتفى الجمهور العربي، وتحديداً منذ سبعينيات القرن الماضي، بأعمال غافراس، التي أظهرت عمق أزمة إنسانية جماعية وعبّرت عن معطياتها بشكل جليّ.
في السينما بالذات نجد إمكانية هائلة للتعبير عن المجموع بقراءة واقعة فردية أو رؤية فترة تاريخية معاصرة عبر استقراء خفايا حادثة فردية، لما لهذا الفن من قدرة على التكثيف والتجسيد، واختزال الامتداد الزمني، وإعطاء الرموز قدرة ونفوذاً في التعبير عن حالات تتطلب الإسهاب حين تعرضها الأنواع والأنشطة الذهنية والفكرية الأخرى.

فيلم "زد".. تعرية الديكتاتوريات وقوة الرفض الاجتماعي
هذه المعاني تحيلنا لأعمال المخرج كوستا غافراس اليوناني المولد (1933) من أب روسي وأم يونانية، ونختار هنا أربعة أفلام تتوافق مع استنتاج المقدمة، وهي "زد – 1968"، "حالة حصار – 1972"، "المفقود – 1982"، و "هانا ك – 1984" الذي عرض في عواصم عربية عدة صيف 1986، لما للأعمال الأربعة من صفة مشتركة تجمعها، فهي اعتمدت حوادث فردية للكشف عن أزمة اجتماعية شاملة.

في فيلمه (حالة حصار) ينقل المشاهد إلى أجواء الصراع والديكتاتوريات الحاكمة في بلدان أمريكا اللاتينية

ففي فيلم "زد" (من إنتاج الجزائر التي منحت المخرج غافراس وساماً رفيعاً العام الماضي) نجد أنّ حادثة اغتيال النائب البرلماني اليوناني (لامبراكيس) في العام 1963 والتي أمعن هذا العمل في إظهار تفاصيلها، قد كشفت جوهر سلطة حاكمة بكامل مؤسساتها وطبيعة الظرف الاجتماعي للبلاد، كما أنّ غافراس في فيلمه التالي "حالة حصار" ينقلها إلى أجواء الصراع والديكتاتوريات الحاكمة في بلدان أمريكا اللاتينية عبر حادثة تقع لوزير خارجية أحد تلك البلدان.
أما قوة الحادثة الفردية وقدرتها في التعبير عن صدق واقع بأكمله، فذلك يتجسد عبر فيلم غافراس المهم "المفقود"، الذي حاز به جائزة مهرجان كان– 83 مناصفة مع فيلم المخرج التركي يلماز غوني الذي حمل عنوان "يول – الطريق"، وتعتمد قصة الفيلم ومحور أحداثه على قضية الصحافي الأمريكي (شارل هورمان) الذي قُتل أثناء تغطيته لوقائع الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس التشيلي سلفادور الليندي في العام 1973، حيث قام والد هذا الصحفي وهو أدمون هورمان (جاك ليمون) ويعمل رسّاماً، برفع قضية اختفاء ولده إلى القضاء، وقام بجمع الحقائق في ملف كامل المحامي توماس هوسر.

اقرأ أيضاً: بين المسرح والشاشة: حوار مع المخرج الإيراني أصغر فرهادي
سيناريو الفيلم اعتمد ذلك الملف مادة له، وفيه الكثير من المعلومات ليس عن ظرف اختفاء الصحافي فحسب، بل وقائع تكشف الانقلاب وتُدينه، لكن غافراس بدأ هنا باستبدال لغته السينمائية تماماً، فهو لم يشر مباشرة ولم يسمّ أحداً، بل اكتفى باللمحة القوية المؤثرة؛ حيث نجد تلك الحركة السريعة والغموض البوليسي، وتلك خصائص أفلامه الأولى، وتصاعدت بدلاً عنها إيماءات زاخرة بالحيوية ورموز مبهرة (الفرس البيضاء المنطلقة في شوارع سانتياغو المقفرة).
لكنه في الوقت ذاته، يكشف للمشاهد أثناء بحث زوجة الصحافي، بت (سيسي سباسيك) عن زوجها (المفقود)، عن هول المجزرة وما تعرضت له من قيود وصلت للاعتقال لمجرد أنّها كانت تسأل عنه، على الرغم من كونها أمريكية، وذلك يوفر لها ميزة خاصة (سلطات الانقلاب كانت مدعومة من واشنطن حينها).

فيلم "المفقود".. الحقيقة الضائعة في دهاليز السلطة الباطشة
"المفقود" الذي نجح في صالات العرض، حقق غرضه في الكشف عن مأساة شاملة، لكنه أظهر لاحقاً وعبر ذلك النجاح ازدواجية كبيرة ولاحيادية في موقف الإعلام والمؤسسات الثقافية في الغرب عموماً، حيث قوبل فيلم غافراس التالي "هانا – ك" بصمت مطبق إن لم نقل بالمحاربة، على الرغم من كون فيلم "المفقود" كان أكثر جرأة في قول الحقائق وبلغة أكثر فصاحة وبرؤية دقيقة لم تتوفر بذات الوقائع في "هانا – ك" وحين نتيقن السبب، يبطل عجبنا؛ فالفيلم يتحدث عن القضية الفلسطينية وتلك وحدها تحدث في أوساط الغرب السياسية والثقافية الكثير من الفزع! وذات الحقائق التي قبلت من غافراس في "المفقود" لم تقبل منه تلك المرة بل أنه وصف بأشد اللعنات، كيف لا؟! وهو يشير ويسلط الضوء على "جوانب" من الحقيقة، حقيقة البناء العنصري الاسرائيلي، وكانت خير وسيلة للنيل منه هي في ضرب هذا الحصار من الصمت المطبق حول الفيلم ومحاربته بأشنع الوسائل، واتهم المخرج بالتهمة الجاهزة "اللاسامية"، وحينها وجد المخرج وزوجته، ميشيل راي غافراس، وهي منتجة الفيلم، نفسيهما في وسط ملغوم بالافتراء !

قوة الحادثة الفردية وقدرتها في التعبير عن صدق واقع بأكمله يتجسد عبر فيلم غافراس المهم (المفقود)

"هانا – ك" هو اسم المحامية (هانا كونمان)، اليهودية النازحة إلى "أرض الميعاد" والمتزوجة من الفرنسي فيكتور (جين يان) الذي تتركه على أثر خلاف، وتجد مع رفيقها قاضي التحقيق جوشوا (جبريال بيرني) عبر صداقة وطفلٍ غير شرعي منه ما يحقق أمنياتها "الوهم" بعسل عودتها إلى أرض الميعاد التاريخي، غير أنّ وقائع كهذه ما تلبث أن تتفكك شيئاً فشيئاً مع ظهور الفلسطيني (محمد بكري) الذي يُعثر عليه متخفياً في بئر أحد البيوت الفلسطينية وهو يبدأ رحلة العودة لأرضه بطريقة يعتبرها الإسرائيليون "لا شرعية".
المخرج مع بداية كهذه لا ينسى أن يظهر حقيقة جنود الاحتلال؛ إذ يفجرون البيت مع أول خيوط الفجر المنسجمة مع أصوات الأذان!
تكلف المحكمة العسكرية، المحامية (كونمان) بالدفاع عن المتهم الفلسطيني التي تستغرب من هيئة المحكمة في تأكيدها على كون موكلها "مخرباً" وهو الأعزل من كل سلاح، ومن هنا يبدأ الشرخ في وعي كوفمان، وذلك ما يلبث أن يتعمق ويصبح شكوكاً في حقيقة وجود اسرائيل حين يعود الفلسطيني ثانية لأرضه ويطلب منها (بكري) الدفاع عنه هذه المرة.
غافراس وكاتب السيناريو (فرانكو ساليناس) أظهرا الفلسطيني بوعي يجد فيه المشاهد الغربي سمةً متحضرةً وطريقةً عقلانية في مناقشة الأمور، إذ أظهرا الهدوءَ في شخصيته، تعاملهُ برصانةٍ مع وقائع حياته عبر استخدامه الوثائق التي تؤكد ملكيته لبيته في (كفر رمانة)، ولكن "أين كفر رمانة هذه؟" الجندي الاسرائيلي وبحدّة ينصح المحامية حين تسأله عن القرية باستعمال خريطة جديدة "وقائع مزيفة جديدة"، فالقرية أصبح اسمها (كفر ريمون)!

اقرأ أيضاً: المخرج الإيراني عباس كيارستمي: الحياة ولا شيء سواها
هكذا إذن أصبحت القرية الفلسطينية مستعمرة لا أثر فيها غير بيت عائلة الفلسطيني المتهم بالتخريب، والذي أصبح "متحفاً" لوجاهة تظهر عليه، وذلك الراعي الذي يقود قطيع أوهامه في أطراف القرية وهو يصيح: هنا، هنا كفر رمانة. إنّ هذا المشهد وبجمالية تنفيذه العالية يحيلنا إلى نص الشاعر الفلسطيني محمود درويش المنشور في مجلة "اليوم السابع" في متن الرسالة الموجهة منه إلى صديقه الشاعر سميح القاسم، وذلك النص قريب في تفاصيله لذلك المشهد، حين يقول: "حين مارست طقس الحج الأول إلى قريتي (البروة) لم أجد منها غير شجرة الخروب والكنيسة المهجورة، وراعي أبقار لا يتكلم العربية الواضحة ولا العبرية الجارحة: من أنت يا سيد؟ فأجاب: أنا من كيبوتس (يسعور) قلت أين كيبوتس (يسعور)؟ قال: هنا، قلت هنا: البروة". قال: ولكنني لا أرى شيئاً ولا حتى حجارة، قلت: وهذه الكنيسة.. ألا تراها؟ قال: هذه ليست كنيسة، هذا اصطبل للأبقار، هذه بعض آثار رومانية ويستدرك الشاعر موجهاً الحديث لصديقه، لاحظ المعاني العكسية، الانقلابية، الاستبدادية للكلمات، نحن في أحسن الأحوال حراس آثار روماني"!!

فيلم "هانا ك" .. غافراس الفلسطيني
في دلالة النص أعلاه نجد مقاربة في أحد حوارات الفيلم بين المحامية وإحدى نساء المستعمرة، فتخبرها نحن سكان المنطقة، لكن بيت الفلسطيني ووثائق ملكيته ونسخة الصورة الموجودة مع تلك الوثائق والأصل المعلّق على جدار البيت وصوت ذلك الراعي العربي والأشجار الوفيرة قديمة الإنبات، توفر عند المحامية قناعة كاملة مناقضة لكل ما تقوله ألسنة الكذب في المستعمرة.

ذات الحقائق التي قُبلت من غافراس في (المفقود) لم تقبل منه في (هانا ك) عندما عرّى جرائم الاسرائيليين

إنّ قناعاتٍ كهذه تتصاعد بهدوء وبانتقالات كاميرا مدير التصوير الإيطالي (ريكاردو أرونوفيش) التي تنوعت بين البحث عن الجمالي المجرد في مكونات المشهد وتسجيلها للوقائع، لكنها ناقشت المكان بهدوء بالغ ما وفّر فرصةً اعتبرها البعض شيئاً من التخلي عن الجرأة التي عرف بها غافراس حين يتصدى لقضية تحمل في طياتها أزمةً اجتماعية، لكن ما فعله الفيلم يبقى مهماً على الرغم من اختلاطات وعي كاتب السيناريو والمخرج.
تطور الأحداث في الجزء الأخير من الفيلم أعطى التفاصيلَ للمشهد الحقيقي لواقع الاحتلال: غلاة الإسرائيليين لا يترددون في تهديد المحامية لأنّها تعرض حقيقة الشاب الفلسطيني العائد؛ الذعر من عملية فدائية وهو يقطع إيقاع الحياة في كل شيء، الضغط المتواصل من هيئة المحكمة على المحامية لترك الموضوع نهائياً، فنجاحها يعني أنّ ملايين الفلسطينيين سيمتلكون الحق منطقياً في العودة لبلادهم المحكومة وفق منطق الاحتلال الاستعماري لا بـ"أوهام العودة التاريخية" كما تراها المحامية في أيام وجودها الأولى هناك.

مشهد من فيلم غافراس الأخير "بالغون في غرفة"
جيل كلايبورغ، الممثلة الأمريكية وبطلة "هانا – ك" و "بعطرها" الخفي الذي يتحسسه الفلسطيني (محمد بكري) وهي تراقبه عن بعد توقعاً منها، قيامه بعمليات "تخريبية"، تبدع في تجسيد شخصية المحامية، وفي مشهد طردها للعشيق والزوج، والطفل الفلسطيني الصغير حين يتم اتهامه بمسؤوليته عن (عملية تفجير). وحمل لنا ذلك المشهد براءةً تحاول الوصول إليها عبر التخلص من كل تلك القذارات والأوهام التي خاضت فيها !

اقرأ أيضاً: أمير العمري: الكاميرات الرقمية خلصت المخرجين الشباب من التبعية، ولكن...
المخرج غافراس كان هو الآخر ممتازاً في صنع مشاهد القدس، على الرغم من بعض الإطالة والجو السياحي الذي اتسمت به بعض المشاهد، غير أنّ جمالية التعبير العالية في موسيقى الفيلم التي وضعها اللبناني الأصل (غبريال ياريد) صاحب الموسيقى التصويرية لفيلم يوسف شاهين "وداعاً بونابرت" والتي اعتمد في تنفيذها على الإيقاعات العربية والتراتيل وأصوات الأذان، منحت تلك المشاهد حيويتها وجمالها الرفيع ومشاعر الحنين الناعمة، ويظل ذلك الفيض من الضوء الساطع الذي التقطته الكاميرا في أسواق القدس القديمة وظلال الناس والأشياء وضباب الفجر في المشهد الأول، ولمعان الذهب في قبة المسجد الأقصى، ترانيم تتلاعب بمشاعرنا وتمتلكها دون تردد.

للمشاركة:



تقرير حقوقي يكشف أبشع انتهاكات الحوثيين الحقوقية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

اعتقلت ميليشيا الحوثي حوالي 300 مواطن يمني خلال الشهر الحالي، أثناء تنقلهم بين المحافظات، وأخفتهم في سجون بمدينتي ذمار والحوبان بتعز.

وكشف المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان؛ أنّ معظم عمليات الاعتقال كانت خلال مرور المدنيين العائدين من عدن إلى صنعاء، على نقاط أمنية يسيطر عليها مسلحون من جماعة الحوثي.

وأعرب المرصد الحقوقي الدولي، ومقره جنيف، في بيان نشره على موقعه الرسمي، عن بالغ قلقه إزاء توقيف المدنيين اليمنيين بشكل غير قانوني، أو إخفائهم قسراً، على يد جماعة الحوثي، واصفاً هذه الانتهاكات بأنّها "الأبشع في سلسلة طويلة من انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن".

ميليشيا الحوثي الإرهابية تعتقل 300 مواطن يمني خلال الشهر الحالي بشكل غير قانوني

وبحسب البيان؛ فإنّ عمليات التوقيف والاختطاف في الطريق بين صنعاء وعدن تجري على الهوية، ما يزيد من معاناة المدنيين وأسرهم، مع تزايد الأنباء حول طلب القوات المحتجزة فدية مالية من أجل إطلاق سراحهم.

ووفق معلومات وثّقها المرصد الأورومتوسطي؛ فقد نزح نحو 3163 شخصاً من عدن، إضافة إلى 1034 أسرة من المحافظات الشمالية المختلفة، بعد أن فقدوا منازلهم وممتلكاتهم، موضحاً أنّ الأطراف الدولية والأمم المتحدة لم توفّر مراكز إيواء للفارين أو أيّة مستلزمات تمكّنهم من بدء حياة جديدة.

وطالب المرصد الأورومتوسطي جماعة الحوثي بكشف مصير 455 مدنياً اعتُقلوا خلال الفترة الواقعة بين أيلول (سبتمبر) 2014 وكانون الأول (ديسمبر) 2018.

كما طالب بالتوقف فوراً عن توقيف واحتجاز المدنيين الفارين من جنوبي البلاد، والتصريح بأسماء المحتجزين وأماكن احتجازهم، والسماح لذويهم بزيارتهم والاطمئنان عليهم، داعياً في الوقت ذاته المجتمع الدولي للعمل الجاد من أجل إنهاء عمليات الاحتجاز التي تنتهك المعايير الأساسية لحقوق الإنسان.

وأفاد بأنّ ذوي المعتقلين يخشون على مصير أبنائهم مع انتشار أنباء عن تعرضهم لعمليات تعذيب، إضافة إلى استمرار منع الزيارات الدورية التي كفلها القانون الدولي للشهر الثالث على التوالي.

وكانت مؤسسات حقوقية محلية قد أفادت، خلال ندوة نظمت على هامش الدورة الـ 42 لمجلس حقوق الإنسان، المنعقدة بمدينة جنيف السويسرية، بأنّ "170 مدنياً يمنياً قضوا تحت التعذيب في سجون تابعة لجماعة الحوثي، بينهم 9 أطفال وامرأتان و6 مسنين، خلال الأعوام الخمسة الماضية".

بدورهم، كشف ناشطون يمنيون في صنعاء، في وقت سابق، اشتراط مسؤولين من جماعة الحوثي دفع 700 ألف ريال يمني (1300 دولار أمريكي) كفدية للإفراج عنهم.

وفرّ آلاف اليمنيّين من مدينة عدن مع احتدام المعارك بين قوات الحكومة الشرعية وأخرى تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، للسيطرة على العاصمة المؤقتة عدن، في نهاية آب (أغسطس) الماضي.

 

 

 

للمشاركة:

شاهد.. "الجزيرة" تعترف بفبركة فيديوهات عن مصر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

اعترفت قناة "الجزيرة" القطرية ببثّ فيديوهات مفبركة وإذاعة مقاطع مصوَّرة قديمة على أنّها مظاهرات من مصر قبل أيام.

واعترفت مذيعة "الجزيرة" بفبركة مقاطع الفيديو والصور، التي نقلتها القناة القطرية عن رواد مواقع التواصل الاجتماعي على أنّها مظاهرات من مصر، وفق ما أوردت قناة "إيكسترا نيوز".

وقالت المذيعة: إنّ الفيديوهات التي تمّ تناول بعضها في نشرات الأخبار والتغطيات والتي نشرها نشطاء هي تجمّعات لمشجعي المنتخب المصري في بعض الفعاليات الكروية، وبعضها فيديوهات مفبركة، تمّ دمج صوت متظاهرين فيها مع صور مظاهرات سابقة.

بدوره، عرض الإعلامي المصري، عمرو أديب، في برنامجه "الحكاية"، المذاع عبر فضائية "MBC مصر" فيديو يظهر زيف ادّعاءات قناة "الجزيرة" القطرية.

وعرض أديب فيديو عرضته القناة وادّعت أنّه من مظاهرات بمدينة المنصورة، ثم عرضته مرة أخرى مدّعية أنّه من ميدان التحرير في القاهرة.

ووصف أديب ما حدث بأنّه "تأليف"، مشدداً على أن ّتلك المظاهرات التي بثّتها الجزيرة ليست إلّا تجمعات لمشجعي النادي الأهلي.

وفي دليل آخر؛ نشر الفنان المصري محمد رمضان عبر "فيسبوك"  فيديو يظهر كيف استغلت "الجزيرة" فيديو لمحبيه، وأخذت مقاطع منه، وفبركتها على أساس أنّها مظاهرة في مصر ضدّ النظام المصري.

وتجمّع في وسط القاهرة وعدة مدن أخرى في ساعة متأخرة من مساء الجمعة الماضي مئات المحتجين مرددين شعارات مناهضة للحكومة في استجابة لدعوة على الإنترنت للتظاهر ضد فساد بالحكومة، وفق ما أوردت وكالة "رويترز" عن شهود وسكان، لكن سرعان ما عادت الأجواء هادئة وإلى حركتها المعتادة وفق ما أوردت شبكة "بي بي سي".

 

 

للمشاركة:

قمة أردنية مصرية عراقية في نيويورك.. ماذا بحثت؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

بحثت قمة عربية، ضمّت كلاً من العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، والرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، ونظيره العراقي، برهم صالح، ضرورة ترسيخ السلام في منطقة الشرق الأوسط، وإبعاد شبح الحرب عنها.

القمة تؤكّد ضرورة القضاء الكامل على كلّ التنظيمات الإرهابية ومواجهة كلّ من يدعمها

وأكّد القادة الثلاثة في القمة التي عقدت، أمس، في نيويورك، على هامش اجتماعات الـ 74 للجمعية العمومية للأمم المتحدة، ضرورة البناء على الانتصارات التي تحققت مؤخراً في المعركة على الإرهاب، وضرورة القضاء الكامل على كلّ التنظيمات الإرهابية، أينما وجدت، ومواجهة كلّ من يدعمها سياسياً أو مالياً أو إعلامياً.

وشدّدت مخرجات القمة الثلاثية على مضاعفة الجهود الدافعة باتجاه السلام والحوار، من أجل هدوء يشمل المنطقة كلّها؛ إذ لفتت الأطراف المجتمعة إلى أنّ الأمن مشترك، وأنّ التهديدات والثغرات الأمنية من شأنها أن تشمل الجميع.

كما أكّد القادة دعمهم للحلّ السياسي الشامل للقضية الفلسطينية، قضية العرب المركزية، وأهمية حصول الشعب الفلسطيني على كلّ حقوقه المشروعة، وعلى رأسها حقّه في إقامة دولته المستقلة القابلة للحياة، وعاصمتها القدس الشريف، على أساس حلّ الدولتين وقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.

ونوّهوا إلى أهمية الحلّ السياسي الشامل لأزمات المنطقة، خاصّة الأزمات في سوريا وليبيا واليمن، وفق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وبما يحفظ وحدة واستقلال هذه الدول وسلامتها الإقليمية ومقدرات شعوبها، ويتيح الحفاظ على الأمن القومي العربي ومواجهة التدخلات الخارجية التي تستهدف زعزعة اﻷمن القومي العربي.

القمة تؤكد أهمية الحلّ السياسي الشامل لأزمات المنطقة، خاصة الأزمات في سوريا وليبيا واليمن

وعبروا عن تضامنهم الكامل مع المملكة العربية السعودية، في مواجهة الاعتداءات التي تعرضت لها منشآتها النفطية، مشدّدين على أهمية الحفاظ على أمن منطقة الخليج العربي، وتأمين حرية الملاحة في الخليج، كمكوّن أساسي من مكونات الأمن القومي العربي، ومؤكدين أهمية التهدئة وتجنّب المزيد من التوتر والتصعيد؛ لما لذلك من أثر سلبيّ على الاستقرار في المنطقة.

واتفقوا على مواصلة التشاور والاجتماع بشكل دوري والتنسيق المستمر لتعزيز الأمن القومي العربي، ومواجهة كلّ التحديات التي تتعرض لها المنطقة، ودعم التعاون السياسي والاقتصادي والتجاري والاستثماري والثقافي بين الدول الثلاث، وبناء شراكات فعالة بين الحكومات والقطاع الخاص في الدول الثلاث لذلك الغرض.

كما جدّدوا دعمهم الكامل للجهود العراقية لاستكمال إعادة الإعمار وعودة النازحين للمناطق التي تمّ تحريرها من تنظيم داعش الإرهابي.

 

للمشاركة:



ازدواجية الخطاب تُدخل النهضة في أزمة هوية تهدد مستقبلها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

دفعت الهزيمة التي تلقتها حركة النهضة الإسلامية في الانتخابات الرئاسية إلى بروز مؤشرات سياسية تؤكّد غضب الكثير من القيادات والقواعد من تفرّد زعيم الحركة راشد الغنوشي بكل القرارات المتخذة داخل هياكل الحزب.

وخرجت النهضة من الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية بهزيمة، نتيجة ما وصفه مراقبون بوقوع الحركة في “أزمة هوية” نظرا إلى إخفاقها في الفصل بين إسلاميتها وسياستها وعجزها عن تقديم حلول للأزمة الاجتماعية والمعيشية.

وأفضت الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية إلى مرور المرشحين أستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد ورجل الإعلام نبيل القروي إلى الدور الثاني.

ونال مرشح حركة النهضة عبدالفتاح مورو 434 ألفا و530 صوتا وحلّ ثالثا من مجموع ناخبين تجاوز ثلاثة ملايين.

ويرى المحلّل السياسي التونسي صلاح الدين الجورشي أن النهضة لا تزال “تتأرجح بين الإسلامية والمدنية وهذا يضعفها”، معتبرا أن هذا “أحد أسباب تراجعها”.

وأعلنت النهضة في مؤتمرها العاشر عام 2016 عن تغيير توجهها من الإسلامي إلى المدني، لكنها “لم تتخذ موقفا واضحا مثلا في مسألة المساواة في الميراث التي حسم فيها قيس سعيّد وكان واضحا”، بحسب الجورشي.

وكان سعيّد واضحا في مواقفه بقوله إن “القرآن واضح” في مسألة تقسيم الميراث وينص على أن المرأة ترث ثلث نصيب الرجل.

ويرى الباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط حمزة المدب أن “هناك أزمة هوية داخل الحزب، حيث لم يستطع المرور إلى المدنية بتقديم حلول اقتصادية واجتماعية” للتونسيين الذين يعانون من مشاكل البطالة وارتفاع الأسعار ونسبة التضخم.

ويعتبر زبير الشهودي، المدير السابق لمكتب رئيس الحزب راشد الغنوشي من جهته، أن “لا فرق بين مورو وقيس سعيّد، ولكن سعيّد انتخب لأنه خارج دائرة الحكم”.

ويضيف “على الغنوشي أن يرحل. هناك رغبة في أن يرحل جيل الغنوشي والباجي” قائد السبسي، الرئيس الراحل الذي حتمت وفاته إجراء انتخابات رئاسية مبكرة.

ويتابع “النهضة تطبعت مع النظام وميكانيزمات الدولة وأصبحت غير قادرة على إيجاد الحلول المتعلقة أساسا بالبعد الاجتماعي والاقتصادي”.

ورغم أن النهضة حاولت منذ 2011  حاولت تقديم نفسها على أنها تمارس أداء سياسيا مترفعا عن المصالح والحزبية، فإنها لم تنجح في اقتراح حلول للوضع الاقتصادي ولسياسات الحكومة التي خيبت آمال التونسيين.

في المقابل، عللّ الغنوشي الهزيمة في تصريح إعلامي بالقول إن الحركة لم تستعد جيدا للانتخابات. وقال “دخلنا متأخرين إلى الانتخابات الرئاسية”، مشيرا إلى أن “ما بين 15 وعشرين في المئة من شباب النهضة وقواعدها لم يصوتوا لمورو”.

إلا أنه عبر عن أمله في أن القواعد “ستعود للنهضة في الانتخابات التشريعية” المقررة في السادس من أكتوبر، حيث يسعى الحزب إلى الحفاظ على عدد المقاعد نفسه في البرلمان (69 من أصل 217) في الانتخابات التشريعية.

وتوجد الكثير من التخوفات في تونس من أن تؤثر نتيجة الانتخابات الرئاسية على التشريعية، ومن أن يتواصل ما وصف بـ”تصويت العقاب” ضد منظومة الحكم لصالح قوى جديدة.

ويقول الجورشي “ربما ستخسر النهضة الكثير” في الانتخابات التشريعية، لأن “البرلمان سيتأثر بالرئاسية وسيفرز فسيفساء وقد تفقد الحركة مكانتها في الحكم”.

ويؤكد الشهودي “النهضة مدعوة إلى إعادة بناء نفسها في العمق عبر رسم حدود رئيس النهضة وحوكمة الحزب”.

وسارعت النهضة إلى إعلان تأييدها لقيس سعيّد في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية، بهدف تدعيم قاعدتها. ويرجح المدب أن من أسباب تراجع النهضة أيضا “صراعات وتمزقا داخل الحركة”.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

أسئلة عن إيران ومن خلفها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

عبد الرحمن الراشد

المنطقة في حالة تشكل منذ سنوات، وكل ما فيها يصارع من أجل البقاء أو التغيير، ونظام إيران أحد عوامل هذا التغيير أو بالأصح معاول الهدم. وجاء هجومه على شرق السعودية كتصعيد رفع النزاع إلى مستوى أخطر. ولهذا نحتاج إلى أن نقرأه قراءة واعية، ونرى الصورة الكاملة. مقالي وجبة من نقاشنا اليومي.
هل يمكن أن نعتبر الهجوم على المنشآت النفطية جبهة حرب جديدة؟
الهجوم إعلان حرب من إيران، لكنه ليس بالضرورة جبهة مفتوحة جديدة في حال تم تأمين توازن الردع المطلوب، من ذلك تعهد واشنطن بإرسال قوات دفاعية، لمنع الهجمات الإيرانية أو جعلها مكلفة عليها. السؤال تقني عسكري إن كان يمكن رصد وردع الهجمات ذات التقنية الجديدة.
إيران الآن تبدل جبهاتها. في السابق كانت تحارب من بعيد، عبر الحوثي في اليمن. فشلت في إجبار السعودية، بالصواريخ والدورنز استهدفت الرياض وجدة والطائف وجيزان ونجران وغيرها، ومعظمها تم اعتراضه. أما هجمات بقيق وخريص فهو مستوى جديد من العدوان الإيراني على السعودية وكل المنطقة، ومغامرة دولية خطيرة. لهذا التوازن المنشود إن نجح سيفشل استراتيجية طهران التي تقوم على حرمان خصومها من النفط، بتدميرها المنشآت وخطفها الناقلات.
هل تأخر الرد العسكري السعودي على الهجوم الإيراني؟
نستذكر كيف تم التعامل مع الأزمات السابقة، عندما غزا صدام الكويت في أول أغسطس (آب) عام 1990 لم يأتِ الرد إلا في يناير (كانون الثاني) من العام التالي. مضت خمسة أشهر في سبيل تأمين غطاء قانوني دولي، وبناء تحالف عسكري. رغم الضغوط، صانع القرار لا يريد اتخاذ قرارات متعجلة دون أن يضع في الحسبان كل الاحتمالات، ومحاولة تأمين رد قوي وبأقل قدر من الخسائر. إيران لديها القليل لتخسره، فهي كدولة نفطية سخرت كل مدخراتها لبناء دولة للحروب، أما دول الخليج الست فتخشى على ما أسسته من بُنى صناعية وخدمية ومدن حديثة، وهي تنفر من المواجهات العسكرية، إلا إذا عندما يُفرض عليها، دفاعاً عن نفسها.
هناك من يشير إلى روسيا وأنها طرف مساعد لإيران في الهجوم، من منطلق «فتش عن المستفيد»، هل يعقل؟
لو لم يكن لإيران تاريخ حافل بالعدوان لجاز البحث عن محرض نلومه. الحقيقة لم تستفد روسيا من الهجوم الإيراني، فالسعودية تمكنت من تعويض النقص خلال بضعة أيّام مما أفشل هدف إيران، بحرمان أسواق العالم من المصدر الأول للنفط ورفع أسعاره. أما مغانم روسيا وبقية الدول المنتجة فقد جاءت صغيرة من وراء توقف الإمدادات لنحو ثلاثة أيّام.
قد يرى المتشككون بأن موسكو تريد محاصرة أميركا في مناطق نفوذها التقليدية، مثل الخليج، وهذا يبدو دافعاً منطقياً في صراع القوتين، لكن عند التمعن يمكن أن نرى خلاف ذلك، فالهجوم الإيراني قرّب المسافة بين الرياض وواشنطن وليس العكس، حتى إن زعيماً جمهورياً على خلاف مع الرياض، مثل السيناتور ليندسي غراهام، اصطف مع السعودية ودعا لإعلان الحرب على إيران. موسكو ليست مستفيدة من هجوم إيران، على الأقل في هذه المرحلة، بل قلَّص الهجوم الإيراني هامش المناورة عند الروس.
ماذا عن واشنطن؟ هل يمكن أن تكون متورطة، لتوسيع دائرة الخوف في الخليج وزيادة مبيعاتها من السلاح؟
نظرية المؤامرة عادة تدغدغ المنطق البسيط. لا توجد لواشنطن مصلحة في دعم هجوم يشل نصف إنتاج السعودية، لأنه يرفع الأسعار مما يضعف الاقتصاد الأميركي، ويهدد حظوظ الرئيس ترمب في الانتخاب. والحقيقة عكس ذلك، إيران هي التي تريد رفع السعر وإخراج غريمتها من السوق، والضغط على ترمب لرفع الحظر عنها. كما أن مبيعات السلاح الأميركي حتى هذا اليوم للسعودية أقل بكثير مما تم الاتفاق عليه بسبب معارضة الكونغرس لإدارة ترمب المحاولات في واشنطن لتقليص تسليح المملكة وليس مضاعفته.
ماذا عن تكاليف المواجهة الجديدة التي ستتكبدها الرياض، وتحدث عنها ترمب؟
ليست هناك حروب مجانية، ومعظم التحالفات القديمة والحديثة كانت بثمن، حتى الشركاء العرب يتوقعون أن يعوضوا مالياً، ومع هذا يبقى المال أرخص أكلاف الحروب.
للحوار بقية.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

استهداف السعودية والمعادلة الشرق أوسطية الجديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

السيد ولد أباه

كشف العدوان الأخير على المواقع النفطية السعودية عن حالة التهديدات النوعية التي يعاني منها الأمن الإقليمي العربي في سياق المتغيرات الاستراتيجية الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
لا يتعلق الأمر بمجرد تحولات جيوسياسية ظرفية، بل بمتغيرات نوعية تطال البيئة النظرية والمفهومية للمجال الاستراتيجي نفسه، بما يحتاج من العرب يقظة كبرى لا مجال فيها للتردد والتقاعس.
ما نعنيه هنا بالمتغيرات المفهومية يتعلق بمفهوم الشرق الأوسط نفسه، الذي لم يعد صالحاً لبناء سياسات إقليمية ناجعة. وكما يبين المؤرخ الفرنسي هنري لورانس تزامن مفهوم الشرق الأوسط مع وصول القوى الأوروبية للمحيط الهندي في القرن السادس عشر، بما جعل قلب العالم الإسلامي بين محيطين تحت السيطرة الأوروبية. وقد أصبح المفهوم في الأدبيات البريطانية منذ القرن التاسع عشر يعني المناطق الممتدة على المحيط الهندي، بما يشمل الخليج العربي والدولة الفارسية (إيران)، ثم توسع المفهوم بعد الحرب العالمية الثانية فأصبح يستوعب شرق المتوسط بما فيه اليونان ويوغوسلافيا.
وبعد نهاية الحرب الباردة وحرب العراق الأخيرة (2003)، برزت تحولات مفهومية في الرؤية الأميركية للشرق الأوسط بحيث أصبح يشمل من شمال أفريقيا إلى آسيا الوسطى (أو من نواكشوط إلى كابول).
ما حدث في السنوات الأخيرة هو انتقال التوجهات الاستراتيجية الأميركية من مفهوم «الشرق الأوسط الموسع» إلى مفهوم «المجال الهندي -الهادئ» وهو مصطلح بديل لمجالين جيوسياسيين سابقين هما الشرق الأوسط وآسيا -المحيط الهادئ. وتعني مقولة «المجال الهندي -الهادئ» التي استخدمتها الدوائر العسكرية الأميركية في عهد ترامب الفضاءَ الأمني الممتد من الشواطئ الشرق أفريقية إلى البوابة الغربية للقارة الأميركية، بما يعني دمج الهند في قلب الرؤية الاستراتيجية الأميركية المتمحورة حول التنافس مع الصين في هذه المنطقة الواسعة.
إن هذا التحول المفهومي ينعكس في المنظومة الإقليمية الشرق أوسطية في اتجاهات ثلاث أساسية هي: الارتباط الحيوي بين الأمن الخليجي والعربي إجمالا وأمن شرق أفريقيا الذي أصبح من مكونات المنظومة الشرق أوسطية، انفجار صراع النفوذ والمصالح بين الهند وباكستان في سياق المعادلة الآسيوية الجديدة التي ولّدها مشروع طريق الحرير الصينية الجديدة، ثم محاولات إيران النفاذ إلى شرق المتوسط من خلال وكلائها الإقليميين.
وبخصوص شرق أفريقيا، يتعلق الأمر بمنطقة تتداخل تداخلا شديداً مع أمن ومصالح البلدان العربية المطلة على البحر الأحمر، ومن هذه المنطقة بلدان تنتمي لجامعة الدول العربية وتشكل امتداداً جغرافياً واستراتيجياً طبيعياً لمنطقة الخليج والجزيرة العربية، وقد تضاعفت أهميتها إثر انفجار الملف اليمني بعد استيلاء المليشيات الحوثية المدعومة إيرانياً على مقار السلطة الشرعية في صنعاء.
أما الصراع الهندي الباكستاني الذي عرف في الأسابيع الماضية تطورات خطيرة في ملف إقليم كشمير، فله أبعاده الإقليمية والدولية المحورية وتأثيره الحاسم على المعادلة الشرق أوسطية. وليس من همنا الرجوع إلى الأسباب التاريخية للصراعات الحادة التي تعرفها شبه القارة الهندية بين مكونات الإمبراطورية المغولية التي تفككت على أساس ديني بعد نهاية الاستعمار البريطاني، وهو صراع يتركز حالياً حول موضوعين أساسيين، هما التنافس الهندي الصيني في وسط وجنوب آسيا الذي يفسر التقارب الصيني الباكستاني ومكانة باكستان المحورية في مشروع الحزام والطريق الصيني، والتنافس الهندي الباكستاني على التأثير والنفوذ في أفغانستان التي هي الحلقة الأساسية في معادلة التحكم في آسيا الوسطى.
ولا يمكن عزل هذين الملفين عن الاستراتيجية الإيرانية الساعية إلى التحكم في شريان التجارة النفطية العالمية من خلال موقعها المطل على مضيق هرمز بغية التموقع في المعادلة الآسيوية الجديدة. وعلى خلفية هذا الغرض ندرك محاولاتها المتكررة لاختراق موانئ شرق أفريقيا ودعمها للعصابات الحوثية في اليمن للوصول إلى باب المندب وشواطئ البحر الأحمر، استكمالا لاستراتيجيتها الإقليمية التقليدية للسيطرة على العراق والوصول إلى الضفة الشرقية للمتوسط.
ما نلمسه حالياً هو تمدد إيران من خلال مليشياتها الأيديولوجية المسلحة إلى العراق وشرق المتوسط عبر وكلائها في لبنان وسوريا، بما يضع الأمن الإقليمي العربي أمام تحديات جسيمة للغاية.
ما نريد أن نخلص إليه هو أن أي استراتيجية عربية ناجعة لا بد أن تراعي التحولات المفهومية لمعادلة الشرق الأوسط الجديد التي تتركز في اتجاه وسط آسيا وشرق أفريقيا وتدمج أطرافاً دولية لا تنتمي تقليدياً للدائرة الشرق أوسطية. ولا شك أن الخطوة الأولى لرد العدوان الإيراني هي إدراك هذه المتغيرات واستخدام الإمكانات والفرص الاستراتيجية التي توفرها لصانع القرار.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية