ادعاء النبوة: قضية عابرة أم أبعد من ذلك؟

ادعاء النبوة: قضية عابرة أم أبعد من ذلك؟

مشاهدة

16/01/2022

أثار اللبناني نشأت منذر أو (النبي نشأت مجد النور) الرأي العام العربي والإسلامي بادعائه النبوة، بعد ظهوره مع عالمة الفلك والأبراج اللبنانية "كارمن شماس" حاملاً عصا يزعم أنّها تشفي المرضى، ورسم على جبهته أشكالاً غير مفهومة، قدمته شماس كرسول بقولها "هنيئاً للبنان بوجود الحكيم على أرضه، أجل هنيئاً لنا نحن بوجود مرسل من السماء لمساعدة البشر والأرض، انطلاقاً من أرض لبنان الحبيب".

بظهوره أثار حالة من الجدل وتباينت ردود الأفعال، ما بين اتهامه بأنه "مريض نفسي" أو باحث عن الشهرة، أو السخرية منه وعلى وجه الخصوص من المصريين، مما دفعه أن يتوعدهم بمزيد من الزلازل والهزات الأرضية في بلادهم، ما لم يتوقفوا عن السخرية منه والخروج من صفحته قائلاً "إنّ مصر بها مئة وعشرين مليون مواطن ليس بينهم مستنير واحد"!

لم يكن نشأت أول مدعٍّ للنبوة ولن يكون آخرهم فهذه ظاهرة تاريخية متواصلة عرفتها كافة المجتمعات والديانات

ظهر نشأت منذر أولاً عبر قناته على اليوتيوب منذ قرابة العام باسم الحكيم نشأت منذر، كداعية للمحبة عبر فيديو يغني فيه باللغة الانجليزية  True Love إهداء لمعلمته تشينغ هاي، وهي ناشطة خيرية إنسانية معروفة عالمياً وناشطة بيئية ومؤلفة ورسامة ومصممة وموسيقية ومخرجة ومعلمة روحية، يمتد حبها واهتمامها بالإنسانية إلى ما وراء كل الحدود العرقية والقومية، ومنذ بداية الثمانينيات كانت من أكثر الرياديين البيئيين إخلاصاً على الكوكب، ومشجعة على حماية البيئة وعلى التنوع الأحيائي، كإعادة تشجير الغابات، ووسائل العيش المستدامة، وعلى رأسها جميعاً: الحمية النباتية الصرفة العضوية، وهي الطريقة الأسرع والأكثر تأثيراً لحل الأزمة المناخية.

اقرأ أيضاً: "النبي نشأت": رسول الزهرة لإنقاذ البشر من دجاج كنتاكي

بعدها نشر منذر قرابة الأربعين مقطعاً يحث الناس فيها على الحِمية النباتية والاهتمام بالكوكب، ثم في 17 نيسان (أبريل) 2021 ظهرت الفلكية كارمن شماس معه لأول مرة، داعمة له وقالت إنها تابعته على مدى أشهر، واكتشفت أنّ طاقته الروحية تصل إلى درجة المعجزات بدرجة لم يصلها عربي من قبل. حكى خلال الحلقة عن طفولته "الغريبة عن باقي الأطفال" مؤكداً أنّه عاش في ميتم (ملجأ) رغم أنّ له أهلاً، وأنّ هذا التعذيب كان اختباراً من الله له مثل باقي الأنبياء، مؤكداً أنّه بقي وحيداً لأنّ "الله اختاره للانفراد به"، حيث بدأ يرى الملائكة والنور السماوي، وأنّه تحول ليصبح نباتيًاً "تنفيذاً لأمر السماء" وحماية للأبقار التي خلقت لطرد الشياطين من السماء.

ادعاء النبوة ظاهرة لا يمكن إغفالها ولا التعامل معها بسخرية، ولا اعتبار أصحابها مجرد مرضى

 زعم نشأت في هذه الحلقة أنه منذ عامه الخامس عشر أدرك حقيقته، وأنّه لا ينتمي إلى الأرض، وأنه عاش في فترة لاحقة في كوكب الزهرة قال إنه بدأ رؤية الكائنات الأخرى وقابل أصدقاء فضائيين من أكوان وكواكب أخرى.

أعلنت عالمة الفلك أنّ الحكيم نشأت تم ترفيعه إلى أعلى الدرجات في 17 كانون الأول (نوفمبر) 2021، وهو بدوره قال إنّ كل الكائنات اعترفت بمعجزته، حتى الحجر والحيوان، لكن كل العرب تقريباً لن يؤمنوا به "لأنّهم أسفل سافلين"، لكنه وعد من يسأل بصيرته "من هو الحكيم نشأت" أن يجيبه الله بنفسه بقوله: "إنّا أرسلناه لإنقاذك"، ومن يؤمن به أن يتواضع ويكلمه بشخصه، ثم في حلقة 11 كانون الثاني (يناير) 2022 اشتبكت شماس مع اللبنانيين المعترضين على إيمانها بنشأت، وفي رده على المصريين حاول نشأت أن ينفي ادعاءه النبوة بزعمه أنه ليس نبياً، بل رسول مرسل من السماء.

لم يكن نشأت أول مدعٍ للنبوة ولن يكون آخرهم، فادعاء النبوة ظاهرة تاريخية متواصلة عرفتها كافة المجتمعات والديانات، ومن غير المتوقع  تراجعها أو توقفها مستقبلاً؛ فهي ليست فقط حراكاً دينياً أو سياسياً يستهدف إشغال الناس، بل هي حالة إنسانية واجتماعية شديدة التعقيد، قد تظهر نظراً للحاجة إلى الإشباع الروحي أو للخلاص من عبء تكاليف الدين السابق.

اقرأ أيضاً: أشهر 7 نساء ورجال ادعوا النبوة في العصر الحديث

إنّ ادعاء النبوة ظاهرة لا يمكن إغفالها ولا التعامل معها بسخرية، ولا اعتبار أنّ أصحابها مجرد مرضى أو مارقين عن الدين أو فاسدين أخلاقياً، فثمة تنوع للمدعين للنبوة سواء كانوا رجالاً أو نساء وتنوع لبيئاتهم ومذاهبهم فمنهم السنّي ومنهم الشيعي مثل ياسر حسين العراقي الذي زعم أن الله أوحى له أن يخوض الانتخابات العراقية.

كما يتنوعون في التعليم فمنهم صاحب المكانة العلمية المرموقة، مثل الدكتور رشاد خليفة الحاصل على الدكتوراة في تخصّص الكيمياء الحيوية بجامعة أرزونا الأمريكية، وبعضهم لم يتجاوز تعليمهم القراءة والكتابة مثل محمد الجفري الرجل شبه الأمي الذي آمن به الكثير من سكان حي الزمالك الراقي، ومنهم الطبيب مثل الطبيب السكندري الشهير صلاح بريقع المعروف إعلاميا "بالنبي شعيشع" ومنهم من كانت راقصة مثل منال وحيد مناع التي استكملت رسالة زوجها مدعي النبوة، عمر أمين حسانين، وجعلت من بيتها قبلة لأتباعه "يتنزل عليهم وحي من السماء".

اقرأ أيضاً: الخلافة على منهاج النبوة: الوهم والتاريخ

وكثير منهم رجال أعمال ومن ذوي الوجاهة الاجتماعية، ومنهم من لبنان مثل محمد رجب ديب البيروتي الذي تمكن من جمع أناس حوله يستمعون إليه ويأخذون بنصائحه، وحثهم على جمع الأموال بشتى الطرق حتى لو كانت السرقة والنهب، ومنهم الباحثة مثل ثريا منقوش من اليمن التي كانت تدرس التاريخ والفلسفة، التي زعمت أنها "رسولة الإسلام"، ومنهم من غير العرب مثل ذكر الله  من أندونيسيا و سردار أحمد من باكستان، وغيرهم الكثير.

للأسف المكتبة العربية تفتقر للدراسات الجادة التي تتناول الظاهرة "النبوة" أو "المهدوية" من كل جوانبها، وتقدم تفسيراً علمياً للقارئ والباحث العربي. دور هذه الدراسات الجادة وضع آليات مجتمعية للتعامل الصحيح مع الظاهرة؛ فالمجتمع حالياً يتعامل معها وفق ثلاثة مسارات: الأول أمني، فكثير من مدعي النبوة في العالم العربي والإسلامي تم إلقاء القبض عليهم وأدينوا وزُج بهم في السجن، أما المسار الثاني فهو الطبي، باعتبارهم "مرضى نفسيين" فأودعوا المصحات النفسية وخضعوا للعلاج، في حين يتعامل المسار الثالث معهم باعتبارهم "كفاراً" حسب المنطلقات العقائدية التي تجرّم ادعاء النبوة.

للأسف المكتبة العربية تفتقر للدراسات الجادة التي تتناول الظاهرة "النبوة" أو "المهدوية" من كل جوانبها

إنّ تبسيط الظاهرة والاكتفاء بتفسيرها على أنّها جاءت كعرض لمرض نفسي أو أنها جاءت فساداً خلقي لمدعي النبوة أو بحثاً عن المال أو التخفف من التكاليف الشرعية، خطأ جسيم في حق المجتمع، فهو يمنع من تفهم العمليات الاجتماعية التي دفعت لنشوء الظاهرة واتباع البعض لهم سواء كانوا عدداً كبيراً كما في حالة مدعي سوريا هيثم أحمد الذي وصل أتباعه إلى المئات أو أقلية مثل ثريا منقوش.

المكتبة العربية والمراكز البحثية في حاجة لدراسة هذه الظاهرة من زاوية طبيعة الإيمان الجديد وملامحه، وهل الأديان التقليدية لم تعد كافية لبث الرحمة والنور والنرفانا لتابعيها، بعدما لحق بها ما يعيق التعامل الصحيح مع الفرد والمجتمع، أم هي مجرد صرعة فكرية تنتج للفراغ الروحي وتخبط الدعاة في مسارات لم تعد تشبع البعض ولم يجد فيها الهداية.

اقرأ أيضاً: النبي الشاكّ والإله المتسامح

من الأهمية بمكان إدراك الدوافع الحقيقية التي تجعل البعض يتبع "الأنبياء الجدد" والتخلي عن معتقدهم السابق، فربما يدفعنا هذا إلى تصحيح مسار الفكر الديني وتغيير ملامح الخطاب الديني، فربما كانت نتائج الدراسات إنذاراً مبكراً أنّ ثمة حاجات روحية لم يعد يشبعها التشدد أو الحديث عن القتل باسم الدين وباسم الله.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية